الثلاثاء، 20 ديسمبر 2016

رسالة الغريب لأبي حيان التوحيدي الواردة في كتابه الإشارات الإلهية



يقول أبوحيان التوحيدي:

سألتني ـ رفق الله بك, وعطف على قلبك ـ أن أذكر لك الغريب ومحنه, وأصف لك الغربة وعجائبها, وأمر في أضعاف ذلك بأسرار لطيفة ومعان شريفة, إما معرضا, وإما مصرحا, وإما مبعدا, وإما مقربا. فكنت على أن أجيبك إلى ذلك. ثم إني وجدت في حالي شاغلا عنك, وحائلا دونك, ومفرقا بيني وبينك. وكيف أخفض الكلام الآن وأرفع, وما الذي أقول وأصنع, وبماذا أصبر, وعلى ماذا أجزع؟ وعلى العلات التي وصفتها والقوارف التي سترتها أقول:


إن الغريب بحيث ما حطت ركائبه ذليل
ويدُ الغريب قصيرة ولسانه أبدا كليل
والناس ينصر بعضهم بعضا وناصره قليل


وقال آخر:

وما جزعاً من خشية البين أخضلت دموعي ولكن الغريب غريب

يا هذا! هذا وصف غريب نأى عن وطن بني بالماء والطين, وبعد عن أُلاَّف له عهدهم الخشونة واللين, ولعله عاقرهم الكأس بين الغدران والرياض, واجتلى بعينه محاسن الحدق المراض, ثم إن كان عاقبة ذلك كله إلى الذهاب والانقراض, فأين أنت عن قريب قد طالت غربته في وطنه, وقل حظه ونصيبه من حبيبه وسكنه!؟ وأين أنت عن غريب لا سبيل له إلى الأوطان, ولا طاقة به على الاستيطان!؟ قد علاه الشحوب وهو في كن, وغلبه الحزن حتى صار كأنه شن. إن نطق نطق حزنان منقطعا, وإن سكت سكت حيران مرتدعا, وإن قرب قرب خاضعا, وإن بعد بعد خاشعا, وإن ظهر ظهر ذليلا, وإن توارى توارى عليلا, وإن طلب طلب واليأس غالب عليه, وإن أمسك أمسك والبلاء قاصد إليه, وإن أصبح أصبح حائل اللون من وساوس الفكر, وإن أمسى أمسى منتهب السر من هواتك الستر, وإن قال قال هائبا, وإن سكت سكت خائبا, قد أكله الخمول, ومصه الذبول, وحالفه النحول, لا يتمنى إلا على بعض بني جنسه, حتى يفضي إليه بكامنات نفسه, ويتعلل برؤية طلعته, ويتذكر لمشاهدته قديم لوعته, فينثر الدموع على صحن خده, طالبا للراحة من كده.

وقد قيل: الغريب من جفاه الحبيب. وأنا أقول: بل الغريب من واصله الحبيب, بل الغريب من تغافل عنه الرقيب, بل الغريب من حاباه الشريب , بل الغريب من نودي من قريب, بل الغريب من هو في غربته غريب, بل الغريب من ليس له نسيب, بل الغريب من ليس له من الحق نصيب. فإن كان هذا صحيحا, فتعال حتى نبكي على حال أحدثت هذه النفوة, وأورثت هذه الجفوة:

لعل انحدار الدمع يُعقب راحة من الوجد أو يشفى نجي البلابل

يا هذا! الغريب من غربت شمس جماله, واغترب عن حبيبه وعذاله, وأغرب في أقواله وأفعاله, وغرب في إدباره وإقباله, واستغرب في طمره وسرباله. يا هذا! الغريب من نطق وصفه بالمحنة بعد المحنة, ودل عنوانه على الفتنة عقب الفتنة, وبانت حقيقته فيه في الفينة حد الفينة. الغريب من إن حضر كان غائبا, وإن غاب كان حاضرا. الغريب من إن رأيته لم تعرفه, وإن لم تره لم تستعرفه. أما سمعت القائل حين قال:

بم التعلل!؟لا أهل ولا زمن ولا نديم, ولا كأس, ولا سكن

هذا وصف رجل لحقته الغربة, فتمنى أهلا يأنس بهم, ووطنا يأوي إليه, ونديما يحل عقد سره معه, وكأسا ينتشى منها, وسكنا يتوادع عنده. فأما وصف الغريب الذي اكتنفته الأحزان من كل جانب, واشتملت عليه الأشجان من كل حاضر وغائب, وتحكمت فيه الأيام من كل جانب وذاهب, واستغرقته الحسرات على كل فائت وآئب, وشتته الزمان والمكان بين كل ثقة ورائب, وفي الجملة, أتت عليه أحكام المصائب والنوائب, وحطته بأيدي العواتب عن المراتب, فوصف يخفى دونه القلم, ويفنى من ورائه القرطاس, ويشل عن بجسه اللفظ, لأنه وصف الغريب الذي لا اسم له فيذكر, ولا رسم له فيشهر, ولا طي له فينشر, ولا عذر له فيعذر, ولا ذنب له فيغفر, ولا عيب عنده فيستر.

أيها السائل عن الغريب ومحنته! إلى ههنا بلغ وصفي في هذه الورقات. فإن استزدت زدت, وإن اكتفيت اكتفيت, والله اسأل لك تسديدا في المبالغة, ولي تأييدا في الجواب, لنتلاقى على نعمته, ناطقين بحكمته, سابقين إلى كلمته.

يا هذا! الغريب في الجملة من كله حرقة, وبعضه فرقة, وليله أسف, ونهاره لهف, وغداؤه حزن, وعشاؤه شجن, وآراؤه ظنن, وجميعه فتن, ومفرقه محن, وسره علن, وخوفه وطن.

الغريب من إذا دعا لم يجب, وإذا هاب لم يُهب. الغريب من (إذا) استوحش استوحش منه: استوحش لأنه يرى ثوب الأمانة ممزقا, واستوحش منه لأنه يجد لما بقلبه من الغليل محرقا. الغريب من فجعته محكمة, ولوعته مضرمة. الغريب من لبسته خرقة, وأكلته سلقة, وهجعته خفقة.

دع هذا كله! الغريب من أخبر عن الله بأنباء الغيب داعيا إليه. بل الغريب من تهالك في ذكر الله متوكلا عليه, بل الغريب من توجه إلى الله قاليا لكل من سواه. بل الغريب من وهب نفسه لله متعرضا لجدواه.

يا هذا! أنت الغريب في معناك.

أيها السائل عن الغريب! اعمل واحدة ولا أقل منها, وإذا أردت ذكر الحق فانس ما سواه, وإذا أردت قربه فابعد عن كل ما عداه, وإذا أردت المكانة عنده فدع ما تهواه لما تراه, وإذا أردت الدعاء إليه فميز مالك مما عليك في دعواه. طاعاتك كلها مدخولة, فلذلك هي ليست مقبولة. هممك كلها فاسدة, فلذلك ليست هي صاعدة. أعمالك كلها زائفة, فلذلك ليست نافعة. أحوالك كلها مكروهة, فلذلك ليست هي مرفوعة. ويلك! إلى متى تنخدع, وعندك أنك خادع؟ وإلى متى تظن أنك رابح, وأنت خاسر؟ وإلى متى تدعي, وأنت منفي؟ وإلى متى تحتاج, وأنت مكفي؟ وإلى متى تبدي القلق, وأنت غني؟ وإلى متى تهبط, وأنت علي؟ ما أعجب أمرا تراه بعينك, ألهاك عن أمر لا تراه بعقلك. الحمار أيضا يرى بعينه ولا يرى بغيرها. أفأنت كالحمار فتعذر؟ فإن لم تكن حمارا, فلم تتشبه به؟ وإن كنت, فلم تدعي فضلا عليه؟ وإذا لم تكن حمارا بظاهر خلقك وصبغتك, فلا تكنه أيضا بباطن نيتك وجليتك. قد والله فسدت فسادا لا أرجوك معه لفلاح, ولذلك ما أدري بأي لسان أحاورك, وبأي خلق أجاورك, وفي أي حقيقة أشاورك, وبأي شيء أداورك؟ سرك كفران, ولفظك بهتان, وسرورك طغيان, وحزنك عصيان, وغناك مرح وبطر, وفقرك ترح وضجر, وشبعك كظة وتخمة, وجوعك قنوط وتهمة, وغزوك رياء وسمعة, وحجك حيلة وخدعة, وأحوالك كلها بهرج وزيف, وأنت لا تحاسب نفسك عليها: هلم, ولا: بلم وكيف. أ هـ

ما أسعد من كان في صدره وديعة الله بالإيمان فحفظها حتى لا يسلبها منه أحد! أتدري ما هذه الوديعة؟

هي والله وديعة رفيعة هي التي سبقت لك منه وأنت بدد في التراب لم تجمعك بعد الصورة, ولم يقع عليك اسم, ولم تعرف لك عين, ولم يدل عليك خبر, ولا يحويك مكان, ولم يصفك عيان, ولم يحطك بيان, ولم يأت عليك أوان. أنت في ملكوت غيب الله ثابت في علم الله, عطل من كل شيء إلا من مشيئة الله. ترشح لمعرفته, وتلحظ في صفوته, وتؤهل لدعوته. فما أسعدك أيها العبد! فهذه العناية القديمة من ربك الكريم الذي نظر لك قبل أن تنظر لنفسك, وأيدك بما لم تهتد إليه همتك, حتى إذا نشر مطويك ورتق مفتقك, وجمع مفترقك, وقوم منأدك, وسوى معوجك وفتح عينك, وطرح شعاعها على ملكوته التي جعلها قبالة بصرك, وعرفك نفسك, ودعاك باسمك, وشهرك بحكمته فيك, وأظهر قدرته عليك, وعجبك وعجب غيرك منك, ولاطفك ولطف لك, وبين لك مكانتك إذا أطعت, ومهانتك إذا عصيت. وثبت على شهواتك فتناولتها, وعلى لذاتك فانهمكت فيها, وعلى معاصيك (لمن هذا حديثه معك) فركبت سنامها, ولم تفكر فيما خلفها وأمامها. ولما قيل لك: اتق الله! أخذتك العزة بالإثم, وبؤت فيما فيك من نعم الله عليك تهر على ناصحك, وتهزأ بالمشفق عليك, وتحاجه بالجهالة, وتقابله بالكبرياء والمخيلة. إنك عندي لمن المسرفين, بل من المجرمين, بل من الظالمين, بل من الفاسقين, بل من المطرودين, بل ممن قد تعرض لأن يسلبه الله ما أعطاه, ويجعل النار مأواه, حتى يصير عبرة لمن وراه. أ.هـ.

يا هذا! أحجر أنت؟ فما أقسى قلبك! وما أذهبك فيما يغضب عليك ربك! أبينك وبين نفسك ترة أو كيد؟ هل يفعل الإنسان العاقل بعدوه ما تفعله أنت بروحك؟ لا ينفعك وعظ وإن كان شافيا, ولا ينجع فيك نصح وإن كان كافيا! اللهم تفضل علينا بعفوك إن لم نستحق رضاك.

ياذا الجلال والإكرام.

ميتالغة الكلام أو ما وراء اللغة


اللغة العربية  كغيرها من اللغات تعتمد عدّة طرق لتوليد كلمات جديدة تلبية لحاجات السوق اللغويّ، وسوق الكلمات مثلُ أيّ سوق متطلّب، وخاضع، في آن، لإرادة العرض والطلب. هناك كلمات جديدة تفرض نفسها بقوّة الأمر الواقع، تأتي مدحّجة بسلطانها، وهناك كلمات شخصيتها ضعيفة تسحقها أفواه المارّة في سوق اللغات. كلمات تجدها في الكتب والمجلات ولكنّها تبقى في حيّز التخصّص، وأنا أفضّل عليها الكلمات التي تنزل إلى السوق وتمشي في أفواه الناس وتكون في الوقت نفسه من كلمات أهل التخصّص. الكلمات التي تبقى حبيسة تخصصها كلمات تعاني من السمنة والترهّل وجسدها يحتاج إلى تمارين كثيرة لتحظى بالرشاقة البدنيّة، وقوامها الممشوق.
هناك كلمات يحاول البعض إنزالها إلى سوق التداول ويختلف ردّ فعل الناس حولها، سواء لغرابة الصيغة مثل بعض المفردات التي يمجّها ذوقي اللغوي - وقد أكون مخطئا- من قبيل " الفكرانية"، و" التاريخانيّة" وما جرّ مجراهما من كلمات لا تعيش إلاّ بالتنفّس الاصطناعيّ، فاللغة كالأكل واللبس أذواق، ولا اعتراض في عالم المذاقات والأذواق!
والنحت باب ضيّق، وواطىء عربياً بحيث إنّ المفردة العربية المنحوتة تزحف زحفاً للوصول إلى أهدافها بخلاف اللغات الهندو الأوروبية التي مهرت في تطويع النحت واستخدامه .
كلامي تمهيد للكلام على كلمة منحوتة. ليس من السهل ايجاد معادل عربي لها من كلمة واحدة. عالم المصطلحات عالم معقد لغوياً، ويبلبل أقلام الكتّاب ما بين تعريب وترجمة، وما بين ترجمة حرفية أو دلالية. ويعاني العربيّ أزمة عارمة في هذا المجال، فالعالم العربي ممزّق جغرافيا وآيديولوجيا( عدد المجامع اللغوية في العالم العربي عدد يظهر هذا التمزّق على الصعيد اللغوي أيضاً، والجامعة العربية ممزقة بين الانتماءات الايديولوجية لأقطابها ما بين تابع ومتبوع، والمجمع اللغوي شكل من أشكال السلطة، وكلّ مجمع يغنّي على ليلاه!).
الكلمة هي ( ميتالغة)، وهذه الكلمة هجينة، بنت الزواج المختلط، ولا نكران في أن الزواج المختلط جيّد على مستوى الصحّة للأجسام، ولكنه زواج غالباً ما يُسلَّط فوق رقبته سيفٌ اجتماعيّ أو دينيّ رهيف الشفرة، بتّار!
ميتالغة هي زواج بين كلمة أو بادئة غربية يونانيّة الأصل لا علاقة لها بالموت! ( ميتا ليست غريبة شكلاً عن اللغة العربية فهي على ألفة مع الموت، والشكل مراوغ يلعب بالدلالات!) ولاحقة هي كلمة "اللغة".
ويضاف إلى المقطع الغربيّ مقطع عربيّ! كلمة من منبعين، وعرقين، ولغتين! فالطريف في هذه الكلمة هو طريقة سبكها الدامج بين نظامين لغويين ( عربي/غربيّ) ، لكلّ منهما طريقته في التعامل مع الأصوات والمفردات والجمل.
فما المقصود بهذه الكلمة وهي كلمة يستعملها أكثر من باحث في شؤون علم اللغة الحديث أو ما يعرف بالألسنيّة؟
المقصود هو ما سمّاه الكاتب العبّاسيّ الكبير أبو حيّان التوحيدي ( الكلام على الكلام) وهي إحدى الوظّائف اللغوية التي لا يمكن للغة أن تستقيم أو تنوجد من دونها بحسب ما يرى العالم الألسنيّ الفذّ ياكبسون. وكلنا نستعمل الكلام على الكلام، نستعمله مع أولادنا ونستعمله في التعليم، ونستعمله في محتلف مجالات الحياة، فلولا الكلام على الكلام لانقطع خيط التواصل، وتعذّر فهم الناس لبعضهم البعض، فحين يسألك طالب مثلاً:  ما معنى هذه الكلمة أو تلك وتقوم بتفسيرها له، يكون كلامك كلاماً على هذه الكلمة، وعليه فالمعجم هو كلام على الكلام، وحين يقول لك شخص ما إعراب هذه الكلمة في هذه الجملة أو تلك فأنت حين تعربها له يكون إعرابك لها كلاماً على الكلام،  فالنحو، من هذا المنطلق، كلام على الكلام، وحين تشرح بيت شعر غامض فأنت حين تشرح تلبس عباءة الكلام على الكلام، وحين تكون تحكي ثمّ يقول لك قائل: ماذا تقصد بقولك؟ فأنت، وقت شرح مقصودك، تكون في حيّز الكلام على الكلام، وأنت حين تضع إصبعك على موطن الجمال أو المجاز او الاستعارة في جملة ما، فأنت تكون في عالم الكلام على الكلام. وعليه، لا مفرّ من الكلام على الكلام، والكلام على الكلام مجبور عليه كلّ لسان، لسان العلماء ولسان الجهلاء على السواء، إذ كلّ عالم هو في مكان ما جاهل، وكلّ جاهل هو في مكان ما عالم.
 والبعض لا يستهويه هذا النحت المركّب من كلمتين ولغتين لا تربط بينهما صلة رحم، ويفضل وضع معادل مركّب من كلمتين عربيتين هما ( اللغة الشارحة)، ومن يتأمّل كلامه أو كلام غيره يعرف أن لا غنى لهذه الوظيفة الحيوية.
وميتالغة هي مرادف لكلمة métalangue
وméta هي بادئة لغوية نراها في اللغات اللاتينية والإنكليزية، وتعنى "وراء" أو "ما وراء" ومن هذه البادئة ولدت " الماورائيات" العربية من حيث هي مصطلح من مصطلحات الفلسفة الميتافيزيقية!
وأختم هذا المقال بالفقرة التي وردت فيها عبارة " الكلام على الكلام"، في الليلة الخامسة والعشرين من كتاب أبي حيّان التوحيديّ " الإمتاع والمؤانسة"، وهي ليلة يدور فيها الحديث عن مراتب النظم والنثر وأـشكال البلاغات، يقول التوحيديّ:
قال- أدام الله دولته- ليلة: أحبّ أن أسمع كلاماً في مراتب النّظم والنّثر، وإلى أيّ حدّ ينتهيان، وعلى أيّ شكل يتّفقان، وأيّهما أجمع للفائدة، وأرجع بالعائدة، وأدخل في الصّناعة، وأولى بالبراعة؟؟
فكان الجواب: إنّ الكلام على الكلام صعب. قال: ولم؟ قلت: لأنّ الكلام على الأمور المعتمد فيها على صور الأمور وشكولها التي تنقسم بين المعقولـ وبين ما يكون بالحسّ ممكن، وفضاء هذا متّسع، والمجال فيه مختلف. فأمّا الكلام على الكلام فإنّه يدور على نفسه، ويلتبس بعضه ببعضه، ولهذا شقّ النّحو، وما أشبه النّحو من المنطق."

بلال عبد الهادي

الأربعاء، 7 ديسمبر 2016

فيروس لغوي


قرأت عن فيروس رقمي اسمه " سترنكنهوايت"، وهو يغار على اللغة الانكليزية، وغير راض عن الأخطاء اللغوية الكثيرة التي يراها تسرح وتمرح على هواها في صفحات الانترنت. فقرر ان يمنع كلّ رسالة ترسل بالبريد الإلكتروني من الوصول الى المرسل إليه في حال كان فيها أخطاء لغوية. حارس رقميّ متشدد يسهر على راحة  الكلمات والتراكيب. لم يكتفِ هذا الفيروس بالجانب اللغويّ بل هو لا يتقبل ارتكاب الأخطاء في علامات الترقيم، يعيد الرسالة إلى صاحبها طالبا منه تصحيح رسالته مع إعلامه بأماكن الخطأ. مدقق لغوي غريب الأطوار، قرصان يستثمر مقدرته في الدفاع  عن اللغة الانكليزية. وماذا لو قام عربيّ بليغ لغويا ورقميا بعمل برنامج عربي ينشر حواجزه الرقمية الطيّارة في فضاء الآنترنت ويمنع أي رسالة عربية غير مطابقة لمواصفات النحو من العبور ويعيدها القهقرى إلى صاحبها؟

فلترة رقمية

هناك برامج فلترة رقمية تتعامل مع اللغة بطريقة غريبة. وعادة ما تستعمل هذه الفلاتر أو المرشّحات أو المصفِّيات لإبعاد المواقع الإباحية عن العيون وهي تنبت كالفطر. ولكن كيف تتعامل هذه المرشحات التي تملك معجماً بالكلمات المحظورة مع الكلمات؟ سآخذ مثالا واحدا يعطي فكرة عن ذلك. كلمة analysis  كلمة لا غبار عاليها لغوياً، وليس في معناها ما يوحي بأنها كلمة خارجة على قانون الأخلاق،  ولكن المرشح لا يعتبرها من الكلمات اللائقة ويقوم بحذفها وذلك أنه رأى في حروفها الأربعة الأولى  كلمة تخدش بشرة الحياء الرقيقة أو يخلّ بالآداب وهي كلمة anal أي الشرج.
عمليا كلمات كثيرة في كل لغات العالم تكون في منتهى الأخلاقية ولكن إذا نظرت إلى مقاطعها مقطعا مقطعا تكتشف أن مقاطعها ليست أكثر من كلمات نابية. هناك برامج " حنبليّة"! ماذا يكون مصير كلمات كثيرة حين تقع بين يدي هذا الجلاّد اللغويّ، والرقيب العتيّ الذي لا يرحم ولا يحترم أصول تكوين الكلمات. لا ريب في أنّ الحاسوب يحتاج إلى فتّ خبز كثير حتى يستوعب أشياء كثيرة من عالم اللغة، فحتّى غوغل محرّك البحث الأضخم لا يزال يقع في فخاخ اللغة، ليس من السهل الانتصار في كلّ الميادين على اللغة، وربّما السبب كما يقول علماء اللغة  وعلماء الذكاء الاصطناعيّ هو الكذب، فالكمبيوتر لا يكذب، ولا يعرف أن يكذب، ولا بدّ من إيجاد طريقة لتلقينه فنون الكذب! وأيّ دور للكذب في المجال اللغويّ؟ نعرف أنّ الحقيقة حقيقتان على الأقلّ، والحقيقة في المجال اللغويّ لها حافظ أمين هو المجاز، فالمجاز عكس الحقيقة بقدر ما الكذب عكس الحقيقة. وعليه فالحقيقة يحيط بها الكذب كما يحيط بها المجاز. ومن لا تزال الترجمة الآلية تحتاج إلى مرشد بشريّ لأنّها لم تبلغ بعد سنّ الرشد. يتبلبل ذهن " الخوارزميّات" حين تضعها على المحكّ مع عالم اللغة المفتوح على شتّى أنواع المجازات والاستعارات.  
هناك كلمات عربية كثيرة بحكم الميتة في اللغة العربية ، ولكنها حيّة ترزق في لغات غير عربية: إسبانية، ايطالية، برتغالية، فرنسية، انكليزية...

مصير كتاب
 الكتاب حين يخرج من المطبعة ينفصل عن كاتبه، تصير له حياته الشخصية، تجربته الشخصية، وعلاقات لا يعرف عنها الكاتب شيئا. أي كاتب يستطيع أن يدّعي انه يعرف سيرة حياة كتابه؟
أين ذهب، مع من تغدّى، على أي طاولة استراح، كيف قضى ليلته الأولى؟ مع من اقتناه؟ الى اي بلد راح مهاجرا؟ والى اي ابجدية التجأ. هل كان يخطر ببال المتنبي انه سيولد في الصين شخص يحبّ العرب، فقرر ان يتخصص في العربية، ويكتب عن العرب ويترجم مجموعة من القصائد إلى اللغة الصينية ومنها قصائد للمتني مثلا؟ حتّى غوغل لا يدّعي انه يعرف سير الكتب التي تملأ صفحاته. حياة الكتاب تؤمن بتقمص الأرواح. وهل الترجمة غير شكل من اشكال التقمّص؟ تخلع الكلمات الفاظها وترتدي أبجديات لا يعلمها كاتب الكتاب، ولا يحسن التعامل معها.
ما هي ردّة فعل نجيب محفوظ رحمه الله وهو يرى مثلا كتابه المترجم الى اليابانية حين يقع بين يديه، هل هو كتابه؟ أليس من المضحك مثلا ان يقع كتاب كاتب بين يديه كتبه كلمة كلمة ولكن يجهل ان يقرأ منه كلمة لأنه يعود اليه من لغة مجهولة؟ لا اعرف ما هي ردّة فعل الكاتب حين يقع بين يديه كتابه وقد ترجم الى لغة لا يعرف كوعها من بوعها! شعور غريب ومريب. يكتشف الكاتب انه يجهل كلّ ما يعرف. يتحوّل إلى اميّ لا يألف الألف من العصا!  بين يدي كتاب كتبه بيديه, فسبحان من جعل من اللغات آيات !

eBay


اللغات التي تستعمل الحرف اللاتيني تملك فرصة لا تملكها العربية ( ولكن هذا لا يعني ان العربية لا تملك فرصا كثيرة) وهي استخدام الحرف الكبير  (M) والحرف الصغير. (m)، ولكلّ حرف شروط استخدام ووظائف استخدام.
الحرف الكبير يكتب في اول الجملة، او يبدأ به اسم العلم، لكن الحاسوب نسف قواعد  كتابية راسخة كثيرة، وأميركا،  على التحديد،  امة تحب المغامرة والمبادرة، وهل اميركا غير ثمرة من ثمرات المغامرات الكولومبية؟
وضعت عنوانا لهذه الفقرة عبارة بالحرف اللاتيني وهي اسم موقع مبيعات شهير، ولكن لا لأتكّلم على عبقرية منشئه في ميدان التسويق وتوليد الأفكار وإنما لسبب لغويّ حيث  نلحظ ان الكلمة eBay بدأت بحرف صغير بخلاف الشائع والمألوف وثنّت بحرف كبير، وكذلك اسم الموقع التالي linkedIn حيث نلحظ ان الحرف ما قبل الأخير (I) كتب بالحجم الكبير بخلاف تقاليد الكتابة. ثقافة الدوت كوم غيّرت من علاقة الأصابع بكتابة الحروف وقواعد كتابية كثيرة.