‏إظهار الرسائل ذات التسميات يابان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يابان. إظهار كافة الرسائل

السبت، 8 ديسمبر 2018


#الكلمات التي نسمعها في طفولتنا الطريّة هي التي تشكّل عالمنا وتصورنا للعالم.
في #اليابان مثلا إذا قام طفل بعمل سيّىء، تكسير شيء، أو تخزيق صفحات كتاب، يكون ردّ فعل الأم اللغويّ: إنّك ولد طيّب، وهذا ليس تصرّف الناس الطيّبين، أو الأطفال الأخيار لا يفعلون ذلك، ولن تسمع عبارة: " أنت ولد مؤذٍ" ، أو " إنّك تعمل عمل الأشرار".
تركيب الجملة يغيّر من تركيب السلوك!
كلماتنا أقدارنا!

الأربعاء، 1 نوفمبر 2017

حكاية يابانية

كانت فتاة يابانية جميلة في القرية حامل، وكان والديها غاضبين ويريدون أن يعرفوا من هو الأب، في البدأ رفضت الفتاة أن تعترف، لكن بسبب الضغط عليها أشارت إلى أنه معلم الزن هوكين. 
الماستر هوكين الذي الجميع يوقرونه لأنه يعيش حياة نقية، توجه والدي الفتاة اليه وهم في غمرة الغضب وكان يرد عليهم بكل بساطه " حقا ؟ ". 
بعد الولادة أحضروا الطفل إلى هوكين، وخلال هذه المدة كان هوكين قد خسر سمعته كمعلم، لكنه لم يعبأ بالأمر أبداً، بل كرس نفسه للاهتمام بالطفل و تربيته.
بعد عدة شهور لم تعد تستطيع الفتاة أن تتحمل الكذبة، ثم أخبرت والديها بأن والد الطفل هو شاب يافع في القرية،
ذهبا والدي الفتاة مرة أخرى إلى هوكين في محاولة لاستغفاره، بقيا يعتذران له لمدة طويلة مطالبين باستعادة الطفل مرة أخرى بعد أن بينوا له حقيقة الأمر، كل ما قال لهم الماستر " حقا ؟ " وثم أعاد لهم الطفل.

الثلاثاء، 10 أكتوبر 2017

السبت، 5 أغسطس 2017

كنتاكي في اليابان

سلسلة مطاعم KFC كادت تفشل في اليابان بسبب شكل علب الأكل الورقية! ممّا اضطرها الى صنع أشكال جديدة تلائم ذوق وثقافة اليابانيّ. الغلاف خلاف ثقافي.

الاثنين، 19 يونيو 2017

الساموراي ومعلم الشاي


للشاي سحر خاصّ، وطقوس يعرفها جيّداً أبناء الشرق الأقصى، ولقد قرأت أسطورة عن نبتة الشاي لا تخلو من طرافة روحيّة وردت في كتاب " تاريخ الشاي" لـ Paul Butel، ولا يخلو سردها من بعض النفع الخرافيّ. تقول الأسطورة ّإنّ زاهداً بوذياً ترك الهند باتّجاه الصين لنشر الدعوة البوذية، وكان يقاوم في طريقه النعاس حتّى لا يحرم نفسه من ممارسة التأمّل وهو يسير على قدميه، الاّ أن النوم سلطان قاهر، فغلبه النعاس وعندما استيقظ غضب من عينيه جدّا، ومن جفنيه اللذين خاناه، ولم يحترما رغبته في اليقظة، فما كان منه إلاّ أنّ قصّ جفنيه ودفنهما عقاباً لهما على عصيان رغبته، وتابع طريقه الى الصين. وفي عودته لاحظ ان نبتة لم تكن من قبل موجودة قد خرجت من ضريح جفنيه، فقطف بعض الأوراق وراح يأكلها ويتحسّس مذاقها، فانتبه الى انّ لها سحرا على عينيه اذ قضت على رغبته في النوم، وحين روى حكاية النبتة التي تطرد النوم لأصدقائه جمعوا بذور النبتة السحرية وراحوا يزرعونها لتعينهم على التعبّد، وهكذا ولدت حكاية الشاي من جفني زاهد بوذيّ لتتحوّل الى ثاني مشروب في العالم بعد الماء، ولم تستطع الى اليوم حبّة البنّ أن تسقط هذه النبتة عن عرشها السامق. وثمّة في الصين من لا يحبّ أن يهين ورقات الشاي بأيّ نوع من الماء، فترى بعض عشّاق الشاي يخرجون من بيوتهم مع طلوع الضوء الى البساتين لاصطياد قطرات الندى كما تصاد الفراشات، أو كما يصطاد النحل رحيق الزهر، ويلملمون قطرات الندى العالقة في أوراق الشجر ويحملون ماءهم الرقراق والنديّ الى بيوتهم لممارسة طقوس الشراب بماء تغذّى من معين الخضرة اليانعة.

وكلمة "شاي" بصيغتها العربيّة لا تخلو بدورها من طرافة. فمن يعايش الكلمات، ويحاول تتبّع مولدها يكتشف أنّ بعض الكلمات تكون عبارة عن كلمتين توحّدتا لأسباب كثيرة، منها الالفة المستمرة، فهناك كلمات تفقد بعض احرفها من فرط الدوران على الالسنة، كما كلمة" تعال"  التي سقطت لامها من الاستعمال فصارت تلفظ "تعا"، وبالنسبة لكلمة شاي الصينية المصدر فهي تعني حرفيّاً " ورقة الشاي"، وتلفظ في الصينية " تشا ييه cha ye 茶叶 " ، " تشا" بمعنى الشاي، و"ييه" بمعنى ورقة، وهذا امر تعرفه كلّ اللغات فيما يعرف بالنحت اللغوي، ولقد لفت نظري ورود كلمة الشاي في نصّ عربيّ قديم وهو من اقدم النصوص عن اخبار الصين ولكن تحت اسم "ساخ"، ويبدو ان الكاتب العربيّ القديم اصابته الحيرة من هذه النبتة التي لم يكن قد سمع بها من قبل، والصق بها، في نصّه، صفة الغرابة.

المدخل عن الشاي للحديث عن رجل يابانيّ متخصّص في صنع الشاي وفق الطقوس اليابانيّة، ومعروف ان تحضير الشاي في اليابان له فلسفته الروحية فهو لا يرتشف فقط لمآثره الصحية،  وفي كتاب الشاي (茶の本, Cha no Hon لـ " اوكاكورا كاكوزو Okakura Kakuzo" الذي ترجمه الى العربية الشاعر سامر ابو هواش، ونشرته دار كلمة في ابو ظبي، ما يسلط الاضواء على التعامل الروحانيّ مع هذه النبتة الساحرة. والحكاية التي سأرويها الآن لا تخلو من دلالات خفيّة على الخشوع الرهيب لحظة تحضير الشاي في اليابان.  لقد فرض على معلّم الشاي ذات يوم ان يبارز سيافا ماهرا، وهو لا خبرة له في فنون القتال. فارتبك وخشي الهلاك وخشي ذلّ الفرار. كان معلّم الشاي يعمل عند شخص من الطبقة الارستقراطية ويدعى " يامانوشي" Yamanouchi ، واراد ذات يوم هذا الارستقراطيّ ان يذهب الى ايدو العاصمة اليابانية في القرن الثامن عشر، واراد ان يرافقه في رحلته معلم الشاي ليعرض امام اصدقائه مهارة معلّم الشاي في توليد تلك المذاقات المدهشة لمسحوق الشاي، وطلب منه سيّده يامانوشي ان يلبس لباس الساموراي مثلما يتطلب منه مقامه السامي، فللشاي حرمة تتبدّى في اللباس، وفيما كان يتجول، ذات يوم، في العاصمة اذ اوقفه ساموراي وتحداه ودعاه الى المبارزة. حاول ان يشرح معلم الشاي للساموراي انه لا يجيد القتال، الا ان الساموراي ادار له اذنه الصماء. ان المبارزة تعني الموت المحتم لمعلم الشاي، والرفض مجلبة لعار له ولسيده، فقبل على مضض ولكن طلب لساموراي تاجيل المبارزة الى اليوم التالي، وذهب من فوره الى اقرب مدرسة لتعليم المسايفة، ولم يكن من السهل مقابلة معلم المسايفة الاّ برسالة توصية وبناء لموعد مسبق، إلاّ ان الحاح معلم الشاي المذعور دفع بالحاجب الى السماح له بلقاء المسايف. تعاطف معلم المسايفة مع معلّم الشاي بعد أن سمع قصّته، وقرر ان يعلمه ما يجعل من ميتته ميتة شريفة، ولكن المسايف طلب منه ان يريه طريقته في تحضير الشاي، فشرع معلم الشاي بممارسة شعائره الخاصّة في تحضير الشاي، وكان هادىء الحركة شديد التركيز، اندهش المسايف من تركيز معلّم الشاي المذهل، فقال بحماس استغربه معلم الشاي: لا حاجة لك في  تعّلم فن القتال. الحالة الذهنيبة التي انت فيها كافية بالنسبة اليك لأن تواجه أيّ ساموراي. لم يفهم معلّم الشاي حرفا ممّا قاله المسايف الخبير، الاّ انّ المسايف تابع حديثه قائلا: حين ترى الشخص الذي يتحداك تخيل انك ستقدم الشاي لضيف من ضيوفك. اخلع معطفك، اطوه بعناية، وضع مروحتك اليدوية عليه مثلما فعلت الآن. حين تنتهي من هذه الشعائر ما عليك الا ان تستلّ سيفك بالروح المتيقظة نفسها التي رأيتها في كل حركة من حركاتك، وسوف ترى نفسك مستعدّة للقتال استعداداً لا يفوقه استعداد.

وافق معلّم الشاي على ما قاله الرجل، فليمت رابط الجأش أفضل من أن يلطّخ سمعة عائلته وعائلة سيّده بالعار. وفي اليوم التالي ذهب لملاقاة الساموراي، الذي لم يستطع الا أن يلاحظ التعبيرات الهادئة والمبجلة على وجه منافسه وهو يخلع معطفه، ويطويه ببرود أعصاب مرعب، ثمّ وهو يضع مروحته بأناة فوق معطفه. انهالت الوساوس على قلب الساموراي، وقال بينه وبين نفسه: معلّم الشاي سياف بارع، هذا ما تقواه حركاته، لغة الجسد لا تكذب، فتقدّم الساموراي من معلّم الشاي بكلّ تجلّة واحترام وانحنى امامه، وطلب منه ان يسامحه على تصرّفه المشين معه في اليوم السابق.

بلال عبد الهادي


الأربعاء، 18 يناير 2017

شعر الهايكو في اليابان

في اليابان شعر يعرف بشعر " #الهايكو"، ويمتاز هذا الشعر بأنّه أشبه بفنّ " التوقيعات" ، موجز، خاطف، أشبه بضربة فلاش على مشهد. ويقال إنّ الشعر الحديث هو ابن شعر الهايكو اليابانيّ. اكتشف الغربيّون حين احتلوا اليابان هذا النوع من الشعر الفريد، الشبيه بانخطاف الصوفيين فترجموه الى لغاتهم. شعر هو ابن العين التي تلقط مشهدا عابرا تماما كما تفعل عدسة الكاميرا. ومن الطريف أن اغلب مبدعيه اليابانيين لهم صلة روحية عميقة ببوذية الزنّ تلك التي تجلب الى عينيك الدهشة ب " كواناتها" المحيّرة ! لن يبخل عليك غوغل بتفاصيل حول ارباب هذا الفنّ اليابانيّ البديع. طبعا الترجمة تغتال تفاصيل كثيرة صوتية منه ( وأي ترجمة لا ترتكب جريمة صوتية ودلالية؟) ولكن تبقي لك شيئا من ذلك المعنى المراوغ! #يابانيات

الاثنين، 15 أغسطس 2016

تأمّلات في الجدار الأبيض من وجهة نظر بوذية الزنّ


في ‫#‏اليابان‬ نمط خاص من ‫#‏التأمّل‬، يقوم به من ينتسب الى ما يعرف ببوذيّة ‫#‏الزنّ‬ ‪#‎ZEN‬.
وكلمة زن كلمة يابانية من اصل صينيّ هو تشان chan ‪#‎禅‬ . وتعني " #التأمّل الصامت"، وهناك عدّة طرق في ممارسة هذاالنوع من التأمّل، وأطرفه هو ان يقعد الأنسان في مواجهة حائط أبيض.
يقعد المتأمّل ويسبح في هذا الأبيض، ويغوص في هذا البياض الرحيب. اذا تأملت عيني المتأمّل تظنّ انه يقرأ شيئا ما، يقرأ كلمات مكتوبة بالأبيض على هذا الحائط الأبيض.
للأبيض سرّ لونيّ، لا يمتلكه أحد غيره. 
لا شيء يشبه اللون الأبيض.
يقال عن اللون الأبيض انه سيّد الالوان، والسبب بسيط جدا، انه الألوان كلّها. اي انه حاضن الاضداد، يذوّبها جميعا، كما يذوب الملح في الماء، او السكر في الماء.
يقال ان ‫#‏اللون_الابيض‬ يلبق مع كلّ الالوان، وذلك لأنّه، من حيث تركيبته، هو حاصل كلّ الألوان.
من هنا ايضا اختلفت دلالاته ورموزه، فهو جوّال في الدلالات، لا يرسو على دلالة واحدة. 
هو ، في مكان ما، في العربية يدلّ على العمى، أي على السواد!
كيف يصير الأبيض بلون السواد؟
في ‫#‏القرآن‬ عبارة" ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ"، حين الحديث عن والد يوسف. حيث عمي. ولكن الأبيض امتداد للحزن هو لون الكفن، وهو لون الفرح، طرحة العروس ولباس العروس.
ان قوّة الأبيض جاءته من كونه مصهرا لكلّ لون من الالوان المرئية.
هو البراءة والخبث، الضوء وعصا العميان!
كنت اـساءل دائما:ماذا يفعل المتأمل اليابانيّ امام جدار ابيض؟
تبيّن لي انه ينسل الالوان لونا لونا من هذا الجدار الابيض؟
ومن اشتغل في نسل الالوان من الحيطان كما تنسل خيطان الصوف يعيش في ظلال الف قوس قزح.
انه الواحد الذي لا حصر له.
الواحد المتعدّد.
ليس سهلا ان تسحب الالوان الكثيرة من اللون الواحد.
ليس سهلا ان ترى ما يراه ذلك المتأمّل اليابانيّ في الجدار الابيض<
‫#‏بلال_عبد_الهادي‬

السبت، 18 يونيو 2016

طعم الجبل، رحلة حج بوذية | سانتوكا تانيدا (هايكو) ترجمة محمد عيد ابراهيم

سانتوكا تانيدا (1882 ـ 1940)، واحد من أعظم شعراء اليابان، غريب الأطوار، تربى على فلسفة “الزنّ”، وحياته تتوازى مع حياة كهنة وشعراء “الزن” الأوائل أمثال ريوكان، أكيكو،… حياة بساطة وشرف، تخلو من أي استحواذ مادي أو مفاهيم جاهزة أو أعراف مجتمعية.

على رغم أن حياة سانتوكا بمعظمها تراجيدية: طفولة بائسة، أب لاهٍ واسع الثراء يطارد النساء مما دفع أمّسانتوكا للانتحار وهو صبي، ثم زواج فاشل لم يغرس في نفسه أي مودة، انغماس في خمرة الساكي، وينتابه انهيار عصبيّ حادّ ثلاث مرات،… فإن قصائده في الهايكو حيوية، متفائلة حيناً، وجنباً لجنبٍ مع الحزن الذي انتاب حياته.

نقطة التحول في حياته حين تم إنقاذه من محاولة انتحار أمام قطار هادر، اقتيد بعدها إلى هيكلٍ للزنّ قريبٍ. أثناء التمرّس بهذه العبادة، وجد سانتوكا معنى جديداً لحياته، ولو أنها كانت في عمرٍ متأخر (44 عاما). ومن حينها كرّس نفسَه لحياة روحية صارمة ككاهن مستجدّ.

عاش سانتوكا حياةَ فقرٍ مدقع، لكنه خلّص نفسَه من العوائق المادية والانفعالية ثم تجهّز بروحٍ متحرّرة لكتابةِ الهايكو كما لم يكتبه أحدٌ من قبل.

يقدّم (طعم الجبل) مجموعة ممثّلة تزيد عن 370 مقطعة من الهايكو، نقدمها هنا للمرة الأولى في اللغة العربية عن ترجمة جون ستيفنز الذي عاش في اليابان طويلاً وتمرّس كاهناً للزنّ أيضاً، بالإضافةِ إلى كونه عضواً بقسم الدراسات البوذية في معهد توهوكو بولاية سنداي.

تقترن فلسفة الزنّ بسمات (البساطة ـ العزلة ـ الانقطاع) وهي تظهر كلها بوضوح في قصائده. ليس الشعر عند الصين واليابان أكثر من عادة، ولذلك فإن الأوصاف مثل (الفقر ـ العزلة ـ التأمل) وغيرها كانت محضَ أعرافٍ مجتمعية. في حالة سانتوكا، فهذه السمات مجرّدة، فلا أحد كان أفقر منه ولا أكثر وحدةً أو أشدّ كَرباً. ومن ثم فالهايكو لديه حيٌّ، قاطع نحو لبّ الوجود. ليس ثمة انقسام بين الشعر والشاعر ولا بين الحياة والانفعالات.

تجسّد حياة سانتوكا روحَ فلسفةِ الزنّ في أشياءَ ثلاثةٍ:

– حياته وشعره شيء واحد، فمثاله “اللانفاق”. في أيّ فن أو نظام نجد أنه من الضروري التوحّد بين الفكرة والمنطوق والحدث. وهو كان كذلك.

– لم تكن محاكاة الآخر تخطُر على باله، ويندرُ هذا في أي مجتمع.

– لا مزيدَ في كلامه، لا ادّعاء، لا تصنّع. ويمكن فهمه على الفور دون احتياجك تفسيراً.

ولذلك جاءت مقطّعاته حادّة ومباشرةً، تلخّص تجربة الزنّ الصافية والخالية من أي تلوّنٍ فكريّ. إنه قريب منا على مستوى الفكر والمِزاج. ولسوف تشاركونه معي “رحلتَه الفريدة نحو أعماقِ قلبِ البشر”.

لـ سانتوكا عدة دواوين، منها: “طاسة المستجدي، 1932″، “العشب وشجرة بوذا، 1933″، “الغمر مع الأنهار والجبال، 1935″، “مشهد العشب، 1936″، “أوراق البرسيم، 1938″، “عزلة، 1939″، أما آخر دواوينه فكان “غربان، 1940”.

كان يقطع في كل رحلةِ حجٍّ أكثر من ثمانية وعشرين ألف ميل سيراً، أما أول رحلةٍ فقد قام بها ليُريحَ روح أمه المتعَبة، وبعدها:

«آهٍ، أيّ طريق أتّجه؟

تنفخُ الريح»

حياةٌ تنحصرُ في ضروراتٍ مجرّدة، لحظة حاضرة تخلو من الارتباطاتِ العادية أو الارتباكاتِ. وكأن حجته دائماً هي البحثُ عن البيتِ الحقيقِ.

سأله صحفي مرةً «لو عاش كل واحد مثلك فسيضطرب المجتمع»، فما كان منه إلا أن ردّ مبتسماً، قال «إنني واحدٌ من ثآليلِ هذا المجتمع، ثؤلولٌ أسودُ كبير على الوجهِ بشعٌ، ولو أضفت له آخر صغيراً فليسَت مشكلة. يتأثر الناس أحياناً بتشوّهاتهم الصغيرة. فكّر بي رجاءً على هذا النحو».

ومن يومياته نقتطف ما يلي:

* «لستُ غير كاهنٍ مستجَدّ. لاشيء تحكيه عني غير أني حاجّ أحمق قضى عمره كله يتجوّل كنبتةِ ماءٍوهي تنجرف من شطٍ إلى شط. يبدو هذا مؤسّياً، لكني أجد السعادةَ في مثل هذا العَوَز، وحياتي هادئة. الماء يندفق، والغمام يتحرك لا مستقرّ ولا ثابت. حين تنفخ الريحُ تسقط الأوراق. مثل أسماكٍ تعوم أو طير يحلق، أسير وأسير، قُدماً قُدماً».

* وقبل موته قال «سأبدأ رحلة. أودّ لو ألقي بنفسي في الطبيعةِ مرةً أخيرة. ليس عندي وقت طويل لأحيا، وأودّ لو أتحول لعصفور أو فيلٍ بريّ ذلك الذي يموت لوحده هادئاً في الحقول».

* حوار « دلّني على الطريق؟

– تحت قدميك. أمامك مباشرة. أنتَ تقفُ عليه الآن.

دلّني على العقل؟

– عقل كل يوم هو الطريق. حين يُقدَّم الشاي اشربه. حين تتزوّد بالأرز اطعَمه. احترِم والدَيك وحَصّن أولادك. ليس العقل ما في الخارج ولا الداخل».

* يومية: «ديانتي، هكذا:

تعاليمي ثلاثة: لا تبذّر، لا تغضَب، لا تشتكِ.

وعيدي ثلاثة: لا تجرّب المستحيل، لا تأسَ على ماضٍ، لا تلومنّ أحداً.

أفراحي ثلاثة: الدرس، التأمل، الهايكو».

* وقال «خمرة الساكي للجسد، والهايكو للقلب. خمرة الساكي هي هايكو الجسد، والهايكو هو خمرة الساكي للقلب».

* وقال «ليس الهايكو صرخةً، وعاءً، لهفةً أو تثاؤباً. بل نسيم الحياة العميق. في الشِعر نختبرُ الحياة دائماً، نصرخ أحياناً، لكن بدون أنين. يسقط الدمع حيناً ويندفق العرَق أحياناً، وفي كلّ مرة نذوق التجربةَ متعجّلين من غير أن تُعيقنا الظروف».

* وقال «الهايكو الحقّ هو روح الشِعر. أيّ شيء ليس حاضراً بالقلبِ ليس هايكو. القمر يتّقد، الأزهار تنبُت، الحشراتُ تزعَق، والماءُ يندفق. لا مكان هناك يعسُر أن تجد به أزهاراً أو تفكّر في القمر. ذلك جوهر الهايكو. فامشِ وراء حدود عصرك، انسَ الغرضَ أو المعنى وانفصل بذاتك عن محدّدات تاريخك – ستجد هناك جوهر الفن صِدقاً والدين والعلم».

* وقال «كلّ يوم أجد نفسي بمشقّة. لا أدري هل آكل اليوم أم لا. الموت قريب. الشيء الوحيد الذي أقدر عليه: أكتبُ شِعراً. حتى لو لم آكل أو أشرب فليس بإمكاني أن أكفّ عن كتابةِ الهايكو… بالنسبة لي، حياتي أن أكتبَ الهايكو، والهايكو حياتي».

– قَطع: هكذا تحدّث باشو، شاعر الهايكو الكبير:

«عند تأليفك الشِعرَ لا تدَع شَعرةً تُفلت من دماغك وأنت تكتب. لابدّ أن تؤلّف القصيدة في لحظة، كالمِنشار الذي ينقَضّ على شجرةٍ ضخمة، أو المُبارز الذي يثِبُ على عدوٍ زَنِيم».

* وقال «دربي اليوم عجيبٌ. أريد أن أمدّ صرختي للجبال، للبحر، والسماء. صوت الموج والطير والماء القُراح ممتنّ لكلّ شيء. لمعة الشمس نيّرة والحُجّاج يزدادون كلّ يوم. التذكارات، الجسور، المزارات، والانحدارات، كل شيء بديع. لكأنه أرزي من طعام النعيم».

* وقال «لا تتعلّق بماضٍ أو ترقُب غداً. امتنّ لليومِ، وفي هذا الكفاية. لا أومن بعالم الغد، كما أنكر الماضي. إيماني الحقّ بالحاضر. فأَنهِك جسدك والروح في الخالد الآن».

* وقال «يرتجي الغربُ غزو الجبل. يرتجي الشرقُ تأمّل الجبل. وأنا أرتجي طعمَ الجبل».

الثلاثاء، 26 أبريل 2016

مسرح #النو في #اليابان

مسرح #النو في #اليابان

ترتبط مسرحيات النو بالطقس ارتباطا حميما، فمسرحية تدور أحداثها فيفصل الصيف مثلا لا تقدّم في فصل الشتاء وهكذا...
ان ارتباط اليابانيّ ارتباط مدهش ارتقى إلى اعتبار كلّ جزئية من هذا العالمنوعا من التجلّي لما هو روحيّ ومقدّس.
الطبيعة امتداد روحيّ لليابانيّ.


السبت، 16 أبريل 2016

فندق في اليابان

 شيء لا يصدّق. ولكن من اليابان صدّق كل شيء.
في اليابان فندق عاديّ تديره عائلة وهذا امر عاديّ.
غير العادي ان عائلة واحدة اي ان ملكيته لم تنتقل من عائلة الى أخرى ، قلت غير العاديّ والرائع ان هذه العائلة تدير هذا الفندق منذ ١٤٠٠ سنة،
تحوّل الفندق بطقوس استقباله الى ما يشبه المزار أو إن شئت إلى ما يشبه" آلة الزمن" التي تعيدك الى زمن لم يعد موجودا الا في الأرشيف.

السبت، 6 فبراير 2016

حكاية جينجي

يعتبر البعض ان كتاب " ‫#‏حكاية‬ جينجي" هو من اقدم الروايات في العالم. كتبت الكتاب امرأة عاشت في القرن الحادي عشر في بلاط اأمير ياباني. نقل الكتاب بعد كتابته بتسعة قرون الى العالم العربي. الرواية ضخمة من حوالي 1800 صفحة، نقله الى العربية الكاتب كامل يوسف حسين. انشغل العرب على امتداد قرون بالغرب، من ايام اليونان، مع استثناءات مهمّة ولامعة جسّدتها ترجمة كتب من اللغة الفارسية الى العربية، ترجمة حولت النصّ المترجم الى جزء من تراث العرب، كما حصل لكتاب كليلة ودمنة الهنديّ الأصل. ولكن الاهتمام بالمشرق الكبير ضئيل، فكتب الصين لم تترجم الا مؤخرا، وان ترجمت فأغلبها عن طريق لغة وسيطة، ( فرنسي، انكليزي، الماني..)وهكذا الامر بالنسبة لأدب اليابان، او كوريا، او الهند او فيتنام.  عذم اهتمام العرب بفكر الشعوب وادب الشعوب وعادات وتقاليد الشعوب مرض يجب التخلّص منه. العالم اليوم يتغيّر، ولكن العربيّ للأسف ينقصه الفضول العلميّ. والفضول العلميّ محرّك لمعرفة العالم ومعرفة الذات.

الأربعاء، 6 يناير 2016

Emoji (japonais : 絵文字 ou えもじ, prononcé [emodʑi])



Emoji (japonais : 絵文字 ou えもじ, prononcé [emodʑi]) est le terme japonais pour désigner les émoticônes utilisées dans les messages électroniques et les pages web japonaises, qui se répandent maintenant dans le monde entier. Signifiant à l'origine pictogramme, le mot emojisignifie littéralement « image » (e) + « lettre » (moji)Ces caractères sont utilisés de la même façon que les émoticônes ASCII, mais un plus grand nombre sont définis, et les icônes sont standardisées et intégrées aux appareils.

نقلا عن 
http://linguistiquement-correct.blogspot.com/2016/01/les-mots-de-lannee-2015.html

الكانجي kan ji أو السلام المتفجّر


Mori Seihan أمين معبد كيوميزوديرا في كيوتو



الكانْجي أو السلام المتفجّر
كلّ من لا يعرف إلاّ لغة واحدة يعرف، من حيث لا يدري، عدّة كلمات من لغات أخرى كثيرة من غير أن ينتبه الى أنه يعرف شيئا ممّا لا يخطر بباله أنّه يعرفه. لا اظنّ ان هناك من لا يعرف بضعة كلمات صينية وتركية وفارسية بل بعض كلمات قبائل الهنود الحمر. فمن لا يعرف كلمات يابانية مثلا من قبيل "تويوتا" و"سوزوكي" والكلمة الأخيرة اسم عائلة عريقة ومرموقة في اليابان.
الأشياء في الحياة سيّارة، تمشي، ولكنها تمشي في أحيان كثيرة على قدمين لغويتين، وكلمة " كانجي" في عنوان المقال كلمة يابانيّة من أصل صينيّ وتعني " كتابة الهان " والهان هم القومية الأكبر من بين أكثر من خمسين قوميّة تحتضنهم الصين ضمن حدودها الشاسعة. ويقصد بكلمة " كانجي"  رموز الكتابة الصينيّة. والكلمات حين تبدّل بلدانها تعترضها تغيرات في بنيتها الصوتية والصرفية لتتلاءم مع البيئة الجديدة التي تعيش فيها، وأحيانا تغيّر طبيعتها الصوتية من غير أن تغيّر شيئا من شكلها المكتوب، فكلمة  " nation"الفرنسية، على سبيل المثال، تبقى من حيث الشكل والكتابة هي هي في اللغة الانكليزية ولكن صوت السين يتحوّل في اللفظ الى حرف الشين " ناشيون". هكذا الأمر في كلمة "كان جي" التي هي في اللغة الصينية تتألّف من رمزين han zi)) وتلفظ "هان تزه" أو "خان تزه" . وهناك من نحت  من هذين الرمزين كلمة عربية هي الـ"خَنْزة"، وقد يكتب لهذه الكلمة الوافدة عمر عربيّ خصوصاً بعد انفتاح اللغة الصينية على العالم، وترحيب العالم بهذه اللغة التي تعيش، راهناً، تجربتها المعولمة للمرّة الأولى عبر تاريخها المديد.
وحال الكانجي لفظاً كحال كلمة اليابان نفسها، فكلمة اليابان ليست كلمة يابانيّة، وهذا أمر قد يكون مثيرا للغرابة. ولكن ما يكشف لثام الغرابة هو معرفة الأسباب التي جعلتنا نقول عن اليابان انها يابان.
الكلمات تسافر من مكان الى مكان، والسفر رحم خصب، تتم في داخله تحولات كثيرة. ومن جملة التحوّلات التي تختمر في رحم السفر تحوّلات لغوية. فهناك مفردات، مثلا، في اللغة الفرنسية عربية، ولكنّها ليست عربية لأنّها وصلت الى فرنسا عبر تركيا أو عبر إيران. وهناك كلمات تركيّة من أصل عربيّ ولكنّها وصلت الى تركيا عبر ايران وليس عبر ممرّ عربيّ. وهكذا حين لا تصل الكلمة مباشرة من المنبع الى المصبّ تتغير بعض ملامحها. فكلمة يابان وصلت الى الغرب من طريق الصين وليس من طريق اليابان، وكلمة " يابان" هي توصيف صينيّ للأرخبيل الياباني، فالشمس تشرق في نظر الصيني من وراء جزر اليابان لهذا سمّى الصيني هذه الجزر بـ " جذور الشمس" ، أو منبت الشمس او مشرقها، وتلفظ في الصينيّة "جي بان"، وصوت " الجيم" من وجهة الإبدال الصوتيّ، صوت لعوب، متحوّل، فهو ينقلب في لغات كثيرة الى ياء، كما نرى ذلك مثلا في اسم (جوزيف / يوسف)، فصارت " جي بان" " يا بان" .
هناك لغات كتبت قبل لغات، وحين قررت بعض اللغات الانخراط في عالم الكتابة وهي لا تكتب كان امامها خيارات اما ان تبتكر شكلا كتابيا للغاتها، وإما أن تقترض أشكالا لكتابة لغاتها من البلدان المجاورة لها، وهذا ما حدث لليابان، فاللغة اليابانية كانت للحكي وليس للكتابة. وحين اراد اليابانيّ أن يكتب استعان بالرموز الصينية لكتابة لغته، وكان ذلك في القرن السادس قبل الميلاد. ولكن من المستحيل أن تجد لغتين يجمعهما نظام صوتيّ واحد، فكل لغة نظامها الصوتي الخاصّ، بل لكلّ لهجة من لهجات لغة واحدة نظامها الصوتيّ المميّز لها، فالنظام الصوتيّ للهجة اللبنانية غير النظام الصوتي للهجة المصرية او المغربية او السعودية، على صعيد الحروف، والحركات، والمقاطع، والنبر، والنغمات. وهكذا كان الأمر في الرموز الصينية التي لا تتفق والنظام الصوتي الياباني، فعدّلت بها من الناحية الصوتية لتلائم طبيعتها الخاصة بها.
وفي اللغة اليابانية حوالي ألفي رمز من أصل صينيّ دخلوا في نسيج الكتابة اليابانية، وهذه الرموز الصينية هي التي تعرف بالكانجيّ. واللغة اليابانية لغة طريفة لأنها تعتمد ثلاثة اشكال في كتابتها، وهي تندغم فيما بينها بشكل محيّر لغير اليابانيين،( من هنا سمّى المبشّرون البرتغال والفرنسيون، في القرن السادس عشر، اللغة اليابانية بـ " لغة الشياطين"!) فإلى جانب الكانجي هناك  الـ "هيراكانا  hirakana" ويعني " المدوّر" وهو الكتابة التبسيطية للـ"كانجي" ، والـ " كاتاكانا katakana" وتعني " الجزئيّ"، أي أخذ جزء من "الكانجي"  ويقصد به الكلّ أي أنّه يشبه ما يسمّى بالمجاز المرسل في علم البلاغة.





لن أخوض في تفاصيل الكتابة اليابانية، ولكن كتبت هذه المقال كرمى لعيني فكرة واحدة، وهي ولع اليابانيّ الغريب بالكلمات، والاحتفال بها احتفالا عظيما على صعد عدّة، منها هذه الظاهرة التي يمكن اعتبارها ظاهرة يابانية بامتياز. فاليابان في ختام كلّ عام تنظّم انتخابات لغوية برعاية جمعيّة تهتمّ بترسيخ علاقة اليابانيّ مع لغته المكتوبة. ويشترك في هذه الانتخابات عدد غفير من اليابانيين، وكلّ شخص ينتخب الكلمة التي يراها تعبّر عن هواجسه أو احلامه أو مخاوفه. وبعد عملية فرز الأصوات لطيفة ترفع الستارة عن وجه الكلمة التي سيكون لها موقع الصدارة، لتنال لقب " كلمة العام" أو " كانجي العام".
وهكذا في الخامس عشر من شهر كانون الأوّل من كل عام يكشف الستار عن الكلمة مخطوطةً وموضوعةً على منصة خشبية ارتفاعها 15 مترا في ساحة المعبد الياباني الأشهرKiyomizudera    كيوميزوديرا   في مدينة كيوتو التي كانت في زمن مضى العاصمة اليابانيّة. ويقوم الأمين العام على المعبد، في منتهى الخشوع والوقار وهو في زيّه الدينيّ،  بتخطيط الكلمة التي نالت حصّة الأسد من الأصوات. وكانت كلمة "السلام/ آن/  " صاحبة هذا اللقب لعام 2015.
 ولعلّ الأطرف في النتيجة هو ان الكلمة الثانية من حيث عدد الأصوات التي جنتها كانت " متفجّر / باكو/   /baku".
بلال عبد الهادي


الأربعاء، 30 ديسمبر 2015

يوم الكانجي Jour du Kanji

يوم الكانجي هو اليوم الذي تكشف فيه الستارة عن كلمة العام في اليابان، والكانجي يعني " الرمز اللغوي" المقترض من الصين ويستعمل في الكتابة اليابانية.

كلمة من اليابان

في ‫#‏اليابان‬ يحتفلون في ختام كلّ عام بكلمة، يختارون كلمة ويتوجونها ملكة او عنوانا للعام الفائت، والاختيار ليس عشوائيا وانما هو وليد احصاء للمتداول من الكلام في العام الآفل. ترى ما هي الكلمة العربية التي تفوز بالمرتبة الأولى من الكلمات التي تمّ تداولها في سوق الحكي ؟

الاثنين، 7 ديسمبر 2015

اللغة اليابانية من بحث اللغة العربية في الشبكة العنكبوتية في المؤسسات الأردنية واقعها وسبل النهوض بها الدكتور رائد جميل عكاشة

التجربة اليابانية عبرة في تمثّل لغة المقاومة، فقد أخضعت أمريكا اليابان لمجموعة من التغييرات السياسية والاقتصادية والتربوية والتعليمية، إلا أن اليابان ما تخلت عن "لغتها اليابانية رغم نظامها الكتابي المعقد، وبقيت لغتها القومية وسيلة لنظام تعليمها، وعملية تحديثها، ونهضتها العلمية والصناعية، حيث جعلتها لغتها الفصيحة في التعليم في مختلف مراحله وتخصصاته، وكذلك لغة الإعلام، وعلى رأسه قناتها التلفزيونية الحكومية المعروفة باسم NHK التي كان لها دور كبير في انتشار اللغة اليابانية الفصيحة، وترسيخها بين اليابانيين على اختلاف لهجاتهم

السبت، 27 يونيو 2015

وجهة نظر يابانيّة للكاتب نوبوأكي نوتوهارا عن العرب

الثلاثاء، 26 مايو 2015

سلطان الوهم


للوهم في حياة الناس سلطان لا ينكره إلاّ من يعيش في وهم كثيف الطبقات. وللوهم حسنات، في بعض الأحيان، لا تختلف عن حسنات اليد التي تنتشل الغريق. وعليه فمن العبث النظر إلى الوهم دائماً على أساس أنّه مجرّد أضغاث أحلام، أو تخيّلات ذهن مهيض.

هذا ما يستشّفه القارىء من حكاية رواها أحد القادة العسكريين القدامى من الشرق الأقصى عن معركة خاضها ضدّ عدوّ يفوقه عدّة وعدداً.

ظاهر الأمر ومنطقه يوحيان أنّ القائد مجنون ومتهوّر وأخرق الرغبات يدفع بجنده دفعاً إلى موت يشبه الإبادة، وهذا ما ظنّه أيضاً جنوده. فهم يعرفون أنهم قلّة لا حول لهم ولا قوّة، ويرَوْن أنّهم غير مجهّزين بما يكفي لضمان نجاح المعركة. حاولوا جاهدين ثني رأيه وعزمه لأنّ سواد النهاية واضح في نظرهم وضوح الشمس. لا شيء، من حيث الظاهر، يشير إلى إمكانية تحقيق الانتصار.

إلاّ أنّ للقائد رأياً آخر، على نقيض رأي الجند. فهو كان مؤمناً أنّ النصر في متناول اليد، وقطوفه دانية. فالكثرة لا تعني الغلبة في كلّ حين. كانت رؤيته غير رؤيتهم. هم يفسّرون النتائج المحتملة على ضوء المرئيّ وحده (والمرئيّ مُراءٍ) أمّا القائد فكان مقتنعاً أنّ المرء، أحياناً، يقع ضحية المرئيّ وفريسة الظاهر فيعمى عن رؤية نقاط ضعف القويّ المتوارية عن الأنظار.

حاول إقناعهم في الأخير من منطلقات هم يؤمنون بها. فقال لهم، لنترك للأقدار اتخاذ القرار بخوض المعركة أو سحب الفكرة. وفي العربية لا تخلو تسمية من إضاءة، فالقدر، لغويّاً على الأقلّ، موصول النسب والمعنى بالقدرة. أراد القائد أن تتماهى رغبته مع رغبات الأقدار، وأن يتعاونا معاً على صياغة الجواب فاقترح على جنده الإنصات لقرار الأقدار، وقال: سوف أدخل إلى المعبد وأستشير الأقدار، فهي لا تكذب، ولا تجامل، وكلامها لا يختلف عن كلام المرآة الساحرة، الصادقة. وافق الجيش ظنّاً منه أنّ الأقدار لن تبارك أو تشارك القائد مغامرته الخاسرة.

وبالفعل، خلع زيّه العسكري، وارتدى لباس التقوى، ودخل خاشعاً إلى المعبد، وبعد فترة، خرج مهموماً، مكروباً، وعلائم الحيرة بادية على محياه. الحيرة، هنا، جزء من تكتيك القائد.

قرأ الجيش علامات الحيرة على أنّ قرار الأقدار لا يختلف عن وجهة نظرهم، وهو أنّ المعركة خاسرة. وحين وصل أخبرهم أنّ الأقدار غسلت يدها من المسألة وأحالتها إلى نوع من اللعب إلاّ أنّ لعبة الأقدار لا تخلو من جدّ وإن تقنّعت بقناع الهزل. خاطب جيشه قائلاً: طلبت الأقدار منّي أن أرمي قطعة نقد معدنيّة في الأرض ثمّ استخرج الجواب من الوجه الظاهر منها. “الطرّة"- قالت الأقدار- تعني الانتصار أمّا "النقشة" فهي الانكسار. توقّفت الأنفاس، وحملقت العيون، وانتظرت الجواب العالق بين أصابع القائد ورنّة قطعة النقد.

سحب القائد القطعة النقدية من جيبه ورماها في الجوّ. احترقت أعصاب الناظرين في القطعة المحوّمة والمدوّمة كالبهلوان في الجوّ، ومرّت لحظات من القلق تفوق اللحظات وحين سقطت على الأرض، هجمت العيون لرؤية الجواب، وارتاحت عينا القائد بعد أن رأى وجوه الجيش قد استعادت حيويّتها، لأنّ "الطرّة" قالت كلمتها الفصل. وخاضوا المعركة بقوّة الأقدار وقوّتهم التي انبعثت من خورها وتردّدها وتحقّقت نبوءة الطرّة. قال له جيشه بعد انبهاره بالنصر: لا أحد يقدر على الوقوف في وجه الأقدار.

وقف القائد شاكراً للأقدار موقفها، وللجيش بسالته، ولكنّه أردف قائلاً:لا بدّ من الاعتراف، وأخرج من جيب سترته قطعة النقد، ومرّرها على الجيش الذي قرأ قرار القائد على قطعة النقد بعيون يلتهمها الذهول لأنّها رأت أنّ "الطرّة" كانت محفورة على وجْهَي القطعة، أمّا "النقشة" فلم يكن لوجودها أثر.


بلال عبد الهادي