Pages

الأحد، 8 مارس 2015

اينشتاين والغادة الحسناء


سأتناول في هذا المقال ثلاثة أمور مرتبطة بثلاثة أسماء لها أهمية في عالم الفكر واللغة والعلوم. أولها اينشتاين الذي قيل انه أول من عبد الله ومارس طقوسه الدينية بمعادلات رياضية، أما الثاني فياكوبسون وهو شخصية لغوية وفكرية فذّة أما الثالث فتشومسكي صاحب النظرية اللغوية التي شغلت النصف الثاني من القرن العشرين ولا تزال.

ما سمح بجمع هؤلاء الثلاثة في مقال واحد هو فكرة النسبية التي أتى بها اينشتاين لا أكثر ولا أقل. قرأت ذات يوم حكاية وردت في سيرة اينشتاين مخترع نظرية النسبية. وهي نظرية فيزيائية بالغة التعقيد لا يمكن توصيل جوهرها إلى عقول كل الناس، ولكن فيما يبدو كان لاينشتاين فضيلة توصيل الأفكار الكبيرة والمعقّدة إلى الأذهان البسيطة، وهذه ميزة لا يملكها كلّ المثقفين الذين يستعملون أحيانا كلمات وتراكيب تحتاج إلى "منجم مغربي" لفكّ شيفرتها ومعرفة ما ينطوي تحتها من دلالات ظنّاً منهم أن تبسيط الكلمات اغتيال للأفكار الكبيرة. صادف أن كان في حفل مدعوّ إليه اينشتاين رجل في منتهى البساطة ولكنه كان قد سمع بأن اينشتاين قد قدّم للبشرية نظرية غيرت نظرة الناس إلى الكون والزمان، وأراد أن يستعلم من رأس النبع مباشرة ما دامت الفرصة سانحة فتقدم من اينشتاين بكل تجلّة واحترام طالبا منه شرح نظريته التي دوّخت العالم الفيزيائي. قال اينشتاين: نظريّتي شديدة البساطة، وهي أنّ كلّ شيء في الحياة نسبيّ، والمطلق وهم. وهنا لجأ اينشتاين إلى خيال سائله ليلمس بيديه أو بخياله النظرية النسبية. قال اينشتاين: تخيل انك جالس مع امرأة عجوز، قبيحة المنظر، غليظة القلب، مدعية، ثرثارة، تتأفف العين من رؤيتها، وأمضيت معها خمس دقائق لا أكثر، ثم في وقت آخر جلست مع غادة حسناء بالغة الجمال واللطف، حديثها كملمس الحرير، رخيمة الصوت، وبقيت معها حوالي الساعتين، مع من تكون جلست أكثر؟ مع التي جلست معها ساعتين أم مع التي جلست معها خمس دقائق. أجاب الرجل من فوره: طبعاً، الجلوس مع العجوز كان أكثر رغم أنّه كان أقلّ. كانت الثانية مع العجوز كأنها ساعة، وكانت الساعة مع الحسناء كأنها تكّة. قال  اينشتاين ساعتئذ: هذه هي النسبية.

أما الحكاية الثانية فوردت في كتاب "مقالات في الألسنية العامة" لياكوبسون وهو من أمهات الكتب التي يعتمد عليها الباحث الجادّ في تحليل وظائف اللغة وتحليل عناصر الشعر معاً. والحكاية التي أوردها ياكوبسون في ختام بحثه "الألسنية والشعرية" تدور حول حوار بين مبشّر ديني مسيحيّ وبين رجل من إحدى القبائل الإفريقية التي لا تعتمد على استخدام اللباس لستر ما يخدش العين! أي أن الحوار كان بين رجل عار ورجل لابس. كان المبشر يحاول إقناع الرجل بستر عورته والاحتشام في المظهر، أجاب الإفريقي العاري ولكن أنت أيها اللابس، ألست تشبهنا من حيث العري؟ استغرب المبشر إذ لا عين تنكر الفارق بين العاري واللابس. وقبل أن يزول الاستغراب عن عيني المبشّر أردف الإفريقي قائلاً: انظر إلى وجهك أليس عارياً مثلي؟ قال المبشر: ولكنّ هذا وجهي. لم يتمهل الإفريقي هنا في الإجابة فردّ قائلاً للمبشّر: هنا، كلّ الأجساد وجوه.

أما الحكاية الثالثة فقد وردت في أحد كتب تشومسكي السياسية وهو لغوي أمريكي، زار منذ فترة لبنان وألقى محاضرة في الجامعة الأمريكية. وهو، للعلم، أمريكي ولكنّه ضدّ الإيديولوجيا الإمبريالية حتى العظم، ويهودي ولكنّه خصم عنيد للصهيونية، ولكم أتمنى لو أن بعض العروبيين يتعلم منه كيف تكون محاربة الصهيونية وتوهين أسسها العنصرية. يروي تشومسكي حكاية قرصان وقع أسيراً في أيام الاسكندر الكبير، دار بينهما حوار قبل البدء بمحاكمة القرصان. ولكن القرصان قال: بأي حق تريد أن تحاكمني؟ ألست قرصاناً مثلي مع اختلاف فقط في التسمية؟  فأنت سرقت العالم، سطوت على ممالك الآخرين وممتلكاتهم، سلبت الناس حرياتهم وحقوقهم. الفرق بيني وبينك واحد لا غير هو حجم السرقة، أنا سرقت سفينة فسميت قرصاناً، ولكن أنت، يا جلالة الإمبراطور، تفوقت في النصب عليّ فنصّبك العالم إمبراطوراً. أليس الفرق بين الإمبراطور والقرصان هو في حجم السرقة وليس في السرقة، ولكنّها اللغة، يا جلالة الإمبراطور.

 ولا أعرف من يلعب بمن! هل اللغة هي التي تلعب بالناس والتسميات أم أن الناس هم الذين يلعبون باللغة وينتهكون حرمة التسميات؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق