Pages

الثلاثاء، 10 مارس 2015

فكرة وشعرة





















تعرض محطة "الجزيرة الوثائقية" برامج غنيّة ورائعة. تفتح لك، وأنت القاعد في بيتك، بوابات العالم والشعوب بعاداتها وتقاليدها وأفراحها وأحزانها. وتحولّك برامج هذه المحطة، وأنت في عقر غرفتك، إلى رحّالة لا يكفّ عن الترحال في الأمكنة والأزمان. ولقد عرضت منذ بعض الوقت برنامجا غنيّاً بعنوان: " قروض صغيرة "، وهو برنامج يعالج قضية الفقر ووسائل القضاء عليه في العالم. البؤس على مدّ العين والنظر، ولكن ليس كلّه من أفاعيل القضاء والقدر. ثمّة إضاءاتٌ في البرنامج تخرق سواد هذا البؤس العارم، منها سيرة امرأة هندية، فقيرة، شديدة الفقر لا تقوى حتى على شراء لباس مستعمل لأولادها، المستقبل أمامها كالح اللون، لا يبشر بخير، ورغم ذلك استطاعت بفكرة بسيطة لمعت في خاطرها أن تغيّر من ألوان أيامها الكامدة الكابية.
تناهى إلى سمْعها أنْ ثمّة مؤَسّسات تمنح قروضاً صغيرة لا تناهز الخمسين دولاراً إلاّ بقليل. فذهبت وأخذت قرضاً بقيمة ستين دولاراً، كان كافياً، على بخْسه، لتغيير مسار حياتها. وليس كلّ من أخذ قرضاً قادراً على تنقيح مسوّدة حياته تنقيحاً مثمراً. ولكن يبدو أنّ الفقر لا يمكن له أنْ ينتصرَ على دهاء الفكْر، تكفي فكرة بسيطة قد تكون في نظر البعض تافهةً تفاهةَ شعرةٍ ساقطةٍ من الرأْس، ولكن هذه الفكرة البسيطة كفيلة ببثّ الحيوية وإنبات زهرة فوّاحة بالأمل من أحشاء الصخر.
ماذا بمقدور ستين دولاراً أن تصنع في حياة شخص؟ المعروف أن الجبال جمّعن من حصى، أو على قولة المثل اللبنانيّ الطريف: " شعرة من هون وشعرة من هون بيعملوا دقن". خطرت ببال هذه المرأة فكرة استثمار المهمل لتوليد شيء جذّاب تتوق إليه رؤوس بعض النسوة. أرادت أن تتاجر بالمرميّ، بالمقزّز لدى البعض، وبالوهم الفاتن أحْياناً في مواضع معينة. والعين ترى في بلادنا أناساً كثيرين ينقبّون في حاويات النفايات عن مورد رزق يقيم أود أرواحهم: تنك عصير، قناني ماء، علب كرتون، زجاج مكسور، أسلاك نحاس... إلخ ثمّ يبيعونها لإعادة تدويرها. والحياة كلّها، إذا ما تأمّل المرء جيّداً في تقلباتها ومجرياتها، تدوير في تدوير، لأنّ خطّ الدنيا البيانيّ على شكل دائرة.
راحت المرأة الهندية واشترت بجزء من هذا القرض الزهيد هدايا صغيرة لأولاد الحيّ الذي هي فيه، بغية أن تحمّسهم على تقديم المساعدة لها لتحقيق فكرتها ومشروعها. لقاء كل مساعدة هدية، والمساعدة لا تحتاج إلى كبير جهد. كانت تطلب من الأولاد أن يتعاملوا مع المشط والفرشاة. من أسنان المشط بدأت رحلتها نحو دفن الفقر وساعته. فالمشط المستعمل وخصوصاً للسيدات لا يخرج من شعر المرأة بلا غنيمة من سقط الشعر، ولعلّ الحظّ مدّ لها يد المساعدة أيضاً من حيث إنّ الموضة أو العادة الهندية هي أن لا تقصّ المرأة شعرها الطويل لأنّه، في نظر المجتمع الهنديّ، رأس مال جمالها وفتنتها الأنثوية السوداء. ومن الطبيعي أن تعلق بأسنان المشط أثناء التمشيط بعض الشعرات، وبدلاً من أن تذهب هدراً هذه الشعرات الطوال إلى سلال النُّفايات قررت المرأة أن تعيد استخدامها أو بكلّ بساطة أن تتاجر بهذه المادّة الأوّلية العبيّة. كانت أصابع الأولاد أدواتها الصغيرة في التقاط الشعرات الساقطة من رؤوس الأمهات والأخوات والعالقة بأسنان الأمشاط. كانت تحْبك مستقبلها شعرة شعرة، وتقوم بتضفير مشروعها ضفيرة ضفيرة. تجمع الشعرات وتجعل منها خصلات ثم تذهب إلى المصانع المتخصصة في صناعة الشعر المستعار وهو سوق عالميّ مدْرار. ولم تقف المرأة عند هذا الحدّ بل ركّبت لعملها وصلات كثيرة إذ لم يعد بإمكانها أن تقوم بمفردها بجمع الشعر وتوزيع الهدايا للصغار فعمدت إلى توظيف فتيات لتوسيع نشاطها خارج حدود منطقتها وتأمين حاجات مصانع الشعر المستعار.
ومع الأيام انقلب مصير المرأة الذي كان معلّقاً على شعرة، وتبدّلت نظرة الذين يعرفونها إليها، فصارت سيّدة أعمال محطّ احترام أهل منطقتها، ومحطّ احترام زوجها أيضاً الذي كان لا يكفّ عن تعنيفها وضربها، والفقر خلقه ضيّق. ومع هذا فهي قد اشترت لزوجها من أرباح تجارتها البسيطة درّاجة نارية وأشركته في عملها عبر تسليمه مهمّة توصيل خصلات الشعر إلى المصانع، ولم تعد السيّدة الهنديّة تشعر بعصّة قلب أمام فلذة كبدها الذي كان يحلم فيما مضى ببنطال جديدٍ كثيرِ الجيوب ولكن لم يكن يعرف أنّه أضحى بفضل فكرة أمّه داني المنال.
ويبدو أنّ الدهر الدوّار لا يعبث أو يعبس في وجه فكرة حتّى ولو كانت أوهن من شعرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق