أداة النداء
كنت أقرأ في كتاب " الواسطة
في معرفة أحوال مالطة " لأحمد فارس الشدياق وهو أحد أكبر رجالات النهضة
اللغوية في القرن التاسع عشر، وصاحب السيرة الذاتية الفذّة " الساق على الساق
فيما هو الفارياق" فلفتت نظري إشارته الى طريقة استخدام أداة النداء في اللغة
المالطية. ففي مالطة تستعمل اداة النداء المالطية وأداة النداء الإيطالية، ولكن
بفارق طبقيّ . يقول
الشدياق: " اذا كان المنادى عظيماً خطيراً يدخلون عليه أداة
النداء من الطليانية فيقولون اومولاي، واذا كام حقيراً ادخلوا عليه أداة النداء من
العربية، فيقولون: يا تفّاح، يا عنب".( ص 145، طبعة وزارة الثقافة السورية(. ان
الانتقال بين اكثر من لغة في الكلام ليس حمّى مالطية وانما هي حمّى تصاب بها كلّ أمّة
مريضة روحياً وحضارياً، كما هو حال الأمّة العربية اليوم التي تحتقر كيانها عبر
احتقارها للسانها.
ولادة كلمة
كانت مراسلة إحدى
المحطات تعلق على أحد الانفجارات التي تتجوّل في بلادنا، تلعثم الكلام على شفتيها
وهي تروي ما ترى من أشلاء بشريّة. كان تنقل الخبر من قلب الحدث اللاهب، ظهر
ارتباكها في اختراع كلمة. فالمذيعة كانت تريد ان تقول "ردْم"، وكانت
تريد ان تقول "ركام". احتار فمها في اختيار الكلمة. وقفت الكلمتان على
شفتيها واندمجا في كلمة واحدة. اخذت من الركام الصيغة " فُعال" واخذت من
الـ "ردم " الجذر فخرجت كلمة جديدة على أذنيّ من شفتيها، وهي كلمة
" رُدام" التي سرعان ما أصلحتها الى رُكام. في كلمتها انتصرت الصيغة على
الجذر. ومن يفتّش في الجذر" ردم" قد يجد ان لهذه الكلمة "
رُدام" حضوراً معجمياً ما وإن كانت الكلمة ليست من متداول الكلام في استعمال
الناس.
تفّاحة آدم
ما هي الثمرة المغوية التي أكلها آدم في الجنّة؟ لا أحد يعرف!
لا التوراة ولا القرآن أتيا على سيرة الثمرة. ففي التوراة اسم الشجرة: "شجرة معرفة الخير من الشرّ". وفي القرآن الكريم اسم
الشجرة
" شجرة
الخلد
وملك
لا
يبلى".
ولكن من اين تسرّبت التفّاحة الى شجرة الخطيئة؟ من حمّل حبّة التفّاح وزر السقوط من عالم الكمال والخلود، إلى عالم النقص والزوال؟ لا
يخلو
اسم
الشجرة
سواء
في
التوراة
او
القرآن
من
لفتة
باهرة ,ودالّة. التوراة
يقول
انها
"شجرة المعرفة" بينما
القرآن
لم
ينظر
الى
المعرفة وانما
الى
الخلود
والسلطان. الخلود قوة، السلطان قوة.
ولكن المعرفة، أيضا، قوّة. وهل يمتطي العالم ظهر العرب، اليوم، لولا سلطان " المعرفة الغلاّب؟ يقال ان التفاحة وصلت الى شجرة الجنّة عبر الترجمة. الترجمة
خائنة، والصوت خائن. ما هي الخيانة اللغويّة التي ربطت التفاحة بالمعصية الفردوسيّة؟
لفت نظري في مجلة Le monde des
religions"
"،
العدد
61،
ملفّ
بعنوان
"الأطعمة
المحرّمة"
، وهو يدرس علاقة الشعوب مع
أطعمتها من منطلق الحلال والحرام، ولا يوجد شعب، على ما أظنّ، لا يُعمل مبضع
التحليل والتحريم فيما نأّكل ونشرب، وقد وجدت بعض
الجواب حول شيوع فكرة التفاحة التي كان قضمها سبباً من
اسباب سقوط آدم.
في القرن الرابع الميلادي تمّ نقل التوراة الى اللغة اللاتينية، ووردت كلمة "mali" وهي ترجمة لكلمة الشرّ، في ترجمة العبارة التالية :" معرفة الخير من الشرّ: lignum
scienta bono et mali"
ولكن
كلمة
mali من malum اللاتينية.
شاء
حظّ
التفاح
السيّىء
ان
تكون
للكلمة
دلالتان:
الشرّ
والتفّاح.
فاحت
رائحة
التفاح
من
كلمة
الشرّ.
حصل
التباس،
وطال
أذهان
الناس،
ونمت
شجرة
التفاح
بدلاً
من
شجرة
الشرّ. في كلّ اللغات جناس صوتي او مرئيّ. والجناس يغيّر أقدار المعاني، يرفع كلمات ويهبط بكلمات الى حضيض الدلالات.
تناصّ
التناصّ سنة النصوص، لا يمكن
لأيّ نصّ أن يقول : جئت كما آدم، بلا ام ولا أب.
حتى الكتب المقدّسة لا تخلو من تناصّ. هل يمكن قراءة القرآن دون البحث عن جذوره في
التوراة مثلا؟ وهل يمكن قراءة التوراة دون البحث في النصوص المقدسة السابقة عليه
في بلاد الرافدين في الحضارة البابليّة ؟
تعرفّت على
عروة بن الورد، المعروف بعروة الصعاليك، في رمضان من عام 1978، حين كنت منغمساً في
قراءة سيرة عنترة. قلت بيني وبيني نفسي: سيكون عنترة صاحبي في رمضان، ولم أحبّ
يومها عنترة لأنه عنترة، وإنّما لأنّه كان بمثابة صحابيّ جليل في نظري. نعم، صحابيّ
بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، وأنا أعرف انه لم يكن مسلماً ولم يلتق برسول الله
عليه السلام، ولكني دخلت إلى عالم عنترة من باب دينيّ محض عبر حديث نبويّ شريف
قرأته جاء فيه: ما وُصف لي أعرابيّ فأحببت أن أراه الا عنترة. عنترة شخص أحبّ
الرسول الكريم لو رأى بعينيه الشريفتين هذا الأسود الناصع البياض أخلاقاً وعفّة
ونبل مواقف وإخلاص عواطف.
ومن سيرة
عنترة تعرفت على رجال كثيرين ، رجال يخرجون من عباءة عنترة، منهم عروة بن الورد.
حين تعرفت على عروة بن الورد لم يكن قد دار بخلدي شيء عن جوليا كريستيفا ولم اكن أعرف
شيئا عنها او أعرف بوجودها أصلاً. كائن نكرة من النكرات في نظري وخيالي. ولكن كنت
قد قرأت بيتين لعروة الصعاليك يقول فيهما:
أتهزأ مني أن سمنت، وأن
ترى بوجهي شحوب الحقّ، والحقّ جاهد
أوزّع جسمي في جسوم
كثيرة وأحسو
قراح الماء، والماء بارد
كان توزيع
الجسم في جسوم كثيرة يدوّخني، وهو خلاصة حياة عروة، يقسّم جسمه على الفقراء.
ذهبت الايام
وكبرت، ودخلت كريستيفا في حياتي عبر مؤلفاتها الغزيرة وغناها بالمعرفة، واطلعت على
مفهوم " التناصّ" في مؤلفاتها. ولا أعرف لماذا قفز إلى ذهني عروة في
عبارته : "أوزّع جسمي في جسوم كثيرة " ، وقلت بيني وبين
نفسي: هذا هو التعريف الأجمل للتناصّ. عبر ابدال بسيط ولعب بسيط بالكلمات، قلت:
سأضع كلمة "نصّ" بدلاً من كلمة جسم.
وصار تعريف التناصّ هو التالي: "أوزّع نصّي في نصوص كثيرة". أليس التناصّ هو سرّ كلّ النصوص؟
وصار تعريف التناصّ هو التالي: "أوزّع نصّي في نصوص كثيرة". أليس التناصّ هو سرّ كلّ النصوص؟
وادي عبقر ليس
وادياً تسكنه الشياطين، وانّما مكتبة كونية تسكنها ملايين النصوص.
وان كان من أحد يستحقّ الرحمة في هذا النصّ فهو عروة بن الورد رحمه الله بقدر ما أطعم من جائع أو رفع من غبن!
وان كان من أحد يستحقّ الرحمة في هذا النصّ فهو عروة بن الورد رحمه الله بقدر ما أطعم من جائع أو رفع من غبن!
بلال عبد
الهادي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق