عورة
صوتيّة
في
علم اللغة الحديث مصطلحان يخصّان الناحية الصوتيّة في اللغة وهما "الفونيم"
و"الألوفون"، وسأرى على ضوئهما صوت المرأة من حيث هو لدى البعض " عورة
" ( للعورة ارتباط بحاسّة النظر وليس بحاسّة السمع بحسب ما يفصح عن ذلك جذرها
اللغويّ). تعبير "صوت المرأة عورة " ليس من عندي وإنّما هو تعبير مستعمل.
البعض يتحمّس للدفاع عن عورة صوت المرأة، والبعض يرفض فكرة اعتبار صوت المرأة
عورة. للناس حول كلّ موضوع أكثر من وجهة نظر. وكلّ يعتمد على تثبيت وجهة نظرة
بأقوال أناس من زمن مضى أو زمن راهن له ملامح ما مضى.
ولكن
ما علاقة "الفونيم" و"الألوفون" بصوت المرأة؟
الفونيم
phonème هو اصغر وحدة صوتية، وهو بمصطلح علم اللغة الحديث، صورة ذهنية
للصوت، أي هو صوت غير مسموع، بينما الألوفون allophone والبعض يترجمه بـ"بديل صوتيّ أو تلوين صوتيّ" أي انّه
الصوت الذي يتغير شكله دون أن تتغيّر دلالته، وسوف أعطي مثالا للتوضيح، فصوت كلمات
الانسان المزكوم ليست كصوت الكلمات حين يكون الناطق غير مزكوم. بل أحيانا يكون
الانسان يحكي وهو يبكي، لا يبقى الصوت المبلّل محتفظاً بشكله حين يتكلم الانسان
وهو في حالته الطبيعية، ولكن معنى الكلام، هنا وهناك، يصل الى السامع. يصل الى اذن
السامع صوت المعنى مخلوطاً بصوت البكاء. وهناك مثل ثالث اخير اعطيه للتوضيح من
عالم الكتابة. من يكتب يلحظ ان الحرف الذي يكتبه تتغير صورته من كلمة الى اخرى،
ولكنّه يعرف ان هذا الحرف هو هذا الحرف لا ذاك رغم تبدّل شكله المكتوب. فالنقطة تحت
الباء لا تقع في كلّ مرّة يكتب فيها تحت الباء في المكان نفسه، مرّة أقرب إلى
اليمين، ومرّة في الوسط، ومرّة اقرب الى الشمال، ومرة تكون المسافة بين قاعدة
الباء والنقطة ابعد او اقرب ... إلخ. بمعنى ان احتمالات كتاباتها لا تحصر ومع هذا أتبيّن،
رغم كلّ هذه الخلافات والاختلافات، في كلّ مرّة حرف الباء او التاء او أي حرف آخر.
للباء المكتوبة صورة ذهنية تحتضن كل هذه الخلافات لأنّها تحذف كلّ هذه الخلافات
محتفظة بالسمة المائزة التي تفصلها عن حرف التاء او الثاء أو أي حرف آخر.
وهكذا
الأمر في الصوت، الصوت لا يخرج من الفم مرّتين في صورة فيزيائيّة واحدة. لكلّ نطق
صورة شمسيّة مغايرة، هي التي تجعل صوتي غير صوتك. فهناك في كلّ نطق ينقسم صوتي إلى
صوتين: صوتي الشخصيّ الفيزيائي وصوت الحرف
الفيزيائيّ. والا كيف أعرف من يكلّمني في الظلام إذا كنت أعرفه من صوته.
الصوت هويّة ليليّة.
وعليه
هناك صوتان للشخص الواحد؟
فأيّ
صوت هو العورة وأيّ صوت هو غير العورة؟
هل
صوت الحرف أم صوت الشخص؟ يبدو أنّ صوت الشخص هو العورة وليس صوت الكلمات، وعليه
فبالإمكان أن أستغني لفترة زمنية هي فترة زمن الكلام عن صوتي الشخصيّ المحرّم وأستعير
صوتاً آخر ليكون مَرْكَبة أوصل بها كلماتي مفصولةً عن صوتي، وهكذا اكون قلت ما
اريد من دون ان يرتكب صوتي الشخصيّ معصية التجوّل في آذان الآخرين!
المسألة
محيّرة نوعاً ما. وهل بالإمكان فصل كلماتي الخارجة من فمي عن صوتي؟ أنْ يغيّر الإنسان
صوته ليس مسألة عصيّة. وثمّة حكاية قديمة تحمل في طيّاتها إجابة عن تحليل سماع صوت
المرأة ولكن بشروط صوتيّة، والحكاية هي التالية، ولقد سمعتها شخصيّاً من عجوز طرابلسيّة طاعنة في السنّ، رحمها الله، كانت
تذهلني ببراءتها، وبساطتها، وإيمانها بالقصص والحكايات والخرافات إيماناً ساذجاً
جميلاً، لا يخامره شكّ. وفي السذاجة،
احيانا، فتنة طعمها لا ينسى! من ينسى فتنة حكايات الطفولة والجدّات؟
قالت
لي تلك العجوز رحمها الله ما يلي: حين كنت صغيرة كانت المرأة لا تكشف وجهها على
رجل غريب، ولا صوتها، أيضاً، على أذن رجل غريب، لأنّ الغريب الذي يسمع صوتها
يكون كأنّه " افتعل" بها. وانا هنا استعملت فعل" افتعل" الذي
سمعته من فمها الطاهر ويقصد انه من سمعها كمن زنى - والعياذ بالله – بها.
ولكن
المرأة كانت تضطرّ احيانا للحكي، كان الردّ على غريب بحكم الضرورة فماذا تفعل كي
لا يأثم فمها، أو يرتكب لسانها الحرام؟ وبأيّة طريقة تهرب من العيب الذي يطارد
شفتيها؟ كيف تحوّل الحرام إلى حلال؟ أو
بالأحرى كيف تفصل الحرام عن الحلال؟ ثمّة وسيلة كانت تستعملها المرأة في ذلك الزمن
حتّى لا تلحقها حرمانيّة وهي ان تضع طرف قماشة في فمها وتحكي، فيصير صوتها غير
صوتها اي انّها تمرّر الكلمات بصوت الكلمات، حسب ظنّها، لا بصوتها الشخصيّ. تفصل
صوتها عن الكلمات، تغربل الكلمات من صوتها الشخصيّ! اي انها بحسّ فطريّ يعرف
كيف يمشي في حقول الألغام استطاعت أنْ تفصل بين "الفونيم" و"الألوفون".
اعتبرت الفونيم حلالاً أمّا الحرمانية فهي من نصيب "الألوفون" لا
من نصيب الفونيم.
الصوت
الواحد بفضل قماشة أو طرف كمّ انشطر الى قسمين: قسم محرّم وقسم محلّل، قسم مباح
وقسم محظور. هذه الطريقة كانت تمارسها بعض النسوة في مدينة طرابلس في بدايات القرن
الماضي على ما قالت لي العجوز.
أمّا
اليوم! فلم يعد أحد يعرف، في زمن اختلال المعايير، اين موطن العورة؟ وما هي حدودها؟
فهي عورة نقّالة وجوّالة. وحدودها رخوة ومطّاطة ولا تضبطها، أحياناً، إلاّ
الرغبات.
بلال عبد الهادي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق