الأحد، 4 يناير 2015

سلوك ونوايا

شيء ما لا تعرف ما هو يغيّر مسرى الأشياء.
تحلم فينقضّ عليك كابوس يسلبك الحلم.
ولكن ما هو الحلم؟ ما هي طبيعته؟ وعن أي حلم تتكلم؟
لا احكي عن حلم من لحم ودم واعصاب.
لا احكي عن صورة تريدها لنفسك، عن قناعات حياتية اخترتها من جملة خيارات.
تفرح بمن ينقذك لاتمام مسريرة قناعاتك، ولكن من ينقذك منها قد لا يريد لهذه القناعات او تستمر.
يظلّ يتعامل مع القناعات على انها اقنعة.
ظروف ما ترفض على المرء ان يعيش مقنّعا، ولكنه يتعب من الاقنعة ويصير كمن يقف امام المرآة وهو يسحب الاقنعة عن وجهه.وينتظر ان يرى وجهه ولكن لا يرى له وجها.
ليت الانسان يحاسب على النوايا.
ما يريح النفس ان الله يحاسب في الآخرة كما يقال على النوايا.
كلّ السلوك ينسف من قواعده ، لأن السلوك قد يغاير النوايا، قد يضخمها او يقزّمها أو ينقلها من زاوية واحدة.



حياة الفسبكة

كاد الفايسبوك ان يربك حياتي.
لقد منحني شيئا من الاحساس في الحضور الفعليّ.
ولكنه كاد ان يأخذ مني اشياء جميلة.
لكل انسان نوايلا.
نيتي من الكتابة على الفايسبوك كانت ببساطة ان اتابع وظيفتي، وهي وظيفة اتاحها لي الفايسبوك ، ان احبب الناس بالمعرفة، ان اغري من لا يحب القراءة بالقراءة.

أنا ومدوّنتي

استغرقني الاهتمام بالكتابة في صفحة الفايسبوك على العمل في مدونتي.
الفايسبوك فخ جميل، لأنك تجد التفاعل الفوريّ مع المكتوب.
تتدفق اللايكات او التعليقات.
تتخيّل ان كلامك ليس صرخة في واد.
ولكن المدونة ايضا ليست صرخة في واد.
احب ان اكتب، أن ادوّن احلامي وافكاري على ورق افتراضيّ.
الرغبة في الكتابة رغبة حارة وصادقة.
فلا اعرف بالتحديد متى بدأت الكتابة.
ولكن الكتابة الخفية، القابعة في الورق والدفاتر والادراج كتابة تشعر بحزن، ووحشة .
ان تكتب لتكتب ليست كتابة، انها اشلاء حروف وكلمات.
الكتابة هدفها عيون القرّاء، وهدفها ان تستجلب القرّاء.
الطريق الى الهدف قد يبعدك عن الهدف.
والكتابة شكل من اشكال القوة ولكنها ايضا شكل من اشكال الضعف.
الكتابة عناق اضداد، احتضان اضداد.

العرب وشدّ الحبال

لا أحد ينكر ان وضع العرب شديد السوء اليوم.
قد تسأل نفسك كعربيّ ، ماذا نقدّم للعالم اليوم؟
كيف نفكر اليوم؟
وهل نفكر حقا اليوم؟
هناك لعبة يمارسها رجال القرى وتعرف بشد الحبال.
من وحي هذه اللعبة مع بعض التعديل عليها سأحاول تبيان الفكرة التي برأسي.
تقوم اللعبة على تقسيم اللاعبين الى فريقين، وكل فريق يمسك طرف حبل، ويقومان بالشدّ كلّ واحد من الفريقين صوبه، وفي الوسط خطّ مرسوم ، والفريق الرابح هو الفريق الذي يحرك الفريق المضاد ويمنعه من تحقيق اي تقدّم " خليفاني" .
وجدت ان العرب يشبهون وسط الحبل، وهناك فريقان يشدانهم : فريق التراث وفريق الحداثة.
فريق التراث التي يريد شدّ العرب الى الخلف، الماضي، وفريق آخر يشدهم الى الحداثة والراهن .
ارى في سلوك الفريقين خطأ.
الماضي ليس حلا.
والحداثة بمعنى الانسلاخ عن التراث ليست حلا.
فنحن نحارب بأسلحة ليست اسلحتنا.
ماضينا ليس سلاحا ماضيا.
والحداثة ليست سلاحا ناجعا.
اننا نعيش في برهة زمنية قاتلة.
نعيش ممزقين بين رغبتين.
رغبة التفلت من التراث ورغبة الهروب الى الحداثة.
هناك حلّ.
حكما، هناك حلّ.
امة لا  تبحث عن الحلول لن تستطيع ان تخرج من ازماتها.
لن يأتي الحلّ على طبق من ذهب، أو يسير على سجادة حرير حمراء!
وانا لست الا فردا من هذه الامة يبحث عن خلاصه الفردي، وخلاصه الجماعي ايضا.
فالجنة بلا ناس ما بتنداس كما يقال.
ما معنى خلاص فرديّ؟
وهل  الخلاص الفردي خلاص ناجز وحقيقيّ؟
نحتاج اليوم الى غربال كذلك الذي يستعمله المزارعون في تعريب محصولهم.
فالحداثة محصول زراعي.
والتراث محصول ايضا زراعي.
مثلا ، هناك عبارة عربية قاتلة تقول: لا اجتهاد مع نصّ.
ولكن الا يكون الاجتهاد بوجود نصّ.
النصوص ليست متحجرة، واللغة مرنة، والتأويل حقّ تداوليّ.
كيف يحتمل نص غير قابل للتأويل؟
وهل يبقى النصّ الذي يستعصي على التأويل نصّا حيا، نابضا، فاعلا؟
من يحب النصوص يمنحها حقّ التصرف والحركة.
الاقدام التي لا تمشي تصاب بالشلل.

Judith Rich Harris - Pourquoi nos enfants deviennent ce qu'ils sont

Judith Rich Harris - Pourquoi nos enfants deviennent ce qu'ils sont

Nouveau-né الأنف الجديد


للكلمة الواحدة حياتان على الأقل : منطوقة ومكتوبة.
بعض الكات تتشابه، صوتيّا، وتختلف كتابيا.
قرأت اليوم تعبيرا يختلف جذريا عن عنوان هذه الفسبوكة، ولكنه، صوتيا، لا يختلف في شيء.
التعبلير له صلة بالأنف، فالكاتب كان يدعو الى ولادة سيمياء الشمّ ، فاستخدم عبارة nouveau-nez.
لكل لغة من اللغات مجال لعب، فما تسمح فيه الفرنسية هنا لا تسمح به العربيّة الا في مكان آخر.
وهنا يحضرني على سيرة الأنف عبارة قالها ابن الجهم .
فلقد سئل ابن الجهم عن اكثر ما يدهشه في هذا العالم، فكان جوابه : الشمّ.
ومن الشمّ ولد في العربيّة مفهوم " الشمم"، ومن الشمّ ولد " شميم" في عبارة "شميم نجد" في إّحدى قصائد الغزل العربية التراثيبة.
أمّا الأنف فلقد أنجب في العربية الكبرياء و"الأنفة".
وأنجب الأنف ، أيضا، لنا في تراثنا الشعريّ الشاعرة " الخنساء"، والخنس ذلك الارتفاع الضئيل في أرنفة الأنف، وكان العرب، وهم محقّون، يحبّون هذا النوع من الأنوف


رحيل عمر كرامي

نعوة عمر كرامي

فعل القراءة


ماذا تقرأ؟ من تقرأ؟ لماذا تقرأ؟ كيف تقرأ؟

لا تقرأ فقط ما تحب او يستهويك. "إقرأ ايّ شيء، وابحث دائما في الشيء الذي تقرأه عن الشيء الذي لا تقرأه.

عن الجاحظ واستراتيبجية الاستطراد

جاحظيّات
سأقول ما يلي: قوّة نصّ الجاحظ تأتيه مما يحسبه كثيرون نقطة ضعفه: الاستطراد.
منذ زمن بعيد، وأنا أقول أن الاستطراد عند الجاحظ هو استراتيجية واضحة المعالم وإن كان الجاحظ يقنّع هذه الاستراتيجية باعتذار تلو آخر من القارئ بسبب سوء تأليف وتنظيم مؤلفاته.
الاعتذار ، هنا، وسيلة جذب إغوائية.
ثمة ناحية لا تؤخذ بالاعتبار في تحقيق بعض النصوص وهو توزيع الكلمات في الورق، وخصوصاً في القديم، طبعا الكلمات محكومة بحجم الصفحات ولكن الكاتب يحتال ان أحب عبر تكبير او تصغير حجم الكلمة.
وكثرا ما يلفتني عند الجاحظ طريقته في الاستطراد، وأظنّ ان هناك باباً يمكن أن ندلف منه الى عيني الجاحظ نفسه. ونتعلم أن نرى بعينيه وهو الملفّب بالجاحظيّ والحدقيّ.

رحيل عمر كرامي بقلم سوسن الأبطح

الله معك يا عمر!
بدت جنازة الرئيس عمر كرامي، الشعبية الحاشدة، على وقع هتافات محبيه، بوجوههم المتجهمة الحزينة، أشبه بتظاهرة تكفير عن ذنب. بعضهم كان انكفأ عنه، ومنهم من وجد فيه رجلا ضعيفا لا يقوى على شيء، وقلة بقيت ترى في «الأفندي» الرجل الأصيل ابن طرابلس البار.
مع إعلان موته، وتحديدا بعد أن عاشت مدينته مرّ الخذلان والتخلي، وأكثر من عشرين جولة حربية مدمرة، في ظل طبقة سياسية مستجدة، تتقاذف الاتهامات، انتعشت الذاكرة بفضائل آل كرامي، وهرع مناصرو الأمس، ومخيَّبو الآمال، لوداع «زعيم» المدينة، لا بل رمزها المنسي. ليس عمر كرامي بلا عيوب ومثالب، لم يكن الرجل بلا علل، من بينها اتهام آل كرامي بالبخل، وبتفضيل مناصريهم على غيرهم، وبأنهم أهملوا المدينة، وتسببوا في شل مشاريعها الإنمائية حين كانت لا تخدم مصالحهم.
بدا عمر كرامي ابن زعيم الاستقلال عبد الحميد، وشقيق رئيس الوزراء القوي رشيد، صاحب الكاريزما الذي اغتيل غدرا، وكأنه يفقد لمعة الزعامة في مواجهة موجة جارفة من المتمولين حطت في طرابلس، بعد انتهاء الحرب الأهلية، وأغرقت أبناءها بالوعود المعسولة، ورشى صغيرة، ونتف مساعدات.
عانى عمر كرامي من سوء فهم فادح، ومن تغرير من قبل حلفائه قبل خصومه، وبقي متمسكا بما سماه «ثوابته الوطنية»، مرتضيا أن يدفع الثمن صاغرا حينا، ومختارا أحيانا أخرى. الرجل الذي اعتبر رجل سوريا، يوم كان كثيرون هم الأقرب إلى دمشق والرئيس حافظ الأسد، أطاحوا معا بحكومة الرجل عام 1992 إثر «ثورة الدواليب» التي غطى دخانها لبنان، أو «ثورة الجياع» بعد أن هبط سعر الليرة، بتعاضد من رجال المال والنفوذ، ليستقيل بعد سنة ونصف السنة فقط من توليه حكومة بدأت بتنفيذ فعلي لاتفاق الطائف الذي سرعان ما ستجمد أهم بنوده.
لم يكن الرجل سوريا إلا بقدر ما كان عروبيا، هكذا كان يفهم تحالفه مع نظام دمشق الذي وقف في مواجهته تكرارا حين كان يرى الرعونة التسلطية قد فاق حدها، ولحظة كان آخرون يطأطئون الرؤوس. تخلت سوريا عن الرجل مرارا، وهي في لبنان أو خارجه، ومع ذلك بقيت التهمة تتلبسه دون غيره. مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري، حيث كان عمر كرامي يترأس حكومته الثانية عام 2005، وجهت أصابع الاتهام إليه، وتحت ضغط صرخات المتظاهرين في ساحة الشهداء وانحناء لدموع النائب بهية الحريري وقف عمر كرامي بشجاعة فريدة في بلد مثل لبنان، نادرا ما يستقيل فيه سياسي، ليعلن حل حكومته، متحملا المسؤولية المعنوية عن الانفجار الكبير. عام 2011 كان من بين المرشحين الأبرز لتولي رئاسة الحكومة بعد إسقاط حكومة سعد الحريري، لكن «حزب الله» هذه المرة مال لنجيب ميقاتي، متذرعا بأن كرامي مريض، وهو ما قرر الرجل أن ينفيه بصلابة، مكتفيا بقبول توزير ابنه فيصل ليتحول وريثا سياسيا له.
لم يدجن الرجل، واجه الغبن بالحكمة والتروي، رفض استخدام المال السياسي المجلوب لشراء مناصريه، مفضلا الدفاع عن «الكرامة»، متجرعا الغدر ومحافظا على مبدئه الأثير ألا وهو «الوفاء». يسجل لـ«الأفندي» أنه في أشد لحظات التطرف المذهبي بقي معتدلا، وفي أحلك فترات الظلم التي عاشها ظل مصرا على التواصل مع الجميع. بقيت علاقته شديدة الحساسية مع الرئيس نجيب ميقاتي، ونعته ذات يوم بـ«الزرزور»، شارحا أنه أحد أنواع الطيور، ومع ذلك لم يكن التواصل مستحيلا حين تقتضي الحاجة. والتوتر كان على أشده مع الرئيس سعد الحريري، من دون أن يعني ذلك الذهاب إلى العداء النهائي المدمر.
لم يقطع عمر كرامي، رغم عصبيته، شعرة معاوية مع أحد، بقي الصبر الذي تمده به هواية صيد الأسماك يسعفه وقت الشدة. في الأيام العسيرة، وفي السنوات الأخيرة، حين كانت تظلم الساحة السياسية ويغلق أفقها، كان يذهب في مركبه مع مرافقه وحيدا إلى عرض البحر، يستطيع أن يختار الموقع الأفضل، يبقى يرمي صنارته طوال الليل، وحين يتعب ينام في غرفة صغيرة وسط الأمواج، بعيدا عن نفاق أهل الأرض وقريبا من صوت هدير الحقيقة، عائدا بصيد ثمين ووفير.
حتى الطبيعة ظلمت «الأفندي» هطلت الأمطار غزيرة بينما كان جثمانه يجوب شوارع طرابلس المكفهرة حزنا، أعاقت البعض عن المشاركة في الجنازة، رغم ذلك كان الموكب مهيبا، والوداع مؤثرا، فيما الجموع تصرخ «الله معك يا عمر»، ليس لأن عمر كرامي هو الرجل الذي لا رجال بعده، وإنما لأن طرابلس تعلم جيدا أن أنفتها من البيوتات السياسية التقليدية، ورغبتها في التغيير، لم توصلها إلا إلى تخبط يتلوه مقتلة، وفتنة تتلوها معركة. من المؤسف حقا أن يشعر بسطاء الناس في شمال لبنان، من البترون التي استقبلت جثمان الأفندي بلهفة إلى الضنية، بكل هذا التوق إلى استعادة التوريث السياسي العريق، لحظة يكون الحلم الأكبر هو في كسر طوق النظام اللبناني المذهبي، من أجل دولة مدنية متحررة من قيودها الصدئة.
من المفارقات المذهلة أن تكون بعض البيوتات القديمة في السلطة أقرب إلى الشجاعة في اتخاذ القرارات الوطنية الجامعة، من أولئك الآتين بنكهة الحداثة.