الخميس، 12 مارس 2015

الإسكندر على حدود الصين



"حكمة الشيوخ" عبارة شائعة جدّاً، فالزمن كفيل بترويض الأعصاب وتبريدها، وفي أحد أهمّ الكتب الصينية المعروف باسم "خوي نان تزه Huainan zi淮南" الذي يعود تاريخ كتابته إلى القرن الثاني قبل الميلاد عبارة تقول: "تمهّل حتّى تصل سريعاً". وفي التراث الصيني أشياء وحكايات كثيرة تحكي عن التأنّي في ردّ الفعل، والتأنّي قد يستفزّ أعصاب العجول، ولكنّه لا يستفزّ الأعصاب الصينيّة التي تمارس فنّ الانتظار كما تمارس طقوس اليوغا. وهنا أروي مقطعاً من حوار رواه هنري كيسنجر الذي اشتغل على إعادة فتح العلاقات الصينية الاميركية في عهد نيكسون. يقول كيسنجر إنّه سأل " تشو ان لاي" رئيس الوزراء الصينيّ في عهد "ماو تسي تونغ" عن رأيه في الثورة الفرنسية، ولقد كان جواب "تشو إن لاي" صادماً وغير متوقّع لأذنيّ الدبلوماسي الأمريكيّ المحنّك، إذ كانت الإجابة: " لا يزال الوقت مبكراً للحكم عليها ". ونحن نعرف انّه قد مرّ أكثر من قرنين على الثورة الفرنسيّة، ومن المعروف عن " تشو إن لاي" أنّه كان يزن كلامه بميزان الذهب كما كان يتمتّع بالحكمة والحصافة وبعد النظر، وهذا ما يمنح جوابه اللافت نكهة صينيّة تغرف من فيض الموروث الصينيّ.

العمر المديد للحضارة الصينية جعلها تمتلك تلك الحكمة المشرقية العريقة، والتي نشهد انبثاقتها الراهنة عبر اختيار اسم" كونفوشيوس"  حكيم الصين الأكبر لمعاهدها التي تفتتح في كلّ أصقاع العالم لتعليم اللغة الصينيّة البديعة. واختيار اسم " كونفوشيوس" شديد الدلالة في ظلّ الحكم الشيوعيّ، ولكن الجمع بين الأضداد من مميّزات الفكر الصينيّ القديم والمعاصر الذي يؤمن بأن الأضداد تتبادل الأدوار وتتداخل فيما بينها، فالخير غلالة رقيقة تغلّف الشرّ، والشرّ غلالة رقيقة تحتضن الخير، والفواصل بينهما ليست أكثر من جسور ظاهرة أو جذور خفيّة قد لا تراها العين التي تلعب المظاهر باستنتاجاتها وأحكامها.

ثمّة حكاية موجودة في كتاب "لباب الآداب" لأسامة بن منقد، وكتاب الفرج بعد الشدّة للتنوخيّ، باختلاف طفيف في التفاصيل عن الإسكندر حين ذهب إلى الشرق الأقصى قاصداً احتلال الصين. ولا أعرف مدى مصداقية الحكاية على المستوى التاريخيّ، فما أريده هو فقط الطريقة التي ظهر فيها الملك الصينيّ إزاء هجمة الإسكندر المقدونيّ الفاتح الكبير، إذ لا اعتقد إنّ الإسكندر وصل الى أسوار الصين الأسطوريّة، فالإسكندر، على ما يقول المؤرخون، لم تطأ قدماه الصين، ولكن لنستمع الى الحكاية، فالحقيقة ليست غاية الحكايات دائماً! فالحكايات مواقف وآراء وتعليقات على رؤيتنا للأشياء، ووجود الحكاية في كتاب عربيّ يمكن أن تكشف لنا رأي العرب القدامى بحكمة الصينيين.


تقول الحكاية نقلاً عن كتاب "الفرج بعد الشدّة" إنّ الإسكندر لما انتهى إلى الصين، وحاصر ملكها، أتاه حاجبه، وقد مضى من الليل شطره، فقال له: هذا رسول ملك الصين بالباب، يستأذن عليك .فقال: أدخله .فوقف بين يدي الإسكندر، وسلّم، وقال: إن رأى الملك أن يخلّيني، فعل. فأمر الإسكندر من بحضرته بالانصراف، وبقي حاجبه، فقال: إنّ الذي جئت له لا يحتمل أن يسمعه غيرك .فقال: فتّشوه، فلم يوجد معه شيء من السلاح. فوضع الإسكندر بين يديه سيفاً مسلولاً، وأخرج حاجبه، وكلّ من كان عنده، وقال له: قف بمكانك، وقل ما شئت .فقال له: إني أنا ملك الصين لا رسوله، وقد جئت أسألك عما تريده، فإن كان ممّا يمكن الانقياد إليه، ولو على أشقّ الوجوه، قبلته، وغنيت أنا وأنت عن الحرب. وثمّة مقولة صينيّة تقول: "إن أفضل الانتصارات هي التي تكسبها من دون أن تخوضها".

قال الإسكندر: وما آمنك منّي? قال: علمي بأنك رجل عاقل،( فالإسكندر كان تلميذ أرسطو كما هو معروف) وليس بيننا عداوة، ولا مطالبة بثأر، وأنت تعلم أنك إن قتلتني لم يكن ذلك سبباً لأن يسلّم إليك أهل الصين ملكهم، ولم يمنعهم قتلي من أن ينصّبوا ملكاً غيري، ثم تنسب أنت إلى غير الجميل، وضدّ الحزم .فأطرق الإسكندر، وعلم أنّه رجل عاقل، فقال :الذي أريده منك ارتفاع مملكتك لثلاث سنين عاجلاً، ونصف ارتفاعها في كلّ سنة. قال: هل غير ذلك شيء? قال: لا. قال: قد أجبتك. فقال الإسكندر: فكيف يكون حالك حينئذ? فأجاب الملك الصينيّ: أكون قتيلاً أو محارباً، وأكلة أوّل مفترس .قال الإسكندر: فإن قنعت منك بارتفاع ثلاث سنين، كيف يكون حالك? قال: أصلح ممّا كانت، وأفسح مدة .قال: فإن قنعت منك بارتفاع سنة? قال: يكون ذلك كمالاً لأمر ملكي وموفياً لجميع لذاتي .قال: فإن اقتصرت منك على ارتفاع السدس? قال: يكون السدس موفراً، ويكون الباقي للجيش ولسائر الأسباب .قال: قد اقتصرت منك على هذا، فشكره، وانصرف.

فلمّا طلعت الشمس، أقبل جيش ملك الصين حتّى طبّق الأرض، وأحاط بجيش الإسكندر حتى خافوا الهلاك، وتواثب أصحابه فركبوا، واستعدوا للحرب .فبينما هم كذلك إذ طلع ملك الصين، وعليه التاج، وهو راكب، فلمّا رأى الإسكندر، ترجّل. فقال له الإسكندر: غدرت? قال: لا والله، قال: فما هذا الجيش؟ قال: إني أردت أن أريك أنني لم أطعك من قلّة ولا من ضعف، وأنت ترى هذا الجيش، وما غاب عنك منه أكثر، ولكنّي رأيت العالم الأكبر مقبلاً عليك، ممكناً لك ممّن هو أقوى منك، وأكثر عدداً، ومن حاز العالم الأكبر غلب، فأردت طاعته بطاعتك. فقال الإسكندر: ليس مثلك من يؤخذ منه شيء، فما رأيت بيني وبينك أحداً يستحقّ التفضيل والوصف بالعقل غيرك، وقد أعفيتك من جميع ما أردته منك، وأنا منصرف عنك .فقال ملك الصين: أما إذ فعلت ذلك، فلست تخسر .فلمّا انصرف الإسكندر، أتبعه ملك الصين، من الهدايا، بضعف ما كان قرّره معه.

أليس الأقوياء حقّاً هم الذين تمنعهم قوّتهم الحكيمة من استخدام القوّة على ما تقوله الحكاية العربيّة القديمة؟


بلال عبد الهادي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق