Pages

الأحد، 26 أبريل 2020

فتّة مطعم الدنون طرابلس لبنان وللمذاق ذاكرة



#مطعم_الدنون
#وللمذاق_ذاكرة
#دليڤري_دنون في #طرابلس و #الميناء
#هاتف: ٠٦٤٣٣٩٨٧



إذا تأمّلنا الأشياء نراها بأغلبها تعتمد على ما يمكن تسميته بالفكّ وإعادة التركيب. كانت فكرة #Ingvar_Kamprad مؤسس إيكيا #IKEA في جوهرها تعتمد على هذا القانون، قانون الفكّ وقانون التركيب، تشتري خزانة مفكّكة ثمّ تركّبها أنت في بيتك مستعيناً بورقة كتبت عليها مراحل التركيب وتفاصيل التركيب بحيث يشعر المرء وهو يركّبها في بيته بشيء من المتعة وكأنه يلعب في تركيب لوحة بارل.
أشياء كثيرة في حياتي أستمدّها من اللغة، أعتبر اللغة مختبراً لكل ما يمكن أن يخطر ببال أو لا يخطر ببال. ( وهناك تقنيّة لغويّة طريفة لاستدراج ما لا يخطر على بالك إلى بالك، كلمة " ما خطر ع بالي" شديدة الخبث)، وأحاول إيجاد حلول لغوية لأمور غير لغوية!
كنت أفكّر بأمر صحن الفتّة في رمضان، الحرارة جزء من مذاق ما نأكل ونشرب، لهذا أرى الحرارة سوق عمل، يتعدّى المآكل، فلننظر إلى المكيّف وكيف انتعش حضوره وهو ليس أكثر من لعب بالحرارة!

صحن الفتّة يؤكل ساخناً، لذّته بهذا الدفء الذي يشعر به الآكل وتحديداً في رمضان، وعليه لا بدّ من إيجاد وسيلة تحفظ له حرارته، وتحفظ له كرامته، وللمطاعم مكارم!
فهو بخلاف الحمّص الناعم الذي يؤكل بارداً، من دون تغيير رأيك فيه ، يقاوم البرد بل يتحالف مع الحرارة .
يمكننا تصنيف الطعام ليس بحسب نوعه وإنّما بحسب حرارته، فما يؤكل حارّا نضعه في قائمة واحدة، وهكذا يمكننا جمع الحلو والمالح والحامض ضمن تصنيف واحد في حال وحّدت بينهم الحرارة، وكذلك نضع المشارب بحسب حرارتها، وهكذا مثلا نفرّق بين القهوة والبيبسي، ونجمع بين السحلب والقهوة، وهناك مآكل ومشارب عابرة للحرارة.
كما يمكننا أن نميّز بين ما يمكننا أن نعيد تسخينه وبين ما لا يمكن أن يعاد تسخينه، وهنا أحبّ أن أترك حيّزا لأمزجة الناس في الأكل. ( في الأكل لا قاعدة فقد أحبّ بارداً ما تحبّه أنت ساخناً، الحرارة في الأكل ليست معياراً ثابتا).
فالفول مثلا يمكن أن يسخّن دون أن يفقد أي خاصّية من خاصياته، شرط أن نعرف كيف نسخّنه، كلّ شيء فنّ وخبرة حتّى تسخين الأكل، وهناك طريقة بسيطة جدّاً في تسخين الفول، في حال أردت تسخين كميّة نصف كيلو، ووضعتها على النار، لن تكون كما وضعتها، التسخين سيبخّر الماء وعليه سيتخثّر الصوص sauce الموجود في الفولات، ويتكتّل على بعضه، كيف أحافظ على ليونة الشكل وأسخّنه دون أن يتبخّر منه شيء؟ كيف يبقى كما أخذه الزبون من مطعم الدنّون، المسافة بين المطعم ومكان أكل الطبق يقضمان من حرارته، كيف أستعيد الحرارة الضائعة؟ أستعين بالماء لأستعيدها!
كمية نصف كيلو أضعها في الطنجرة ثمّ أضع مقدار فنجان قهوة من الماء ثمّ أضعها على نار هادئة، الطبخ أقول دائما هو مجموعة ألاعيب، وأحد هذه الألاعيب هو اللعب بالنار!
النار الهادئة بالتعاون مع المياه الزائدة لها وظيفة مهمة، هي تسخين ناعم ، سلس، يتغلغل في أعماق حبّة الفول، فالتسخين خداع، فقد تسخن من الخارج ولكن شيء من البرودة يبقى عالقاً أو مترسبا في أعماقها، حين تتبخّر المياه التي وضعتها أكون قد دافعت عن المياه الموجودة سابقاً ويكون الفول عاد كما كان!
ولكن الفتّة لا يمكنني أن ألعب معها أو بها كما حالتي مع الفول، مزاج الفول غير مزاج الفتّة وغير مزاج الحمّص، الحمّص مطواع أكثر بكثير من الفول، رأس الفول عنيد، وقشرة حبّته التعامل معها صعب، جلدة الفول أسمك من جلدة الحمّص رغم أنها، لمساً، أملس بكثير، الملاسة خداعة!
الفتّة طبق رمضانيّ بامتياز، صار كالتبّولة والفتّوش والحساء من ثوابت الموائد الرمضانيّة! ولكنه ليس كالفتّة ولا كالفتّوش من ناحية الحرارة، الفتّة كالحساء تؤكل ساخنة!
عدد من الزبائن يأتون إلى المطعم قبل الإفطار بدقائق لأخذ صحن فتّة ساخن! وهناك من يطلب منّا توصيل طلبات الفتّة إلى المنازل وقت الإفطار، ممّا يجعلنا أسرى للوقت!
كيف تتحرّر من الوقت؟
كيف تفكّ أسرك من الوقت الضيّق؟
كيف توسّع الضيّق؟ كيف تطوّل من عمر الحرارة في صحن الفتّة؟ كانت أسئلة تراودني لإيجاد حلّ لا يحرم من يحبّ أكل الفتّة الدنّونيّة ساخنة ولكن يريد أن يأكلها في بيروت؟ الحرارة، هنا، عدوّ لي! كيف توفّق بين الوقت والحرارة؟
كيف تلغي عامل المسافة؟
قلت إنّني أستوحي أشياء كثيرة في حياتي من عالم اللغة.
قارنت بين الجملة وصحن الفتّة، وتساءلت أين وجه الشبه بين الجملة وصحن الفتّة؟ ما هي الجملة؟ وما هو صحن الفتّة؟
رحت أبحث عن وجه الشبه، وجه الشبه هو التعدّدية! فالجملة هي " مجموعة" كلمات، " والفتّة هي مجموعة مكوّنات ( حمّص، تبلة الفتّة، الخبز) هذه أساسيات الفتّة، يبقى السمنة والقلوبات. لتأليف جملة يمكن أن أعطيك كلمات متفرّقة ثمّ تجمعها أنت في جملة . فلو أعطيتك هذه الكلمات ( فتّة، صحن ، اليوم، أكلت) يمكن أن تجعلها ( أكلت اليوم صحن فتّة). ( ركّبت) ما أعطيتك إيّاه ( مفكّكاً)، وصار جملة تفتح الشهيّة على صحن فتّة.
قلت: فلأحوّل مكوّنات ( جملة) صحن الفتّة إلى ( كلمات) صحن الفتّة، وهكذا أضفت الفتّة المفكّكة إلى قائمة الطعام، وبهذه العملية تحرّرت من الحرارة، وتحرّرت من الوقت، وتحرّر الخبز من التشتشة ، ولم أحرمه من متعة القرمشة. وصار يمكن لمن يشتري الفتة المفكّكة أن يأكلها في اليوم الثاني دون أن تفقد طزاجتها، وهذا ما أقوله حين أتكّلم عن #التفكير_بالمقلوب، ومنه: جعل البائت طازجاً. أطلت من عمر الفتّة، حرّرتها من قيد السخونة.
صار الزبون بإمكانه أن يأتي في أي وقت في رمضان لأخذ علبة فتّة مفكّكة ولم يعد رهينة الوقت، وهكذا صار بإمكانه قبل الإفطار بدقائق معدودة تسخين الحمصات ودلقهم فوق الخبزات ثمّ دلق تبلة الفتّة الدنّونيّة ، ويبدأ بتذوّق فتّة الدنّون التي تتميّز بحبتها، وتبلتها، وخبزها المقرمش!
لم تعد الفتّة بحكم أكلها ساخنةً محكومة بالوقت! صارت محكومة برغبتك أنت.

#حبة_الحمص في ديوان #المثنوي لمولانا #جلال_الدين_الرومي


#حبة_الحمص في ديوان #المثنوي لمولانا #جلال_الدين_الرومي

جلال الدين الرومي من أهم الشخصيات الصوفية التي أنتجها الفكر الإسلاميّ ، ماذا يمكن أن يقول شخص من وزنه عن حبّة حمّص؟ ماذا يمكن أن يتعلّم إنسان من حبّة حمّص أو أرزّ ؟ كل ما تراه عينك في عالم الطبيعة استاذ لك. الحكمة مبثوثة في هذا العالم كما المعنى الذي قال عنه الجاحظ أنّه مرميّ في الطرقات.
يحكي الرومي عن حبّة الحمّص وهي تتعذّب في المياه المغليّة، حبّة الحمّص في القدر تحكي، تصرخ، تستفهم، تسأل، تبحث عن المعنى .
جلال الدين الرومي ليس شخصاً مجنوناً ليحكي مع حبّة حمّص، ليعلمها دروسا في الصبر وتحمّل النار. كان في اكثر من مطرح حين يتحدّث عن المعنى يستشهد بحبّة الجوز، ويقول: لتحصل على المعنى ، على لب الجوزة عليك أن تكسر قشرتها، كلماتي قشرة جوزة، اكسرها لتحصل على اللباب.
أحبّ كتاب المثنويّ، حكاياته لا تنفد، وهنا نصّ الكلام عن الحمّص.

#النصّ

انظر الى حبة الحمص.. فى القدر كيف تهرب الى أعلى..لقد صارت فى أذى من النار..

وفى كل لحظة ترتفع حبة الحمص وقت الغليان الى حافة القدر..وتصرخ كثيرا قائلة:

لماذا تضرمين النار فيّ؟؟وكيف قمت بشرائي لتفعلي بي هذا؟؟

فتمد السيدة مغرفتها قائلة: ..لا ، اغلي جيدا ولا تنفري من واقد النار..الا انني لا أغليك لأنك مكروهة لدي..بل لكي تكتسبي لذة وطعما..لكي تتحولي الى غذاء وتمتزجي بالروح..وليس هذا امتحانا من أجل اذلالك..

كنت ترتوين خضراء فى البستان..وكان ذلك الري من أجل هذه النار!

لقد سبقت رحمته غضبه..وذلك حتى يجعل من رحمته أهل الامتحان..

ولقد سبقت رحمته غضبه..حتى يمكن الحصول على رأس مال الوجود..وذلك انه بلا لذة لا ينمو لحم أو جلد..وكيف له الا ينمو ؟؟

وماذا يذيب عشق الحبيب اذن؟؟

فمن ذلك الطلب يأتى القهر الوانا,وذلك حتى تؤثره برأس المال ذلك!

وتقول السيدة: يا حبة الحمص..لقد تغذيت فى الربيع,وقد نزل عليك الألم ضيفا فأكرميه..

حتى يعود الضيف من عندك شاكرا..ويقص للملك عما وجده من ايثارك..

حتى يعوضك المنعم عن نعمتك"التى أثرت بها غيرك"..فتحسدك على ذلك كل النعم.

ويا حبة الحمص....داومب على الغليان فى الابتلاء..حتى لا يبقى لك وجود أو ذات..

وان كنت ضاحكة فى ذلك البستان..فأنت اليوم زهرة بستان الروح والبصر..

وان صرت منفصلة عن بستان الماء والطين ذاك..فلقد تحولت الى لقمة..ودخلت عالم الأحياء..

فتحولي إلى غذاء وقوة وفكر، لقد كنت عصارة فتحولي إلى أسد في الغابات.
ولقد نبت من صفاته - والله- منذ البداية، فعودي الى صفاته مسرعة متجلدة.
لقد جئت من السحاب والشمس والفلك، ثم تحولت إلى صفات وصعدت الى الفلك.
جئت في صورة مطر وحرارة، وتمضين في الصفات التي تستطاب وتستحسن.
كنت جزءا من هالة الشمس والسحاب والأنجم، فصرت نفسا وفعلا وقولا وأفكارا.
لقد صار وجود الحيوان من موت النبات، وصدقت قولك القائل: اقتلوني يا ثقات.
وما دمت قد كسبت همذا بعد الممات، فقد صدقت القولة الثانية: ان في قتلي حياة.
وقد صار الفعل والقول والصدق قوتا للملك، حتى عرج بها الى اوج الفلك.
مثلما صارت مادتك غذاء للبشر، فتسامى عن مرحلة الجمادية وصار حيا.
ان لهذا الكلام تفسيرا مفصلا تباعا من الفلك، فإنه سوف يأتي في موضع آخر.
وان القافلة تصل تباعا من الفلك، تقوم هنا بتجارة ثم تعود الى حيث جاءت.
اذن فامض سعيدا مرحا، امض طوعا، لا كرها ولا مرارة كما يمضي اللص.
انني احدثك بهذا الحديث المر، كي أغسل قلبك من المرارة الكامنة فيه
فالعنب المتجمد يخلص من الماء البارد، وتنتفي عنه البرودة والتجعد
عندما تجعل القلب داميا من المرارة..
تخرج منه كل أنواع المرارة.
من ليس بكلب صيد لا يمون على عنقه طوق، وليس الساذج ومن لا ينضج إلا بلا ذوق.
قالت حبة الحمص: ما دام الأمر هكذا يا سيدتي ، فلأغل جيدا وساعديني بصدق.
إنك في هذا الإنضاج بمثابة معمار لي، قلبيني إذن بالمغرفة، فما أجمل تقليبك!
إنني كالفيل فاضربيني على رأسي، قومي بوسمي بالميسم، حتى لا احلم ثانية بالهند او الرياض.
حتى أعطي نفسي كلية للغليان، وحتى اجد النجاة في أحضان

الخميس، 16 أبريل 2020

دراسة اللغة الصينية

لماذا اتعلم الصينية؟
يسألني من يعرف اني منغمس في تعلم لغة صعبة، في نظر اغلب الناس، بل مستحيل تعلمها، في نظر البعض. وان كان المستحيل مشكوكا فيه.
لا اتعلمها لأني اريد ممارسة التجارة، فوضعي الاقتصادي الى الان مقبول، وعمري ( في الخمسين) لا يسمح لي بالبدء من جديد.
لا اعرف متى بدأ اهتمامي باللغة الصينية ولا متى بدأ اهتمامي بالحضارة الصينية على وجه التأكيد.
كانت علاقتي مثل علاقة كثيرين غيري من جيلي مع افلام " الكاراتيه" التي كانت تملأ أعصابنا وجسدنا بقوة ليست فيها، كانت تغذي ضعفنا وفانتاسمات القوة في خيالنا على ما اتصور.
يخطر ببالي الان دراسة ولع الشباب في ذلك الوقت بافلام الكاراتيه. هل ثمة سبب يعود الى الواقع الاجتماعي الذي يعيشه العربي من انكسار عسكري ماحق امام اسرائيل في ذلك الوقت؟ هل سبب ولع الشباب في ذلك الوقت بافلام الكاراتيه هو التماهي مع القوي الذي بلغ فيه " بروس لي" مرتبة الرمز؟
لست ادري. اكتب ما ينداح في الذاكرة وامتاح منه بلا رقابة.
ثمة امور يقوم بها المرء وهو لا يشعر باسبابها الدفينة، ولا يطرح على نفسه اسئلة ذات علاقة بالدفين، المطمور، الغائب، الغارب. سلوكه هو أجوبة عن أسئلة لا تطرح. لم تطرح. أليس من المفيد طرح الاسئلة على الأجوبة الجاهزة؟ طبعا قد تصدم الأسئلة شيئا ما، انها تشبه في نظر البعض نصائح تسدى الى من فارق الحياة.
انا مؤمن بأن الانسان يريد، والاقدار تريد، تتصارع الارادات، قد تقتنع ارادات الاقدار برغبتك، فتسلمك زمام امرك.
متى تعرف ان الاقدار اقتنعت بما تريد، حين تيسّر لك امرك، حين لا تعاندك.
هل كان هذا شأني مع الصينية؟
ربما!
حين كانت اللغة في متناولي الى حد بعيد، لم يخطر ببالي ان ادرسها، كانت على بعد خطوات، خطوات معدودة، ولا اقول ذلك من باب المجاز.
كنت في باريس، عشت حوال اثنتي عشرة سنة، قضيت اغلبها في نهل العلم، لم اكن افكر في مادة، ولم احلم بما يعيقني عن العلم، بين العلم والمال، أميل دون ادنى تردد إلى جانب العلم. كنت اعمل الى الحد الذي يسمح لي هذا العمل بممارسة العلم، قراءة، كتابة، استزادة تحصيل علمي، اكتساب معارف لا تدخل مباشرة في باب تخصصي، وهو اللغة العربية.
ذهبت ذات يوم، في باريس، الى معهد اللغات الشرقية، للتسجيل في قسم اللغة اليابانية، كنت اريد ان ازيل الغبار اللغوي عن ذهني. فهذه اللغة التي لا تعرف كيف تتعامل مع حروفها يشدني اليها، ثم نهضتها العظيمة، كانت تثير دهشتي كما تثير دهشة العالم، وصلت ، فيما يبدو، متأخرا، عن موعد التسجيل، كانت الاماكن اليابانية محجوزة كلها. لم اتراجع. كنت اريد تعلم شيء ما اضافي.
في هذه اللحظة، لم تكن الصين حاضرة في ذهني، لسبب لا أعرفه، على دنوها من اليابان. فالتفت الى ما هو بجوار اللغة العربية، رحت الى قسم العبري وتسجلت في القسم العبري. درستها لمدى سنتين، كان عملي وتحضيري للدكتوراه، لا يسمح لي بالمواظبة المستمرة، ولكن عشت مع العبرية اياما خصبة، وجميلة، لأنني كنت اكتشف وانا ادرس العبرية لغتي العربية.
وقلت: ان العبرية هي لاوعي اللغة العربية. ما يدلف الى اللاوعي العربي يمكن ان تقطفه من الوعي العبري. وهنا اتكلم بمسائل لغوية محض.
عدت الى لبنان، وكانت علاقتي بالصينية مغمورة في رغبات مستقبلية. كنت اكتب في جريدة الشرق الأوسط، مراجعات كتب، كنت انتقي الكتاب، المثير، المثير فكريا، الذي يعلمني اشياء لم اكن اعرفها، سواء في مجال اللغة، او اي مجال آخر، وكنت اقف امام كتب فرنسية عن الصين واكتب عنها، ومن هنا بدأ وعيي يتفتح على اللغة الصينية.
وصرت اكرس الكثير من وقتي لمعرفة هذه الحضارة، ديانات، أدب، شعر، حكماء، وكنت في كل يوم ازداد تعلقا بهذا الشعب. كانت علاقتي مع الصين الماضية، الصين التي لم تعد موجودة الان. اسرة سونغ واسرة تانغ، واسرة الهان. الخ.
شعرت ان الحضارة لا تكفي، او ان معرفة حضارة دون معرفة لغتها امر غير ممكن تماما. تبقى ثغرات كثيرة. ثغرات لا تستطيع ردمها الا باللغة. اللغة مثل جلد الحضارة، بشرتها، تخيل جسدا بلا جلد، هكذا اتخيل معرفتي بحضارة ما ان كنت اجهل لغتها. ورحت اشتغل على الجلد الصيني اذا صح التعبير.
في مكان ما من هذا المقال، قلت ان الاقدار تلبي لك رغباتك، او ما في معناه.
كيف لي ان ادرس الصينية وانا في طرابلس لبنان. ولم يكن في كل لبنان معهد لتعليم اللغة الصينية.
الصين في نظر العالم بضاعة.
الصين في نظري حكمة، افكار، حضارة.
شاءت الأقدار ان لا تعارض رغبتي، بل ان تسهّل لها الدرب. سمعت ذات يوم ان جامعة الجنان في طرابلس احضرت استاذا من الصين لتعليم الصينية في قسم الترجمة.
وصلت اللغة الصينية الى باب بيتي، فهل ثمة تسهيل أكثر؟
كما قامت جامعة الجنان بفتح دورات مكثفة وخاصة لتعليم الصينية خارج الدوام الرسمي، للراغبين، فتسجلت وتابعت مع عدد قليل من الآخرين، بعض زملائي اكتفى بدورة واحدة، البعض انسحب من الدورة الأولى، البعض سجّل اسمه ولم نر وجهه.عشر ساعات اسبوعيا على مدى سنتين ونصف السنة.
كنت اتعلم الصينية لوجه العلم، البعض يتعلمها لاسباب اقتصادية أو تجارية.
ولم يبق الى اليوم الأخير من الدورة الخامسة ، الا انا وزميل آخر لي اسمه عمّار حداد.
لا تزال الى اليوم تواجهني صعاب لغوية، متعددة من طبيعة اللغة نفسها، فنحن ندرس الكتابة المبسطة، ولكن كل المكتوب قبل عام 59 هو بالكتابة المعقدة. وفي تايوان وهونغ كونغ الى اليوم يستعملون الكتابة المعقدة. وهناك كتابة البين يين( أي الكتابة الصوتية بنغماتها الأربعة) ولا بد من اتقانها ايضا ولكنها عكاز لا اكثر للغة الصينية. والعكاز ضروري لمن لا تحمله اقدامه اللغوية الطريّة.
اعرف ان مشواري معها طويل، وطويل جدا، لكنه مشوار يستحق الجهد والمشقة والتعب.
مشوار في حضارة، في فكر. مشوار في امبراطورية الحكمة.
هل قلت لماذا اتعلم الصينية؟
ربما لا!
كل ما اعرفه اني لن اقول: تعلمت اللغة الصينية، وانما أقول :"اتعلم اللغة الصينية"، الفعل الماضي مع الصينية ليس سهلا. تماما كالتعامل مع الماضي نفسه.
ولكن من اسباب تعلمي لها هو ان العرب لا يعرفون شيئا عن الصين، واقصد العرب القدامى، عرفوا الهند، واليونان، والفرس، عرفوا كل الحضارات القديمة الا الحضارة الصينية. تعلمتها لأني اكتشفت ايضا في الحضارة الصينية تسامحاً دينيّا، لا يتصوّره من ينتمي إلى ديانة من الديانات السماوية، حيث التكفير في متناول كل فم!
ما العائق؟ دينيّ ؟ لا أظن!
لو كان العائق الديني سببا لانطبق على الفرس واليونان عبدة الآلهة المتعددة.
هل هو لغويّ؟
ربما
العلاقة العربية مع الصين القديمة تجارية محض.
واكبر خطأ يرتكبه العرب اليوم ان يكتفوا بالمنحى التجاري في العلاقة مع الصين الناهضة اقتصاديا وباندفاعة نحو تبؤء المكانة الاقتصادية الأولى.
على العرب قراءة الصين الروحية، الفكرية، فهي مخزون هائل من الحكمة، حكمة معمّرة، حوالي اربعة آلاف سنة من الحكمة المتواصلة.
من الخطأ الجسيم أن نتعامل مع الصين كما تعاملنا مع اليابان. اكتفينا ببضاعتها ورغبنا عن التعامل مع روحها، فلم نلمس سرّ نهضتها الحقيقية.
للحديث تتمة.
فحديث الصين لا ينتهي، ورحلتي معها لا تزال في البدايات!

الأربعاء، 15 أبريل 2020

ملكة الزجاج تشو تشون في 周群飞 Zhou Qunfei



السرب الطائر

من الممتع أن يتعلّم المرء لغات الآخرين وذلك ليعرف كيف تتمّ التسميات؟ وكيف تتمّ الاختيارات؟ وما تحمله الأسماء من الدلالات؟ الصوت يخفي الاسم، يعطيك الصوت ويجرّدك من معناه، ولعلّ لهذا السبب تكثر الكتب التي تتناول معاني الأسماء المتوارية ليس في العربية فقط بل تجد هذا النوع من الكتب في لغات أخرى، بل قد ترى كتاباً في لغة أجنبية يدرس طريقة التسمية، فعندي كتاب حلو جدّا بالفرنسية عن تسمية الإنسان العربيّ، وآخر بالفرنسية أيضا عن تسمية الصينيّ.  كما أحبّ وأنا أقرأ رواية ما أن أرى الدور الذي يلعبه الاسم في السرد، وهو دور يستخدم كلّ الأساليب البلاغية لتعزيز صلابة السرد أو لتشكيل منعطفات السرد. الاسم وهم ربّما، بل هو، عند التعمّق، وهم مراءٍ، ولكن هل بمكنة الدنيا أن تقوم على قدميها بلا أسماء؟
ولعلّ ولع الصين باختيار الأسماء يبلغ مستوى عالياً جدّا، فطقوس الأسماء عندهم لها طنّة ورنّة.
مدخلي الاسمي هذا على شرف امرأة صينية بلغت من النجاح في الأعمال مكانة عالمية، اسمها "  تشون في" ويمكن أن يترجم الاسم إلى" السرب الطائر"، هل أسماؤنا إرهاص بقدر ما؟ وهي امرأة حلّقت عالياً في مجال الأعمال. انطلقت من الصفر، لا تملك إلاّ أحلامها التي ولدت من رحم القهر والحاجة والعوز. أعشق أولئك الذين يبدأون من الصفر، يكونون أحراراً من الإرث، والإرث عبء، وكثيراً ما ناء الورثة بحمل ميراثهم فتراهم يتساقطون، لعلّ للفقر ميزة لا تتوفّر للأغنياء!  هي ميزة الاعتماد على النفس، حين تمرّ معي حكاية شخصية من هذه الشخصيّات تظلّ قابعة في ذاكرتي، وتطاردني، إلى أن أحكي عنها أو أكتب عنها. وكتبت عن أكثر من خمسين شخصية وصلت إلى أعلى السلّم بكفاح مرير، أو بسبب فكرة كانت منعطفاً في مسارهم ومصيرهم، شاهدت بداية فيلما قصيراً لا تتعدّى مدّته الدقائق العشر، عن امرأة لقبها " ملكة الزجاج"، ولدت في العام 1970، وبعد خمس سنوات فقدت والدتها، فعانت من اليتم وشظف العيش، كما أن والدها كان جنديّا فأصيب، قبل مولدها، بعشر سنوات في معركة تسببت بضعف نظره، فراح يعمل في صنع سلال الخيزران وكراسي الخيزران ليعيل عائلته،  ليست هي الوحيدة التي تعيش ظروفا مشابهة من حيث الفقر ، ولكن من يسيرون على غرارها قلّة، ومن يتمرّدون على واقعهم ذلك النوع من التمرّد النبيل والذكيّ قلّة. كانت، وهي صغيرة، ترعى البطّ لإضافة مدخول بسيط على مدخول والدها، ويبدو انها امتازت من أخوتها بشغف المعرفة، فكانت هي الوحيدة التي دخلت الى المدرسة حتى السادسة عشرة من عمرها، ثمّ تركتها ودخلت ميدان العمل. قد تحرمك ظروفك من المعرفة ولكن ليس بمقدور أي ظرف أن يحرمك من الأحلام، لا أحد يمكنه أن يسرق أحلامك منك، أحلامك تخسرها فقط حين تتبرع بها للآخرين، أو حين تسأم منها فترميها بعيدا. الأحلام لا تخذل أحداً. تحتفظ إحدى معلّماتها بانطباع عنها وهو أنها كانت "نشيطة وموهوبة". النشاط يبثّ الروح والدم في جسد الأحلام. بعض الناس يملكون أحلاما مدعية، أحلام كالحمل الكاذب، هذه ليست أحلاما، حتى الأحلام تحتاج إلى من يغربلها. غادرت " تشون في" وهي في السادسة عشرة من عمرها بيت ذويها وهاجرت الى بيت خالها لتعمل في المنطقة الاقتصادية في مدينة شن تشن، القرية التي صارت مدينة عملاقة بفضل رؤية الرئيس الصيني الراحل دنغ شياو بنغ. كانت تنوي أن تتوظّف في سلك الدولة، وتعيش حياة هادئة، ولكنها عزفت عن ذلك بعد أن وجدت انها لا تملك الشروط المطلوبة، عمدت إلى العمل في شركة على مقربة من جامعة المدينة لتتمكّن من متابعة دراستها في أوقات الفراغ، وانتسبت الى الجامعة وصارت تتابع محاضرات في المحاسبة والاجراءات الجمركية ثمّ نجحت في مادة المحاسبة، كما تعلمت قيادة السيّارة، ومن الأمور التي ندمت عليها هي انها لم تختر تعلّم اللغة الإنكليزية. وعملت فترة من الزمن عند ساعاتي حيث كانت تقوم بصقل زجاج الساعات لقاء أجر زهيد لا يتجاوز الدولار في اليوم، وبعد ثلاثة أشهر تقدمت بطلب استقالة، أثارت صياغة الطلب اللغويّة رئيس الشركة فعرض عليها الترقية وزيادة الراتب فبقيت في الشركة إلى العام 1993 حيث تعرّضت الشركة للإفلاس. قرّرت بعد ذلك أن تفتح شركتها الخاصة، شركة بسيطة يساعدها في إدارتها شقيقها وشقيقتها، كانت كلّ مدّخراتها لا تزيد عن ثلاثة آلاف دوار. كان عملها في معمل الساعات قسم الزجاج قد أكسبها خبرة، ليس خبرة فقط، بل هي كانت تحاول أن تكتشف عالم الزجاج، قدراته، طاقاته الكامنة. هل يتخيل المرء، اليوم، حياته من دون المادة الزجاجيّة؟ وراحت تطوّر في قدراتها حتّى توصلت الى صنع الزجاج المطلوب للهواتف الذكية، وحاسة اللمس كانت نقلة نوعية في عالم الهواتف وشاشات الحواسيب.
في العام 2003 أسّست شركتها الجديدة المتخصّصة في صنع الزجاج الذي يعمل على اللمس، وبدأت كبرى الشركات تتعامل معها من قبيل موتورولا وسامسونغ ونوكيا. وكانت شاشة أوّل أيفون من صنع شركتها في العام 2007، وكذلك زجاج هواتف الهواوي والسامسونغ.
وصل عدد العاملين في مصانعها إلى تسعين ألف موظّف يصنعون أكثر من مليار شاشة للهواتف والحواسيب من الزجاج موزعين على أكثر من أربعين مصنعاً.
تحولت سيرة حياتها إلى نموذج للنجاح. وهي تلخّص سيرة حياتها في كلمات معدودات: العمل بالنسبة لها، تقول، ليس عملا، إنّه ترفيه، نوع من التسلية، وتضيف من ناحية ثانية، أّن الرغبة في التعلّم لم تفارقها لحظة من حياتها تفارقها، فهي تسعى، في كلّ يوم، إلى تعلّم شيء جديد، لتحسين وتجويد ما تقوم به.
تذكّر أنّ " تْشو تْشْوِن في" هي التي ساهمت في تحويل إصبعك إلى قلم يكتب على شاشة الهاتف، وهي التي ساهمت في جعل الزجاج يتعامل بذكاء مع حاسة اللمس، ويفهم لغة اللمس! وقد تكون شاشة حاسوبك أو هاتفك الذي تقرأ من خلاله هذه الكلمات خارجة من مصانع " تشون في".

السبت، 11 أبريل 2020

حكاية صينية 逍遥游- 庄子



تْشْوانْغ تزه وقد يكتب دجوانغ تزه كما قد يكتب تشوانغ تسي أو تشوانغ تسو فليس هناك صيغة واحدة لكتابة اسم هذا الفيلسوف الصينيّ 庄子 Zhuang zi  ، وهو فيلسوف عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، وهو من أهمّ فلاسفة الطاويّة ، ويعتبر الشخصيّة الثانية بعد لاو تزه صاحب كتاب الطريق والفضيلة أو كتاب الطاو والفضيلة، وهو في نظر الصينيين من أهمّ من استخدم اللغة الصينية بشكل مذهل، كلّ لغة لها كبارها، ففي العربية لنا ابن المقفّع ولنا الجاحظ ولنا أبو حيّان التوحيديّ، ولفرنسا موليير، حتى أن اللغة الفرنسية نسمّى لغة موليير، وللإنكليزية شكسبيرها، وللألمانية غوته صاحب فاوست وآلام الفتى فرتر، وللإسبانية سرفانتس، يمكن أن نقول لغة تشوانغ تزه أو لغة كونفوشيوس لنحيل إلى اللغة الصينية.
لتشوانغ تزه كتاب واحد اسمه كتاب تشوانغ تزه، وإن كان له تسميات أخرى، هناك كتب كثيرة لا تعيش باسم واحد، كما الناس، فبعض الناس يعيشون طورا بأسمائهم ، وطورا بكناهم، وطورا بألقابهم، فالمتنبي ليس اسم المتنبي، والجاحظ ليس اسم الجاحظ، وابن المقفّع ليس اسم ابن المقفّع... ، وهكذا، وهذا طبيعيّ.
كتابه مترجم إلى اللغات العالمية، ومنها العربيّة، وترجم أكثر من مرّة على العربية، وأنا عندي ترجمتان للكتاب، واحدة منهما قام بها الراحل هادي العلوي ووضعها في ذيل ترجمته لكتاب لاو تزه، وهي ترجمة مقتطفات من فصول الكتاب وليس كلّ الكتاب، وترجمة أخرى ثنائية اللغة نشرت في الصين، وقام بنقلها إلى العربية السيّد حسن إسماعيل حسين، وهو في ما أظن مدير تحرير مجلة الصين اليوم في نسختها العربية.
وللكتاب أكثر من ترجمة فرنسية، وأكثر من ترجمة إنكليزية، وألمانية، وإسبانية، أشرت إلى ذلك لأظهر مدى أهميّة الكتاب، أوّل مرّة علق بذاكرتي اسم تشوانغ تزه كان عن طريق هادي العلوي، وذلك منذ بدء اهتمامي بالفكر الصيني واللغة الصينيّة ، وكانت أوّل عبارة له ترنّ في ذهني هي : أهمّ من معرفة منفعة ما ينفع هو أن تعرف منفعة ما لا ينفع"، لفتني في قوله الاهتمام بما لا ينفع لمنافعه الكثيرة، غيّر نظرتي لأشياء كثيرة، فاجأني قوله في البداية: كيف أنتفع بما لا ينفع؟ وراح ضباب فكرته  ينقشع من أمام ناظريّ شيئا فشيئا، ورحت أبحث عن كتب تتناول فلسفته ورؤيته للأمور ، ففهم ما يطرحه ليس سهلا دائما، وكان آخر ما قرأته عنه كتاب ليو دان، بعنوان " السعادة من منظور تشوانغ تزه".
استوحيت من كتابه أكثر حكاية كتبتها ونشرتها في غير مكان، ولعلّ أشهر حكاياته هي حكاية معروفة في العالم ب " حلم فراشة"، والأحلام تكثر في كتابه، كما في كتابات غيره من الكتاب الصينيين، علاقة الصينيّ بالأحلام علاقة تسترعي النظر، وتستحقّ أن يفرد لها كتاب، الأحلام في كتب المفكرين، وفي الشعر، وفي الروايات. وهناك عدّة أحلام في كتابه: حلم جمجمة، حلم شجر البلّوط، وحلم الحكيم العظيم. ضع عبارة " حلم فراشة" على موقع غوغل وسترى أمامك جدولا طويلا حول ما كتب عن هذا الحلم في كل اللغات.
اليوم سأكتب عن حكاية قصيرة له باسم "المرهم".
تعود الحكاية إلى عهد سلالة سونغ، كان هناك رجل يعمل في تبييض خيطان الحرير، والعمل في خيطان الحرير، مهنة شاقة، تشقّق الأصابع، وكان قد اخترع هذا الرجل مرهما لمداواة أصابع العاملين في تبييض خيطان الحرير، كانت عائلة تعمل في هذه المهنة منذ أجيال قديمة، وتعيش عيشة فيها شظف، إلى أن سمع ذات يوم مسافر بأمر هذا المرهم، فقرّر شراء الوصفة ، ودفع مائة ذهبية، انقلبت حياة العائلة أمام هذا الغنى المباغت، وراح المسافر وعرضها على الأمير وو الذي كان يخوض حرباً ضدّ مملكة يويه، كان هذا المرهم تغييرا جذريا في مآل المعركة، فأيدي الجنود كانت تتشقق ، فتشلّ نجاعتهم في المعركة، وحين استعملوا هذا المرهم شفيت أياديهم وصار بإمكانهم متابعة الحرب،  وصولاً على تحقيق نصر مؤزّر، فكافأ الأمير ذلك المسافر الذي بفضله تمّ الانتصار بعطائه قطعة من الأرض المحتلة تعادل  مئات المرات ما دفعه ثمنا للوصفة الطبية. هنا، يمكن الوقوف عند تغيير وجهة الأشياء، كان المرهم للأيادي التي تتشقق من تبييض الخيطان، ولكنّها حين انتقلت إلى مداواة أيدي الجنود غيّرت مصيرها، وغيّرت مصير المعركة، وغيّرت مصير من اشترى الوصفة!
فكرة الحكاية عدم حبس الأشياء في وظيفتها، تحرير الشيء من وظيفته يعطيه فرصا أخرى، أليس هذا ما يحدث في الوظائف؟ كم شخصا طرد من وظيفته فكان طرده دافعاً له لتحسين وظيفته؟
يمكن استلهام أشياء كثيرة من هذه الحكاية البسيطة، وبساطتها مخادعة، فلو كانت بسيطة لما خطر ببال تشوانغ تزه أن يدرجها في كتابه، وفي الفصل الأوّل من كتابه، الذي يحمل عنوانا دالا: الطواف في حرية مطلقة 逍遥游  .


.

الثلاثاء، 7 أبريل 2020

شجرة الجنّة من أي شجرة أكل آدم؟


شجرة الجنّة

من أي شجرة أكل آدم؟

لا التوراة يأتي على نوع الشجرة التي أكل منها آدم، ولا القرآن أتى على نوع الشجرة التي أكل منها آدم. لا نعرف نوع الثمرة التي أكلها آدم. وإن كان الشائع أنّ الشجرة هي شجرة تفّاح، (وحول التفّاحة حكايات وحكايات )، وكنت قد كتبت من قبل أنّ تحديد نوع الثمرة هو خطأ في الترجمة، كثيرا ما تأخذ الترجمة النصّ إلى أماكن جديدة لم تخطر ببال النصّ ولا ببال كاتب النصّ. فاللغة لعوب، والترجمة قد تقع في الفتنة.
ولكن الشجرة لم تكن خالية من الوظائف التي تؤديها، ففي القرآن هي شجرة الخلد، وشجرة الملك، بينما هي في التوراة شجرة المعرفة. شجرة الجنّة التي آكل منها آدم شجرتان: شجرة قرآنية وشجرة توراتيّة، والاختلاف هنا يشبه الاختلاف بين التوراة والإنجيل حول الذبيح، ففي التوراة الذبيح هو إسحاق، بينما في القرآن هو إسماعيل، لا تخلو التفاسير القرآنية من إشارات إلى هذه المسألة.
لماذا قلت إنّ الشجرة التي أكل منها آدم في التوراة ليست الشجرة التي أكل منها آدم في القرآن؟
في سفر التكوين إشارة إلى شجرتين، الشجرة التي أكل منها آدم والشجرة التي لم يأكل منها آدم.
ورد في الآية الثانية والعشرين من الإصحاح الثالث ما يلي: " وقال الربّ الإله هوذا الإنسان قد صار كواحد منّا عارفا الخير والشرّ والآن لعلّه يمّد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل ويحيا إلى الأبد."
معرفة الخيروالشرّ كانت وليدة تذوق ثمار الشجرة، وفي سفر التكوين العبارة التي تقول " ولعلّه يمدّ يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل ويحيا إلى الأبد" هي شجرة الخلد القرآنيّة.
عادة ما نكتفي بالإشارة إلى شجرة دون تحديد مفاعيلها، وبإخفاء مفاعيلها تستعيد الشجرة الآدميّة وحدة جذورها!

الجمعة، 3 أبريل 2020

ما بعد كورونا



فتحت كورونا العالم على احتمالات لا يعلمها إلاّ الله.
السياحة أكلت خبطة على رأسها، فحتّى بعد زوال كورونا في المرحلة الراهنة سيكون هناك خوف، خوف من المطارات، حيث يختلط الحابل بالنابل، وثمّة شركات سياحيّة قد تبدأ بالتفكير جدّيا في أن تنتج نمطا جديدا من السياحة أونلاين! نمط لن تخترعه فله إطلالات معيّنة، مثلا كان يمكن للمرء وهو في بيته أن يسوح في متحف اللوفر وينتقل من قاعة إلى أخرى، برامج أنظمة البعد الثلاثي ستتنشط، وستتفتّق عبقرية الإنسان عن بدائل أونلاينيّة. كورونا فجّر أو سيفجّر كاقات الخيال البشريّ، الإنسان لا يهزم، المترادفات جزء من أدواته اللغويّة، ستكون جزءا من أدواته الفكريّة والخياليّة.
لن يعود الزمان كما كان بعد كورونا! كما لم تعد المرأة كما كانت قبل الحرب العالمية الأولى أو الثانية، الحروب تفرز حلولا، تغيّر عادات، تعدّل وجهة تقاليد، كورونا ستحفّز الخيال، وتحفّز التفكير، وتحفّز بناء علاقات جديدة مع الذات ومع الآخر، وتحفّز الإنسان على إيجاد فرص عمل، كثيرون ما اخترعوا إلاّ لأنّهم خسروا أعمالهم، الخسارة طريق إلى الربح، الهزائم تشدّ العزائم! كورونا تقول لنا: غيّروا عاداتكم، جئت لألغبط روتينكم، لأعكّر صفو روتينكم، وهذا ما نجحت في فعله.
كورونا أشبه بفيضان النهر الذي يجيء بالخراب ولكنّه يجيء بالطمي الذي يخصّب الأرض!
كورونا غربال! ستغربل عاداتنا وافكارنا وتقاليدنا وأعرافنا ومعرفتنا.
من لم يبدأ بطرح أسئلة جديدة، غير مألوفة على نفسه؟
من لم يبدأ بإعادة كتابة سيناريو عمره؟
ومن لم يُدخل اللامتوقع كبند أساسي في أجندته؟
بالنسبة لنا ، في لبنان، كانت الثورة تمهيداً لما جاءت به كورونا!
أليس هذا ما قالته لنا المصارف همسا، فجاءت كورونا وقالته 

كثيرون يخافون من أن تأخذ الصين حجمها الطبيعيّ.

كثيرون يخافون من أن تأخذ الصين حجمها الطبيعيّ.
ما معنى أن تستطيع الصين أن تأخذ حجمها الطبيعيّ؟
معناته أن يتقلّص حجم أميركا، ومعناته تغيير خارطة الأدوار والتحالفات والاحجام؟
في الفكر الصينيّ ثمّة مفهوم مختلف للفراغ، ونظرة مختلفة للفراغ، الفراغ خيرٌ من الامتلاء، الفراغ عجينة، عجينة يمكن لك أن تمنحها ما تريد من الأشكال!
في كتاب لاو تزه الوالد الروحي للطاويّة كلام كثير عن الفراغ المحرّك، الدافع، الفراغ وقود متجدّد، مهما أخذت منه لا ينفد!
شيء ما لفت نظري خلال رحلتي الثانية إلى الصين، واتتني فرصه الذهاب من بكين إلى شانغهاي بالقطار، رحلة استغرقت خمس ساعات بالقطار السريع، كنت أحد على امتداد الطريق أو على جزء كبير من الطريق مراوح عملاقة لتوليد الطاقة من الهواء! من الفضاء الهائل، وكلمة فضاء العربية ممتلئة بالفراغ، من حيث مصدرها الجذوي ، وأساسها الدلاليّ، مكان " فاضٍ"، طاقة الفضاء هي نفسها طاقة الفراغ!
الفراغ قوّة دفع!
هل كان بمقدور عجلة السيّارة أن تتقدّم أو تتأخر لولا تعبئة الإطارات بالهواء؟
والبوصلة اختراع صينيّ، هل يمكن إبعاد مفهوم الصين للفراغ عن اختراع البوصلة؟
واليوم، كيف يعيش العالم، وفي ظلّ أيّ قوّة؟
ألسنا في حضارة يظلّلها ( الواي فاي)؟
للفراغ قوّة انتشار!
الخلاء امتلاء!

عن الجذر اللغوي العربي


لا أعرف لماذا تخيّلت اليوم الجذر اللغويّ نطفة تتخلّق في رحم، كانت اللغة الفرنسية بعيدة عن ذهني تماما لحظة خطرت ببالي هذه الخاطرة، ولكن ما هي إلاّ لحظات حتّى قفزت إلى ذهني كلمة فرنسيّة تعزّز تشبيهي الجذر اللغويّ بالنطفة.
كنت منذ زمن بعيد لتقوية لغتي الصينيّة أعمد إلى المواضيع العربيّة، كيف ذلك؟
كنت مثلاً أبحث عن مقال يتحدّث عن لبنان في جريدة اللوموند، وهكذا أقرأ أخبار لبنان التي أكون قد اطّلعت عليها من مصدر عربيّ بنقاب فرنسيّ، يكون العائق هناً لغوياً لا دلاليا، وذلك لتمكين نفسي من التعرف على تشكيل اللغة وتركيب الجمل، وتنمية معجمي اللغويّ الفرنسيّ، حتّى النحو ابعربيّ قرأته في كتب فرنسية، وكان كتاب ريجيس بلاشير عن النحو يلازمني، فصرت أعرف مصطلحات النحو العربي ومقابلها الفرنسيّ، كما كنت أقرأ مقالات الموسوعة الإسلامية عن اللغة والأدب والأدباء والمفاهيم الإسلامية بالفرنسيّة، ووقع نظري ذات يوم على ترجمة كلمة جذر ب matrice، وهي كلمة تعني الرحم، فقلت: هذه كلمة تصبّ في مصلحة تشبيهي الجذر اللغوي بالنطفة، فالنطفة لتعيش وتنمو تحتاج إلى رحم، حتّى ولو كان رحماً اصطناعيّاً!
تخيلت تفرعات المعنى بجسد النطفة وهي تنمو وتتعضّى ( أي تنبثق منها أعضاء) ، وهكذا الجذر باشتقاقاته النابعة منه والتي تولد من رحمه!
وأحيانا ألعب بالجذور، وهي لعبة لا يمكن لها إلا أن تكون صرفية، فأجيء إلى جدول الاشتقاقات وهي كثيرة تفوق الألف، مثلا أتساءل: كيف يصير جذر درس حين نضعه في قالب افعوعل، وهي لعبة مسلّية، ولكن بعد حصولي على الصيغة، أتساءل هل ما حصلت عليه كائن افتراضيّ أم هو كائن من لحم وشحم؟ فأحياناً تطلع بين يدي كلمات لا علم لي بوجودها!
من لفت نظري وبشكل فعّال إلى قيمة الصرف شخصان: ابن جنّي، وعبد الله العلايلي.
فهما يلعبان بالجذر ويملكان مهارة في التصريف عجيبة!
الأوّل في الخصائص والتصريف الملوكيّ، والثاني في مقدمة لدرس لغة العرب!
والتصريف العربيّ ليس سهلاً فدونه عقبات صوتية هي بنت طبيعة النظام الصوتي العربي ما بين معتلّ وصحيح، وما بين التنافر الصوتي لأسباب بيولوجية ! فتغيب جذور للأسباب التي تغيب فيها الحركة الإعرابية عن الكلمة، فالغياب غيابان: غياب للثقل، وغياب للتعذّر!