Pages

الاثنين، 15 أبريل 2013

حوار مع شريف شي سي تونغ المستعرب الصيني

 
 
 
أجرى الحوار في بكين الدكتور محمد عبد الرحمن يونس - محاضر سابق في جامعة الدراسات الأجنبية في بكين
 


 
يسعدنا أن نقدّم الأستاذ الدكتور شريف شي سي تونغ، فهو باحث وأكاديمي ومترجم صيني، ويعمل أستاذاً في جامعة الدراسات الأجنبيّة في بكين، أشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه التي تتناول مواضيع شتى من الأدب العربي شعراً ونثراً، فهو أديب مليء بالتواضع العلمي، دمث، يستقبل متحدثه بمنتهى اللطف والأدب والمحبّة، دارس للأدب العربي، ومتعمّق في فهمه وموضوعاته، محبّ للعرب وصديق لهم، زار مصر وسورية وليبيا واليمن، يعرف كثيراً من آفاق الحياة السياسية في الصين والعالم العربي، يجيبك بحرية وجرأة وموضوعيّة، ويكشف مكامن الخطأ أنّى كانت. كتب العديد من الدراسات حول أوضاع العالم العربي وثقافته وحضارته، وهو يطمح إلى إقامة علاقات قوية بين العرب والصين في مختلف مجالات التعاون المثمر والبنّاء، وهو من أوائل الباحثين الصينيين الذين أسهموا في وضع برنامج موحّد لتدريس اللغة العربية في الجامعات والمعاهد العليا في الصين كلها، وقد التقيته في بكّين ولمرّات عديدة، وأجريت معه الحوار الطويل الآتي:
 
س: في البداية دعنا نتحدّث عن بدايات تعلّمك اللغة العربيّة ، ولماذا اخترت  هذه اللغة تحديداً من دون غيرها من اللغات الأجنبيّة الأخرى؟. 
 
ج: بدأت في تعلّم اللغة العربيّة في سنة 1955م، وفي تلك السنة التحقت بالمعهد العالي للشؤون الدبلوماسيّة الخارجيّة ، وبقيت في هذا المعهد من عام 1959 إلى عام 1962م ، ثمّ انتقلت إلى جامعة الدارسات ببكين ، وتابعت دراساتي العليا فيها ، ثمّ أصبحت أستاذاً مساعداً في هذه الجامعة ، ثمّ أستاذاً في ما بعد. وقد اخترت اللغة العربيّة مصادفة وحسب حاجة الدولة إلى الاختصاصات في اللغات الأجنبيّة ، وكان نصيبي أن أدرس اللغة العربيّة ، وقد كان طموحي في البداية أن أصبح دبلوماسياً لأنّ هذه المهنة تعجبني لأنّها تساعدني على التواصل مع الآخرين في الدول الأخرى، وتجعلني أفهم ثقافتهم وحضارتهم ، ولكن المصادفة دفعتني لأن أعمل أستاذاً جامعيّاً ، فالحكومة قالت : يجب أن تدرّس اللغة العربيّة . وقبل تخرّجي في الجامعة بسنتين عرفت أنّ الجامعة تريدني أن أعمل فيها، ففكرت في الموضوع ، واقتنعت به، وقلت : إنّ عملي كأستاذ جامعيّ سيدفعني إلى أن أنهل من الثقافة العربية والصينيّة كماً   كبيراً ، لأني أعتقد أن الفرد لا يكون مثقّفاً جاداً إلاّ إذا كان أستاذاً جامعيّاً وباحثاً أكاديمياً في الجامعة . وبعد  أن عرفت أنّي سأكون أستاذاً جامعياً قررت أن أسهم في تغيير النظم التعليميّة القديمة ، وأسلوب التدريس المتعامل به في الجامعة ، لكي أطوّره وأحسّنه وأحدّثه لأني أرى ذلك واجباً يفرضه عليّ ضميري الإنسانيّ والمهنيّ ، وأن أسهم في إعداد نخبة جديدة من الأكفاء، الذين يفكّرون بطريقة جديدة، وبطريقة علميّة مستنيرة ، يدفعهم في ذلك الأخلاق العاليّة لخدمة وطنهم وأبنائه. وبالإضافة إلى عملي كأستاذ جامعيّ فقد عملت مترجماً من العربيّة إلى الصينيّة وبالعكس في وزارة الخارجيّة ووزارة الريّ والطاقة الكهربائيّة ، ووكالة أنباء الصين الجديدة ، واللجنة الوطنيّة للتربيّة البدنيّة والرياضة، وهيئة الشؤون الخارجيّة للشعب الصينيّ. 
 
س: ما هي أهمّ الصعوبات التي وجدتها وأنت تدرّس اللغة العربيّة لغير الناطقين بها.
 
ج: هناك صعوبات عديدة أهمّها :
ـ مشكلة النطق: إذا تحدّثنا عن نطق بعض الحروف  العربية، فإنّ الأصوات التي تخرج من المخارج الصوتيّة الآتيّة: الحلق والأسنان، واللثّة مع طرف اللسان ومقدّمته، والأسنان وطرف اللسان ، واللهاة مع مؤخرة اللسان، وعددها اثنا عشر صوتاً ( حرفاً)وهي: (( ث ، ذ، ط، ظ، ق، ر، ح، ع، أ، هـ، خ، غ)) لا توجد في اللغة الصينيّة ، وهذا يشكّل صعوبة كبيرة بالنسبة للمبتدئين .
ـ مشكلة الكتابة:إنّ كتابة حروف اللغة العربيّة صعبة جداً لأنّ لكلّ حرف أربع أشكال، بمفرده، وفي مقدمة الكلمة، وفي وسطها، وفي آخرها. وأيضاً يجد الطلبة صعوبة بالغة في التنقيط والتشكيل، وكلّها تأتي متزامنة أثناء تعلّم اللغة العربيّة، وهذا يشكّل صعوبة كبيرة  لديهم ، فوق ما يتصوّره أهل الضاد أنفسهم . ومن هنا نجد بعض الطلاب يحبّون اللغة العربيّة ويتمنّون تعلّمها ، ولكنّهم يخافون الدخول في محاولة تعلّمها . و إذا تحدّثنا عن خواص الأصوات العربيّة ، وتغيّرها وعدم الاتفاق في النطق والشكل، وتظهر على سبيل المثال ظواهر التغيير الصوتي في حروف الإدغام ( ي ر م ل و ن)،  و ( من + ما ) ممّا ، ممّ ، و : ( عن + ما) عمّا، عمّ .فإننا نجد أنّ هذه الأصوات صعبة النطق . وتأتي أيضاً مشكلة أخرى بالنسبة للطلبة ، وهي مشكلة تفخيم النطق في حروف الإطباق، فمثلاً نجد أنّ لفظ  الكلمات : ( فصل ـ فاطمة ـ مصر ـ مطعم ـ مظهر) وغيرها هي صعبة النطق بالنسبة للطلبة ، لأنّ الطلبة لا يستوعبون المخارج الصوتيّة حين تفخيم النطق، وهناك ميّزات أخرى خاصّة  في اللغة العربيّة لا توجد في أيّة لغة أخرى من لغات العالم ألاّ وهي : قراءة الحركة الإعرابيّة، والمدّ، والشدة. فنطق الشدّة يشكّل صعوبة كبيرة بالنسبة للطلاب الصينيين، وهناك صعوبة كبيرة في التفريق ما بين النكرة والمعرفة ، وهناك مثلاً قضية التخلّص من التقاء  الساكنين ،فهذه قضية تبدو صعبة بالنسبة للطلبة. وأرى أنّ دراسة الصوتيات العربيّة تعتمد في البداية على الاستماع ، ويعتبر التقليد والتمرينات الكثيرة مفتاح لإتقانها، ولا يمكن إخراج الصوتيات بشكل طبيعيّ إلاّ عن طريق التمرينات الكثيرة لمدة طويلة وبصورة متكررة، ولا يمكن الوصول إلى الفهم والاستيعاب الحقيقيّ لخواصّ النطق العربيّ ومهارات القراءة الجهريّة إلاّ عن طريق التعمّق بقراءة مواد دراسيّة كثيرة وكافية . وقد حاولت في جميع كتبي أن أذلّل هذه الصعوبات الكثيرة، وذلك بأن وضعت قواعد خاصّة لتسهّل على الدارسين الصينيين نطق هذه الحروف بشكل سليم.
أمّا الصعوبة الثالثة فهي : الصرف والنحو فهناك اسم الفاعل واسم المفعول، وصيغ المبالغة من اسم الفاعل، وهناك المذكّر والمؤنث ، وهناك تصريف الأفعال، وهناك المفرد والمثنى، والجمع بأنواعه المختلفة في اللغة العربيّة. في حين أننا في اللغة الصينيّة لا نستخدم هذه الصيغ الصرفيّة أبداً.
إنّ الفعل في الصينيّة واحد في جميع الحالات، والجمع في اللغة الصينيّة واحد في كلّ الصيغ، في حين لا نجد هذه الحال في اللغة العربيّة. وأيضاً على مستوى الترتيب ، فعندكم في اللغة العربيّة تأتي الصفة بعد الموصوف، وهذا عكس اللغة الصينيّة، إذ تأتي الصفة أولاً ثمّ الموصوف ثانياً . والاختلافات الأخرى في أدوات الاستفهام:( هل، أين، متى ..الخ) ، فأنتم تضعونها في المقدّمة، أمّا نحن فنضعها في المؤخرة، وهذا يسبب مشكلة للطلبة، إذ نجدهم دائماً يخطئون في ترتيبها الصحيح. وهناك صيغة الفعل المبني للمجهول، وهذه الصيغة صعبة بالنسبة لدارسي اللغة الصينيّة، لأننا لا نستخدم هذه الصيغة أبداً في لغتنا. وعلى سبيل المثال هناك ظواهر نحويّة أخرى تختلف عن اللغة الصينيّة اختلافاً كبيراً: كإعراب الأسماء والنكرة والمعرفة، والاسم المعرب والمبني، والممنوع من الصرف، والمصادر، والأفعال التامة والناقصّة، فهذه كلّها تختلف عن اللغة الصينيّة اختلافاً واضحاً. ولا توجد في لغتنا الصينية  المصادر والأسماء المعربة والمبنيّة، والأفعال التامة والناقصة، ولا النكرة ولا المعرفة، أيّ لا تمييز عندنا بين المبني والمعرب، ولا بين النكرة والمعرفة.
 
س: لقد قلت في إحدى دراساتك المنشورة : لقد كانت الحضارة الصينية والحضارة العربية الإسلامية تمثّلان أعلى مستوى للحضارات العالمية في العصور الوسطى، وقدّمتا أكبر الإسهامات ،وأعظم المنجزات للحضارات البشرية كلّها.  ما هي في رأيك أهمّ هذه الإسهامات والمنجزات؟. وإذا نظرنا الآن بعين الإنصاف والحقّ نجد أنّ العالم الغربيّ المعاصر قد سبقنا أشواطاً كبيرة جداً في الاقتصاد والصناعة والتجارة والثقافة والتعليم وحقوق الإنسان والديموقراطيات السياسية والفكرية. لماذا تخلّفنا؟ ولماذا تقدّموا ؟ ولماذا أصبحنا ضعفاء وأصبحوا أقوياء ؟ لماذا افتقرنا ولماذا اغتنوا؟ وأين تكمن أهمّ جوانب الخلل في الأمتين الصينيّة والعربيّة ؟. أرجو أن تتحدّث بوضوح، دون اعتبار لأية رقابة سياسية أو فكرية .
 
ج: بالنسبة للإسهامات الصينيّة المقدّمة إلى المنجزات الحضاريّة البشريّة هي: صناعة الورق، والطباعة، والبارود، والبوصلة. وهذه الاختراعات نبّأت على حدّ تعبير كارل ماركس(( بقدوم المجتمع الرأسماليّ، فالبارود حطّم طبقة الفرسان، والبوصلة فتحت الأسواق العالميّة، وأقامت المستعمرات، وفنّ الطباعة أصبح أداة تعليم ووسيلة النهضة العلميّة، وقوة دافعة كبرى، ومقدّمة ضخمة لتطوير الروح الإبداعيّة)) .ومن المعروف أنّ الحضارة الصينيّة تحتلّ مكانة هامة في تاريخ الحضارات العالميّة، فهي واحدة من أقدم حضارات العالم، وأحد منابع الحضارات الإنسانيّة في العالم كلّه، وكذلك هي الحضارة الوحيدة من بين حضارات البشريّة التي قامت واستمرت وتطوّرت إلى يومنا هذا .
 
س : إذا نظرنا بعين الإنصاف والحقّ نجد أنّ العالم الغربي المعاصر سبقنا أشواطاً كبيرة جدّاً في الاقتصاد والصناعة والتجارة والثقافة والتعليم، وحقوق الإنسان والديمقراطيات السياسيّة والفكريّة. لماذا تخلّفنا؟ ولماذا تقدّموا؟ لماذا أصبحنا ضعفاء وأصبحوا أقوياء؟ لماذا افتقرنا ولماذا اغتنوا؟ وأين تكمن أهمّ جوانب الخلل في الأمتين الصينيّة والعربيّة ؟.   
 
ج : لقد سبقنا الغرب الأوروبي أشواطاً كبيرة في مجالات الحياة المختلفة لأنّ ثقافتنا التقليديّة الصينيّة ينقصها عنصران أساسيان، أولاهما: الديمقراطية والعلوم، فقد كانت الصين دولة إقطاعيّة، وكان الحكم فيها استبدادياً، وقد تخلّفت الصين منذ القرن السادس عشر الميلادي، وفي ذلك الحين بدأت أوروبا في نهضتها، وقد كانت الصين ثابتة في ثقافتها ونظمها السياسية والاقتصاديّة، وحتى في جميع مجالات الحياة، أكثر من اللازم، وكانت تؤمن بالاستقرار وتخاف من التجديد والتغيير، فهي لا تفكّر أبداً في التغيير، وهي محافظة على عاداتها وأعرافها وتقاليدها، وبالتالي ثقافتها. ولم تتغيّر سلطات الأسر الحاكمة المستبدّة إلاّ بالثورات. فقد انتفض الفلاحون –الذين هم عماد الثورة- وأطاحوا بهؤلاء الحكّام الفاسدين، ونصّبوا الحكام الجدد، ومع ذلك نجد أنّ نظام الحكم والتقاليد لم يتغيّرا في الجوهر، ولذلك فقد تكرّرت منظومة الاستبداد التي كانت سائدة في العصور الإقطاعيّة، وبالتالي ظلّت الصين تراوح مكانها على الرغم من النظام الاشتراكي الحاكم، فالنظام الاشتراكي الذي ساد في الصين هو نظام طوباوي يفتقد إلى الأساس الاقتصادي السليم، وقوة الإنتاج الحديثة، والأنظمة الجديدة، وأيضاً نجد أنّ هذا النظام لم يطبق الديمقراطية تطبيقاً سليماً في هيكليته السياسية والاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصادية. أمّا العلوم في بلادنا بما فيها التربية والتعليم، فلم تجد اهتماماً كافياً، ولم تطوّر برامجها الإصلاحيّة في الاتجاه السليم، فالحكومة تضع الزراعة في المقام الأول، في حين أنها لا تولي الصناعة والتكنولوجيا نفس ما توليه للزراعة. ولم تول التجارة أهمية كبرى، لأنّها رأت في التجار مجموعة من الماكرين الخبثاء الذين يحتكرون المواد التجاريّة. أمّا الآن ووفقاً لسياسة الانفتاح على الخارج والإصلاح الداخلي فقد أولت التجارة والصناعة أهمية كبرى. أمّا بالنسبة للعالم العربي، فإني أرى أنّ أهمّ أسباب تخلّفه هي: إغلاق باب الاجتهاد منذ أبي حامد الغزالي، فقد عمد هذا الإمام إلى إلغاء قدرة النصوص الفقهيّة على التغيير والتأويل، إذ رأى أنّ كل تجديد من البدع، وللأسف فقد رأينا عندكم – وفق رأي جماعة هذا الإمام وأتباعه- أن المبدعين الحقيقيين والمجددين سرعان ما يُتّهمون بالزندقة. وأرى أنّه منذ أبي حامد الغزالي جمد الفكر العربي، ومع الأسف الشديد نرى، على الرغم من التطوّرات العالمية الحديثة، أن الفكر الفلسفي السائد في العالم العربي هو فكر الإمام الغزالي المنغلق، لا فكر ابن رشد العقلاني المنفتح على المعرفة بآفاقها الواسعة. بحيث نرى، الآن عندكم أنّ الحركات الإسلاميّة المعاصرة تحارب العقل والفكر المبدع الخلاّق، والدلالة على ذلك الهجمات الشرسة التي تشنها الجماعات الأصولية في مصر ضد الكتابات الثقافية للكتاب الجدد المتنورين في العالم العربي، وحتّى أننا نجد أن الكتابات القديمة تعرّضت لهذه الهجمات. فلماذا تُحارب نصوص ألف ليلة وليلة ؟ ولماذا يمنع الأزهر طبع ديوان أبي نواس، في حين نجد أنّ سلطات العصر العبّاسي سمحت لأبي نواس أن يقول ما يشاء؟ ولا نغالي إذا قلنا إنّ العصر العبّاسي كان أكثر تسامحاً مع الثقافات والآراء المعارضة الأخرى، وأكثر فسحة للحريات العقليّة والفكريّة، مقارنة بما يوجد في العالم العربي المعاصر، حيث تستطيع عندكم – وكما سمعت- أيّة وزارة للثقافة، أو مؤسسة ثقافية رسمية أن تمنع طبع أي كتاب لا يتفق مع سياستها ومبادئها، وتمنعه من الانتشار إذا طبع في دور  نشر أخرى.
     وأرى أنّ سبب تخلّف العرب هو خنق الحريات الفكريّة والسياسيّة ومحاربتها. وهناك سبب آخر مهمّ، وهو الغزوات الأجنبيّة الكثيرة التي أخّرت العالم العربي اجتماعياً وثقافياً وسياسياً، ومزّقت وحدته الوطنيّة، ابتداءً من الغزوات الصليبية والمنغولية حتى العثمانيّة، وصولاً إلى الاستعمار الحديث الإنكليزي والفرنسي والإيطالي.
 
س : نرى الآن أنّ الصين تنفتح عالمياً على العالم الخارجي، ونرى أنّ السياسة الاشتراكية التي تنتهجها الصين الآن تختلف اختلافاً واضحاً عن سياسة الاشتراكية التي رسمها ماوتسي تونغ. دعنا نتحدث عن هذا الانفتاح وأثره على جيل الشباب المعاصر، وعلى الثقافة والتعليم الجامعي في الصين.
 
ج : إنّ هذا السؤال على قدر كبير من الأهميّة، والجواب عنه يطول، واسمحوا لي أن أذكر ما يلي:
منذ أن بدأت الصين في تنفيذ عمليات الإصلاح الاقتصادي، والانفتاح على العالم الخارجي في عام 1978  م، نجد أنّ الروح التقليديّة الصينية، بما فيها رؤية قياس قيمة الإنسان، ورؤية الأخلاقيات وأسلوب الحياة والتفكير، قد تلقّت صدمات هائلة بدأت تُحدث تغيّرات عميقة في الصين، وسأذكر لكم ما يلي سبع صدمات.
الأولى : صدمة الثقافة السطحيّة، ففي عام 1978  م، جاءت الأغاني الدارجة للمطربة الشابة دانغ لي جونغ كطليعة أوليّة شكّلت في وقت سريع موجة من الأغاني ذات التوجهات الفكريّة الخاصّة، وقد انتشرت هذه الموجة في جميع أنحاء البلاد، فظهرت بنسبة كبيرة الأغاني الجامعيّة والأغاني الريفيّة بدلاً من الأغاني الثوريّة، وموجة الرقص وأساليب التسلية والبرامج التلفزيونية والصحف والمجلاّت التي ركّزت على الحياة الثقافيّة الفنيّة التي تنتهج سياسة التسلية والترفيه. وبدأ الناس يتناقشون بشجاعة، وبشكل طبيعي حول أساليب التسلية، وموضات الملابس والمأكولات، والمشروبات. وأثاث المنزل الفاخر. وتحت تأثير هذه الموجة الجديدة حدثت تغيّرات في الروح السائدة في الصين، والتي كانت تدعو سابقاً إلى المعاناة والبساطة والتقشف.
الصدمة الثانية: جاءت هذه الصدمة من تأثير الفلسفات الغربيّة، وكانت فلسفة الوجوديّة عند جان بول سارتر أبرز هذه الفلسفات تأثيراً وأكثرها قوّة. ففي مايو (أيار) سنة 1980  م خصّصت جريدة النور الصينيّة صفحات خاصّة تحت عنوان: تعريف بالمدارس الفلسفيّة الحديثة في الغرب.  فوجودية سارتر التي عارض فيها مذهب الوجودية القديمة ذات المشاعر العدمية والتشاؤم،والتي أكّدت على جوهر الإنسان والحريّة، و على الاختيار الذاتي، قد كان لها ولموجات فلسفية أخرى تأثيرات هائلة على الشباب الجامعيين في ذلك الوقت، فالأبحاث الفلسفيّة قد أثارت المناقشات حول قيمة حياة الإنسان، ونظام تطوّر الاشتراكيّة من قبل أوساط العلوم الاجتماعيّة، وظهرت مقولات جديدة تدعو إلى إعادة التعرّف على المذهب الماركسي وفهمه. وفي النهاية ظهرت المجادلات والمناقشات حول مذهب الإنسانية، ومذهب التغيير.
الصدمة الثالثة: جاءت هذه الصدمة من خلال بحث الصينيين لمسألة مكانتهم في العالم اليوم والتقدّم الحضاري العالمي، فظهرت الدراسات حول الحضارة الحديثة في العالم، مما أدّى إلى زيادة معرفة الناس بالحضارة العالميّة، وبالتالي درجات التخلّف في الصين. فقد كانت القلوب مفعمة بالتطلع واللهفة إلى ملاحقة التطوّر الاقتصادي والتقدّم التكنولوجي. وأخذت قوّة قيود الإيديولوجيات الفكريّة والأخلاقيّات السائدة تنفكّ قليلاً قليلاً، وتتحوّل إلى الضعف، ومن بين هذه القيود الإيديولوجية المفاهيم التقليديّة والاهتمام بالمبادئ والأخلاق، وإهمال المادة والمنفعة. وهذه المفاهيم التقليديّة قد لاقت صدمات عنيفة بعد ضعف قوة الإيديولوجيا السائدة، وظهر شعار جديد في حياة الصينيين وهو: اعرف كيف تكسب وكيف تنفق. فعلى سبيل المثال كان الرجل الصيني التقليدي يخجل من أن يذكر المال في حديثه، أو يبدي اهتماماً به في ظلّ المفاهيم التقليديّة. ومن يبدي اهتماماً بالمال يستخفّ الناس به ويحتقرونه. أمّا الآن فقد ظهر اهتمام بالكسب السريع، والتفنن في الملذّات الشخصيّة من شراب ورقص وموسيقى وخمور وطعام وجنس.
الصدمة الرابعة: ظهرت هذه الصدمة تحت تأثير مقولات عامّة تؤكد أنّ المال هو جوهر كلّ شيء، فأصبح ترك الدراسة والاتجاه إلى التجارة، والتحوّل من السياسة إلى التجارة موجة العصر، فظهرت الشركات بأشكالها المختلفة، وانتشرت في جميع أنحاء الصين. وتحت تأثير
الموجة الفكرية الجديدة المتمثلة في التطلع إلى الثراء وجمع الثروة بمختلف الطرق أُهْمِلت الجودة والنوعيّة وفي سبيل الكسب المادي السريع والربح غير المشروع بكلّ الحيل والوسائل، تمّ إلحاق الأضرار الكثيرة بقطاعات كبيرة من أفراد الشعب.
الصدمة الخامسة: هي موجة الرغبة العارمة بالهجرة إلى خارج البلاد، وبخاصة هجرة الشباب الجامعي.
ج: الصدمة السادسة: موجة التأثيرات الفكريّة لما يسمّى التحرر الجنسي، فالجنس في الفكر التقليدي الصيني من المحرّمات، وبشكل عام هناك قيود قوية ومحكمة على أفكار الناس وحرياتهم الجنسية وفق الفكر التقليدي الصيني. 
وقد جاءت موجة التأثيرات الفكريّة للتحرر الجنسي لتشكّل تأثيرات هائلة على النفسيّة الاجتماعية في الصين. ونتيجة للتحرر الجنسي حدث خلل كبير بالمبادئ والأخلاقيات التي تتحكم في الجنس، وهذا الخلل أدّى إلى حتمية إهمال الناس للأخلاقيات العامة. ووفق الفكر التقليدي الصيني كان الطلاق صعباً جداً، وكان المجتمع التقليدي الصيني ينظر إلى المطلق والمطلقة نظرة احتقار شديدة، وبخاصة إلى المرأة المطلّقة، إذا يصفها المجتمع بأوصاف شنيعة وسيئة تنال من كرامتها.
 أمّا الآن فقد أصبح الطلاق سهلاً نسبيّاً. فإذا ما تمّ الاتفاق بين الزوج والزوجة فلا داعي للذهاب إلى المحكمة لتأكيد الطلاق، بل إلى مكتب تسجيل الزواج لتأكيده بسهولة. فالزوج يستطيع أن يطلّق الزوجة، والزوجة تستطيع أن تطلّق زوجها، ولا عصمة لأحد على الآخر.
وفي هذه الأيام يستطيع أي رجل أن يتخذ صديقة بسهولة، ويعاملها معاملة الزوجة، ولكن من دون أن يتمكن من تسجيلها في مكتب تسجيل الزواج، إلاّ إذا طلّق زوجته الأولى، ونستطيع أن نقول أنّ بوادر الحرية الجنسية أصبحت تظهر بوضوح في جميع أوساط المجتمع، وبخاصة في الجامعات.
وقد ظهرت موجة التحرر الجنسي ابتداء من التسعينات،وقد أسهمت بائعات الهوى السريّات إلى حد بعيد في كسر القيود التقليديّة في الفكر الصيني التقليدي، التي كانت تتحكّم في العلاقات الجنسية وتضبطها، وتضعها في إطارها الشرعي.
الصدمة السابعة: وهي نتيجة للموجة الثقافية التي عمّت أرجاء البلاد، والتي تدعو إلى مراجعة الثقافة الصينية التقليدية على نطاق واسع، واتخاذ مواقف جديدة منها. وتجدر الإشارة إلى أنّ هناك ثلاثة مواقف سائدة تجاه الثقافة الصينية التقليدية، وهي:
                                  1-      مدح هذه الثقافة والثناء عليها.
                                  2-      الدعوة إلى نهضتها من جديد.
                                  3-      نقدها وإصلاحها ودمجها مع الثقافات القادمة من الخارج حتى تتجدّد، وتسهم في خلق ثقافة صينيّة حديثة. وقد ظهرت هذه المواقف في أواخر الثمانينات.
س: ذكرت في إحدى دراساتك المنشورة أنّ الثقافة الصينيّة ثقافة إقطاعيّة لا رأسمالية، ثقافة زراعيّة لا صناعيّة، ثقافة بريّة لا بحريّة، ثقافة الشرح والوصف لا ثقافة التجديد والإبداع، ثقافة المدح والثناء لا ثقافة النقد والانتقاد، ثقافة استهلاكية لا إنتاجيّة. في رأيك إلى أيّ مدى تسهم هذه الثقافة في تخلّف الصين أو تقدّمها؟
 
ج: أريد أن أقول إنّ كونفوشيوس «551  ق.م-479 ق.م » كان زعيم حكماء الصين القدامى، وكان حكيماً وفيلسوفاً سياسياً وأخلاقيّاً، وقد كان نفوذ مدرسته سائداً في الصين منذ أكثر من 2500  سنة، فمذهب كونفوشيوس يقوم على تقديس أرواح الطبيعة، والأجداد، والاهتمام باتّباع الطقوس والقيم القديمة واحترام السلف، وكان كونفوشيوس يرى أنّ السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار والسلام يكمن في استعادة النظام الاجتماعي والسياسي القديم، وقد أدّى تأكيد كونفوشيوس الشامل على الاستقرار والسلام إلى تأكيد البنية الاجتماعية في ترتيب طبقي متسلسل ، وبالتالي إلى اعتبار هذا الترتيب على أنّه مثال للكمال في البنية الاجتماعيّة، وهذا مما أعاق التقدّم والنمو في المجتمع الصيني، وقد نادى كونفوشيوس بوجوب أن يطيع الأبناء آباءهم، والزوجات أزواجهنّ، والرعيّة ملوكها، طاعة مطلقة. وأصبحت الطاعة بعد ذلك شريعة للمجتمع الإقطاعي الظالم القاسي. ثمّ ما لبث العلماء الصينيون أن أكّدوا مبدأ الطاعة هذا، وأيّده الأباطرة وفرضوه على أفراد الشعب. وقد أصبحت أفكار كونفوشيوس في ما بعد أصفاداً روحيّة لإعاقة الناس من التفكير السليم، هذا ومع العلم أنّ كونفوشيوس لم يكن يهدف إلى ذلك، وهذا ليس ذنبه، بل ذنب أتباعه الذين قدّسوه وألّهوه في ما بعد. وقد كان كونفوشيوس أيضاً يدعو إلى ضبط النفس وإحياء الطقوس القديمة، وكان يدعو إلى محبّة الجنس الإنساني، ويرى أن البرّ والمحبّة يتجسّدان في ضبط النفس وإحياء الطقوس، وقد قال في تعاليمه:« إنّ السيد الصالح يسعى إلى إقامة العدل بينما يسعى الوضيع إلى المكاسب، وإنّ حكمة الطبقة العليا وبلادة الطبقة الدنيا ثابتتان ولا تتبدلان »، ويقول:
«على عامة الشعب أن يقوموا بالأعمال وليس عليهم أن يعرفوا كنهها». إنّ هذه المقولة الأخيرة تدعو بشكل واضح إلى استعباد الحكّام لعامة الشعب، وإلى أن تظل هذه العامة جاهلة. ويقول أيضاً:« إنّ سنة الكون تقضي بأن يكون الذين يعملون بعقولهم هم الحكّام، والذين يعملون بأيديهم هم المحكومون».
إنّ مثل هذه الأقوال سبب رئيس من أسباب تخلّف الصين في التربية والتعليم، وتؤدي إلى جهل عامة الشعب، وإلى تقسيم المجتمع إلى سادة ووضيعين، وإلى أغنياء وفقراء، وهي لا تسهم أبداً في تطوّر المجتمع الصيني. إننا بحاجة في الصين إلى تطوّر مادي واقتصادي، ومجتمع عصري يضع في أوليّاته الازدهار والتطوّر الاقتصادي والصناعي. وفي الوقت نفسه لا يمكننا أبداً أن ننكر فضائل كونفوشيوس، فالرجل مربّ عظيم فاضل، وهو أول من أنشأ مدرسة أهليّة خاصّة كبيرة تقبل الطلاب من عامة الشعب، مع العلم أنّه لم يكن قبل كونفوشيوس إلاّ المدارس الرسميّة لأبناء الحكّام والأغنياء. وكان تلاميذ كونفوشيوس أكثر من ثلاثة آلاف تلميذ، وله أقوال مأثورة تلعب دوراً في المجتمع الصيني حتى اليوم، ويردّدها النّاس، يقول:« ألا يرضيك أن تتعلّم مع الممارسة الدائمة، وألا يسرّك أن يجيئك الأصدقاء من الأقطار النائية»، و:« كلّما سرت مع رجلين وجدت لنفسي أستاذين ». و:« من له فضائل فهو قدوتي ومن له رذائل فهو عبرتي »، و:« من تعلّم من غير تفكير فهو في حيرة، ومن فكّر من غير تعلّم فهو في خطر» و: «اعتبر ما علمت معلوماً واعتبر ما جهلت مجهولاً، فهذا هو طريق العلم».  
إنّ هذه الأقوال مواعظ مهمّة وعلى قدر كبير من الفلسفة العميقة، إلاّ أنّ لها جانبين : جانب إيجابي وجانب سلبي. وعلينا في المجتمع الصيني الحديث أن نركّز جهودنا في إظهار الجوانب المضيئة في أفكار كونفوشيوس لكي تساير منطق التطوّر الحضاري والمعرفي، وعلينا أن ننبذ جوانبها السلبيّة التي تقسم المجتمع طبقتين. وعلى سبيل المثال فهو يحتقر الفلاحين ويستخفّ بالأعمال الجسميّة العضليّة، وبالتالي يستخفّ بالعمال والفلاحين، في حين أنّ العمال والفلاحين هم ركيزة المجتمع الأساسية في النهوض العمراني والاقتصادي.
إنّ الثقافة التقليدية الصينيّة ترجع القيمة الفرديّة للشخص إلى قيمته الاجتماعيّة وتؤكّد على واجباته والتزاماته في المجتمع، وتؤكّد أن ينصاع الشخص للمجتمع، وأنّه يجب أن يتبع الجماعة ويطيعها، وفي الوقت نفسه تهمل هذه الثقافة  حقوقه الشخصيّة وقيمته الفرديّة،وكذلك تُرْجِع قيمة الفرد إلى قيمته الأخلاقيّة فتصبغ الشخص بالأخلاقيات والمبادئ المطلقة حتّى أنها تهمل الانتماء الطبيعي للشخص، أي تتجاهل الجانب الحيواني في الإنسان، وتهمل متطلباته واحتياجاته الماديّة فتكبَّل فيه السعي وراء السعادة، وتقتل روح الإبداع والتطلع إلى الحياة الأفضل عنده . ويقول كونفوشيوس:« على الرغم من الفقر والألم يمكن المحافظة على الأماني والسعادة الداخليّة ، وهذا هو أعلى قيمة للحياة » .وهذا القول يجعل الإنسان يستكين دائماً لوضعه الراهن ويرتاح إليه، وبالتالي لا يسعى إلى تحقيق التقدّم والتجديد والإبداع ، ولا يحاول أن يفعل شيئاً مهمّاً لتغيير وضعه أو تحسينه. وهنا لابدّ من أن أذكر أنّ أسلوب التفكير الحدسي هو أهمّ أسلوب تفكير نموذجي في الثقافة التقليديّة الصينيّة، وبمقارنة هذا الأسلوب مع التفكير الوصفي والتفكير التحليلي والمنطقي نجد أنّ أسلوب التفكير الحدسي يتسم بعدم المنطقيّة والمباشرة والعموميّة والتسرع، فعدم المنطقيّة يؤدّي إلى التنبّوء والتخمين في معرفة الأشياء، والمباشرة تحدّد معرفة الأشياء بشكل منقطع وغير متواصل، والعموميّة تجعل المعرفة مشوبة بالغموض. وهذه الخاصيّة في أسلوب التفكير جعلت الصين تتقدّم بدرجة عالية في الفنون والآداب وتفتقر إلى العلم والمنطق والتحليل للنظريات العلميّة، وهذا هو سبب رئيس من أهمّ أسباب تأخّر الصين منذ فجر العصر الحديث وحتى الآن .
واسمحوا لي أن أبيّن، بهذه المناسبة، الفروق بين المواد الدراسيّة التي كانت تُدّرس في الصين القديمة، وتلك التي تُدرّس في اليونان والبلدان الأوربيّة في العصور الوسطى، فقد كانت تُدرّس في الصين ست مواد دراسيّة وهي: الشعائر، أي القوانين ومبادئ الأخلاق – الموسيقى – الرماية – الفروسيّة – التاريخ – الحساب، أما المواد الدراسية في اليونان وأوربا الغربية فهي سبع مواد وهي : النحو والبلاغة والمنطق والحساب والهندسة والفلك والموسيقى، ومن هنا يتّضح لنا أنّ الصين كانت تبتعد عن تدريس المواد العلميّة التي تسهم في رقي المجتمع وتطوّره، وأعتقد أنّ إهمال تدريس المواد العلمية سبب مهم من أسباب تخلّف الصين.
 
س : في رأيك ، كيف يمكن للصين أن تخرج على سلطة الثقافة التقليدية الصينية لتواكب التطور الحضاري الكبير بأسلوبه العصري والمعقلن والمنفتح على العالم المتحضّر تكنولوجياً ومعرفياً ؟ .
 
ج : إنّ الصين قد تقدمت تقدماً ملحوظاً ، وأحرزت منجزات لا بأس بها فحدث التطوّر الاقتصادي والتجاري ، وما تبعه من قوانين ونظم ومفاهيم جديدة غيّرت وجه الصين، ولكن الصين لا تزال في عداد البلاد الزراعيّة، فما زال هناك سبعون بالمائة من سكانها يعتمدون في حياتهم على الزراعة. وإذا كان في الصين بعض الصناعات الحديثة، فإن هناك في المقابل كثيراً من الصناعات المتخلّفة عن مستوى صناعات الدول المتقدّمة، وإذا أردنا أن نقارن ما تملكه الصين من العلوم والتكنولوجيا بما تملكه الدول الصناعيّة الراقيّة، فإننا نجد أن نسبته ضئيلة جدّاً، وفوق ذلك مازالت الصين تعاني من الأميّة وشبه الأميّة، ومن الأفكار الإقطاعيّة والرأسمالية الفاسدة، وكذلك لا تزال هناك تصادمات كثيرة بين مفاهيم الحضارة الحديثة وبين الثقافة التقليديّة الصينيّة، كالتصادم بين إجلال القادة وبين روح الديمقراطية، وبين التقديس والمحافظة على القديم وبين روح التجديد، وبين الاهتمام بالمثل العليا وإهمال الفعّالية، وبين الاهتمام بالتوفيق وإهمال المنافسة، وبين الاهتمام بالموروث القديم وبين إهمال الإبداع الجديد، وهذه التصادمات ستؤثّر على سرعة التقدّم والتطوّر في الصين وتعرقل مسيرتهما .
وأرى أنّ العصرنة هي تسمية عامة لمجرى تحوّل البشرية منذ ثورة العلوم الطبيعيّة، وهي كذلك مجرى تاريخي ، يتحوّل المجتمع من خلاله من تقليديّته الزراعية المقفلة إلى صناعة مدنيّة مفتوحة ومتطوّرة. إنّ مسيرة الاتجاه نحو العصرنة لا تهدف فقط إلى النمو الاقتصادي والتطوّر السياسي، بل تهدف إلى تجديد شامل لإيديولوجية ثقافة المجتمع، وبشكل عميق وواسع و إلى أبعد حدّ. ومن هنا علينا أن نشكّل ثقافة جديدة تقوم على أساس التبادل والتداخل والدمج والاندماج بين الثقافة التقليديّة الصينية، والثقافات القادمة من الخارج، ويجب علينا التعامل بصدر مفتوح مع ما نختلف معه، ويجب استخدام التحليل العلمي، واختيار ما هو مهمّ من الثقافات العالمية الأخرى، وفي الوقت نفسه يجب نبذ جميع السلبيات من الثقافات القديمة والحديثة، الصينيّة والأجنبيّة. وفي ضوء الأحوال الواقعيّة للصين يمكن تطوير الإيديولوجيّة الذاتيّة للأمّة الصينيّة وخلق حضارة صينيّة جديدة تتسم بالصبغة القوميّة للأمّة الصينية، و تتجلّى فيها روح العصر الحديث، وكذلك علينا أن نبني مجتمعاً جديداً يقوم على الحوار والحريّة والديمقراطيّة، وحفظ الحقوق لأبنائه، واحترام حقّ الآخر في الاختلاف بعيداً عن التعصب والاستبداد، مجتمعاً منفتحاً قائماً على أساس التسامح الفكري
المتبادل، ومعنى ذلك أننا يجب علينا أن نسمح للآراء والأفكار والتوجهات كافة، بأن تعبّر عن نفسها دون خوف ولا قيود، طالما أنّها  لا تشكّل تهديداً لسلامة الآخرين، ونظام أمن المجتمع. ويجب على الحكّام والمحكومين أن يقبلوا مبدأ المنافسة، واحترام حقّ الآخر في الحرية والتفكير والمعارضة وإبداء الرأي، وبعبارة أخرى يجب أن يسود في هذا المجتمع العدل والمساواة والحرية والديمقراطية، وكذلك يسود فيه اقتناع عام بأن اختلاف الآراء، والاجتهادات وتعدّدها ظاهرة اجتماعيّة صحيّة ومطلوبة، فالمستقبل ملك للثقافات القادرة على النهل من نظيراتها والاستفادة منها، والإضافة إليها . إنّ الصورة المشرقة للثقافة الصينية في مستقبلها وليست في ماضيها .
 
س : من باب الحق والإنصاف، يمكن أن  نقول إن حركة الاستشراق الأوربي كانت نشطة جداً في ما يخص أدب العرب وثقافتهم وتاريخهم ونهضتهم ، وقد أفادت هذه الحركة النشطة الأدب والتراث العربيين فائدة واضحة إذ عرّفت الأجانب بهما ، لأنها أسهمت في تحقيق الكثير من المخطوطات العربية وطبعتها في عواصم أوربية عديدة .
دعنا نتحدث عن حركة الاستشراق في الصين ، ولماذا أتت متأخرة إذا ما قارناها بحركة الاستشراق في الغرب الأوربي ، ومن هم أهم المستشرقين الصينيين في نظرك ؟
 
ج : الحق يقال إن حركة الاستشراق بدأت متأخرة في الصين ، مع العلم أن الإسلام دخل الصين
منذ 1300 سنة ، ومنذ أن  أرسل الخليفة الثالث عثمان بن عفان أول مبعوث له إلى " تشانغآن " عاصمة أسرة تانغ الملكية ( مدينة شيان بمقاطعة شنشي حالياً ) ، كانت العلاقات التجارية الصينية العربية مزدهرة ومتطورة .وعلى هامش الحديث أحب أن أشير إلى أنه يوجد في الصين عشر قوميات تدين بدين الإسلام ، ألا وهي : قومية الهوي والويغور والقازاق والخلخاس والتاجيك والتاتار والأوزبك والدونغشانغ والسالا والباوآن ، وتسكن معظم هذه القوميات في منطقة شينجيانغ الويغورية ذات الحكم الذاتي ، ومقاطعتي قانسو وتشينغهاي بشمال غربي الصين ، وكذلك في مقاطعات خبي وخنان وشاندونغ ، ويون نان . وكان العلماء الصينيون يولون اهتماما كبيرا بترجمة معاني القرآن الكريم ، وتعاليم الدين الإسلامي ومبادئه وعقائده ، وتدريس اللغة العربية ، وذلك لنشر الدين الإسلامي في الصين ، غير أن الحكام في بعض الأسر الملكية لم يشجعوا نشر الدين الإسلامي ، ومنذ العصر الحديث كانت الصين تعاني من أمراض الإمبريالية والإقطاعية والرأسمالية البيروقراطية . وقد أسهمت هذه الأمراض في انقطاع العلاقات بين الصين والدول العربية ، أما بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية فقد تجددت العلاقات بين الصين والدول العربية ابتداءً من عام 1956 م وهو العام الذي أقيمت فيه العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين .ومنذ ذلك الحين بدأت الصين في ترجمة الأعمال الأدبية والكتب الدينية العربية إلى اللغة الصينية ونشرها  بكميات قليلة ،وبعد انتهاج الصين سياسة الانفتاح على الخارج ابتداءً من عام 1978م شهدت الساحة الثقافية الصينية تطوراً كبيراً في ترجمة الثقافة العربية والإسلامية والتعريف بها ، فنشرت المؤلفات المتعلقة بالوطن العربي في شتى المجالات ، وقد بلغت أكثر من /500/ خمس مائة كتاب مطبوع في دور نشر صينية وباللغة الصينية ، ومنذ التسعينات بدأت الدراسات والبحوث العلمية والأكاديمية في تاريخ العرب وحضارتهم وآدابهم ، وهذا يعدّ تطوراً كبيراً ، ولكن هذه البحوث والدراسات مكتوبة باللغة الصينية فقط . وللأسف لم تنشر حتى الآن باللغة العربية ، وهذا إهمال كبير من قبل الحكومة الصينية ومن العلماء الصينيين أنفسهم . واسمحوا لي أن أذكر لكم أهم المستشرقين الصينيين ،الأول : هو العالم الإسلامي محمد مكين ( 1906-1978م) ، وهذا العالم درس في جامعة الأزهر وفي كلية دارالعلوم في الثلاثينات ، ومن ترجماته من العربية إلى الصينية : معاني القرآن الكريم ، ورسالة التوحيد ،والرسالة الحميدة في حقيقة الديانة الإسلامية ، وكتاب :الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية ، وكتاب     العقائد ،وكتاب منهاج التقويم الهجري ، ومن ترجماته من اللغة الصينية إلى اللغة لعربية : كتاب الحوار ، وهو من الكتب الكونغوشيوسية الشهيرة ، وكتاب الأساطير الصينية القديمة ، وكتاب أمثال الصين القديمة ،ومن ترجماته من اللغة الإنكليزية الكتب الآتية : تاريخ علم الكلام الإسلامي ، وتاريخ التعليم الإسلامي ، وتاريخ العرب المطول لفيليب حتي ، وموجز تاريخ العرب لفيليب حتي ،وبالإضافة إلى ذلك أشرف على تأليف معجم اللغة العربية والصينية، أمّا الرجل الثاني فهو الدكتور عبد الرحمن ناتشونغ ( 1910م-      ) العالم بتاريخ العرب وحضارتهم ، فقد أنجز المؤلفات الآتية باللغة الصينية :
سلسلة الحضارة الإسلامية (1940م) وهي مكونة من ستة كتب ، ومنها : القرآن الكريم والأحاديث النبوية ، وقصص محمد ، والأركان الخمسة والأخلاقيات ، والإسلام إيمان ، وغيرها ، والتاريخ الحضاري للبلدان الإسلامية 1948م ،وتاريخ مصر الحديث 1963م باللغة العربية والصينية ، و: الحضارة العربية بين التوارث والتمازج (1990م) ، وقد نال هذا الكتاب الجائزة العلمية الثانية من لجنة الدولة للتربية والتعليم ، وتاريخ العرب العام وهو عمل يضم نحو مليون كلمة صينية ، ويقع في مجلدين ، ويعتبر أحد المشاريع العلمية الهامة على المستوى الوطني ،وقد نال العديد من الجوائز على مستوى بكين والصين كلها ، ( 1997م) . أما ترجماته من العربية إلى الصينية فهي : دين الإسلام للشيخ حسن منصور 1934م ، والإسلام والحضارة العربية لمحمد كرد علي (1936م) ، وفجر الإسلام لأحمد أمين ( 1962م) ، بالإضافة إلى إشرافه على ترجمة ضحى الإسلام ، ومشاركته في   ترجمته ، وظهر الإسلام لأحمد أمين بمجلداته الأربعة ، والفن العراقي 1962م لخالد قادر ، ولمحة عن التطور الاجتماعي في اليمن 1935 م لسلطان أحمد عمر .
أما محاضراته المطبوعة فهي :(القرآن الكريم في الصين ) 1980 م وألقاها في  الجزائر ، وتأثير الإسلام في الحضارة العالمية وألقاها في باكستان .وقد أنتخب هذا العالم عضواً مراسلاً لمجمع اللغة العربية بدمشق عام 1985م.
أما المستشرقون الجدد فهم كثيرون جداً في وقتنا الحاضر ، ولكن أريد أن أقول إنّه ما زال أمامنا طريق طويلة ، وعلينا أن نبذل أقصى جهودنا في مجال الاستشراق لكي نلحق بمن سبقنا ،  ولنسهم إسهاماً فعالاً يتفق مع حجم الصين ، وحجم علاقاتها المتطورة مع العالم العربي والإسلامي ، وعلينا نحن الأساتذة في الجامعة أن نعدّ نخبة كبيرة من المترجمين الممتازين  ، والباحثين الأكاديميين في مجال الاستشراق .
 
س: كيف تنظرون إلى مستقبل العلاقات العربية الصينية وآفاق تطورها ؟
 
ج: أؤكّد لكم أني متفائل جداً بمستقبل هذه العلاقات ، بل أنا على يقين تام أن هذه العلاقات ستتطوّر بأسرع الخطوات في المستقبل ، وبأكبر حجم في المجالات التجارية والاقتصادية والثقافية والسياسية والعسكرية والعلمية والتكنولوجية ،واسمحوا لي أن أذكرلكم لمحة عن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين والبلدان العربية ، فقد سعت الصين والبلدان العربية إلى تطوير اقتصادهما القومي ، وهما تنتهجان سياسة تنويع الأسواق، ومن خلال هذه السياسة وقّع الطرفان اتفاقيات تجارية حكومية ، واتفاقيات تعاونية غير                حكومية ،ومن ضمنها اتفاقية حماية الاستثمار، واتفاقية تفادي الازدواج الضريبي ، مما وضع القواعد الخاصة بحركة الأعمال التجارية في إطار قانوني يضبطها ويحددها .وقد أصبحت الصين سوقاً ذات حيوية أكثر في العالم كله بعد انتهاجها سياسة الانفتاح على الخارج والعالم العربي الذي يضم اثنتين وعشرين دولة بها موارد غنية جداً ،ورأس مال وفير ، فهذه الدول ذات أسواق كبيرة ، ولها جاذبية خاصة ، وهذا ما يشكل آفاقاً واسعة للتعاون الثنائي  بيننا وبينكم على المستوى الواقعي .وأحب أن أشير إلى أنه ليس بين الصين والعالم العربي أي تضارب في المصالح ، بل لهما هدف مشترك يتجسّد في تطوير الاقتصاد القومي ورفع مستوى معيشة الشعب ، وتحقيق المصالح المتبادلة، فمنذ بداية الثمانينات أقامت الصين وجميع الدول العربية المجالس الاقتصادية والتجارية المشتركة، وعملت على حلّ كلّ المشاكل التي تعرقل مسيرة التعاون ، وتباحثنا في التدابير الهادفة إلى دفع عجلة تطوير التعاون الثنائي إلى الأمام في مجالي الاتصال والتجارة .
وأحبّ أن أشير إلى أن الصين لا تفتح أبوابها على الدول الصناعية المتقدمة بغية جذب الأموال الأجنبية فحسب، بل تسعى وراء المعاملات الاقتصادية والتجارية والتعاون التكنولوجي مع دول العالم الثالث ـ والصين واحدة من دول هذا العالم – وعلى نطاق واسع ، ومن ضمنه العالم العربي، وتوسيع مجالات علاقاتها الاقتصادية والتجارية والسياسية مع الخارج .ففي السنوات الأخيرة شهدت الصين والعالم العربي زيادة كبيرة في الزيارات المتبادلة بين القادة السياسيين والوفود الاقتصادية التجارية على أساس العلاقات التعاونية الودية والتقليدية القائمة، مما أوجد ظروفاً صالحة للتعاون في سبيل تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية ، ويمكن القول إنّه من خلال وضع التطور الاقتصادي الحالي في البلدان العربية ، ومن خلال نمو مستوى الاقتصاد في الصين، أن بينهما إمكانية كبيرة للتعاون القوي فالعرب لهم المنتجات البتروكيماوية والنفط ، والأسمدة الكيماوية ، والقطن والفوسفات وغيرها ، وهذا يلبي احتياجات بناء التحديث في الصين ، كما أن منتجات الصناعات الخفيفة ، والمنسوجات والملابس والأغذية والزيوت ، والمنتجات الميكانيكية والمعدنية ، ومنتجات المطاط وغيرها من المنتجات الصينية تشكّل أهم الواردات الرئيسية للدول العربية ، فإذا عمل الطرفان على توسيع آفاق التعاون التجاري بينهما ، وبالتالي توسيع الأسواق ، وزيادة الصادرات والواردات ورفع نوعية البضائع، فلابدّ أن تحقق العلاقات التجارية الثنائية قفزات واسعة . وأريد أن أقول إن مجالات التعاون بين الصين والعالم العربي قد تجاوزت حدود التجارة السلعية وصولاً إلى مجال المقاولات وتقديم الأيدي العاملة ، وتبادل الاستثمارات. ومن المعروف أن الصين والعالم العربي من الدول النامية وليس هناك أيّ تضارب في المصالح بينهما ، بل يجمعهما مصلحة مشتركة ، وهدف مشترك ، وهو العمل الجاد على نهضة بلدينا علمياً وتكنولوجيا وحضارياً وسياسياً، ومن هنا فإني أرى أن مستقبل هذه العلاقات مشرق ، وفي ازدهار وتطور مستمرين .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق