‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات سوسن الأبطح ( عبد الهادي). إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات سوسن الأبطح ( عبد الهادي). إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 4 ديسمبر 2018

لإبداع من خلال «الإنسانيات الرقمية» في 30 دراسة مؤتمر «العلوم الإنسانية في ظل العولمة» في الجامعة اللبنانية بيروت: #سوسن_الأبطح

ا

الإبداع من خلال «الإنسانيات الرقمية» في 30 دراسة
مؤتمر «العلوم الإنسانية في ظل العولمة» في الجامعة اللبنانية

بيروت: #سوسن_الأبطح

لا يزال تعليم الإنسانيات في بلداننا نظرياً إلى حد بعيد، في حين نجحت جامعات في العالم بدمج التقنيات الحديثة في مناهجها، كما في أدوات التدريس نفسها. وسعياً منها لإشراك الطلاب والبحاثة في التفكير بأساليب التحديث التي يمكنها أن تنقل الإنسانيات إلى حيز أكثر عملية، أقيم في «كلية الآداب» بـ«#الجامعة_اللبنانية»، الفرع الثالث، مؤتمر دولي حمل عنواناً دالاً هو «#العلوم_الإنسانية في ظل العولمة والمعارف الحديثة - تحديات المواكبة والتكيف والابتكار» بالتعاون مع «الوكالة الجامعية الفرنكوفونية» و«المعهد الفرنسي»، رعاه رئيس الجامعة اللبنانية د. #فؤاد_أيوب ممثلاً بعميد كلية الآداب د. #أحمد_رباح.

تميز هذا #المؤتمر عن غيره من المؤتمرات التي عقدت في السنوات الأخيرة، حول مدى التكيف العربي مع التكنولوجيا، بتمحور جلساته حول العلوم الإنسانية تحديداً التي يعتقد خطأ أنها إلى تراجع بينما، في الواقع، تزداد الحاجة إليها وتنمو. أما السبب الآخر فهو أن المؤتمر عُقِد في كلية للآداب، مما أتاح لمئات الطلاب المشاركة في التحضير والتفاعل وطرح الأسئلة. وشارك ما يقارب ثلاثين أستاذاً من #لبنان وفرنسا وتونس، في أوراق عمل تنافست على تقديم الجديد الذي يمكن أن يُستفاد منه في مجال البحث والتدريس.

سبع جلسات عمل، إضافة إلى الجلسة الافتتاحية الرسمية، كل منها خُصّصت لعلم بعينه، بحيث كان للتاريخ والجغرافيا جلستهما العامرة، كما للغة العربية جلستها، وكذلك لكل من #علم_النفس، والأدب الفرنسي والفلسفة، وأخرى في البدء لتوصيف واقع الحال. وشددت مديرة الكلية د. #جاكلين_أيوب على أننا «نطلب #الإبداع وأن طلابنا لقادرون»، مؤكدة على وحدة العمل الجامعي الفكري ورفده بالمعطيات المتوافرة في مراكز البحوث.

وباللغتين الفرنسية والعربية تناوب الباحثون على تقديم خلاصة دراساتهم، بعد افتتاح حاشد حيث لم تتسع القاعة الرئيسية، فتمت الاستعانة بشاشة عملاقة للسماح لما يقارب خمسمائة طالب بمتابعة الوقائع من الباحة الخارجية.

عدد من الباحثين ذكّروا بأن مصطلح العلوم الإنسانية نفسه لم يتبلور إلا متأخراً في القرن السابع عشر، وأخذت الاختصاصات تتفرع، كل منها تسعى لفهم سلوك الإنسان من منظورها، لكنها تضافرت لتعنى بالتجارب البشرية وسعادة المجتمعات. وكان كلام متكرر عن جدوى علم «#الإنسانيات_الرقمية» وضرورة التعامل معه بنقدية.

كان واضحاً من الجلسة الأولى أن المتحدثين إما يحملون تشاؤماً من العولمة التي وُصِفت بأنها تعلي من قيمة «رأس المال»، وتركز على «الشراء» و«الاستهلاك»، على حساب القيم الأخلاقية، أو أنهم مندفعون بحماسة لعرض الجديد الذي يمكن الإفادة منه لتطوير الأفكار وفق ما يشهده العالم من انقلابات. ولعل مداخلة الباحث الفرنسي رودي شوليه الآتي من جامعة «فرانش كونتيه» كانت من بين الأكثر حذراً من التحولات، حين تحدث عن استحداث «ماجستير» في فرنسا في الدراسات التفاعلية بين العلوم، تُستخدم فيها اللغة الإنجليزية بنسبة ثمانين في المائة، والباقي بالفرنسية. لكن هناك من بات يدعو إلى حذف اللغة الفرنسية والاكتفاء بالإنجليزية، معلقاً بمرارة: «نعم، هذا ما وصلنا إليه في فرنسا»، شارحاً أنه يتمرد مع مجموعة من الحذرين أمثاله مما تحمله الشبكة من أضرار، من خلال استحداث موقع يعرضون عليه الكتب القديمة والمخطوطات القيمة التي تعود إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، في محاولة للإفادة مما هو موجود لكن على طريقتهم الخاصة. لكن د. #حسام_سباط في الجلسة نفسها رأى أن التعريف النهائي للعولمة لا يزال غير متاح، لأنها في خضم التشكل ولا تزال ملامحها النهائية ضبابية، مشدداً في الوقت نفسه على خطورة إهمال العلوم الإنسانية، واضمحلال دور المثقف الذي أصبح «يعمل طالباً عند السياسيين». بينما قدمت الباحثة بارعة سكاف عرضاً شيقاً لأطروحتها حول الكتابة الرقمية وسياقها الاجتماعي في لبنان، والممارسات الكتابية للغة العربية بالحرف اللاتيني، بحيث أوضحت أن هذا بات يتجاوز الرسائل الهاتفية إلى كتابة النشيد الوطني اللبناني، ونصوص كاملة في بعض الأحيان، أو تضمينه نصوص روايات أدبية.

التساؤلات كثيرة، والآراء متناقضة، وأثارت في بعض الأحيان حماسة، خصوصاً مع جلسة التاريخ التي عرض خلالها البحاثة أعمالاً، منها ما هو عن الأرشيف العثماني سواء في لبنان أو تركيا الذي هو أساس لتأريخ ما حدث في المنطقة ولبنان، ومع ذلك لا يزال قيد الاكتشاف بالنسبة للعرب، في حين يسعى يابانيون وأوروبيون يتعلمون التركية القديمة والحديثة إلى اكتشافه، بحسب د. #خالد_الجندي، بينما تحدث د. #زياد_منصور عن مصداقية الوثائق على الشبكة، وكيفية التأكد من صحتها، داعياً إلى ضرورة وضع المعايير اللازمة للاستفادة ليس فقط من المكتوب، وإنما من الأفلام والصور والتسجيلات الصوتية، كذلك لفت د. #حنا_إسكندر إلى ضرورة الاستفادة مما هو متاح على الشبكة من مكتبات هائلة تسمح بمراجعة مخطوطات إسلامية، أو معاينة فهارس مكتبة #الفاتيكان، وما عثر عليه من محفورات على الصخور، مشيداً بموقع مكتبة «إسلاموبول» الرقمية التي تحوي 100 ألف كتاب.

من الصعب جداً الإحاطة، بمجمل نتائج الأبحاث التي قُدّمت، نظراً لأهمية عدد كبير منها، لكن يمكن الحديث عن الاهتمام الذي لقيته جلسة الجغرافيا حيث قدم أساتذة من لبنان وفرنسا ما يمكن للتصوير من الأقمار الاصطناعية أن يوفِّره للباحثين من خدمة، كي يعيدوا قراءة الأرض وتضاريسها دون الذهاب إلى المواقع، واختصار الزمن بشكل مذهل.

وقدم د. محمد الحاج عرضاً لتقنية قراءة الطبقات الأرضية، ولو كانت مغطاة بالأشجار، وكذلك قدّم عرضاً لعدد من المشاريع التي يتم تنفيذها في شمال لبنان لا سيما التنبؤ بالفيضانات قبل حدوثها، من خلال قياس دقيق لمدى تشبع التربة بالمياه. كذلك قدم عرضاً جغرافياً مكملاً الباحث الفرنسي لودفيك فيلار، الآتي من مركز الدراسات الفضائية في فرنسا.

وفي جلسة #اللغة_العربية عُرضت أفكار جديرة بالاهتمام حول الاستخدام المفرط أحياناً في الكتابات الأدبية لترجمات حرفية من الفرنسية، كما عند الحبيب السالمي وأحلام مستغانمي، والعلاقة بين الفصحى والعامية على الشبكة، وثمرات العصر الرقمي على العربية، ومشكلة المحتوى الرقمي العربي الذي يتضاءل رغم الوجود العربي الكبير على شبكة الإنترنت، والتقاعس عن توفير المحتوى الجاد والرصين. وكانت مداخلة عن تعلم اللغة الثانية إن كانت ضرورة أم خطورة في العصر الذي نحن فيه.

ومشاركة #الأدب_الفرنسي في المؤتمر كانت مهمة إذ عرض الباحثون لأشكال كتابية حديثة في الرواية والشعر، خصوصاً منه الذي بات ينتجه #الذكاء_الاصطناعي مقارنة بما يكتبه الإنسان.

وبما أن المستجدات تستتبعها ظواهر نفسية وقد تكون مرضية أحياناً، فإن جلسة علم النفس ركَّزت على الإدمان بمختلف أنواعه كظاهرة في العالم، وتم عرض طرق تطبيقية علاجية جديدة، بدأت تظهر نتائجها المشجعة. واختتم المؤتمر على وقع #الفلسفة، والعودة إلى الذات، وقيم الحداثة وأوجه التحديث الفلسفي، وخرج المؤتمر بتوصيات كثيرة، من بينها تكثيف العمل البحثي في الجامعة اللبنانية وتمتين حضورها على الخريطة البحثية، وتوجيه الطلاب إلى اختيار التخصصات الإنسانية، مع التركيز على فتح المسارات بين سائر التخصصات والمعارف. والدعوة إلى إعادة النظر في مقررات المناهج الدراسية وأدواتها في المراحل ما قبل الجامعية. وتم الإعلان عن بدء الاستعدادات للمؤتمر الدولي المقبل، وموضوعه: «التفاعل بين الحضارتين العربية والغربية»، الذي سيرأس لجنته العلمية البروفسور #جان_جبور، والدكتور رودي شوليه الآتي من جامعة «فرانش كونتيه» في #فرنسا.
Sawsan Alabtah
عن الشرق الأوسط

الأحد، 19 نوفمبر 2017

العالم يطالب بالعربية بقلم سوسن الأبطح





في الوقت الذي كانت فيه ممثلة الرئيس الفرنسي الشخصية للشؤون الفرنكوفونية، الروائية المغربية الشابة ليلى سليماني تقف في معرض الكتاب الفرنسي وسط بيروت تتحدث لجمع من الحاضرين - بحماسة تحسد عليها - عن سحر لغة موليير وقدرتها العجائبية على فتح المغلق من الأبواب، كان «المجلس الثقافي البريطاني»، ينشر تقريراً جديداً، يؤكد فيه أن اللغة العربية ستكون ثانية في المملكة المتحدة بعد سنوات، وأن الفرنسية ستأتي متأخرة بعدها. وعندما سئلت سليماني التي عينها إيمانويل ماكرون مؤخراً في هذا المنصب، عن معنى أن تدافع عن لغة تتراجع أجابت: «هناك آفاق جديدة تفتح في نيجيريا وغانا والصين، ولا بّد لهذا الإرث أن يحفظ».
وسليماني ذات نشأة مغاربية تماماً كما الجزائري كمال داود الذي أصبح نجماً أدبياً في باريس، ودعي مع سليماني كوجهين صاعدين، إلى معرض الكتاب في فرانكفورت، الذي تمثلت فيه فرنسا ضيفة شرف. وليس من اعتراض، وإنما تساؤل عن سرّ التركيز المتزايد على ضعف العربية ولا جدواها، فيما العالم أجمع يرسل بإشارات حول أهميتها، وتمددها والحاجة المتصاعدة لتعلمها. أمر ينعكس سلباً على طلابنا الذين باتوا يتوهمون بأن إجادة لغتهم مجرد عبء لا طائل تحته. مع أن القاعدة الذهبية تقضي بأن عدم إتقان لغة أولى يعني الفشل في معرفة عميقة بغيرها. وهذا رأي لخبراء في التعليم لهم باع دولي، وليس اجتهاداً شخصياً. وثمة نصيحة أعطيت للمجلس الثقافي البريطاني بأن يكف عن الإصرار على تعليم صغار العرب الإنجليزية، قبل أن يجيدوا لغتهم، لأن الجهود تذهب هباء، لكن يبدو أن الكلام لم يجد آذاناً صاغية.
بمقدور كمال داود وغيره أن يكتبوا باللغة التي يحبون، وأن يندمجوا بالثقافة التي تعجبهم، لكن دون أن يسددوا أسهماً جارحة لمجتمعاتهم. فرغم مواقف الطاهر بن جلون المواربة أحياناً لم يهاجم العربية، ولم يرم حجراً في بئرها. وإدوارد سعيد عاش في أميركا يوم كانت القضية الفلسطينية موسومة بالإرهاب والعنف ولعنة على من يدافع عنها، وهو أكاديمي وسط لوبي صهيوني لا يرحم، ومع ذلك قدّم نفسه ولو باللغة الإنجليزية كمنافح عن قضايا شعبه ونصير للمستضعفين. ولم يعش أديبا ربما، الظلم والهامشية التي عاناها محمد شكري في بلاده. فقصصه في طنجة شهيرة ومريرة، وكتابه «الخبز الحافي» كان من الجرأة والفجاجة بحيث إنه نشر أولاً بالإنجليزية مترجماً، ومن ثم بالفرنسية، ولم نقرأه بالعربية إلا بعد عشر سنوات. ولم نعرف عن شكري أنه «استغرب» أو احتمى بالآخر ليكتب عن بلاده، بل كان من الشجاعة بحيث إنه بقي يناضل ويواجه وينتقد غير آبه بـ«التفرنس» و«التفرنج».
ثمة أدب تغيري حرّ فيه نفح الجذور التي تفرض نفسها، وآخر يناضل وكأنه يبحث عن هوية لا يعثر عليها، وهذا لا علاقة له باللغة التي يكتب فيها، بل بمدى ما يعكسه من انتماء ومشاعر وحساسية تمس القارئ. الباحثة الراحلة فاطمة المرنيسي كتبت إلى جانب العربية بالفرنسية، وكانت جريئة حد الإدهاش، لكن كتابتها تمس شغاف القلب. بحثت عن النساء والإسلام وحقوقهن والظلم الذي يلحق بهن، لكنها كتابة مختلفة تماماً عما يمكن أن نقرأه عند ليلى سليماني في مؤلفها «جنس وأوهام»، وأحوال النساء في المجتمع المغربي، أو حين تتكلم عن بلدها، فيما جاءت روايتها «أغنية هادئة» التي نالت عنها جائزة «الغونكور» وتحكي عن أحوال عائلة عادية تتعرض لجريمة، إنها رواية غاية في الروعة.
يبدو بعض كتاب الجيل الجديد متعطشاً للشهرة، مستعجلاً الوصول، والإحساس بالدونية أمام الغرب تفعل فعلتها. محمد شكري ترجم إلى 38 لغة دون أن يزعج نفسه بتنازلات لا طائل تحتها، ونجيب محفوظ حصل على نوبل دون أن يغادر القاهرة أو يتكلم لغة أجنبية، ووجد ألف سبيل ليتحايل على اللغة والأسماء والأحداث، ليقول أخطر ما يمكن أن يعبر عنه أديب. ولم يقل محفوظ كما كمال داود عن العربية بأنها «مكبلة، ومفخخة بالمقدس ومقيدة بالآيديولوجيات» وعاجزة، بينما الفرنسية هي «لغة الحلم، والتعبير عن الأخيلة». بعد عشرين سنة من هجرته إلى فرنسا حكى أمين معلوف «أنه يرى أحلامه بالعربية» بلغته التي تكلمها وتعلمها وتنفسها بطبيعة الحال. أن تعتبر سليماني «الفرنسية هي لغة الحرية والانفتاح والتشارك» فهذه مهمتها الرسمية التي ارتضتها، ولا بدّ أن تخلص لها. لكن العربية يجب أن تجد أيضاً من يدافع عنها من أبناء جلدتها، وألا تترك المهمة للآخرين، فهذا أمر مشين.
تركيا تعيد العربية إلى المدارس، وتعزز مكانتها التاريخية في البلاد. للأمر دوافع سياسية بطبيعة الحال، وربما آيديولوجية أيضاً. لكن السويد أيضاً باتت لغة الضاد هي الثانية فيها بدل الفنلندية. وصفوف تعليم اللغة العربية تتزايد في كل مكان، لحاجة لها في تلك البلدان وليس بتشجيع من أحد، فهؤلاء يتحسسون التغيرات المقبلة. إضافة إلى اللاجئين، ثمة مصالح وعلاقات تجارية يتم التحضير لها. إنجلترا تعتبر تعليم اللغات «أولوية وطنية» وعلى رأسها العربية، لأن 2 في المائة فقط من طالبي العمل، يستطيعون سد الثغرة. ألمانيا تريد إدماج جحافل المهاجرين السوريين ولا تجد وسيلة سوى إدخال العربية كمادة إلزامية في المدارس. لكن هناك أيضاً المسلمين من الأتراك الذين يجدونها مناسبة لتعلم لغتهم الدينية، أما في الصين فامتد تعليم لغة الضاد إلى 13 جامعة غير المراكز الصغيرة المتفرقة.
الحاجة للتوجه إلى كل شعب بلغته لا بالإنجليزية كما كانت الحال، هي من خصوصيات السنوات المقبلة. ويتوجب ألا نفاجأ حين سيأتينا التركي والإنجليزي والبلجيكي ليحدثنا بلغتنا، ونكتشف أننا أعجز من أن نجاريه في فصحى يتقنها أفضل منا. هذه مأساة. والقول إن العربية لغة العنف، وأن التردي الذي نرتع فيه سيجعلنا أقل جاذبية في عيون الآخرين، تبدو نظرية عديمة الجدوى.

السبت، 21 أكتوبر 2017

لغز الصين الحريري بقلم سوسن الأبطح


#سوسن_الأبطح
بمقدورك أن تقول عن الصين الشيء وضده، وستجد دائماً سنداً وبرهاناً. ذلك أن بلاد «الين واليانغ» لا تكشف عن وجهها ببساطة لمن يريد أن يقرأ ملامحها. وغالباً ما أحب الصينيون - رغم قفزاتهم التي أبهرت وفاجأت - الحديث عن بلدهم كدولة تتلمس طريقها، ولا بأس في أن يقال أيضاً، بأنه بلد ينمو ويحبو، ويسعى بتعثر إلى غدٍ أفضل. كل هذا لا يزعج الصينيين ولا يؤرق زحفهم الحثيث للقبض على أسواق العالم.
جاءت متأخرة جداً، النزعة الاستعراضية للقوة، من قبل بكين التي رأيناها في المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي. يبدو الرئيس شي جينبينغ عازماً على انتهاج نهج جديد بالفعل، مدفوعاً برغبته في ولاية رئاسية إضافية. العام الماضي كشفت الصين عن طائرتها الشبح التي قيل إنها طورتها لتواجه مقاتلات أميركية مثل «إف 22» و«إف 35»، رفعت أيضاً نفقاتها الدفاعية، لتصبح أكبر ثاني ميزانية عسكرية في العالم، صار لها أول قاعدة عسكرية خارج حدودها في جيبوتي، ويبدو أن العين على قواعد أخرى ستنمو سريعاً.
مطمئنون الأميركيون الذين لهم مئات القواعد، إلى أن الصين تحتاج أكثر من عشر سنوات إضافية لتقترب من تحقيق جزء من حلمها. لكنهم ينظرون بعين الأرق إلى شبكة أخطبوطية تبنيها مع حلفاء وصولاً إلى حدودهم في أميركا اللاتينية. ويرى أحد الجنرالات الكبار في الولايات المتحدة أنها عام 2025 ستكون الخصم الأكبر لبلاده.
لم تعد الصين تداري عضلاتها، فالرئيس شي جينبينغ، في خطابه الافتتاحي للمؤتمر الوطني، فعل ما لم يجرؤ عليه سابقوه. أعلن صراحة عن برنامج جريء، أبدى نيتة في لعب دور أكبر في الشؤون الدولية. قال إن بلده صار «قوة عظيمة يعتد بها في العالم»، وإن النمو الاقتصادي الذي حققته تحت الحكم الشيوعي منح بلدان العالم النامي «خياراً جديداً».
ضرب الرجل يده على الطاولة محذراً كل من تسول له نفسه اقتطاع لقمة من القارة الصينية. شرح أنه لن يتسامح مع الحركات الانفصالية، أو يتخلى عن بحر الصين الجنوبي، أو يهادن رغبات تايوان.
لم يتأخر وزير خارجية أميركا في الرد. بعد ساعات فقط أجاب تيلرسون أن «الصين أحياناً تتصرف خارج المعايير الدولية» وهي «مجتمع غير ديمقراطي»، لذلك فإن الولايات المتحدة ترغب في تعزيز التعاون مع الهند لمواجهة «تمدد النفوذ الصيني في القارة الآسيوية».
بما أنك تستطيع أن تقول، دائماً، عن الصين الشيء وضده، لا يزال متخصصون في الشأن، يرون أن كل ما تريده الصين هي أسواق لتجارتها، وسطوة تسمح لها ببيع منتجاتها. المؤرخ الفرنسي المعني بالصين فرنسوا غودمان يطمئن مواطنيه إلى أن «مطامع الصين مادية وأن همها إخراج الملايين من فقرائها في الأرياف من عوزهم، ولا يعنيها أن ترث من الغرب أزمات الكون ومآسيه السوداء».
تُحير الصين الأوروبيين وهي تزحف إليهم بما سمته ببراءتها المعهودة «طريق الحرير». شبكة بحرية، عبر قناة السويس وصولاً إلى روتردام في هولندا. قطارات، وطرق برية تمر عبر آسيا الوسطى مروراً بموسكو ووصولاً إلى باريس. الأوروبيون يحللون إن كان هذا الأخطبوط سيبقى تجارياً، وهل عليهم أن يتعاونوا ليزدهر الجميع معاً، وهم الذين يسعون إلى فرص عمل؟ أم أن بكين تخطط للحلول مكانهم وقطع أذرعهم؟
في الخطاب الطويل، أخرج شي جينبينغ الجني من القمقم، وهو يبشر بالانفتاح وتحرير التجارة، ويؤكد أن الماركسية (على الطريقة الصينية) هي الحل. هذا ما يسميه بعض أعضاء الحزب الشيوعي الصيني، هو الأكبر على وجه البسيطة (89 مليون عضو منتسب)، «الإبداع» و«الابتكار» في رسم استراتيجيات لا تستوحي سوى تراثها، وترفض استنساخ الأنظمة الغربية.
لذلك تمكنت ربما بلاد التنانين من أن تصبح أكبر مصنع للتكنولوجيا على وجه الأرض، دون أن تخترعها. وأن تعتبر اقتصادات الدول النامية كنزاً دفيناً يستحق تنميته، بينما كان الآخرون لا يرون فيها غير أرض للنهب والاستيلاء على الثروات. ترفع الصين إنفاق جيشها 250 مليار دولار سنوياً، ولا تدع خصومها يفهمون، ما هي القوة القتالية لمليون ونصف مليون جندي، قد لا يكونون سوى أعداد قليلة الفعالية. تقف ضد كوريا الشمالية وتجاربها النووية المستفزة، وصواريخها الباليستية، لكنها لا تحرك ساكناً أو تتخذ إجراء حاسما.ً تريد تأديب بيونغ يانغ وتسعى لأن يبقى الاستقرار والثبات في شبه الجزيرة على حاله. يترقب الجميع تباطؤ النمو ويراهنون على اهتزاز كبير بسبب المديونية القياسية التي جازفت بها الحكومة الصينية الحالية، لكن ثمة من يقول أيضاً إن شي جينبينغ، الرجل الصلب، سيتمكن كما فعل دائماً من إيجاد الحلول التي توصله لإخراج كل معوزي الأرياف - كما وعد تماماً - من بؤسهم بحلول عام 2022.
بين من ينتظر السقوط الصيني، ومن يستعد لمواجهة بعبع قادم سيلتهم الأخضر وما يبس، تبقى سياسات بكين لغزاً لمن لا يعرف الذهنية، وخبر ثقافة لا تشبه العقلانية الغربية، ولا الرومانسية العربية. التنين - كما في الأساطير والفنون الصينية - خيّر بطبعه، لكنه سلطوي ويبصق نار جهنم في وجه من يريد عند الضرورة.

السبت، 11 يونيو 2016

العربية.. لغتنا التي نحتقرها

لغة الضاد مضطهدة بين فكي كماشة «المتهتكين» و«المتشددين»
بيروت: سوسن الأبطح 
ينظر العربي إلى لغته بـ«ازدراء» و«احتقار»، ويرى أنها لغة «منحطة»، لذلك يفضل أن يتحدث بلغة غيرها، وفي أحسن الأحوال يُطعِّمها بمفردات أجنبية، كي يتخلص من إحساسه بالضعف والامتهان. هذا ما يقوله اختصاصيون في اللغة العربية، ويرون في لبنان نموذجا فاقعا، لوضع لغوي عربي متدهور، بات يحتاج إلى دق ناقوس الخطر. «مهرجان اللغة العربية» الذي أقيم أخيرا في العاصمة اللبنانية، ويتوقع أن تنتقل عدواه إلى عواصم عربية أخرى، أعاد طرح الأسئلة من جديد.
لماذا لم يعد الشباب قادرين على التكلم حتى بالعامية للتعبير عن أنفسهم، من المسؤول؟ وهل ثمة حلول كي ننفض عن لغة الضاد الغبن الذي ألحقناه بها؟
تعد مسؤولة جمعية «فعل أمر»، التي نظمت أخيرا «مهرجان اللغة العربية» في بيروت، بالتعاون مع «مؤسسة الفكر العربي»، بأن العام المقبل سيشهد مهرجانا آخر للغة، بسبب التشجيع الكبير الذي لقيته الفكرة. والجديد عام 2011 هو إشراك طلاب المدارس من مختلف المناطق اللبنانية، خاصة أن تنسيقا سيبدأ مع وزارتي الثقافة والتربية، اللتين تبديان رغبة كبيرة في دعم هذا المشروع. وتشرح مسؤولة الجمعية، سوزان تلحوق «أن هناك تعطشا، ليس في لبنان فقط، وإنما في دول عربية أخرى، لتنظيم مهرجانات مشابهة، الهدف منها تشجيع الناس على التحدث باللغة العربية بفخر، ودون إحساس بالنقص. والاتصالات جارية على قدم وساق مع هيئات أهلية في عدة دول تريد تبني الطرح وتنظيم مهرجانات مشابهة».
و«مهرجان اللغة العربية»، الذي أقيم أخيرا في بيروت، على مدار يوم واحد، وحضره آلاف الأشخاص، هو واحد من أغرب المهرجانات التي يشهدها لبنان على الإطلاق، لأن هدفه الوحيد هو أن يقول للناس: «لغتكم تستحق منكم أن تتكلموا بها، فلا تخجلوا!». وللاحتفال بهذا المهرجان، أغلق شارع الحمرا طوال النهار، وأقيمت فيه معارض، وعلقت لوحات وصور، كما أقيم معرض لكتب الأطفال، وتوالت فرق غنت بالعربية على المسرح الكبير الذي أقيم وسط الشارع. وزينت شرائط صفراء جانبي الشارع، كتب عليها بشكل متكرر «لا تقتل لغتك». واللافت أن غالبية الحضور كانت من الشباب الذي يتهم بأنه ينبذ اللغة العربية، ويلجأ للفرنسية والإنجليزية، وأحيانا يستخدم لغة يخلط فيها العربية مع اللغتين الأجنبيتين. ولم يعد نادرا في لبنان أن يقول لك أحد الشبان «إنه لا يستطيع التكلم بالعربية، ولا يجيد التعبير عن نفسه بها».
يقول الدكتور إميل يعقوب، أستاذ اللغة العربية في الجامعة اللبنانية: «ما دامت مادة الرياضيات، كما المواد العلمية، كلها تعلم باللغات الأجنبية، فلا بد أن يشعر الطالب بأن لغته لا تصلح للعلوم، وينظر إليها بازدراء»، ويشرح: «أكثر من ذلك، فإن الطالب الذي يأتي من دولة أجنبية، بمقدوره استكمال دراسته في أي من الفروع العلمية في الجامعة، وينال الإجازة دون أن يخضع لأي امتحان باللغة العربية. وإذا أضفنا إلى هذا كله أن أساتذة اللغة العربية في المدارس الرسمية لا يخضعون لأي تدريبات تأهيلية، بينما يتم الاعتناء بشكل خاص بتدريب وتأهيل أساتذة الفرنسية والإنجليزية، ندرك أن هناك ازدراء للغة العربية، ليس من قبل الطلاب أو الأساتذة، وإنما من قبل الدولة نفسها. بل إن المواد التي تدرس بالعربية في لبنان، مثل التاريخ والجغرافيا، لا تشرح للطلاب في الصف بالفصحى، وإنما بالعامية».
لكن الكلام على الفصحى والعامية يستفز سوزان تلحوق مسؤولة جمعية «فعل أمر»، التي لم تر حرجا في استخدام الفنانين للغة العامية في لوحاتهم، أو ألعابهم، أو حتى غنائهم، أثناء المهرجان الذي أقيم في بيروت. وتقول: «كنت أتمنى لو أننا لا نزال في مرحلة صراع الفصحى والعامية، لقد تجاوزنا كل ذلك للأسف، وصرنا في مرحلة إثبات الهوية والحرف. إذ إن معركتنا اليوم هي مع الحرف اللاتيني الذي بات يحل مكان الحرف العربي، حتى في الدفاتر المدرسية وامتحانات الإملاء العربي، فلم يعد نادرا أن يكتب الأطفال على دفاترهم كما يكتبون حين يمارسون الـ(تشات) مع أصدقائهم على الكومبيوتر». وقد عرضت إحدى الشاشات في شارع الحمرا، في يوم مهرجان اللغة العربية، تعريفا ببرنامج إلكتروني يستطيع مستخدمه الكتابة بالحروف اللاتينية، بينما تظهر الحروف عربية على الشاشة، لتمرين الشباب على التعرف بشكل أفضل على أبجديتهم، واستخدامها مستقبلا، بعد رؤيتها على شاشاتهم بشكل متكرر.
تعتبر سوزان تلحوق أن «الكلام على الفصحى والعامية بات مفتعلا في ظل الأزمات اللغوية المستجدة التي تعصف بالعرب. فكل اللغات لها فصحى وعامية، ويتعامل أهلها مع هذه الازدواجية بسماحة وتفهّم، بينما نحن وحدنا نحمل سيف النقمة على أنفسنا»، وفي رأي تلحوق أن «الفصحى تعطي العامية، والعامية تعطي الفصحى، وكل منهما تغذي الأخرى. الرواية مثلا لا بد أن تكتب بالفصحى، ولكن هل يمكننا أن ننتج كل أفلامنا ومسرحياتنا بالفصحى، ونقصر غناءنا على الفصحى؟ هذه أسئلة يجب أن نطرحها على أنفسنا بصراحة، وألا نختبئ وراء نظريات لم تعد تنسجم مع الواقع».
يتفق الدكتور بلال عبد الهادي، أستاذ الألسنية في الجامعة اللبنانية، مع الدكتور إميل يعقوب، على أن نقطة يعتبرانها أساسية، وهي أن أزمة اللغة العربية هي أزمة سياسية. ويقول عبد الهادي: «منذ فترة، لفت نظري أن اليابان تقيم مهرجانا سنويا للخط، يشارك فيه حوالي 3000 شخص من عامة الناس، ومن يفز في هذه المسابقة التي تقام يوم رأس السنة اليابانية - وهذا أمر له دلالة كبيرة - يستقبله الإمبراطور تكريما لمهاراته في فن الخط. ومعلوم أن الإمبراطور في اليابان هو رأس السلطة الروحية، وبالتالي فإن تكريم الفائز الذي يتفنن في الخط، على هذا النحو، هو إحدى وسائل تعزيز علاقة المواطن بلغته، بدءا من شكلها (الخط) للوصول إلى مضمونها». ويضيف د. عبد الهادي: «كل الدول عندها ما يسمى سياسة لغوية. نحن موضوعيون أكثر مما ينبغي مع لغتنا، والموضوعية تضر أحيانا، نحن نعترف بشكل سافر بضعفنا من خلال احتقارنا للغتنا. فإذا كان الإنسان يحتقر نفسه، فكيف لا يحتقر لغته، إن ما نعيشه هو نوع من الانسجام مع الذات، وربما إذا انطلقنا من هذا الانسجام السلبي، استطعنا أن نجد أدوية لأمراضنا اللغوية».
ثمة حلول تربوية في لبنان، كان من الممكن أن تأتي بثمر، لكنها أجهضت، مع بدء العمل بالمناهج الجديدة سنة 2000، يروي الدكتور إميل يعقوب أنه كان قد «تم الاتفاق على وضع كتب للمواد العلمية، أي الرياضيات والفيزياء والكيمياء والبيولوجيا بثلاث لغات، العربية والفرنسية والإنجليزية، لتدريسها بالمرحلة المتوسطة. وطبعت هذه الكتب باللغتين الأجنبيتين، لكن الكتب العربية لم تطبع أبدا، علما بأنها ألفت وتم تجهيزها، ودفعت تكاليفها، لكن الأموال ذهبت هدرا، لأنه ببساطه، ترك للمديرين حرية اختيار اللغة التي يريدونها للتدريس لطلابهم، وهم لن يختاروا العربية أبدا. وكان لا بد من إلزامهم بالكتاب العربي كما ألزموا بالكتاب المدرسي الموحد. لذلك أقول إن الدولة نفسها تنظر إلى العربية على أنها منحطة».
«المشكلة متشعبة، وحلولها يجب أن تكون كذلك»، بالنسبة للدكتور عبد الهادي، إشراك الناس في عملية تطوير اللغة، مسألة قد تكون مفيدة. «في فرنسا، مثلا، طلب من المواطنين أنفسهم أن يجدوا بدائل للكلمات الإنجليزية التي بدأت تغزو لغتهم، حتى لو كانت هذه البدائل عامية، وتجد صدى عند غالبية الناس، ليتم تبنيها من قبل السلطة اللغوية. بهذا لم يعد العمل اللغوي حكرا على النخبة الأكاديمية، وإنما أصبح المواطن شريكا فاعلا فيه». ويتابع عبد الهادي: «نحن نستخدم مثلا كلمة (مريول) للتدليل على اللباس المدرسي. المعجم لا يعترف بهذا الكلمة، وإنما نجد فيه (مريلة) أو (مرولة)، لكن لو بحثنا في غوغل عن هاتين الكلمتين لن نعثر على شيء، لأن المتكلمين والمؤلفين العرب يفضلون استخدام لفظة مريول، التي سنجد لو بحثنا عنها في غوغل آلاف الصفحات، فلماذا لا يتم تبنيها؟».
المشكلة الأساسية بحسب ما يرى الدكتور عبد الهادي هو أننا لم نفهم حاجة اللغة إلى الليونة اللغوية، إذ نجد المتشددين لغويا والمتهتكين لغويا، وهذا انعكاس للواقع العربي المنقسم بين متهتكين ومتزمتين يتبادلون المواقع على الشاشات التلفزيونية.
ما بين الأكاديميين والهيئات المدنية التي تعنى باللغة، ثمة إجماع على ضرورة التحرك واتخاذ الإجراءات التي تساعد الفرد على اكتساب ثقته بانتمائه ولغته. جمعية «فعل أمر» لا تدعي أن لها دورا كبيرا، وتصر على أن مهمتها هي إحداث صدمة لدى جمهور الناس، وحثهم على تغيير سلوكهم. وقد حدث هذا بالفعل يوم المهرجان، إذ كان الكلام الذي يتردد على أفواه الكثير من الحاضرين: «صحيح ليش ما نحكي عربي؟» لكن الأكاديميين يرون أن على الدولة أن تتحرك. ويحكي الدكتور عبد الهادي أن أحكم حكماء الشرق (كونفوشيوس) حين سئل أنه في حال استلم السلطة السياسية من أين يبدأ الإصلاح؟ فكانت إجابته بسيطة جدا، لكنها ذات دلالة عميقة، قال: «أبدأ بإصلاح اللغة، وأبدأ بإعادة وصل اللفظ مع معناه».

http://archive.aawsat.com/details.asp?section=19&issueno=11555&article=578630#.V1wVpLt97IU

الخميس، 10 مارس 2016

مداخلة د. سوسن الأبطح في ندوة اليوم العالمي للمرأة في الجامعة اللبنانية، كلية الآداب، الفرع الثالث.




أبدأ مداخلتي بدراسة تظهر بالأرقام وضع المرأة في لبنان كصحيفة وإعلامية، ثم أتحدث، بعد ذلك، عن ملاحظات ميدانية عرفتها عن كثب طوال أكثر من ربع قرن في الصحافة، كانت غنية ومثيرة في مراحل عديدة.
الزميلة الدكتورة في الجامعة اللبنانية نهوند القادري، نشرت،  نهاية العام الماضي، دراسة مهمة، حملت عنوان «نحو صورة متوازنة للنساء" في الإعلام تظهر بالأرقام، مدى الإجحاف الواقع على المرأة، رغم ان النساء، بارزات وكثيرات على الشاشات، وفي الصحف، ولكن ماذا وراء هذه الجحافل النسائية من مظالم؟
تشكل النساء 23% من معدل العاملين في أبرز الصحف اللبنانية، اما في المجلات فترتفع نسبة الصحافيات إلى 34% ، وفي المحطات التلفزيونية تشكل النساء نسبة 29%، بينما ترتفع النسبة في الإذاعات بشكل كبير جداً لتصل إلى 47%.
أما ملكية وسائل الإعلام فهذا أمر آخر، اذ ان «نسبة إسهام الإناث في ملكية المحطات الإذاعية اللبنانية تبلغ 3,4% فقط من مجموع المساهمين، أما في محطات التلفزة فترتفع الى 6%. لأن غالبيّة أسماء الإناث المالكات استُخدمت من قبل المالكين الذكور للالتفاف على القانون. وتشير الدراسة الى سيدتين، فقط لاغير، تملكان مطبوعة سياسية من أصل 111 مطبوعة».
"مجلس نقابة الصحافة كان يضم سيدة واحده من أصل 18 عضوا، ليخلو في انتخاباته الأخيرة من السيدات، في ما "مجلس نقابة المحررين كان يضم سيدة من أصل 12 عضوا، علما أن نسبتهن بين المحررين 35%، لتعود وتتمثل النساء في انتخابات عام 2015 بثلاث سيدات من أصل 12 عضوا".


نستنتج من هذه الأرقام أمرين:
-        ان رئيس التحرير ومالك الوسية الإعلامية هو رجل وله الكلمة الأولى، وبالتالي هو الذي يقرر، أي صورة تعكسها وسائل الإعلام عن المرأة، وكيف تقدم هذه المرأة، للجمهور العريض.

-        ان الرجل أيضاً بما انه رب العمل في الوسائل الإعلامية  هو الذي يقرر، مدى ما تستطيع المرأة ان تصل اليه في مهنة الصحافة عموماً، وفي ترقيها المهنى، هل يرى ان عملها كمراسلة أو محررة أو مقدمة برامج أقصى ما تستطيع فعله؟ أم انه يؤمن بأن بمقدورها ان تتولى مسؤوليات أرفع؟

صورة المرأة في الإعلام:

وهنا لا أعتمد على دراسة وانما عما عشت وشاهدت وعاينت من خلال الممارسة اليومية لهذه المهنة:

-  يوجد مسؤولو تحرير، يتفادون نشر صور لبعض النساء، لأنهن بكل بساطة، غير جميلات أو يتم تصغير صورهن، في ما يتم تكبير وابراز صور ذوات المؤهلات الجمالية، لأن ذلك يجذب عين القارئ، ويساعد في التسويق.

-  يحدث ان يغض النظر عن إجراء مقابلة مع امرأة لمجرد انها لا تستوفي الشروط الجمالية. الأمر ليس متوقفاً على الفنانات، كما يمكن ان يتخيل البعض، ولكن على الكاتبات ايضاً. أي، يفضل اجراء مقابلة مع كاتبة حسناء على كاتبة ليست مصنفة في هذه الخانة. وهذا يحدث في التلفزيونات بشكل كبير، وفي المجلات التي تعتمد على الصور الملونة. أعطي مثلاً فنياً تاركة لكم التفكير في وجوه الأديبات اللواتي يتكرر ظهورهن الإعلامي، دون مرادف في الإنتاج، لحساسية ذكر الأسماء. أما فنيا فمغنية استعراضية مثل كارول سماحة لها صوت جميل، وطلة محببة، وباع على المسرح مع الرحابنة، جاهدت كثيراً لتظهر على التلفزيون، وهي غالباً لا تعتبر ذات مستوى جمالي يستحق ان يوضع على غلاف ولا يزال نضالها مستمراً، والأمثلة كثيرة.

-  يحدث أيضاً ان تدعى امرأة الى حلقة نقاشية على التلفزيون لمجرد انها امرأة، ومعد البرنامج يحتاج الى وجه أنثوي لتلطيف الأجواء، ولا يخجل المعدون من اعلام المرأة بذلك، لإقناعها بالظهور.

-        ضرورة تلطيف الأجواء في البرامج الثقافية والفنية، شرط لا ينطبق على البرامج السياسية، على اعتبار ان التحليل السياسي، موهبة رجالية، وبالتالي مقارنة عدد الكاتبات في المجال السياسي- وهن لسن بقلة على الإطلاق- لا يتناسب أبداً مع عدد الوجوه النسائية الإعلامية، التي تدعى لتناقش في السياسة. وعددهن قد لا يتجاوز الأربع نساء، وذلك لفكرة قائمة في الأذهان ان المرأة حتى وان كانت بارعة في الكتابة السياسة، ليست بالضرورة قادرة على التحدث في الموضوع.

-  بعض المجلات النسائية في الدول العربية، تمنع استخدام ألفاظ بعينها في المجلات النسائية مثل جسد، اثارة، اغراء، او حتى كلمة حرية. كما ان الصور المنشورة تدرس بعناية بخلاف تلك التي تنشر في الصحف التي يظن ان قراءها من الرجال. وأود ان أشير الى ان المجلات النسائية اللبنانية التي يعنيها البيع خارج لبنان، تراعي لضمان التسويق هذه المعايير، لتؤمن دخولها تلك البلدان، دون ان تمنعها السلطان.

بالنتيجة فإن السياسة التي يمارسها أصحاب المحطات والصحف، على المحررين والمحررات، مرة بسبب الأفكار الجاهزة البائدة، ومرة أخرى بهدف التسويق أو الجذب وكسب المال، تعزز بشكل تلقائي ان يتقدم إظهار الجميلات على الذكيات، والمهتمات بالموضة على المعنيات بالأدب والفكر، ويصل الأمر، حد اختيار مذيعات نشرات الأخبار، تبعاً لمواصفاتهن الجمالية، دون ان يتمتعن بالصوت الحسن، والأداء الواضح، والثقافة. علماً ان المحطات المهنية، في العالم أجمع، تأخذ بعين الاعتبار القدرات التحريرية للمذيعين والمذيعات وقدرتهم على الكتابة والمحاورة، لا الإطلالات الفيزيائية الخلابة.

المرأة الصحافية تلزم، بشكل مباشر او غير مباشر، بهذه السياسات الإعلامية التي تقصى عدداً من النساء، لأسباب غير موضوعية، وتقدم المرأة بصورة أصبحت مسيئة للبنانية في كل مكان في العالم. واشارة الى ان الإعلام اللبناني، والتلفزيونات بشكل خاص تراجعت، من حيث الانتشار ونسبة المشاهدة، بشكل كبير جداً، ومؤسف للغاية، نسبة الى بعض الأقنية العربية الأخرى، التي لم تسلع المرأة بنفس القدر.


المرأة الصحافية



النساء يشكلن اكثر من ثلث الكادر الصحافي اللبناني، لكنهن يبقين عالقات في وسط السلم دون ان يتمكن من الوصول الى ادارة البرامج أو رئاسة التحرير او حتى ادارة اقسام كبرى، إلا في النادر، باستثناء الصحف النسائية، التي حتى وان رأست تحريرها امرأة، فإن رسم الخطوط العريضة يبقى حكراً على الرجل.
هذا لا يعني ان النساء في الإعلام بلا وزن، بل على العكس.
هنّ الأكثر جرأة، ومغامرة، وهن أيضاً المراسلات اللواتي يقبلن على تغطية الأحداث في الأماكن الأكثر خطراً ووعورة. في حرب 2006 لفتت المراسلات اللواتي غطين الحرب بشجاعة فائقة، أنظار العالم اجمع، وسجلت لهن المهارة والدقة والموضوعية.
المرأة اللبنانية صحافية مقدامة، تبرز بسرعة، لأنها تقبل على عملها بحماسة. في الصحافة لا مكان لكلمة "لا". حين يطلب من الصحافي ان يقوم بمهمة، عليه ان يستجيب ويقتنص الفرص، كي يتقدم. هذه هي طبيعة المهنة، وقد فهمتها النساء جيداً وهذا أمر يعرفه أساتذة كليات الإعلام من خلال مسار طلابهم ذكوراً وإناثاً بعد التخرج، ومن يبرز منهم، ومن يبقى في الظل.
اذن الصورة ليست قاتمة، بالعكس. الصحافيات اللبنانيات تفتح لهن الأبواب، ويرحب بهن، لأن المهنة بحاجة اليهن، ولولاهن لكان الإعلام اللبناني في مكان آخر. وأحياناً تفضل المؤسسات الصحافية المبتدئة على الصحافي الشاب، لأن الانطباع السائد، ان الخريجة الشابة تقبل الملاحظات وتعمل بها، وتستجيب للتدريب بليونة تفوق تلك التي لزميلها الشاب.
بعض الأفكار المسبقة تبدو مفيدة للنساء....
أن تكون الصحافية أنثى هذا له ايجابياته في مجتمع ابوي. فالناس يستخفون بالمرأة وهذا جيد للعمل واجراء المقابلات، حيث يسهل البوح امامها ويساعدها على استدراج الاعترافات. حين تكون الصحافية في أماكن خطرة، ثمة ميل، في مجتمعاتنا، لمساعدتها وحمايتها، على اعتبار انها قاصر، الا في حالات استثنائية.
أن تكون المرأة صحافية له سلبياته، فالانطباع السائد ان الصحافيات سهلات، مستعدات لتقديم تنازلات وهذه فكرة تتنامى وتكبر، وتؤثر مهنياً بشكل سلبي. وباتت وسيلة لتسلق بعض المتطفلات وقليلات المهنية.
بعيداً عن هذه الملاحظة التي أرجو ان تبقى هامشاً في حياة الإعلاميات، الملاحظ ان الجهود الجبارة التي تبذلها الصحافيات، تصنع منهن نجمات، في أحيان عديدة، لكن هذا لا يترجم بترقيات وظيفية توازي الجهد المبذول، أو الشهرة التي يحصلن عليها. كما بينت دراسة الدكتورة نهوند القادري.
مع ذلك، يبقى للمرأة الصحافية دور شديد الأهمية، وكبير الحساسية، تلعبه أحياناً حين تتمتع بالوعي الكافي، ويغيب عنها في أحيان أخرى حين لا تكون لها رؤية بانورامية للمشهد العام التي هي جزء منه.
الصحافية أو الصحافي ملك، رغم كل ما يمكن ان يمارس عليه من ضغط او رقابة. يستطيع أن يمرر ما يشاء من رسائل من خلال مقالته او برنامجه، مهما كان حجم الرقابة الممارسة عليه. الخطر الحقيقي، لا يأتي من رئيس التحرير الذكوري بل من الصحافي نفسه الذي يذعن ويطيع، ويذهب الى أبعد مما يطلب منه، وهذا ما يحدث غالباً.
 أسوأ ما يمكن ان يمارسه الإنسان في هذه المهنة هي الرقابة الذاتية.
في مهنة الصحافة تحديداً، حيث تكثر الألاعيب، وتحفر المفاسد عميقاً، يفترض ان تكون المرأة صوت الضمير. ما يحدث حتى الآن انها، في الغالب، تزايد على الرجل في التحريض المذهبي، وفي الولاء لصاحب المطبوعة او المحطة التلفزيونية. دخلت المرأة اللعبة، تماهياً مع الرجل، وهذا خطير، وليس في مصلحتها.
المرأة عدوها الأول والأشرس هو: التمييز. وعماد النظام الطائفي القميء الذي نعيش في ظله، هو التمييز. التمييز بين الناس، تبعاً لأديانهم ومذاهبهم، ثم التمييز بينهم، داخل الطائفة الواحدة، تبعاً لمدى ولائهم لحزب الملة وزعيمها المبجل، مرورا بالتمييز بين المرأة والرجل، على اعتبار ان الأخير أقدر على حماية العصبيات، وأكثر مراساً في لعبة تبادل المصالح والمنافع.
المرأة الصحافية تعاني من التمييز مرتين، مرة لطائفتها، ومرة أخرى لجنسها. ودورها الأصل الذي يجب ان تلعبه بمهاره، حيث هي، وهي قادرة على فعل ذلك، ان تستفيد من السلطة المحدودة، ولكن المؤثرة جدا، التي أعطيت لها، لتمرر رسائلها بهدوء، تماماً كما تحفر قطرة الماء في صخر، لا بالعنف وإنما بالتكرار والإصرار، والمزيد من الإصرار.
10/3/2016


الأحد، 16 أغسطس 2015

مقال لسوسن الأبطح " العرب في ضيافة بكين"

سوسن الأبطح



أيام ويحط العرب رحالهم في معرض «بكين الدولي للكتاب» وسط دور نشر قد تتجاوز الألفين، آتية من نحو 60 دولة. معرض عملاق بات يضاهي «فرانكفورت» وكبريات المناسبات العالمية المخصصة للكتاب. وبحسب ما يقال فإن ما ينظم، يعتبر بأنه الأضخم في تاريخ التعاون الثقافي العربي - الصيني.
تستفيد دولة الإمارات من دعوتها كضيف شرف، هذه السنة من قبل معرض بكين، لتقدم الثقافة العربية للصينيين بأفلامها وأدبها وفكرها وخطها ومؤلفاتها، مستعينة باتحاد الناشرين العرب.
الصينيون من جهتهم، قاموا بخطوات جبارة في السنوات الأخيرة لتعريف العالم بعاداتهم وتاريخهم وخصوصياتهم، وكان للعرب من الطيب نصيب. «معهد كونفوشيوس» وصل إلى مدن صغيرة لم تكن تتخيل أن تسمع اللسان الصيني يومًا، أو ترى مخلوقًا يسعى إليها من أقاصي الأرض. أساتذة المعهد لا يوفدون كمدرسي لغة، على الطريقة العربية المبتورة، إنهم وباعترافهم رسلٌ مهمتهم تجسيد ثقافتهم في حركاتهم وسكناتهم وسلوكياتهم حيث يقيمون. المعلم الصيني بهذا المعنى يمثل أمته. كل أستاذ سفير لبلده، ومؤتمن على مهمته. شعب له في الوطنية دروس وعبر ما يستحق أن يتعلمه العرب.
عام 2011 وحده، وقع الصينيون مع العرب 271 اتفاقية حقوق نشر، وأصدرت دور النشر الصينية 50 كتابًا بالعربية خلال سنة واحدة. الهدف دائمًا أن تصبح الصين أقرب، وأهلها عند الآخرين أسلس، وأن لا تمر معرفتنا بهم عبر الغرب بكتبه المترجمة أو مؤلفيه بانطباعاتهم الخاصة، التي غالبًا ما تصدر عن أفكار جاهزة ومسبقة.
ثمة خطة محكمة كالأخطبوط للتمدد والتوسع. الصين لا تنام هذه الأيام، كلٌ هناك يسعى في اتجاه، وتبعًا للدور المسند إليه، لإحكام القبضة. الكتب، مثلاً، لا تترك لقدرها. دور النشر المعتمدة، تعمل على ترجمة المؤلف الواحد إلى اللغات التي تجدها مناسبة، وتروج له في كل بلد وفق مزاج ناسه. المؤلفون والناشرون والمترجمون المهرة، الذين يشاركون في هذه المهمة، على اختلاف جنسياتهم، يكافأون على مستوى عال، ويمنحون أرفع جائزة ثقافية رسمية من الحكومة الصينية، تقديرًا لجهودهم، يتسلمونها من نائب رئيس الوزراء وفي احتفال كبير في قاعة الشعب الكبرى في بكين. وقد كرم من العرب لغاية الآن المترجم المصري الدكتور محسن فرجاني، والرئيس التنفيذي لـ«بيبسيكو» الأردني سامر خير.
لا شيء يترك للصدفة، في الصين، إذن، والنتائج مشجعة وخصبة. يبدو أن فوز الروائي مو يان بجائزة نوبل للآداب عام 2012 فتح لبلاد التنين المعروف بلدانته ومرونته، الباب واسعًا لتسويق الأدب الصيني. روايتاه اللتان ترجمتا إلى العربية في مصر، تلقفتا بنهم من قبل القراء. هناك من يعتبر، بسبب هذه الظاهرة، أن الشعوب العربية متعطشة إلى الأدب الآسيوي لأنها ترى فيه ما يشبهها ويعكس صورتها وتطلعاتها. الحفاوة التي لاقاها أدونيس في الصين هي أيضا لافتة. فهو بعد خمس زيارات لا يزال ينعم بوهجه هناك، بل يرى أن الصينيين يقرأون الشعر أكثر من أي شعب آخر. لا بد أنه مندهش، بعد أن ترجمت له أربعة كتب، من بيع 40 ألف نسخة، وغير مصدق أن عناوينه ترد في المكتبات بين الأكثر مبيعًا. أحد الباحثين الصينيين يستغرب أن يصل أحد دواوين أدونيس إلى طبعته العاشرة وهو أمر نادرًا ما تسعد به كتب الشعر التي بات كسادها مستشريًا، لكن ربما أن الجائزة الذهبية التبتية التي منحت له عام 2013 كانت وراء الترويج له والتعريف باسمه.
العرب لهم جهودهم أيضًا، الجزائر بسبب علاقاتها الخاصة مع الصين والروابط الاشتراكية القديمة، لها تعاونها الثقافي المعروف، والمملكة العربية السعودية سبق أن حطت ضيف شرف قبل عامين على معرض الكتاب في بكين. وربما ليست مصادفة أن يتم اختيار الأستاذ الصيني تشونغ باعتباره شخصية العام الثقافية لجائزة الشيخ زايد للكتاب في الإمارات عام 2011. قطر أيضا نسقت الكثير من النشاطات المشتركة، وقررت جائزة كتارا ترجمة الكتب الفائزة بها إلى أربع لغات بينها الصينية، وهو ما لم يكن متصورًا قبل سنوات قليلة فقط.
مشروع «مؤسسة الفكر العربي» للترجمة الصينية، ليس بعيدًا عن هذه الروح، والعناوين دالة، خمسة كتب ترجمت إلى الآن، تحكي عن التقاليد الصينية: «ماذا جرى في الصين؟»، و«طريق الصين»، و«النظرة العلمية إلى التنمية»، و«الابتكار طريقنا إلى الفوز»، و«التعليم الجديد في الصين». ولها في السوق قراء ومهتمون. فهذا البلد القصي يستثير نهضته الكبيرة بعد كبوة مخيفة، فضول الكثيرين من المحبطين العرب.
ثمة استحقاق ينتظر العرب في بكين، الصينيون متحفزون ومتأهبون وخرائط الطرق التي يريدون تعبيدها جاهزة، العرب رغم الاهتمام الذي أبدوه في السنوات الماضية، فإن عملهم يبقى في إطار المبادرات المتفرقة من هذه الدولة أو تلك المؤسسة. أمام بلد هو بالفعل قارة، تذهب الإمارات ضيف شرف، يعرف أن له إخوة يشاركونه الثقافة والتاريخ، ويصحبهم معه بكل زخمهم وحماستهم.
المشكلة ليست هنا، وإنما في أن العرب لا ينسقون إلا في اللحظات الأخيرة، بينما يرسم الآخرون خططهم قبل سنوات طويلة. لا يزال العرب يستذكرون بألم، رغم مرور 11 سنة، أداءهم المخزي، عند استضافتهم كضيف شرف في «معرض فرانكفورت للكتاب»، حيث لم يخرجوا بكبير زاد، فهل يعوضون، هذه المرة، في الصين عن خذلانهم في ألمان

الاثنين، 3 أغسطس 2015

نساء المهرجانات مقال بقلم سوسن الأبطح



المشهد سوريالي في لبنان...
لم يكن من الصعب أن تصل إلى «مهرجانات بيت الدين» منذ أيام لحضور حفل النجم العالمي الأوبرالي خوان دييغو فلوريز، رغم أن بعض الطرقات كانت مغلقة في بيروت، بسبب احتجاج الأهالي على جبال النفايات التي تغرقهم، وحرقهم لبعضها وسط الطرقات. سائقو حافلات المهرجانات هم من المهارة بحيث يجدون دائمًا الطريق الذي يوصلك إلى البهجة، ولو كانت روائح الزبالة النفاذة التي تمر وسطها أشبه بالسم الزعاف، وأن تصل متأخرا ربع ساعة خير من ألا تصل أبدًا.
الذاهبون إلى مهرجانات بعلبك، في البقاع الحزين، الذي لا يزال يحتمل كوارث الحرب السورية، والمعارك المستمرة في جرود عرسال، هم بالآلاف، وحواجز الجيش والأمن التي تفتش وتعيد التفتيش تسعد ولا تزعج. فالوصول إلى القلعة الرومانية متعة بحد ذاته، وفيه لذة الإحساس بأن كل شيء على ما يرام، حتى وإن كنت تعرف أنك مزنر بالنار والدمار. ثمة عيون مراقبة في كل زاوية في بعلبك، يمكنك أن تلحظها، وتتأكد أي جهد يبذله الجيش اللبناني كي تبقى المعنويات أعلى بكثير مما يسمح به محيط بركاني مزلزل. أكثر من 45 نقطة أمنية زنرت المكان لتقيه شر المخربين. تفاهم صامت وبليغ، على التواطؤ الجماعي، من أجل بلورة صورة لوطن يتعالى على الجرح. بلد مسكون بكبرياء اللاخضوع لمنطق الهزيمة.
كلما ضاق الأفق وسّعه اللبنانيون بالابتكارات التي تمدّ الجسور صوب الحلم. ومن دون تلك الإرادة، ما كان للبنانيين أن يجتازوا محنهم التي يقارب عمرها وجودهم. لم يسبق للبنان أن شهد ما يزيد على 120 حفلاً فنيًا خلال صيف واحد، بينها أكثر من أربعين عالمي الطابع. 35 مهرجانًا عامرًا، على الأقل، لثلاثة ملايين ونصف المليون لبناني، وكلها تحجز بطاقاتها وتسوق. أي يكاد يكون لكل بلدة مهرجانها الذي يستقطب الآلاف، في وطن لا سياح فيه، وأبناؤه من المغتربين يتجنبون أحيانا زيارته. ومع ذلك لا مكان للإحباط ولا اليأس. هناك إصرار على الاستمرار.
لمن تقام كل هذه الاحتفاليات؟ وكيف لها أن تنمو على هذا النحو المثير، على وقع أخبار القتل الوحشي المتمادي، الذي يعرف الجميع أنه على مرمى حجر؟
ربما أن اللبنانيين يعشقون التحدي. لعل ظروف الحروب المديدة التي لازمت أجيالهم عمرًا بعد آخر، علمتهم أن الحياة والموت متلازمان ومتجاوران إلى حد الاندغام. الرعب من النيران السورية بدأ يتروّض، ضيق ذات اليد لا يبدو أنه بلغ حد فرملة الفرح، كل يجد ما يتناسب وما في جيبه.
لكل مهرجان نساؤه ورئيسته، ولجنته الناعمة التي تعرف كيف تحيك الصلات الوثيقة كخيوط العنكبوت لتبقى تتواصل بمحبة مع العالم. يأتي الفنانون رغم المخاطر، يتحدون تحذيرات دولهم، وبعضهم يعاود الاتصال يريد تكرار التجربة مرارًا. بات لهؤلاء النساء مصداقية، وصداقات، وكلمة تكسر الحظر المفروض على البلاد. في عزّ تفجيرات الانتحاريين، الذين زرعوا الموت حيث كانوا يشاءون، خلال السنوات الثلاث الماضية تمكنت نساء المهرجانات من إقناع عشرات الفنانين الكبار، بأن الإرهاب ليس حكرًا على لبنان وحده، وأن مرورهم من هنا إضافة لهم. حشود الجماهير المتجاوبة والمصرّة على البهجة، المدرجات الممتلئة، تجعل الإحساس بالأمن قدرًا لا خيارًا.
نورا جنبلاط في بيت الدين، تسجل هذا العام ثلاثين سنة من عمر تظاهرة ولدت في الأصل لمقاومة الحرب. مهرجان بعلبك يقترب من ستينه، ويحاول ألا يشيخ أبدًا، تنحّت جانبًا مؤسسته مي عريضة وخلفتها صاحبة العزيمة نايلة دوفريج، التي ترحل ببرنامجها السنوي، من مكان خطر إلى آخر أكثر أمنًا، كالأم التي تهرب بأطفالها، رافضة أي هدنة. نساء بيبلوس يكملن بزخم بعد 12 عامًا من النجاحات المتلاحقة، أخريات انضممن إليهن في إهدن وجونية وبلدات غيرها، يردن الالتحاق بالركب. لم تدّخر النساء جهدًا إلا وبذلنه. كلما ارتفعت صيحات القتل والتهديد وتعالت، بادلتها نساء مسكونات بالحيوية بصدحات مغني الأوبرا والجاز والروك والطرب الأصيل.
ليست البرامج المهرجانية هذا العام هي الأفضل ولا الأرفع مستوى، لكنها من بين الأكثر رمزية ودلالة. أن يجتمع لافتتاح بعلبك ما يزيد على 15 نجمًا لبنانيًا، يقفون جنبًا إلى جنب، من شعراء إلى موسيقيين وراقصين وملحنين ومؤدين، دون إحساس بالمزاحمة، لمجرد تأدية تحية فنية ممتعة، لهذا المكان الذي حرم مهرجانه سنتين بسبب الحروب، هو برهان على أن ما تحمله النفوس صاف بنقاء سماء مدينة الشمس في تلك الليلة المقمرة.
السوريالية مفيدة أحيانا، والعبثية قد تنتشل أصحابها من واقع صار عيشه محالاً والاستمرار فيه انتحارًا. بمقدور السياسيين اللبنانيين أن يستمروا في صفقاتهم واختلاساتهم ونزاعاتهم وتفقيرهم لشعب بات يمجّ خطاباتهم السمجة، لكن على المقلب الآخر ثمة من لا يريد أن يستسلم، هناك من يرفض القبح ويأنف من البشاعة، ويستنفر كل مخيلته لينفذ من الجحر، وينقذ نفسه من الظلمة، وهو يوسّع طاقات الأمل والرجاء.
تحية إكبار لنساء لبنان المقاومات...