الجمعة، 21 أغسطس 2015

هل تنتصر الصين على أميركا؟


إن الصين تريد أن تستعيد حجمها الطبيعي في آسيا، وهذا من حقها الطبيعي، إلا أن استعادة هذا الحجم لن يترك أمور العالم على ما هي عليه اليوم، لأنه سيكون أشبه بزلزال سياسيّ واقتصاديّ وثقافيّ وعسكريّ ضخم يهزّ الخارطة السياسيّة التي وضعها الغرب للعالم، ولأنه يعني، أيضاً، بكل بساطة أنها تريد أن تكون الدولة الأولى في العالم، وهذا يقلق الأقوياء، ويخيف الضعفاء على السواء.
والمتضرّر الأول سيكون حكماً الولايات الأمريكية المتحدة. هل تتحمل أميركا نتائج أخذ الصين حجمها الطبيعي ومكانتها الطبيعية؟ هل بمقدور أميركا أن تقنع التنين الصيني الناهض بالإقلاع عن هذا الطموح المشروع؟ وكيف سيكون شكل التعايش بين الغرب الأميركي والشرق الصيني في القرن الحالي؟ كتاب ستيفان مارشان Stephane Marchand) ) " حين تقرر الصين أن تنتصر" ، الصادر عن دار" فايار" في فرنسا، يرسم على امتداد أكثر من 350 صفحة الخطوات التي تقوم بها الصين لإعلان هذا الانتصار، لأنها هي التي سوف تحدد مستقبلا حجم ومكانة أميركا في آسيا، وعليه في العالم، إلا أنّ الصين ليست في عجلة من أمرها فهي لا تزال في طور تهيئة نفسها علميا ورقمياً وعسكريا وتواصلا مع العالم للعب دور لم يسبق لها أن لعبته من قبل خارج مجال نفوذها الثقافي في دول الجوار الآسيويّ.
الصين ليست الاتحاد السوفياتي
ويقول الكاتب في فاتحة كتابه إن الحرب الباردة التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية كانت خاضعة لمنطق غربيّ لأنّ الخصمين كانا ينتميان، معاً، فكريا وفلسفيا إلى عالم واحد، أي أن خلفية كلّ منهما، ومفهوم كلّ واحد منهما عن الخسارة والانتصار متشابه، بينما الحرب القادمة بين الصين وأميركا لن تخضع حكما للمعايير نفسها التي حكمت الحرب الباردة، ولا للمفاهيم والقيم نفسها. فالصين بنت الشرق العصيّة على التصنيف الغربي، واللينة كبراعم الخيزران( وللخيزران تبجيل كبير في التراث الصيني)، وتاريخها الاستراتيجيّ القديم والغنيّ يشهد على زئبقيتها المراوغة، ثم إن الصين درست جيدا أسباب هزيمة الاتحاد السوفياتي، وهي لن تقع في الفخّ الذي وقع فيه الاتحاد السوفياتي. إن حرب النجوم وسباق التسلح اسقطا الاتحاد السوفياتي، إن أسباب الهزيمة الأساس كان اقتصاديا، لهذا تعمل الصين على استراتيجية إنفاق اقلّ بفعالية أكثر، وتسعى أيضا إلى إيقاع أميركا في فخ الإنفاق الباهظ الذي وقع فيه الاتحاد السوفياتي، وذلك بان تدفع أميركا إلى إنفاق عسكري كارثي لا يتحمله المجتمع الأميركي ولا يحتمل عقباته النظام السياسي الأميركي نفسه، بينما هي تعمل بكل حنكة ودهاء على نقاط ضعف القوة العسكرية الاميركية الهائلة، وهذا ما يسمح لها بتقليص نفقاتها الحربية، ويقول الكاتب:" إن الصين تعرف أن الرأسماليين يحيكون لنظامها الشيوعيّ حبل المشنقة، ولكن كيف نعرف إن كان هذا الحبل لن يُلفّ، في نهاية المطاف، حول عنق الرأسمالية نفسها؟" أليس من الفكر الاستراتيجي الصيني أن تقاتل خصمك بسلاحه وهو ما يعرف باستراتيجية "استعارة سهام العدو منه لرميه بها"؟
عدم وضوح شكل المعركة القادمة سببه كما يقول الكاتب إن المعركة ستكون بين خصمين متكافئين على الصعيد العسكري والمعلوماتيّ ولكن بخلاف جوهري هو الاختلاف على الصعيد الثقافيّ والفكريّ؟ والفكر الغربي لا يزال إلى اليوم يرى في الفكر الصيني فكرا غريبا، ضبابيا، عصيّاً على الفهم تماما كضحكته المتعددة التفاسير.
حصار التنين
الولايات الاميركية تسعى بشتى الوسائل لمحاصرة الصين، والصين تعلم تماما إن الحصار هو مسألة حياة أو موت بالنسبة لها وبالنسبة لحاجاتها للطاقة، النموّ السريع الذي تشهده الصين يتطلب استهلاك أكثر للطاقة، وأميركا اليوم تتحكم بجزء كبير من مصادر الطاقة وبجزء كبير أيضا من الممرّات والمضائق البحرية التي تؤمن للصين حاجاتها النفطيّة، والصين تسعى جاهدة للتفلت من هذا الحصار عن طريق بناء شبكة علاقات اقتصادية واسعة مع دول عديدة، فالصين ترى اليوم أن المعمور والمغمور من الأرض هو مجالها الحيويّ. ولا يمكن تفسير علاقاتها مع القارة السمراء، واستثماراتها العالية فيها إلا على ضوء حاجتها لمصادر الطاقة، كما أنه لا يمكن فهم أسباب مساعداتها السخية لكثير من الدول لبناء مرافىء كبرى وغير ذلك إلا من طريق حاجتها المتزايدة للطاقة.
القمر مصدر للطاقة
والصين لا تسعى لتأمين الطاقة على الأمد القريب فقط، وإنما أيضا على المدى البعيد حين تنفد الطاقة الكامنة في أعماق اليابسة وأعماق البحار، والصين كما أميركا كلّ منهما يعمل على تأمين المستقبل عبر الإتيان بالطاقة البديلة من القمر! وبحسب ما يقول ستيفان مارشان فإنّ القمر يحتوي على مادة " الهليوم 3"، وهي مادة نادرة في الأرض، وهي نظير الهليوم العادي، ولكن بفارق جوهريّ وهو انه غير مشعّ، طاقة نظيفة. وفي القمر حوالي مليون طن من هذه الطاقة، وهي مادة مكثفة جداً توفر حاجة الأرض من الطاقة لمئات السنين، ولا تحتاج أميركا نفسها سنويا لأكثر من خمسين طنا، إلا إن كلفة الطنّ الواحد منه أربعة مليارات دولار. ولا أحد اليوم يستطيع أن يحدد بيد من ستكون هذه الطاقة المستقبلية البديلة. الصين، في أي حال، لا تتعامل مع استيراد "الهليوم 3" من القمر باستخفاف.
انتصار بلا معركة
تؤمن الصين بأنّ أفضل الانتصارات هي التي تحققها من دون أن تخوضها. ولكن ثمة عوامل لا بد من توفرها لتحقيق هذا الانتصار السهل والكاسح، وذلك عن طريق جعل قوة الخصم تتآكل من الداخل ويفعل التآكل فيها فعله على غرار ما تفعله الأَرَضَةُ أو السوس في الخشب، وحين يأتي وقت المواجهة تخون الخصم قوته، وهذه استراتيجية متبعة في التقاليد الحربية الصينية، فقديما كانت الصين تدخل إلى ديار عدوها حيوانات مريضة بالطاعون، أو تلوث مياه شربه، ومع التطور التكنولوجي فان الصين عمدت إلى تطوير هذه الاستراتيجية، ووجدت في السلاح الرقميّ سلاحاً فتاكاً يحدد مصير أي معركة عسكرية قادمة. وتسعى الصين إلى امتلاك استراتيجيا فاعلة وهي شل أعصاب الخصم الرقمية، وتشتيت ذهنه الالكترونيّ، وزرع الضباب الرقميّ في وجهه.ماذا يحدث لأميركا في حال لم يعد للتواصل الالكتروني أي دور في المعركة، ماذا تفعل أميركا إذا تمرّد صاروخ على كبسة الزرّ؟ ماذا تفعل الولايات المتحدّة الأمريكية بقوتها الهائلة إذا وجدت نفسها بين ليلة وضحاها عاجزة عن تحريك قدراتها المشلولة؟ إن أميركا تنظر بعيون أبوكاليبسية إلى هذا السيناريو الأسود، ولا سيّما أن أنفاسها وحياتها اليومية في الأرض معلقة بحركات وتعليمات أقمارها الاصطناعية.
ترى الصين إن من يحدد مصير المعركة اليوم ليس من يملك القوة وإنما القادر على شلّ القوة والتشويش على المعلومة. "الفيروس الرقميّ" أيضا سوف يساهم في تحديد مصير أي معركة؟ والصين تعمل بكل قضها وقضيضها على تحقيق انتصار في هذه المعركة، وأميركا هنا تنفق الكثير لتحصين مواقعها الالكترونية. والصين تفرح لهذا الإنفاق الذي يرهق الميزانية الاميركية. إن الصين تسعى على أكثر من محور، و"الحرب السيبرنية" أحد هذه المحاور، هي حرب بكل معنى الكلمة ولكنها حرب قد تمنع حروبا ضارية.إنّ البنتاغون يستعمل 5 ملايين حاسوب وهذه الحواسيب موصول بعضها ببعض، وهي كلّها في نظر الصين أهداف عسكرية، لأن ليس للمعلومة حرمة، وخصوصاً حين تكون هذه المعلومة سلاحاً يستعمله الخصم في المعركة، وأميركا تعرف اليوم إن اغلب الهجمات التي تتلقاها مصدرها الصين. وفي "الحرب السيبرنية" (Cyberguerre) الدفاع يكلّف أكثر من الهجوم، وهو دفاع مشكوك في نجاعته لأنه لا يمكن القيام بـ"مناوارات سيبرنية" لإظهار كفاءة الدفاع. وعليه فإنّ كفاءته لا تظهر إلا في حال الهجوم، وهنا يكون الوضع حرجاُ لأنه في حال تهافت نجاعته أو قدرته على صدّ الهجمات فذلك يعني أن المعركة حسمت من أولها. والصين تنفق كثيراً على هذه المعركة، "والحرب السيبرنية" مادة تدرسها الصين اليوم في كلياتها العسكرية.
ورواتب العاملين في هذا الميدان في الصين سخيّة جدا تضاهي ما يمكن أن يأخذه الموظف في الشركات الخاصة، كما إن للصين جيشا من "الهاركرز" القابل للتجنيد في أي وقت، إنّه احتياط متمرّس ومهيّأ للتدخل في أي لحظة في هذه المعركة. ووظيفته ضرب أنظمة المعلومات للبنية العسكرية الأميركية، ليس هذا فحسب وإنما ضرب قنوات الاتصال المدنية، وبورصة نيويورك. في الراهن، يقول الكاتب، من المستبعد أن نشهد مثيلا لـ "بيرل هاربر " في المحيط الهادىء، إلا أن هجمة معلوماتية على غرار " بيرل هاربر" ليست أمرا بعيد الاحتمال.
وعينة بسيطة من هذه الحرب المحتملة حدثت في شهر أيار من عام 2007 في استونيا حين شنّ هجوم على مواقع الحكومة الإستونية وعلى بعض المصارف، الحلف الأطلسي اخذ الأمر بجدية كبيرة لأن حربا من هذا القبيل سوف تربك إرباكا كبيرا "أمن عمليات" الحلف مع كلّ ما يعنيه ذلك من احتمالات كارثية. والصين تعمل بجدية على اكتساب معركة المعلومات، وهذا ما أعلنه مؤتمر الحزب الشيوعي في جلسته السادسة عشر عام 2002.
والصين تعرف إن تفوق أميركا موجود في الفضاء، من هنا تعمل الصين على منازعة أميركا لهذا التفوق. ومن يحسم المعركة الأرضية إلى حد كبير هو الفضاء. وأميركا لا تسمح حتى لحلفائها بان يملكوا قوتها الفضائية فما بالك بخصومها؟ لان من يملك القدرة على الحركة في الفضاء هو الذي سوف يرسم حدود وإحجام القوى على الأرض. ويقول الجنرال الصيني "فانغ فانغ خوي":" علينا السعي والعمل بكلّ عزم للتفوق على القوة الفضائية الأمريكية".
استراتيجية الميكروب الرقميّ
ما هي الاستراتيجية الصينية لشلّ تفوق أميركا الفضائي؟ يروى الكاتب حكاية القمر الصناعي الأميركي المعروف باسم" كيهول" keyhole)). كان هذا القمر يدور في الأسبوع الأول من أكتوبر عام 2006 فوق الأراضي الصينية على ارتفاع 320 كلم ومهمته التقاط صور رقمية، وهو قمر قادر على رؤية غرض بحجم 10 سنتمر وتصويره بوضوح عالٍ في الليل أو في النهار، كما بإمكانه التقاط مصدر الحرارة أي انه يمكنه تحديد ما إذا كانت عربة ما تستعدّ للتحرّك (عبر حرارة محركها) أم لا. ويستطيع هذا القمر سبر السواتر لرؤية ما يختبىء خلفها من دبابات أو غيرها من أنواع الأسلحة. ويعدّ "كيهول" مفخرة من مفاخر القوة الفضائية الأمريكية الرادعة. وصلت الأخبار السوداء فجأة إلى قاعدة القمر في الأرض ومفادها إن أشعة لايزر آتية من الأرض قد ضربته وأعمته. إلا أن البنتاغون لم يعلق كثيرا على الأمر، حتى لا تفلت كلمة غير متوقعة، ولهذا سرب المعلومة تسريبا، لرؤية رد فعل الصين. والمعلومة المسربة لم تكن إلا فتافيت غير كافية لتبيان الضرر الفعلي اللاحق بالقمر، ولم تحدد ما إذا كان العمى الذي أصاب القمر هو عمى مؤقت كما لم تشر إلى ما أصاب جهازه البصري من ضرر. التكتم الأميركي على تفاصيل الأضرار كان مخافة أن تستفيد الصين من المعلومات التي قد تستخدمها لتحسين وتطوير هذا السلاح الفتاك.
إن الصين تعمل على إنشاء وتطوير "قمر فضائي طفيليّ"، أو ما يمكن أن يسمى بـ"منمنمات فضائية" أو " ميكروبات فضائية" ولقد قامت الصين فعلا بتجريب قمر مضاد للأقمار عام 2004 بنجاح باهر. وظيفة هذا "الميكروب الفضائي" الالتصاق كما الطفيليات على هيكل قمر صناعيّ، ثمّ يتحول إلى ما يشبه الخلية النائمة التي يمكن تنشيطها وتشغيلها في حال حدوث صدام للتشويش على المعلومات الصادرة والواردة إلى هذا القمر، أي أن لهذا "الميكروب" قدرة هائلة على تعطيل وشلّ طاقة القمر. وهو من الإنجازات التي قامت بها "أكاديمية الأبحاث التكنولوجية الفضائية" في بكين. وبحسب أحد مراكز الأبحاث الاميركية فإنّ كلفة هذا القمر المُنَمْنَم أقلّ بألف مرة من كلفة قمر اصطناعيّ عادي.
لا ينكر الكاتب أنّ الولايات المتحدة الأمريكية اليوم هي بمثابة "عملاق الكتروني"، أو هي بحسب تسميته "غولياث الكتروني". ولكن يتساءل الكاتب عن المصير الذي ينتظر هذا العملاق على يد " داوود الالكترونيّ الصيني الصغير"؟

الثقافة قامتها هيفاء محاضرة ألقيتها في مركز الصفدي الثقافي

أثناء القاء محاضرتي والى جانبي الدكتور هيثم الناهي والدكتورة ريما مولود

 
كلمة " هيفاء" عربية من صميم المعجم العربيّ ولا غبار عليها. ومسيرة هذه المفردة لا تخلو من طرافة عبر صلتها بمفردة عامية شائعة هي " هايفة"، ويقول البعض ان " هايفة" هي وجه من وجوه كلمة" هيفاء" بعد أن لعب بها قانون التقليب الصوتي الذي " شقلب" حروفها كما شقلب دلالتها، وصارت دلالتها تحمل معنى الهيافة او السخافة أو ما لا قيمة له.
 الطريف ان الأخت غير الشقيقة لهيفاء وهبي وهي رولا يموت اطلت بكليب غنائيّ عنوانه " أنا مش واحدة هايفة" وهي كلمة " لاذعة" في سياق الخصومة مع شقيقتها " هيفاء" ولعبة لغوية ماكرة! والهَيَفُ بفتحتين يعني ضمور البطن والخاصرة، ونقول: " رجل أَهْيَفُ" و "اامرأة هَيْفَاءُ" و"قوم هِيفٌ". والهيف "ضمور" ولكنه ضمور إيجابيّ في عالم الجمال، ومرغوب تنفق في سبيله مليارات الدولارات!
قرّرت الإذاعة البريطانية BBC الترويج لتعلّم اللغة الإنكليزيّة عام 2004، واختارت توقيتاً ملائماً هو بدء معرض الكتاب العربيّ في بيروت. ننعرف أنّ لبنان هو معقل الفرنكوفونيّة في العالم العربيّ، أو في الأقلّ في الشرق الأوسط. ومن يتابع الكرّ والفرّ اللغويين يعرف أنّ اللغة الإنكليزيّة تقارع الفرنسيّة في عقر دارها وفي عقر دور أخرى. وليست الفرنكوفونيةُ الاّ معركة لغوية ضروساً بين اللغة الفرنسيّة واللغة الانكليزية. فاللغات ساحات حروب حضارية وفكريّة واقتصادية ( وهنا أحيل إلى كتاب شيّق هو " حرب اللغات والسياسات اللغويّة" تأليف لويس جان كالفي Louis-Jean Calvet  والذي أصدرت ترجمته العربية المنظمة العربية للترجمة). ولا يختلف الصراع اللغويّ عن صراع الحضارات وان تقنّع أحياناً بقناع الحوار الحضاريّ او الانفتاح على الآخر. فالكلمات لباس، ولا أحد يمنع على العسكريّ لباسه المدنيّ، بل قد يتاح للعسكريّ ان ينجح في مهماته وهو في زيّه المدنيّ أكثر ممّا قد ينجح في مهمته وهو مدجّج بزيّه العسكريّ.
اختارت البي بي سي وجهاً عربياً معروفاً، ومألوفاً، ومحبوباً، ومكروهاً، وهو وجه مثير للجدل كما هو مثير للفتنة. مثار استحسان واستهجان في آن، وجه توجز ردود الفعل عليه واقع العالم العربيّ الممزّق الذي تتناتشه الأضداد, وهو وجه انثويّ جذّاب، انه وجه هيفاء وهبي. والجذب هنا مزدوج، قد يكون سرّا وقد يكون علناً، عنصر الجذب كعنصر التنديد تماماً. زائر معرض بيروت للكتاب في ذلك الوقت كان يلحظ وجود صورة كبيرة للفنانة الاستعراضية على واجهة جناح هيئة الإذاعة البريطانية BBC وكتب تحتها كلمة "اتبعني"!  فعل أمر ملتبس موجّه للذكور في صيغته الآمرة.


أثناء محاضرتي الثقافة قامتها هيفاء

أذكر انّي كنت في حفل افتتاح معرض الكتاب، في ذلك العام،  وما لفت نظري هو لحظة دخول هيفاء وهبي متّجهة الى جناح الـ" بي بي سي". كان الصحافيّون متكتّلين أمام جمهور الافتتاح الرسمي بحشده السياسيّ وهو يتجوّل في أجنحة المعرض، ولكن ما إن مرّ طيف هيفاء وهبي حتّى انفضّ عدد كبير من رجال الصحافة عن عالم السياسة ولحقوا بهيفاء وهبي، وسمعت رئيس حكومة لبنان لذلك العهد المغفور له عمر كرامي وهو يعلق على سلوك بعض الصحافيين وبسمة تعلو شفتيه: معهم – اي الصحافيون- الحقّ.
والآن أعمد إلى إدراج كلمة الثقافة في صلب كلمتي في صيغة تساؤل: ألا يفترض بالقيّمين على الشؤون الثقافية الاستعانةُ بأهل الفنّ للترويج لسلعهم الفكرية والأدبية والثقافية الجادّة. أعتبر " الثقافة" بكل مكوّناتها سلعاً تحتاج لمن يحسن تسويقها. وليس في هذا أيّ امتهان للثقافة. قد لا يحمل الفنّان الاستعراضيّ أو الفنّانة الاستعراضية همّاً أدبياً أو ثقافياً او فكرياً، ولكن من قال إنّه لا يمكن تحميله هذا الهمّ او هذا الهدف؟ (اليونسكو تستثمر مؤهّلات الفنانين والرياضيين لمآرب إنسانية، فلم لا يستثمر الفنّان لمآرب ثقافية؟)، وأتساءل مجرّد تساؤل : ماذا فعل عبد الحليم حافظ أو كاظم الساهر لنزار قبّاني؟ ومن كان سيسمع برباعيات الخيّام لولا صوت كوكب الشرق أمّ كلثوم؟ وماذا يحدث لامرىء القيس أو البحتري في حال قرّر مغنّ او مغنية أخذ بيتين او ثلاث ابيات من شعرهما وإطلاقهما في عالم الغناء؟ من يستطيع أن يحدّد ماذا فعل بيت أبي القاسم الشابّي:
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القدر.
الفلسفة هي" حسن استخدام واو العطف" كما يقول مفكّر هندي ويقصد "بواو العطف" إتقان الربط بين أمور تبدو للوهلة الأولى متنافرة أو لا يجمعها جامع أو وجه شبه ولكن وجوه الشبه المحذوفة كنوز فكرية لمن يجهد نفسه في الكشف عنها. وفي كتب البلاغة العربيّة تعريفات كثيرة للبلاغة منها ان البلاغة" معرفة الفصل من الوصل" أي معرفة اللحظة التي تسمح لنا ان نربط أو ان نفصل بين الأشياء والعناصر. نلحظ هنا ان البلاغة, من هذا المنظور, ليست بعيدة تماما عن النظرة الهندية. وكان ستيف جوبز مؤسس شركة التفاحة المقضومة " آبل" يقول، وهو المفتون الى حدّ الهوس بالبساطة  :  "الإبداع هو القدرة على وصل الأشياء مع بعضها".  وهي قدرة ليست في متناول أي أحد، فعبد القاهر الجرجاني رجل البلاغة البليغ يقول: إنّ معرفة الفصل من الوصل ممّا لا يتأتّى لتمام الصواب فيه إلاّ الأعراب الخلّص وإلاّ قوم طبعوا على البلاغة".
الخمار الثقافيّ
والثقافة عليها، كي تكون فاعلة، أن تحسن وصل الأشياء مع بعضها، ان تكون كخيط السبحة الذي ينتظم الحبّات ، أن تصل بين الشعبيّ والرسميّ، بين " الخمار" والموسيقى والأغنية على غرار ما حدث مع مسكين الدارميّ عبر الحكاية التاليةّ:
كان الشاعر مسكين الدارميّ  ( توفي عام 90 للهجرة في خلافة الوليد بن عبد الملك) صاحب البيت المأثور:
أخاك أخاك إن من لا أخاً له        كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاحٍ
قد اعتزل الشعر وتحول إلى ناسك متعبّد بعد أن كان من الشعراء المعروفين بالظرف والخلاعة إلا أن الأقدار جعلته يخون زهده لغايات نبيلة حين رمته بين يدي تاجر أقمشة يندب حظّه العاثر بعد ان كسدت بضاعته المؤلّفة من خُمُر سود,  وللألوان تأثير خلاب على ترويج الأشياء أو كسادها, وكان اللون الأسود عائقاً أمام تسويق الخُمُر, فاستنجد التاجر بالشاعر المعتزل مسكين الدارمي الذي استعاد خيالُه نشاطه, هذه المرّة, لتسويق ما كسد, فألف مقطوعة شعرية وأرسلها لصاحب له من مشاهير المغنّين, فلم تبق فتاة, بعد سماع الأغنية, إلا واشترت خمارا أسود, لأن الشاعر استطاع, بحنكته الشعرية, ان يمنح اللون الأسود لون الملاحة، وأن يغيّر من نظرة الحِسان إلى الألوان. وللشعر مقدرة كيميائيّة, كما يقال,  على تحسين القبيح وتقبيح الحسن, وتغيير نظرتنا ومواقفنا من بعض الأمور .
ومن حسن حظّ هذه الأبيات الشعرية انّها استعادت حياتها الفنّيّة, في العصر الحديث, بصوت المطرب العراقيّ الراحل ناظم الغزالي ولاقت رواجاً لا يزال نضير العبارة إلى اليوم, والأبيات هي:

قل للمليحة في الخمار الأسود
ماذا فعلت بناسك متعبّد
قد كان شمّر للصلاة ثيابه
حتى خطرت له بباب المسجدِ
ردّي عليه صلاته وصيامه
لا تقتليه بحقّ دين محمّد


احب الاشارة هنا الى الدور المميز الذي تلعبه الفنمانة الرائعة سعاد ماسي في اغنيها التراثية، وهي اغان لافتة للنظر انها تختار من معلقات العرب كبعض ابيات عنترة بن شداد او زهير بن ابي سلمى، كما اختارت ابيات من شعر المتنبي والحلاج ابيات شعر وصدحت بها في العالم العربي وفي المغتربات، وان كانت الفنانة الكبيرة غير معروفة في لبنان مثلا فانها لا شكّ تؤدي دورا ادربيا ممتازا عبر تعميم شعر شعراء كبار قدامى ومحدثين ونشره. وهنا اشكر الصديقة عائدة ابو شقرا التي عن طريقها سمعت بالفنانة سعاد ماسي، وهي فنانة تعزّز جزءا من الفكرة التي اتبناها في هذه المحاضرة.

الامبراطور اليابانيّ ولغة النتّ
أختم مداخلتي بحكاية يابانية، وهي حكاية واقعية حتّى العظم، عن مرض عربيّ اسمه لغة النتّ، وهي عبارة ليست صائبة لأنها تعامل المكتوب معاملة المنطوق، ولكنها عبارة شائعة ومألوفة، لن أتناولها في كلامي الاّ من خلال علاقة الياباني في علاقته مع خطّه، وهي علاقة نموذجيّة، رائعة، تظهر مدى احترام اليابان لخطّها، وتفانيها في خدمته، وتظهر كيف أنّ الخطّ جزء من سياسة الدولة. تقام، في الإمبراطوريّة اليابانية، مسابقة خطيّة في مطلع كلّ عام، من الدالّ توقيت المسابقة يوم رأس السنة وهو يوم ليس كسائر الأيّام!. يشترك في مسابقة فنّ الخطّ حوالي ثلاثة آلاف مشترك من كلّ الأعمار، في الهواء الطّلْق، في ساحة واسعة الأرجاء، فهنا توحّدهم جميعاً هواية الخطّ، واللوحة التي تفوز بالجائزة لا تكتفي بالمبلغ المرصود لها، فثمّة ما هو أهمّ من المبلغ وأهمّ من الجائزة نفسها هو مكان استضافتها. تتحوّل اللوحة الفائزة إلى لوحة فنيّة تعلّق في قصر الإمبراطور، وهنا يخطر ببالي كيف أنّ المعلقات الشعريّة الجاهليّة أخذت اسمها من تعليقها على جدران الكعبة. ثم إنّ الامبراطور بجلالة قدره يقوم باستقبال الفائز وتكريمه، ونحن نعرف المقام المقدّس للامبراطور في الديانة الشنْتويّة.
لنتخيل أنّ لبنان أو أيّ بلد عربي آخر يقيم سنويّاً مسابقة للخطّ العربيّ، ويكون من نصيب لوحة الفائز أنْ تعلّق في القصر الجمهوريّ أو القصر الملكيّ أو بلاط الأمير، هل كان احتقارنا للحرف العربيّ يبقى كما هو الآن؟ وهل كانت " لغة النت" تسرح وتمرح على ذوقها بقدّ متهتّك تظنّه ميّاساً، وقامةٍ عجفاء تظنّها هيفاء؟
من الخطّ تبدأ خطّة العمل الثقافيّ!

بلال عبد الهادي