Pages

الاثنين، 9 مارس 2015

فسوق ابقراط


يظنّ البعض أنّ الطفل يولد "ورقة بيضاء"، ولا أعرف لماذا لا يقنعني هذا الكلام كثيراً، وأفضّل عليه اعتبار أنّ الطفل يولد "مسوّدةَ مخطوطةٍ" تحتاج إلى إعادة صياغة مستمرّة، وتعديل وتنقيح، وحذف فقرة هنا أو إضافة جملة توضيحية هناك، وإبدال كلمة بأخرى هنالك. وعليه فالانسان يمضي حياته كلّها في تعديل وتبييض ذاته المخطوطة. ويرى البعض أنّ الدنيا كتاب، وأنا من المقتنعين بأنّ الدنيا كتاب صفحاته من لحم ودم وأعصاب، كتاب تخطّه الجداول كما تخطّه الغيوم، وتضع علامات ترقيمه أشياء الحياة. وجه الشبه بين الدنيا والكتاب قائمٌ على غير صعيد، فالمعاني مرميّة في الطريق  كما ورد على لسان الجاحظ  سيد النثر العربيّ.  وهي مرمية، أيضاً، على صفحات الكتب، وما على المرء إلاّ أن يمارس هواية اللمّ وتقليب الصفحات، وهي هواية، على ما أرى، غاية في المتعة.

أنتج علم اللغة الحديث مفهوماً طريفاً في قراءة الأشياء، وهو مفهوم ليس جديداً كلّ الجدة، ولكن أُعيدَ تنظيمُه بحيث يبدو وكأنّه بنيان مرصوص. وهو يستوحي أدواته من دراسة اللغة. فاللغة نحْو، أي بتعبير آخر، تركيب وبناء علاقات بين الأشياء تثمر دلالات معينة. هذا العلم يعرف بعلم السيمياء أو علم العلامات، وهو على صلة نسب قوية بعلم الدلالة، أو علم المعنى، أي الطرق التي يسلكها الذهن وهو يقرأ وصولاً الى المراد والمقصود من استخدام الكلمات، سواء كان المراد اللغويّ محجوباً او مكشوفاً. اما علم السيمياء فهو قراءة الأشياء غير اللغويّة بعينٍ لغوية، وكان الناقد السيميائي الفرنسي رولان بارت في كتابه "ميتولوجيات" أو "أساطير"  قد قام بقراءة أشياء بسيطة يراها بعض الناس سخيفة، فهو قام بقراءة عدّة نصوص ولكن ليست نصوصاً من حبر. درس الحليب البريطانيّ وعقد مقارنة بينه وبين النبيذ الفرنسيّ، كما درس لعب الاطفال، وغير ذلك من أمور قد لا تراها عين المشاهد نصّاً كأي نصّ شعري او نثريّ.

  كلّ الشعوب تمارس، غريزيّاً، علم العلامة دون أن تدري. كما أنّ كل فرد من أفراد الناس لغويّ بامتياز، وليس من الضرورة أن يكون الإنسان متعلّماً  أو متبحّراً في اللغة كأبي علاء المعرّي حتى يكون نحويّاَ ولغويّاً. فالانسان كائنٌ نحويّ شاء أم أبى. الأمّ هي النحويّ الأوّل حين تلفت نظر ابنها وهو في بداية اكتسابه للغة على كيفية إطلاق الكلمات وعلى كيفية إخراج هذا الصوت أو ذاك، وهي لغوية حين تصحّح له كلمة أساء استخدامها أو وضعها في غير موضعها، فتقول له: "لأ ما تقول هيك، قول هيك". أي أنّ كتب " قل ولا تقل" لا تختلف عما تتفوّه به شفتا الأمّ حتى ولو لم تكن تدري ما معنى النحو!

والفراسة ضرب من ضروب السيمياء، أي قراءة الوجوه والملامح  بغية معرفة الشخصيّة الكامنة وراء الوجه، أو وصولاً إلى الوجه المتواري خلف قناع له سمات الوجه! والانسان ولوع بالأقنعة، وثمة أعياد تسمح للناس الاستغناء عن وجوههم واستبدالها بالأقنعة! ومن الطريف انّ كلمة شخصيّة في اللغة الفرنسية “personnage” من أصل دلالي يعني "القناع". وما جعلني أرجّح  في بداية المقال اعتبار الطفل مسودة مخطوطة وليس ورقة بيضاء هي الحادثة التالية التي أوردها الفيلسوف العربيّ فخر الدين الرازي، صاحب التصانيف البديعة، في كتابه "الفراسة". تتناول الحكاية الطبيب الأوّل أبقراط صائغ القسم الطبّي الشهير، رجل الاخلاق الحميدة والسيرة النبيلة، إذ قام ذات يوم طلابه برسمه على جلد ثم ذهبوا الى "بوليمون" المتفرّس الشهير، وصاحب العين التي لا تخطىء، لقراءة أخلاق وشخصيّة أستاذهم ابقراط من خلال صورته. قال الطلاب لبوليمون:" تأمّل هذه الصورة واحكم لنا على أخلاقها". نظر بوليمون الى تركيبة الصورة وقرن أعضاءها بعضها ببعض ثم قال: "هذا رجل خدّاع، فاسق، يحبّ الزنا"، فهمّوا على بكرة أبيهم لدى سماعهم هذا الكلام السيء بحقّ أستاذهم بقتل بوليمون وقالوا:" أيّها الجاهل، هذه صورة الفاضل ابقراط". فقال لهم:" سألتموني عن علمي فأخبرتكم". فغيروا رأيهم ولم يقتلوه ولكنّهم سخروا من علمه وادعاءاته التي ينكرها واقع أخلاق الفاضل ابقراط. ثمّ ذهبوا للقاء ابقراط وإخباره بما صنعوا وبما سمعوا، فقال لهم ابقراط :"صدق بوليمون" فذهلت أسماعهم مما سمعوا. إذ لا يعرفون عن ابقراط صفة من الصفات التي ألصقها به المتفرّس اللعين. هل لأبقراط حياتان، واحدة نعرفها وأخرى سرّية لا نعرفها؟ سؤال دار كالوسواس في أذهان طلاّبه. كلامك صاعق يا معلّم! كيف يكون بوليمون صادقاً وهو لم يتفوّه إلاّ بالكذب؟ فقال ابقراط:"والله ما أخطأ فيما تفرّسه حرفاً. هذه صفتي، وهذه خلتي. ولكن لما رأيت هذه الاشياء قبيحة ملكت نفسي عنها وغلب عقلي على شهوتي. وأيّ حكيم لا يغلب عقله على شهوته ليس بحكيم". ويعلّق الرازيّ قائلاً: "وهذا في الزيادة في فضل أبقراط لأنّ الفلسفة إنما هي ملك الشهوات" وهذا تعريف طريف للفلسفة وليس فيه لتّ وعجْن!

تذكرت، وأنا أقرأ حكاية ابقراط، الشاعر الجاهليّ زهير ابي سلمى وعلاقته بقصائده الموسومة بـ"الحَوْليّات" لأنّه كان يقوم على امتداد حَوْل كاملٍ بتنقيحِ وتشذيبِ وتهذيبِ ما كتبه من أبيات. وكلّ امرىء يعتبر ذاته ورقة كلماتها غير محتاجة إلى تعديل "حوليّ محكّك" ورقة لا تستحقّ القراءة بقدر ما تستحقّ الشفقة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق