‏إظهار الرسائل ذات التسميات منامات،. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات منامات،. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 10 مايو 2020

#منام



راح #دانيال_إيرفيت إلى قبيلة البيراها ليتعلّم لغتهم.
البيراها قبيلة تعيش في غابات الأمازون.
عانى الأمرّين لتعلّم هذه اللغة التي باء كلّ من سبقه في تعلّمها بالفشل والإحباط، كان يصيبهم بعد فترة من الزمن ما يشبه الجنون، تظهرهم عاجزين رغم تفوّقهم في دراسة اللغات.
ما لفت نظري وقوفه عند كلمة موام في لغتهم، الكلمة ليست كلمة ، إنّها جملة: ما في رأسك عند النوم. لو توقّف الأمر هنا لما أثار الاستغراب، فكلّ اللغات يمكنها أن تحوّل كلمة إلى جملة، أو مجموعة كلمات، على طريقة تحويل القطعة النقدية الواحدة إلى عدّة قطع، فالألف ليرة فرد شقفة، قد تحولها إلى قطعتين نقديتين من فئة الخمسمائة ليرة، أو إلى ثلاث قطع، قطعة من فئة الخمسمائة ليرة، وقطعتين من فئة المائتين والخمسين، أو أربع قطع مثلا. دائما هناك إمكانيّة تعدّد في المفرد.
ظنّ إيفرين أنّه اكتسب مفردة جديدة، ولكنّه لاحظ فيما بعد أنّ هذه الكلمة لا تعني المنام، قد تعني شيئاً آخر لا علاقة له بالمنام، ولا علاقة له بما نتخيّله، بل هو كأي شيء يصادفونه في اليقظة، فهي أي كلمة منام تستعمل لما تراه في اليقظة، فالمنام حدث كأي حدث فتلي يصادفونه في عالم اليقظة.
لا حدود فاصلة، على الصعيد اللغوي، بين عالم اليقظة وعالم النوم، وأعمالك المناميّة تعامل معاملة الأشياء اليوميّة!
لقد زعزعت نظريته التي استخرجها من صلب لغة قبيلة شبه مجهولة نظريّة تشومسكيّ حول الكلّيّات النحويّة.
أخذته معايشته الحميمة واليوميّة لتفاصيل حياة أهل البيراها إلى أن يصير واحدا منهم، فدرسهم من الداخل، ورأى العالم بعيونهم، وحتّى يتقن لغتهم تقمّص روح طفل بيراهيّ وأظهر دور الثقافة في تشكيل اللغة.
حين ذهب إيفرين ، بداية، ذهب بهدف تعلّم لغتهم لترجمة الإنجيل، ذهب بروح مبشّر ديني، فهو كان قسّاً، وكان من غاياته الوصول إلى تنصيرهم، ولكن بعد معايشته معهم، تخلّى عن الهدف الأساس، واعتبر أن تنصيرهم سيفسد حياتهم وسعادتهم، كما سيشوّش لغتهم، وانفصل عن الكنيسة في نهاية المطاف

السبت، 26 يناير 2019

منامات الفصحى!



وجد مخرجو الأفلام والمسلسلات العربية وظيفة للغة الفصحى في ثنايا اللغة المحكية. نجدها تدخل في سياق زمن ماض نابت من قلب اللحظة الراهنة ( لغة الذكريات)، أو تدخل في سرد أحداث #منام.
#الفصحى هنا تعادل في عالم الألوان ما يقوم به المخرج حين يدخل الأبيض والأسود في لبّ المشهد الملوّن. يصير التصوير الأبيض والأسود في #الأفلام لغة لونية للكلام على المنامات والذكريات. 
فكلّ ذكرى هي بنت زمن غابر

الخميس، 17 يناير 2019

منام والدة بوذا


لا تخلو سير عظماء الناس في مشرق الأرض ومغربها من بادئة مناميّة.
تبدأ حياة العظماء وهم في الأرحام أو تّى قبل أن يتموقعوا في الأرحام.
بوذا بحسب التاريخ أو الأسطورة فإنّ والدته مايا قد رأت في منامها قبل أن تحبل به فيلاً أبيض له ستّة أسنان عاجيّة تقدم منها ولمسها بطرف خرطومه من خاصرتها.
المنام نصّ أجنبيّ يحتاج إلى مترجم أو معبّر يعبر به من ضفّة الضباب أو المعنى المبهم إلى الضفّة صفاء المعنى.
خرج بوذا من خاصرة والدته التي لمسها الفيل وليس من بطنها أو مكان الخروج المعتاد.
الأسطورة تحتاج أن تتزوّد ببعض المنامات

الخميس، 26 مايو 2016

الترجمة ومنام المأمون من كتاب الفهرست لابن النديم

عن ابن النديم:

 "أن المأمون رأى في منامه كأن رجلا أبيض اللون ، مشربا حمرة ، واسع الجبهة ، مقرون الحاجب ، أجلح الرأس ، أشهل العينين ، حسن الشمائل ، جالس على سريره .
قال المأمون :
كأني بين يديه قد ملئت له هيبة ، فقلت :
- من أنت ؟
فقال :
- أنا أرسطاليس.
فسررت به و قلت :
- ايها الحكيم ، أسألك ؟
قال :
- سل .
فقلت :
- ما الحسن ؟
قال :
- ما حسن في العقل .
قلت :
- ثم ماذا ؟
قال :
- ما حسن في الشرع .
قلت :
- ثم ماذا ؟
قال :
- ما حسن عند الجمهور .
قلت :
- ثم ماذا ؟
قال :
- ثم لا ثم .
فكان هذا المنام من أوكد الأسباب في إخراج الكتب ..."
ص 301

السبت، 5 سبتمبر 2015

من أحاديث الموتى

لا ندري بالتمام والكمال مدى صحة الرؤيا التي رآها الخليفة العباسي المأمون وغيّرت من مجرى تاريخ الفلسفة في العالم الإسلامي، بحسب الرواية التي رواها القفطيّ في كتابه "تاريخ الحكماء". ولكن لا ريب في أنّ رؤيا المأمون لأرسطو كبير الفلاسفة الإغريق وحواره المناميّ معه جعلته يعتني عناية فائقة بترجمة التراث الفلسفي الإغريقي إلى العربية وإنشاء بيت الحكمة. ويا ليته رأى من جملة من رأى هوميروس فربّما كان من شأن ذلك أن يدفعه إلى الاعتناء أيضاً بكتب الأدب والأساطير العفيّة التي لم تنل حظوتها من الترجمة إلاّ حديثاً.
المتتبع لدور عالم الأحلام في الحضارة العربية أو غيرها من الحضارات يلحظ أموراً طريفة جدّا خرجت من أرحام الأحلام. فالإنسان لا يتصرّف أحياناً بناءً لما يمليه عليه ضميره وإنما بناء لما تمليه عليه مناماته. وربّما كانت منامات المرء تكشف عن خفاياه ونواياه أكثر مما يكشفه سلوكه اليوميّ الذي ليس بالضرورة أن يكون صورة نقيّة عن مكنونه.
الفراق مرّ المذاق، والإنسان حين ينفصل عمن يحبّ في الدنيا لا يطيق انتظار الآخرة لملاقاته. والميت قد يكون عاطفيّا ورقيق القلب ويشعر بالشوق لمن غابت عنه وجوههم فيتسلل إلى أحبابه للسمر معهم من باب الأحلام طوراً لحديث عاديّ وطورا لإسداء نصيحة أو إعطاء رأي. ويمكن قراءة أخبار الرائين الكثيرة المتناثرة في كتب التعابير والأحلام العربية أو غير العربية ليرى المرء كمّ التغيرات التي تحدثها الأحلام في حياة الأحياء. ويحضرني هنا كتاب العالم النفسيّ الشهير اريك فروم الموسوم "اللغة المنسية" حيث يحاول على امتداد صفحاته بلورة الأبجدية المنامية، ووضع صرف ونحو إذا صحّ التعبير لمادّة المنام الهلاميّة أو لهذه اللغة المنسيّة كما أحبّ أن يسميها باعتبارها لدى بعض من ينسب نفسه إلى العقلانيّة من قبيل الأباطيل أو الترّهات. وسواء كانت المنامات من هذيانات خيال محموم أم لا، فهي غيرت سلوك أشخاص كثيرين لعبوا أدواراً حاسمة في التاريخ كالاسكندر أو تيمور لنك.
في المنامات ما يخطر وما لا يخطر على بال، ولعلّ من أطرف ما في المنامات، هو ما ترويه عن الموتى الذين يلبسون في فترة المنام لباس الأحياء، ويتصرفون كما كانوا يتصرفون في حياتهم اليومية الغابرة، بل ربما ينشطون أكثر! وما من حيّ إلا وله تجربة ولو عابرة مع من فارق الدنيا. ومن الطريف حقّاً رصد ما يقوله الأموات عن الأحياء، وسماع تعليقاتهم على أحداث الدنيا الساخنة التي يرونها من بعيد، والنظرة عن بعد تكون في أي حال بانورامية أكثر. ليس للميت من وسيلة دنيوية للتعبير عن نفسه أو للتواصل مع الأحياء إلاّ هذه الوسيلة، كلّ ما قاله في حياته الدنيا من كلام أو كتابات ينتسب إلى الماضي، وإعطاء كلامه القديم دلالة مستجدّة من قبيل التأويل الذي لا يصحّ إلا بمباركة أو مشاركة مباشرة منه عن طريق ظهوره في رؤيا ما! وهذا كثير الحدوث في التاريخ، وكتب الأدب والتاريخ تزخر بمواقف الشعراء الموتى أو المتصوفة من تفسيرات وتآويل لأقاويلهم لا تنال استحسانهم فيتدخلون مناميّاً لإعادة معنى القول إلى مجراه الطبيعيّ.
ولا يمكن لأحد أنْ يجرؤ على نكران الأحلام وفعاليتها، ففي كلّ الكتب السماوية أو ما يقوم مقامها في حضارات غير سماويّة أحاديث عن المنامات. وما قصة يوسف المنامية ببعيدة عن ذهن القارىء فيما أتصور، والميت يتدخل في أحداث الساعة ليس فقط في الرسم الكاريكاتوري كما نرى في رسومات فنانين على صفحات الجرائد حيث يرسمون الميت وهو جالس على غيمة بيضاء يخاطب الأحياء ويعلّق على أحداث الساعة من عليين، ولعلّ هذه الصور الكاريكاتورية ليست إلاّ ترجمة حرفية لأحلام الرسّام.
ولكن الميّت لا يستطيع أن يحقق أهدافه إلا بمساعدة الأحياء فهم من يترجمون رغباته ويحققون أحلامه إن كان للميت من أحلام منعه فيض الروح من تحقيقها. وقد يساهم منام ما في إنشاء غرض أدبيّ ما كان له أن يوجد بالصورة التي هو عليها الآن لولا منام عابر في ليل الأحياء. تروي لنا كتب التاريخ الأدبي حكاية الشاعر البوصيريّ (1212-1296)الذي اشتهر بمدائحه النبوية ولا سيما مطولته "البُرْدة" (160 بيتاً) التي قام أكثر من شاعر بمعارضتها والنسج على منوال بردتها ووزنها وقافيتها، ولم يكن آخرهم أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته "نهج البردة" التي مطلعها:
رِيْمٌ على القاع بين البانِ والعَلَمِ أحلَّ سفكَ دمي في الأشهر الحُرُمِ
ورد في سيرة حياة البوصيريّ انه كان مقعدا، فرأى الرسول عليه الصلاة والسلام في المنام وهو يحثّه على الوقوف على رجليه والسير بشكل طبيعيّ. قام البوصيري من نومه ووقف على رجليه وكأنه لم يكن فيما مضى مقعداً لا تطاوعه قدماه. عبّر عن شكره وفرحته بإنشاء مدحته النبوية التي صارت غرضاً شعرياً بامتياز، ومطلعها للتذكير ليس أكثر:
أَمِنْ تذكّر جيران بذي سَلَمِ مزجت دمعاً جرى من مقلةٍ بدم؟
هل كان لهذا الغرض الشعري أن يرى النور على هيئته تلك لو لم يغمض البوصيريّ عينيه ذات ليل على منام أعاد إليه عافية قدميه؟

الاثنين، 27 يوليو 2015

بنفسج فرويد ونحاس ابن سيرين



أبدأ مقالي هذا بتساؤل هو التالي: ما الذي يجمع بين فرويد وابن سيرين أو بين فرويد وعبد الغني النابلسي؟ طبعاً، لا الزمان يجمعهم، ولا المكان، ولا اللسان، ولكن ثمّة ما هو بمثابة خيط خفيّ يجمع بينهم، خيط لغويّ من خيوط " اللغة المنسية" وهو التعبير الذي أطلقه  اريك فروم على لغة المنامات. لا يمكن لأحد ان يدّعي ان ابن سيرين لغويّ من طراز سيبويه او ابن جنّي،  أو انّ عبد الغني النابلسي من طراز الخليل بن احمد الفراهيدي، كما لا يمكن لأحد ان يدّعي ايضا أنّ فرويد عالم لغويّ من طراز ده سوسير أو تشومسكي. ومع هذا فثمة جامع بينهم وهو طريقتهم في فكّ شيفرة المنامات، فلفرويد كتاب بعنوان " تفسير الاحلام "، ولابن سيرين كتاب أيضا بعنوان "تفسير الاحلام"، ولعبد الغني النابلسيّ كتاب "تعطير الانام في تعبير المنام". وسيتبين الشبه بينهم من خلال الكلام عن شيئين، فرويد تكلّم على دلالات البنفسج في منام فتاة، وابن سيرين تكلم على دلالة خاتم من نحاس في المنام العربيّ. في الظاهر لا شيء يجمع بين البنفسج والنحاس، من حيث الظاهر، والظاهر مراوغ كبير لا بدّ من التعامل معه بحذر وحيطة شديدين!

يروي فرويد حكاية فتاة رأت في منامها البنفسج والأزهار. قد يظنّ البعض ان الدلالة ذات عطر فوّاح! ولكن كلمة " بنفسج"  لم تربطها الفتاة بالبراءة وإنّما بالاغتصاب. ما الذي دفع الفتاة إلى تكوين صورة سيئة السمعة عن البنفسج؟ وما الجريمة التي ارتكبها البنفسج ليتّهم بالاغتصاب؟ لا بدّ من البحث هنا عن اللغة، إنّ اسم البنفسج الإنكليزيّ هو.violet  هذه التسمية هي التي أنبتت المعنى المناميّ المُغتصِب، والسبب هو القرب الصوتيّ بين اسم البنفسج الانكليزيّ وكلمة أخرى تحمل معنى الاغتصاب وهي violate . طبعاً، لا يمكن نسيان أنّ الفتاة التي رأت المنام كانت على وشك الزواج كما تقول لفرويد، بمعنى أنّ سياق المنام الزمنيّ جزء من التفسير، فهي عذراء خائفة من " ليلة الدخلة " أي ليلة فضّ البكارة. وثمّة تجانس صوتيّ على غير صعيد بين المنام وبين ما ينتظر الفتاة . لماذا الخوف يعبر عنه بالأزهار؟ فهي رأت مجموعة من الأزهار في منامها ليس لأنّها أزهار وإنّما لأنّ الزهر الانكليزيّ شبيه من حيث الاسم بكلمة " فضّ البكارة ". بين " flowers " و" defloration "  تشابه صوتيّ كان كفيلاً بترجمة مخاوفها من المرحلة الجديدة من حياتها. الحقّ، هنا، على الجناس الذي لعب بدلالات مفردات المنام. من يتحكّم بالمدلول هنا؟ إنّه، فيما يبدو، " الدالّ"  أي الكلمة، واختلاف الدوالّ في اللغات يعني أنّ المنام الواحد لا يملك مقوّمات العالميّة لأنّه أسير أبجديته؟ المنام محكوم، كما نرى في تفسير فرويد، بلغة الرائي. وهل كان البنفسج سيحمل هذا التفسير لو لم يكن له هذا الاسم باللغة الإنكليزية؟

ثم ان المنام محكوم، أيضاً، بجنس الرائي. هذا المنام لا يملك هذا التفسير إلاّ لأنّ من رآه فتاة عذراء وليس امرأة متزوجة، ولأنّ من رآه فتاة وليس صبياً او رجلاً.

تفسير منام في محلات كثيرة لا يختلف عن تفسير نصّ، لا مفرّ من الحصول على اكبر قدر ممكن من المعطيات اللغويّة والسياقية لمعرفة المعنى المناميّ المندسّ في أصوات اللغة.

من يتأمّل دلالات البنفسج في اللغة العربيّة، يجد اختلافات، فالاغتصاب يتوارى عن الأنظار، وإن ظلّت المرأة بيّنة الظهور. فابن سيرين يقول إنّ من رأى البنفسج، في منامه، فهذا يعني: " جارية ورعة، والتقاطها تقبيلها"، والحديث عن القبلة لا يغيّب ورع الجارية. أمّا النابلسيّ فيقول ان البنفسج معناه " جارية بارعة"، والبراعة هي الكلمة الوحيدة التي يضيفها النابلسيّ على تفسير ابن سيرين.

هناك أشياء غير مستحبّ رؤيتها في المنام، والسبب لغويّ لا غير كما رأينا في البنفسج الإنكليزيّ. وحين أقول إنّ السبب لغويّ فهذا يعني أنّ تفسير المنام خاضع للغة المتكلّم أو، في الأقل، للغة يعرفها. فالمنام أسير اللغة، أسير الأصوات والدلالات والاستعمالات. وهنا سأستعين بدلالة النحاس العربيّ، لأنّ دلالة النحاس في منام لغة أخرى يحمل دلالة أخرى قد تكون على نقيض ما يحمله في العربية، فلا ننسى أنّ العالم يعجّ بأصوات أكثر من خمسة آلاف لغة، اي انه نظريّا يمكن ان يكون للمنام الواحد ما لا يقلّ عن خمسة آلاف دلالة. النحاس في العربية معدن غير محبوب وغير مشكور رؤيته في المنام، فرؤيته في المنام لا تبشّر بالخير. ليس لأنّه معدن غير نفيس أو لأنّ مكوّناته شديدة السوء، فالنفاسة لا تنقذه من مصيره الأسود، كما لم يتشّفع للذهب في المنام العربيّ كونه ينتسب للمعادن النفيسة، وانما لأن اسمه مغضوب عليه بسبب الجناس، والجناس وسواس خنّاس، يوسوس في صدور الدلالات ويغيّر مجرى تفسيرها. إنّ قرب النحاس الصوتي من النحس جعل مصير دلالته المناميّة مرتبط بالنحس، فالنحس والنحاس في العربية من مصدر واحد. وهذا الاشتراك في الجذر كان سبباً في ان يشتركا في مصير دلاليّ واحد. في لغات أخرى النحاس لا يحمل أيّ دلالة سلبية لأنّه غير مقرون، جذريّاً، بالنحس كما في العربية.

لا يختلف أمر الذهب عن أمر النحاس .والكلام هنا من سيد مفسرّي المنامات في التراث العربي وأقصد ابن سيرين، ويمكن مراجعة ذلك في كتابه: " تفسير الأحلام الكبير" حين يتناول رؤية الخاتم وكيف انّ من يتحكّم بدلالة الخاتم هو معدنه. يقول ابن سيرين:" وإمّا إن كان ( اي الخاتم) ذهباً فلا خير فيه( هنا نفاسة المعدن لا قيمة لها لأنّ الذهب والذهاب من جذر لغويّ واحد) وكذلك إن كان حديداً لأنّه حلية أهل النار، أو نحاساً لما في اسمه من لفظ النحس، وما يصنع منها من خواتيم الجنّ، نعوذ بالله من الشرّ كلّه". فدلالة الخاتم، هنا، هي بنت معدنه، وهذا واضح في كلام ابن سيرين، وهي أي الدلالة مقرونة، أيضاً، بختم سليمان النحاسيّ، وبيّن، أيضاً، ربط الدلالة النحاسيّة بالشرّ، فهو معدن شرّير ويجلب النحس، ورائيه يرتكب المعاصي على حسب ما قاله ابن سيرين في عبارته التالية:" فمن رأى كأنّ فخذيه نحاس فإنّ عشيرته تكون جريئة على المعاصي". والمعصية هنا، ليست معصية فردية وإنّما جماعية وموصوفة بالجرأة. أمّا النابلسي فيضيف تلوينات على المعنى، فيقول: "من رأى في يده شيئاً منه فليحذر أناساً يعادونه، ومن رأى نحاساً فإنّه يُرمى بكذب وبهتان ويشتم".

المسألة ليست حكراً على العربيّة، فأنت تجد، لهذه اللعنة اللغويّة التي تلحق بالمنام، مثيلات في الأنكليزية والألمانية والفرنسية والصينيّة وغيرها من لغات العالمين.


بلال عبد الهادي

الثلاثاء، 21 أبريل 2015

اللعب بالمنامات


لا أدري مدى صحّة الحكاية التالية، ولكن أظنّها تستحقّ أن تروى، ولقد رواها ابن الجوزي في " كتاب الأذكياء"، ولابن الجوزي كتابان طريفان يكمل بعضهما بعضا، الأول هو "كتاب الأذكياء" والثاني هو" كتاب الحمقى والمغفلين". وكأنّ ابن الجوزي وجد أن الكتابة عن الذكاء تستدعي حكماً الكتابة عن الغباء، وابن الجوزي ليس شخصية عابرة في تراثنا الإسلاميّ.

تقول الحكاية إن سعيد بن عثمان تسلل إلى الخليفة المهدي من باب المنامات. ولا ريب أن الاحتيال في المنامات لا حصر له. فليس أسهل من أن تقول رأيت في المنام كذا وكذا لأنّه ليس بمقدور أحد أن يكذبك ولا أن يصدقك،  وعليه أنت بين بين، فكل منام تخترعه هو، في نظر الناس، منام قابل لأن يكون مناماً حقيقياً، رافقك هنيهات من نومك، وقد يكون حيلة من حيل اليقظة للوصول إلى مآرب لا يعلمها إلا واضعها. من هنا حذر الرسول عليه الصلاة والسلام من الذي يكذب مناميّاً.

سعيد بن عثمان الرائي مراءٍ جدّا ومغامر،أيضاً، جدا. فليس مستحيلا أن ترى أي شيء في منامك ولكن أن ترى في منامك منام غيرك الذي لم يره بعد فهذا من أعاجيب المنامات. والرجل القادم إلى الخليفة يريد أن يعلن للخليفة انه في ليلته هذه سوف يرى كذا وكذا. حين سمع الخليفة كلام الرجل ظنّه يخرف أو أنّه مجنون وأنّب الحاجب الذي سمح له بالدخول إلى بلاطه. قال الخليفة :" إني والله أرى الرؤية لنفسي فلا تصحّ لي فكيف إذا ادعاها من لعله قد افتعلها؟!". كلمة افتعال الواردة في قول الخليفة معبرة جدا وتظهر انه على دراية تامة بألاعيب المنامات ومن يراها.  ولكن يبدو أن سعيد بن عثمان قد احتاط للمسألة ولا سيّما انه كان واثقاًَ تماماً من نجاعة رؤيته رغم معرفته التامّة بأنّه لا أساس لها من الصحة وأنها لم تعبر في سماء نومه. كان الرائي المزيّف ، بحسب وصف ابن الجوزي، " له رؤية وجمال ومروءة ظاهرة ولحية عظيمة ولسان". إن الرجل على مستوى الظاهر لا يستخفّ به، والظاهر خدّاع يلعب حتّى بعيني زرقاء اليمامة لعب السراب بعيني الظمآن!

قال له المهدي: ماذا رأيت؟، قال سعيد بن عثمان: " رأيت آتيا أتاني في منامي وقال لي: أخبر أمير المؤمنين انه يعيش ثلاثين سنة في الخلافة، وآية ذلك أنه يرى في ليلته هذه في منامه كأنه يقلّب يواقيت، ثم يعدّها فيجدها ثلاثين ياقوتة كأنها قد وهبت له". ليس هناك كبير فرق لغوي بين مواقيت ويواقيت، والمنام يدور كما نرى حول الوقت الذي يقضيه المهدي في منصب الخلافة.

قال الخليفة: إن صدقت رؤياك كافأناك وإلاّ عاقبناك مرّ العقاب. لم يرض الرائي لأنّ كلام الخليفة يعني أن المكافأة معلقة ورهينة منام الخليفة القادم. فقال الرجل: ماذا أقول لأهل بيتي وقد عدت من عند أمير المؤمنين صفر اليدين؟ قال الرجل للمهدي: " عجّل لي ما أحببت، واحلف لك أني صادق الرؤيا، فأمر له الحليفة بعشرة آلاف درهم، وأمر أن يؤخذ منه كفيل، فمدّ الرائي نظره إلى خادم هناك وقال: هذا يكفلني. احمرّ الخادم وخجل وهو بين يدي الخليفة ومن هول الارتباك انزلقت من فمه كلمة الموافقة.

رأى الخليفة  في ليلته ما رواه له الرجل "حرفا بحرف" على ما ورد في الرواية. وفي الغد ذهب الرجل إلى قصر المهديّ للاطمئنان على أخبار رؤياه. فقال الخليفة: والله رأيت ذلك. ثمّ أمر له بثلاثة آلاف دينار وأشياء أخر من ثياب ودوابّ.

أخذ الرجل مكافأته على المنام الذي لم يره وانصرف  فلحق به الخادم الذي كفله وقال له: سألتك بالله هل كان لهذه الرؤيا التي ذكرت من أصل؟ قال: لا والله! لم يخرط كلام سعيد في عقل الخادم إذ كيف يكون المنام ملفّقاً وقد روى منام الخليفة الذي لم يكن قد رآه الخليفة بعد بحذافيره؟

قال الرجل: هذا مما لا يأبه به أمثالكم، وذلك أني لما ألقيت إليه هذا الكلام خطر بباله، وحدّث به نفسه، وشغل به فكره، فساعة نام خيّل له ما حلّ في قلبه، وما كان شغل به فكره في المنام.

بهت الخادم وتعجّب من سلطان الرجل على المنامات فقال له سعيد: قد صدقتك وجعلت صدقي لك مكافأتك على كفالتك، فاستر عليّ. ففعل.

ومن طريف ما يروى أن هذا المنام الملفّق حقّق للرائي المزيّف ما قد لا تحققه رؤيا لا غبار على صدقها، إذ صار ذا حظوة في بلاط المهديّ بفضل المنام المختلق الذي لم يره!

الخميس، 2 أبريل 2015

منام وخصام

سلطان المنام المنام ذو نفوذ بالغ. ليس أي منام. هناك منامات لا تغيّرك، ولكن هناك منامات تغيّر مسير حياتك. الكواكب التي رآها يوسف وضعته في الجبّ. سمعت هذه الحكاية المناميّة. تخاصم شقيقان، وانقطعت العلاقة بينهما. وكان والدهما قد رحل عن الفانية. شاءت الصدف او الاقدار او المنامات او هواجس يهجس بها احد الاشقاء ان رأى والده في المنام. كان الوالد حزينا، مكسور الخاطر، نظر الى ابنه في المنام وراح يحكي معه. عظامي ستبقى غاضبة عليك، اذا بقيت مخاصما شقيقك، غدا صباحاً تذهب اليه، وتتصالح معه. وإلاّ فإنّي لن أرضى عنك ولا عن أخيك. لم يتقبّل الوالد سماع مبرّرات ابنه في الخصومة، كان كلامه قاطعا حازما. استيقظ الابن مصعوقا، كيف لميّت ان يفرض عليّ قرارات حياتي. ولكن الميّت ليس اي ميّت، انه ابوه. هل يعصي أباه؟ هل يطاوعه ضميره أن يخالف نصيحة أبيه؟ هل بمقدور أعصابه أن تضع كلمات الوالد دبر أذنيه؟ وجد نفسه كالمسحور يذهب صباح اليوم التالي الى أخيه. تفاجأ الأخ بالزيارة غير المنتظرة، ونقل له ما رأى. اغرورقت عيون الاخوين بدموع الفقد للوالد. تعانقا، وذهبا معاً إلى ضريح الوالد حيث وضعا بعض الزهور. كان خصام ولديه يحطّم بقايا عظامه في مرقده، ويقضّ مضجع رقدته الأخيرة!

منام الأدباء

رأى ابن العماد الأصفهاني ابن الخشاب صاحب المرتجل في المنام بعد موته ، وقال له : ما فعل الله بك ؟ فقال : خيراً، فقلت : وهل يرحم الله الأدباء ؟ قال : نعم ، قلت : وإن كانوا مقصرين ؟ قال : يجري عتابٌ كثير ثم يكون النعيم

الأربعاء، 1 أبريل 2015

غفران مناميّ

 بعد موت التهامي الشاعر رآه بعض أصحابه في النوم، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، فقال: بأي الأعمال؟ فقال: بقولي في مرثية ولدي الصغير: جاورت أعدائي وجاور ربـه شتـان بين جواره وجواري“

السبت، 21 مارس 2015

منام عن منام

لا أدري مدى صحّة الحكاية التالية، ولكن أظنها تستحق ان تُحكى، ولقد رواها ابن الجوزي في كتاب «الأذكياء». وللمؤلف تصنيفان طريفان يكمل بعضهما بعضاً، الأول هو الذي ذكرت، والثاني هو «أخبار الحمقى والمغفلين». وكأن ابن الجوزي وجد ان الكتابة عن الذكاء تستدعي حكماً الكتابة عن الحمقى وأهل الغفلة، وابن الجوزي ليس شخصية عابرة في تراثنا الاسلامي.
تقول الحكاية ان سعيد بن عثمان تسلل الى الخليفة المهدي من باب المنامات. ولا ريب ان الاحتيال في المنامات لا يحدّه خيال. فليس أسهل من ان تقول رأيت في المنام كذا وكذا، لأنه ليس بمقدور أحد ان يكذّبك ولا أن يصدقك، وعليه أنت بَيْنَ بَيْنَ، فكلّ منام تخترعه او تراه فعلاً، هو، في نظر الناس، منام قابل لأن يكون مناماً حقيقياً، رافقك هنيهات من نومك، وقد يكون حيلة من حيل اليقظة للوصول الى مآرب لا يعلمها إلاّ منتحلها.
سعيد بن عثمان الرائيّ مراء جداً ومغامر، أيضاً، جداً. فليس مستحيلاً ان ترى أي شيء في منامك ولكن ان ترى في منامك منام غيرك الذي لم يره بعد، فهذا من أعاجيب المنامات. وسعيد ابن عثمان القادم الى الخليفة، يريد ان يسرد مناماً على مسامع الخليفة يروي تفاصيل المنام الذي سوف يراه الخليفة في ليلته تلك! حين سمع الخليفة كلام الرجل ظنه يخرف او أنه مجنون وأنّب الحاجب الذي سمح له بالدخول الى بلاطه. قال الخليفة: «إني والله أرى الرؤيا لنفسي فلا تصحّ لي فكيف اذا ادّعاها من لعله قد افتعلها؟!». ورود «افتعل» في كلام الخليفة معبّر جداً ويُظهر أنه كان على دراية تامة بألاعيب المنامات وأحابيل من يراها. ولكن يبدو ان سعيد بن عثمان قد احتاط للمسألة ولاسيما أنه كان واثقاً تماماً من نجاعة رؤياه المصطنعة. كان للرائي المزيّف، بحسب وصف ابن الجوزي، «رؤية وجمال ومروءة ظاهرة ولحية عظيمة ولسان». إن الرجل، على مستوى الظاهر، لا يستخف به، ولكن الظاهر خدّاع يلعب حتى بعيني زرقاء اليمامة لعب السراب بعيني الظمآن!.
قال له المهدي: ماذا رأيت؟ قال سعيد بن عثمان: «رأيت آتياً أتاني في منامي وقال لي: أخبرْ أمير المؤمنين أنه يعيش ثلاثين سنة في الخلافة، وآية ذلك أنه يرى في ليلته هذه في منامه كأنه يقلّب يواقيت، ثم يعدّها فيجدها ثلاثين ياقوتة كأنها قد وهبت له». ليس هناك كبير فرق لغوي بين مواقيت ويواقيت، والمنام يدور كما نرى حول الوقت الذي يقضيه المهدي في منصب الخلافة. قال الخليفة: إن صدقت رؤياك كافأناك وإلاّ عاقبناك مرّ العقاب. لم يرض الرائي لأن كلام الخليفة يعني ان المكافأة معلّقة ورهينة منامه القادم. فقال الرجل: ماذا أقول لأهل بيتي وقد عدت من عند أمير المؤمنين صفر اليدين؟ قال الرجل للمهدي: «عجّل لي ما أحببت، وأحلف لك أني صادق الرؤيا. فأمر له الخليفة بعشرة آلاف درهم، وأمر ان يؤخذ منه كفيل، فمدّ الرائي نظره الى خادم هناك وقال: هذا يكفلني. إحمرّ الخادم وخجل وهو بين يدي الخليفة فانزلقت من هول الارتباك كلمة الموافقة من بين شفتيه.
رأى الخليفة في ليلته ما رواه له الرجل «حرفاً بحرف» على ما ورد في رواية ابن الجوزي. وفي الغد ذهب الرجل الى قصر المهدي للاطمئنان على أخبار رؤياه المتخيّلة. فقال الخليفة: والله رأيت ذلك. ثم أمر له بثلاثة آلاف دينار وأشياء أخرى من ثياب ودواب. أخذ الرجل مكافأته على المنام الذي لم يره وانصرف، فلحق به الخادم الذي كفله وقال له: سألتك بالله هل كان لهذه الرؤيا التي ذكرت من أصل؟ قال: لا والله! لم يخرط كلام سعيد في عقل الخادم إذ كيف يكون المنام ملفّقاً وهو يروي بأدق التفاصيل منام الخليفة الذي لم يكن قد رآه بعد؟!.
قال الرجل: هذا مما لا يأبه به أمثالكم، وذلك أني لما ألقيت اليه هذا الكلام خطر بباله، وحدّث به نفسه، وشغل به فكره، فساعة نام خيّل له ما حلّ في قلبه، وما كان شغل به فكره في المنام. (وهذه نقطة، في أي حال، عالجها سيغموند فرويد في كتابه «تفسير الأحلام»).
بهت الخادم وتعجّب من سلطان الرجل وقدرته على اللعب بمصائر منامات غيره، وقال له سعيد في ختام الكلام: قد صدقتك وجعلت صدقي لك مكافأتك على كفالتك، فاستر عليّ. ففعل. ومن طريف ما يُروى أن هذا المنام الملفّق حقق للرائي المزيّف ما قد تعجز تحقيقه رؤيا لا غبار على صدقها، إذ صار ذا حظوة في بلاط المهدي بفضل المنام المختلق الذي لم يحلم به!.