Pages

الاثنين، 22 أبريل 2013

المسلم الغدّار واليهوديّ الستّار


في أيام الحكم بن هشام، أمير الأندلس، ائتمر العلماء ليخلعوه، ثم جَيـَّشـُوا لقتاله. فأخذ الحكم في جمع الجنود، وهزم الثوار في وقعة هائلة شنيعة، وقبض على عدد من العلماء فضـُربت أعناقهم، ولاذ عدد آخر بالفرار. ‏ ‏ وكان ممن فرّ طالوت بن عبد الجبار المعافري. اختفى سنة عند يهوديّ، ثم خرج وقصد الوزير أبا البسـّام ليختفي عنده. فما كان من الوزير إلا أن توجـّه إلى الحكم بن هشام ليخبره بشأنه. ‏ ‏ قال: ما رأي الأمير في كبش سمين؟ ‏ ‏ فقال الحكم: ما الخبر؟ ‏ ‏ قال: طالوت عندي. ‏ ‏ فأمر الحكم بالقبض عليه وإحضاره من دار الوزير. فلما أُحضر قال له الحكم: ‏ ‏ يا طالوت، لو أن أباك أو ابنك مـَلـَك هذه الدار، أكنتَ فيها في الإكرام والبرّ على ما كنتُ أفعلُ معك؟ ألم أفعل كذا؟ ألم أَمـْشِ في جـِنازة امرأتك، ورجعت معك بعدها إلى دارك؟ أفما رضيتَ إلا بسفك دمي؟ ‏ ‏ فقال الفقيه في نفسه: لا أجد أنفعَ من الصدق. ثم قال: ‏ ‏ لقد أبغضتـُكَ لله فلم يـُجـْدِ ما صنعتَ معي لغير الله. ‏ ‏ فوجـَم الخليفة ساعة ثم قال: ‏ ‏ انصرف في حفظ الله، ولستُ بتاركٍ بـِرَّك. ولكن، أين ظـَفـِر بك الوزير أبو البسـّام؟ ‏ ‏ قال طالوت: أنا أَظـْفـَرْتـُه بنفسي. قصدتـُه لأختفي عنده. ‏ ‏ قال الحكم: فأين كنتَ قبل ذلك؟ ‏ ‏ قال: في دار يهوديّ أخفاني لله مدة سنة. ‏ ‏ فأطرق الخليفة مليـّا، ثم رفع رأسه إلى أبي البسـّام وقال: ‏ ‏ حفظه يهوديّ وستر عليه لمكانه من العلم والدين، وغدرتَ به أنت حين قصدك للاختفاء عندك. لا أرانا الله لك وجهـًا. ‏ ‏ ثم طرد الوزير، وزاد في إحسانه لليهودي. ‏

من كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق