السبت، 16 يناير 2016

الليلة الثانية من كتاب الامتاع والمؤانسة

ثم حضرت ليلة أخرى، فقال: أوّل ما أسألك عنه حديث أبي سليمان المنطقيّ كيف كان كلامه فينا، وكيف كان رضاه عنّا ورجاؤه بنا، فقد بلغني أنّك جاره ومعاشره، ولصيقه وملازمه وقافي خطوه وأثره، وحافظ غاية خبره.
فقلت: والله أيّها الوزير، ما أعرف اليوم ببغداد- وهي الرّقعة الفسيحة الجامعة، والعرصة «1» العريضة الغاصّة- إنسانا أشكر لك، وأحسن ثناء عليك، وأذهب في طريق العبوديّة معك، منه، ولقد سكر الآذان وملأ البقاع بالدعاء الصالح، رفعه الله إليه، والثناء الطيّب أشاعه الله، وقد عمل رسالة في وصفك ذكر فيها ما آتاك الله وفضّلك به من شرف أعراقك، وكرم أخلاقك وعلوّ همّتك، وصدق حدسك وصواب رأيك، وبركة نظرك، وظهور غنائك، وخصب فنائك، ومحبّة أوليائك، وكمد أعدائك، وصباحة وجهك، وفصاحة لسانك، ونبل حسبك، وطهارة غيبك، ويمن نقيبتك، ومحمود شيمتك، ودقيق ما أودع الله فيك وجليل ما نشر الله عنك، وغريب ما يرى منك، وبديع ما ينتظر لك من المراتب العليّة، والخيرات الواسعة والدولة الوادعة، وهي تصل إلى مجلسكم في غد أو بعده- إن شاء الله- وكان هذا منه قياما بالواجب، فإنك نعشت روحه وكان خفت، وبصّرته وكان عشي، وأنبتّ جناحه وكان قد حصّ، وبالرسم الذي وصل إليه لأنه كان قنط منه وهو قنوط، وسمعته يقول مرارا: من يذكرني وقد مضى الملك- رضوان الله عليه- ومن يخلفه في مصلحتي، ويجري على عادته معي؟ ومن يسأل عنّي، ويهتمّ بحالي؟ هيهات، فقد والله بالأمس من يطول تلفّتنا إليه ويدوم تلهّفنا عليه، إنّ الزمان بمثله لبخيل، كان والله شمس المعالي وغرة الزمن وحامل الأثقال، وملتقى القفّال، ومحقّق الأقوال والأفعال، ومجري لجم الأحوال على غاية الكمال، كان والله فوق المتمنّى، وأعلى من أن يلحق به نظير، أو يوجد له مماثل، لذّته لمح في تهذيب الأمور، وهواه وقف على صلاح من في إصلاحه صلاح ونفي من في نفيه تطهير، ولولا أن عمر الفتى الأريحيّ قصير، لكنّا لا نبتلي بفقده، ولا نتحرّق على فوت ما كان لنا بحياته، الدنيا ظلوم، والإنسان فيها مظلوم.
فلمّا وصل إليه ذلك الرّسم- وهو مائة دينار- وحاجته ماسّة إلى رغيف، وحوله وقوّته قد عجزا عن أجرة مسكنه، وعن وجه غدائه وعشائه عاش.
وممّا زاد في حديث الرسم أنّه وصل إليه مع العذر الجميل، والوعد العريض الطويل، ولو رأيته وهو يترفّل ويتحنّك لعجبت.
فقال: سررتني لسروره بما كان منّي، وإن عشت كففت الزمان عن ضيمه، وفللت عنه حدّ نابه، ولولا الضّمانة «1» مانعة عن نفسه، ومتمنّع معها بنفسه، لغشي هذا المجلس فيكم فاستأنس وآنس، ولكنّه على حال لا محتمل له عليها، ولا صبر عليه معها، أتحفظ ما قال البديهيّ فيه؟ قلت: نعم، قال: أنشدنيه، فرويت:
أبو سليمان عالم فطن ... ما هو في علمه بمنتقص
لكن تطيّرت عند رؤيته ... من عور موحش ومن برص
وبابنه مثل ما بوالده ... وهذه قصّة من القصص
فقال: قاتله الله، فلقد أوجع وبالغ، ولم يحفظ ذمام العلم، ولم يقض حق الفتوّة. حدّثني عن درجته في العلم والحكمة، وعرّفني محلّه فيهما من محلّ أصحابنا ابن زرعة وابن الخمار وابن السمح والقومسي ومسكويه ونظيف ويحيى بن عدي وعيسى بن عليّ.
فقلت: وصف هؤلاء أمر متعذّر، وباب من الكلفة شاقّ، وليس مثلي من جسر عليه، وبلغ الصواب منه، وإنما يصفهم من نال درجة كلّ واحد منهم، وأشرف بعد ذلك عليهم، فعرف حاصلهم وغائبهم، وموجودهم ومفقودهم.
فقال: هذا تحايل لا أرضاه لك، ولا أسلمه في يدك، ولا أحتمله منك، ولم أطلب إليك أن تعرّفهم بما هو معلوم الله منهم، وموهبه لهم، ومسوقه إليهم، ومخلوعه عليهم، على الحدّ الذي لا مزيد فيه ولا نقص، إنما أردت أن تذكر من كلّ واحد ما لاح منه لعينيك، وتجلّى لبصيرتك، وصار له به صورة في نفسك، فأكثر وصف الواصفين للأشياء على هذا يجري، وإلى هذا القدر ينتهي.
فقلت: إذا قنع مني بهذا، فإني أخدم بما عندي، وأبلغ فيه أقصى جهدي. أما شيخنا أبو سليمان فإنه أدقّهم نظرا، وأقعرهم غوصا، وأصفاهم فكرا، وأظفرهم بالدّرر، وأوقفهم على الغرر، مع تقطع في العبارة، ولكنة ناشئة من العجمة وقلّة نظر في الكتب، وفرط استبداد بالخاطر، وحسن استنباط للعويص، وجرأة على تفسير الرمز، وبخل بما عنده من هذا الكنز.
وأما ابن زرعة فهو حسن الترجمة، صحيح النقل، كثير الرجوع إلى الكتب، محمود النقل إلى العربيّة، جيّد الوفاء بكلّ ما جلّ من الفلسفة، ليس له في دقيقها منفذ، ولا له من لغزها مأخذ، ولولا توزّع فكره في التجارة، ومحبّته في الربح، وحرصه على الجمع، وشدّته على المنع، لكانت قريحته تستجيب له، وغائمته تدرّ عليه، ولكنّه مبدّد مندّد، وحبّ الدنيا يعمي ويصمّ.
وأمّا ابن الخمار ففصيح، سبط الكلام، مديد النّفس، طويل العنان مرضيّ النقل، كثير التدقيق، لكنه يخلط الدّرّة بالبعرة ويفسد السمين بالغثّ، ويرقع الجديد بالرّثّ، ويشين جميع ذلك بالزّهو والصّلف ويزيد في الرقم والسّوم، فما يجديه من الفضل يرتجعه بالنقص، وما يعطيه باللّطف يستردّه بالعنف، وما يصفيه بالصواب، يكدّره بالإعجاب. ومع هذا يصرع في كل شهر مرّة أو مرّتين.
وأمّا ابن السمح، فلا ينزل بفنائهم، ولا يسقى من إنائهم، لأنه دونهم في الحفظ والنقل والنظر والجدل، وهو بالمتّبع أشبه، وإلى طريقة الدعيّ أقرب، والذي يحطّه عن مراتبهم شيئان: أحدهما بلادة فهمه، والآخر حرصه على كسبه، فهو مستفرّغ محّ «1» البال مأسور العقل، يأخذ الدانق والقيراط والحبّة والطّسّوج والفلسف بالصروف والوزن والتطفيف، والقلب متى لم ينقّ من دنس الدنيا لم يعبق بفوائح الحكمة، ولم يتضرّج بردع الفلسفة، ولم يقبل شعاع الأخلاق الطاهرة المفضية إلى سعادة الآخرة.
وأما القومسيّ أبو بكر، فهو رجل حسن البلاغة، حلو الكناية، كثير الفقر العجيبة، جمّاعة للكتب الغريبة، محمود العناية في التصحيح والإصلاح والقراءة، كثير التردّد في الدراسة، إلّا أنّه غير نصيح في الحكمة، لأنّ قريحته ترابيّة، وفكرته سحابيّة، فهو كالمقلّد بين المحققين، والتابع للمتقدّمين، مع حبّ للدنيا شديد، وحسد لأهل الفضل عتيد.
وأما مسكويه، ففقير بين أغنياء، وعييّ بين أبيناء، لأنّه شاد، وأنا أعطيته في هذه الأيّام (صفو الشرح لإيساغوجي) وقاطيغورياس، من تصنيف صديقنا بالرّيّ.
قال: ومن هو؟ قلت: أبو القاسم الكاتب غلام أبي الحسن العامريّ، وصحّحه معي، وهو الآن لائذ بابن الخمار، وربما شاهد أبا سليمان وليس له فراغ، ولكنه محسّ في هذا الوقت للحسرة التي لحقته فيما فاته من قبل.
فقال: يا عجبا لرجل صحب ابن العميد أبا الفضل ورأى من كان عنده وهذا حظّه! قلت: قد كان هذا، ولكنّه كان مشغولا بطلب الكيمياء مع أبي الطيّب الكيمائيّ الرازيّ، مملوك الهمّة في طلبه والحرص على إصابته مفتونا بكتب أبي زكرياء،
وجابر بن حيّان، ومع هذا كان إليه خدمة صاحبه في خزانة كتبه، هذا مع تقطيع الوقت في حاجاته الضروريّة والشهوية، والعمر قصير، والساعات طائرة، والحركات دائمة والفرص بروق تأتلق، والأوطار في غرضها تجتمع وتفترق، والنفوس على فواتها تذوب وتحترق، ولقد قطن العامريّ الرّيّ خمس سنين جمعة، ودرس وأملى وصنّف وروى فما أخذ مسكويه عنه كلمة واحدة، ولا وعى مسألة، حتى كأنّه بينه وبينه سدّ، ولقد تجرّع على هذا التواني الصاب والعلقم، ومضغ بفمه حنظل الندامة في نفسه، وسمع بأذنه قوارع الملامة من أصدقائه حين لم ينفع ذلك كلّه. وبعد فهو ذكيّ حسن الشّعر نقيّ اللفظ، وإن بقي فعساه يتوسط هذا الحديث، وما أرى ذلك مع كلفه بالكيمياء، وإنفاق زمانه وكدّ بدنه وقلبه في خدمة السلطان، واحتراقه في البخل بالدانق والقيراط والكسرة والخرقة، نعوذ بالله من مدح الجود باللسان، وإيثار الشّحّ بالفعل، وتمجيد الكرم بالقول ومفارقته بالعمل، وهذا هو الشقاء المصبوب على هامة من بلي به، والبلاء المعصوب بناصية من غلب عليه.
وأما عيسى بن عليّ، فله الذّرع الواسع والصّدر الرحيب في العبارة، حجّة في النقل والترجمة، والتصرّف في فنون اللغات، وضروب المعاني والعبارات، وقد تصفّح ما لم يتصفّح كثير من هذه الجماعة، وقلّب بخزائن الكبراء والسادات، وأعين بالعمر الطويل والفراغ المديد، ولكنّه مع هذا الفضل الكثير بخيل بكلمة واحدة، ونصيح على ورقة فارغة، لسودائه الغالبة عليه، ومزاجه المتشيّط بها.
وأمّا نظيف، فإنه متوسّط، لا يسفل عن أقلّهم حظّا ولا يعلو على أكثرهم نصيبا، ويده في الطب أطول، ولسانه في المجالس أجول، ومعه رفق وحذق في الجدل.
وأمّا يحيى بن عديّ، فإنّه كان شيخا ليّن العريكة فروقة «1» ، مشوّه الترجمة، رديء العبارة، لكنه كان متأتّيا «2» في تخريج المختلفة وقد برع في مجلسه أكثر هذه الجماعة، ولم يكن يلوذ بالإلهيات، كان ينبهر فيها ويضلّ في بساطها، ويستعجم عليه ما جلّ، فضلا عما دقّ منها، وكان مبارك المجلس.
فقال: ما قصرت في وصف هذه الطائفة، وتقريب البغية التي كانت داخلة في نفسي منهم.
حدّثني عن مذاهبهم في النفس وما يقولون فيها، وإلى أين ينتهون من يقينهم بشأنها، وكيف ثقتهم ببقائها بعد فناء أبدانها؟
فقلت: علمت أنّي لا أجد ما أريد من حديث النفس عند أصحابنا الباقين، أعني أبا الوفاء عليّ بن يحيى السامريّ والصّيمري والقوهيّ والصوفيّ وغلام زحل

والصاغانيّ، وكذلك غيرهم أعني ابن عبدان وابن يعقوب وابن لالا وابن بكش وابن قوسين والحرّانيّ، لأن هؤلاء ليسوا يحرثون هذه الأرض، ولا يرقمون هذا البزّ ولا يجهّزون هذا المتاع ولا يتعاملون به، هذا ينظر في المرض والصحة والداء والدواء، وهذا يعتبر الشمس والقمر، وليس فيهم من يذكر كلمة في النفس والعقل والإله، حتى كأنّه محظور عليهم، أو قبيح عندهم.
وقلت: إنّ هؤلاء القوم- أعني الطائفة الأولى- متفقون في الاعتراف بأنها جوهر باق خالد، فأما اليقين فما الحكم به لهم، لأنهم لو كانوا على ذلك- أعني واجدين لليقين ذائقين لحلاوته- لما كدحوا للدنيا التي تزول عنهم ويزولون عنها مضطرّين، فلو أنهم كانوا على ثلج من النفس، ويقظة من العقل، واستبصار من القلب، وسكون من البرهان، لما تعجّلوا هذه اللّذّات المنقوصة، والأوطار الفاضحة، والشهوات الخسيسة، مع التّبعات الكثيرة والأوزار الثقيلة، ولا عجب فإنه إذا كانت الرّكاكة العائقة تمنع الإنسان من العدو والسّفر، ومن سرعة الخطو، لأن الحركة قد بطلت بالرّكاكة الداخلة عليه في أعضائه وآلاته، فأيّ عجب من أن تكون النفس التي استعبدتها الشهوات الغالبة، والعقيدة الرديئة، والأفعال القبيحة معوقة ممنوعة من الصعود إلى معانق الفلك ومخارف النجوم وعالم الرّوح ومقعد الصدق ومقام الأمن ومحلّ الكرامة ومراد الخلد وبلد الأبد ومعان السرمد.
قال: هذا كلام تامّ، وسأسألك بعد هذا عن النفس وما تحفظ عنهم فيها لكن تمّم لي ما كنّا فيه، كيف علم أبي سليمان بالنّجوم وأحكامها؟ قلت: لا يتجاوز التقويم. ثم قال: فما تقول في الأحكام؟ قلت: أنشدت منذ أيّام:
علم النجوم على العقول وبال ... وطلاب حقّ لا ينال محال
وقلت أيضا: علم الأحكام لا يجوز في الحكمة أن يكون مدركا مكشوفا مخاطبا به معروفا، ولا يجوز أن يكون مقنوطا منه مطّرحا مجهولا، بل الحكمة توجب أن يتوسّط هذا الفنّ بين الإصابة والخطأ حتّى لا يستغنى عن اللّياذ بالله أبدا، ولا يقع اليأس من قبله أبدا، وعلى هذا سخّر الله الإنسان وقيّضه وخيّره بين الأمور وفوّضه، ومنع من الثقة والطمأنينة إلا في معرفته وتوحيده وتقديسه وتمجيده، والرجوع إليه، انظر إلى حديث الطب فإنّ هذه الصناعة توسّطت الصواب والخطأ، لتكون الحكمة سارية فيها، واللطف معهودا بها، لأن الطب كما يبرأ به العليل، قد يهلك معه العليل، فليس بسبب أن بعض المدبّرين بالطب هلك لا ينبغي أن ينظر في الطب، وليس بسبب أن بعض المرضى برأ بالطب وجب أن يعوّل عليه، انظر إلى هذا التوسط في هذه الحال ليكون التدبير الإلهيّ والأمر الرّبوبيّ نافذين في هذه الخلائق بوساطة ما بينه وبينها، ولتكون المصلحة بالغة غايتها، وهذه سياسة دار الفناء، الجامعة لسكّانها على البأساء والنعماء، وهكذا، فانظر إلى حديث البحر وركوب البأس المتيقّن فيه، وجوب الطول والعرض وإصابة الربح، وطلب العلم، كيف توسّط بين السلامة والعطب، والنجاة والهلكة، فلو استمرت السلامة حتى لا يوجد من يغرق ويهلك، لكان في ذلك مفسدة عامّة، ولو استمرّت الهلكة حتى لا يوجد من يسلم وينجو، لكان في ذلك مفسدة عامّة، فالحكمة إذا ما توسّط هذا الأمر حتى يشكر الله من ينجو ويسلم نفسه لله من يهلك. قلت: وبعد هذا فهذا العلم عويص غامض عميق، وقد فقد العلماء به، الملهمون فيه؛ ومعوّل أهله على الحدس والظّنّ، وعلى بعض التجارب القديمة التي تكذب مرّة وتصدق مرّة، وبالصدق يعتبر الإنسان، وبالكذب يعرى من فوائده، فالنقص قد دخله، والخلل قد شمله، وليس يجب أن يوهب له زمان عزيز، فوراءه ما هو أهمّ منه وأجدر وأرشد وأهدى.
قال: هذا حسن، حدّثني بالذي أفدت اليوم.
قلت: قال أبو سليمان: العلم صورة المعلوم في نفس العالم، وأنفس العلماء عالمة بالفعل، وأنفس المتعلّمين عالمة بالقوة. والتعليم هو إبراز ما بالقوّة إلى الفعل.
والتعلّم هو بروز ما هو بالقوة إلى الفعل. والنفس الكليّة عالمة بالفعل، والنفس الجزئية عالمة بالقوّة، وكلّ نفس جزئيّة تكون أكثر معلوما وأحكم مصنوعا فهي أقرب إلى النفس الكليّة تشبّها بها، وتصيّرا لها.
قال: هذا في الحسن نهاية، وقد اكتهل الليل، وهذا يحتاج إلى بدء زمان، وتفريغ قلب، وإصغاء جديد. هات خاتمة المجلس.
قلت له: قرأنا يوم الجمعة على أبي عبيد الله المرزبانيّ لعبد الله بن مصعب:
إذا استمتعت منك بلحظ طرفي ... حيي نصفي ومات عليك نصفي
تلذّذ مقلتي ويذوب جسمي ... وعيشي منك مقرون بحتفي
فلو أبصرتني والليل داج ... وخدّي قد توسّط بطن كفّي
ودمعي يستهلّ من المآقي ... إذا لرأيت ما بي فوق وصفي
وانصرفت.


الليلة الأولى ( الإمتاع والمؤانسة )

وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بالعصمة والتوفيق أزره - فأمرني بالجلوس، وبسط لي وجهه الذي ما اعتراه منذ خلق العبوس؛ ولطف كلامه الذي ما تبدل منذ كان لا في الهزل ولا في الجد، ولا في الغضب ولا في الرضا.
ثم قال بلسانه الذليق، ولفظه الأنيق: قد سألت عنك مراتٍ شيخنا أبا الوفاء، فذكر أنك مراعٍ لأمر البيمارستان من جهته، وأنا أربأ بك عن ذلك، ولعلي أعرضك لشيء أنبه من هذا وأجدى، ولذلك فقد تاقت نفسي إلى حضورك للمحادثة والتأنيس، ولأتعرف منك أشياء كثيرةً مختلفة تردد في نفسي على مر الزمان، لا أحصيها لك في هذا الوقت، لكني أنثرها في المجلس بعد المجلس على قدر ما يسنح ويعرض، فأجبني عن ذلك كله باسترسال وسكون بال؛ بملء فيك، وجم خاطرك، وحاضر علمك؛ ودع عنك تفنن البغداديين مع عفو لفظك، وزائد رأيك، وربح ذهنك؛ ولا تجبن جبن الضعفاء، ولا تتأطر تأطر الأغبياء؛ واجزم إذا قلت، وبالغ إذا وصفت؛ واصدق إذا أسندت، وافصل إذا حكمت، إلا إذا عرض لك ما يوجب توقفاً أو تهادياً؛ وما أحسن ما قال الأول: 
لا تقدح الظنة في حكمـه شيمته عـدلٌ وإنـصـاف
يمضي إذا لم تلقه شـبـهةٌ وفي اعتراض الشك وقاف 
وقد قال الأول: 
أبالي البلاء وإني امرؤٌ إذا ما تبينت لم أرتب
وكن على بصيرة أني سأستدل مما أسمعه منك في جوابك عما أسألك عنه على صدقك وخلافه، وعلى تحريفك وقرافه.
فقلت قبل: كل شيء أريد أن أجاب إليه يكون ناصري على ما يراد مني فإني إن منعته نكلت، وإن نكلت قل إفصاحي عما أطالب به وخفت الكساد، وقد طمعت بالنفاق وانقلبت بالخيبة، وقد عقدت خنصري على المسألة. فقال - حرس الله روحه -: قل - عافاك الله - ما بدا لك، فأنت مجاب إليه ما دمت ضامناً لبلوغ إرادتنا منك، وإصابة غرضنا بك.
قلت: يؤذن لي في كاف المخاطبة، وتاء المواجهة، حتى أتخلص من مزاحمة الكناية ومضايقة التعريض، وأركب جدد القول من غير تقية ولا تحاش ولا محاوبة ولا انحياش.
قال: لك ذلك، وأنت المأذون فيه، وكذلك غيرك، وما في كاف المخاطبة وتاء المواجهة? إن الله تعالى - على علو شأنه، وبسطه ملكه، وقدرته على جميع خلقه - يواجه بالتاء والكاف، ولو كان في الكناية بالهاء رفعةٌ وجلالةٌ وقدر ورتبة وتقديس وتمجيد لكان الله أحق بذلك ومقدماً فيه، وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله - عليهم السلام - وأصحابه - رضي الله عنهم - والتابعون لهم بإحسان - رحمة الله عليهم - وهكذا الخلفاء، فقد كان يقال للخليفة: يا أمير المؤمنين أعزك الله، ويا عمر أصلحك الله؛ وما عاب هذا أحد، وما أنف منه حسيب ولا نسيب، ولا أباه كبيرٌ ولا شريف؛ وإني لأعجب من قومٍ يرغبون عن هذا وشبهه، ويحسبون أن في ذالك ضعةً أو نقيصةً أو حطاً أو زرايةً، وأظن أن ذلك لعجزهم وفسولتهم، وانخزالهم وقلتهم وضؤولتهم، وما يجدونه من الغضاضة في أنفسهم، وأن هذا التكلف والتجبر يمحوان عنهم ذلك النقص، وذلك النقص ينتفي بهذا الضلف؛ هيهات، لا تكون الرياسة حتى تصفو من شوائب الخيلاء ومن مقابح الزهو والكبرياء.
فقلت: أيها الوزير، قد خالطت العلماء، وخدمت الكبراء وتصفحت أحوال الناس في أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم، فما سمعت هذا المعنى من أحدل على هذه السياقة الحسنة والحجة الشافية والبلاغ المبين؛ وقد قال بعض السلف الصالح: "ما تعاظم أحد على من دونه إلا بقدر ما تصاغر لمن فوقه". والتصاغر دواء النفس، وسجية أهل البصيرة في الدنيا والدين؛ ولذلك قال ابن السماك للرشيد - وقد عجب من رقته وحسن إصاخته لموعظته وبليغ قبوله لقوله وسرعة دمعته على وجنته -: "يا أمير المؤمنين، لتواضعك في شرفك أشرف من شرفك، وإني أظن أن دمعتك هذه قد أطفأت أوديةً من النار وجعلتها برداً وسلاماً".
قال: هذا باب مفترقٌ فيه، ورجعنا إلى الحديث فإنه شهي، سيما إذا كان من خطرات العقل قد خدم بالصواب في نغمةٍ ناغمة، وحروف متقاومة؛ ولفظٍ عذب، ومأخذٍ سهل؛ ومعرفة بالوصل والقطع، ووفاء بالنثر والسجع؛ وتباعدٍ من التكلف الجافي، وتقاربٍ في التلطف الخافي، قاتلالله ذا الرمة حيث يقول: 
لها بشرٌ مثل الحرير ومنـطـقٌ رخيم الحواشي لا هراءٌ ولا نزر 
وكنت أنشد أيام الصبا هذا بالذال، وكان ذلك من سوء تلقين المعلم؛ وبالعراق رد علي وقيل: هو بالزاي؛ وقد أجاد القطامي أيضاً وتغزل في قوله: 
فهن ينبذن من قول يصـبـن بـه مواقع الماء من ذي الغلة الصادي 
قلت: ولهذا قال خالد بن صفوان حين قيل له: أتمل الحديث? قال: إنما يمل العتيق، والحديث معشوق الحس بمعونة العقل، ولهذا يولع به الصبيان والنساء، فقال: وأي معونة لهؤلاء من العقل ولا عقل لهم? قلت: ههنا عقلٌ بالقوة وعقلٌ بالفعل، ولهم أحدهما وهو العقل بالقوة، وههنا عقلٌ متوسط بين القوة والفعل مزمع، فإذا برز فهو بالفعل، ثم إذا استمر العقل بلغ الأفق؛ ولفرط الحاجة إلى الحديث ما وضع فيه الباطل، وخلط بالمحال ووصل بما يعجب ويضحك ولا يؤول إلى تحصيل وتحقيق، مثل هزار أفسان وكل ما دخل في جنسه من ضروب الخرافات؛ والحسن شديد اللهج بالحادث والمحدث والحديث، لأنه قريب العهد بالكون، وله نصيب من الطرافة. ولهذا قال بعض السلف: "حادثوا هذه النفوس فإنها سريعة الدثور"، كأنه أراد اصقلوها واجلو الصدأ عنها، وأعيدوها قابلةً لودائع الخير، فإنها إذا دثرت - أي صدئت، أي تغطت؛ ومنه الدثار فوق الشعار - لم ينتفع بها؛ والتعجب كله منوطٌ بالحادث؛ وأما التعظيم والإجلال فهما لكل ما قدم: إما بالزمان، وإما بالدهر؛ ومثال ما يقدم بالزمان الذهب والياقوت وما شابههما من الجواهر التي بعد العهد بمبادئها، وسيمتد العهد جداً إلى نهاياتها؛ وأما ما قدم بالدهر، فكالعقل والنفس والطبيعة؛ فأما الفلك وأجرامه المزدهرة في المعانقة العجيبة، ومناطقه الخفية، فقد أخذت من الدهر صورةً إلهية، وأحدثت فيما سلف منها صورةً زمانية.
فقال: بقي أن يتصل به نعت العتيق والخلق، فكان من الجواب أن العتيق يقال على وجهين: فأحدهما يشار به إلى الكرم والحسن والعظمة، وهذا موجودٌ في قول العرب: البيت العتيق؛ والآخر يشار به إلى قدم من الزمان مجهول. فأما قولهم: عبد عتيق، فهو داخل في المعنى الأول، لأنه أكرم بالعتق، وارتفع عن العبودية، فهو كريم. وكذلك وجه عتيق لأنه أعتقته الطبيعة من الدمامة والقبح. وكذلك فرس عتيق.
وأما قولهم: هذا شيء خلق، فهو مضمن معنيين: أحدهما يشار به إلى أن مادته بالية؛ والآخر أن نهاية زمانه قريبة. وكان ابن عباد قال لكاتبه مرة - أعني ابن حسولة - في شيء جرى... نعم، العالم عتيق ولكن ليس بقديم أي لو كان قديماً لكان لا أول له، ولما كان عتيقاً كان له أعول، ومن أجل هذا الاعتقاد وصفوا الله تعالى بأنه قديم، واستحسنوا هذا الإطلاق. وقد سألت العلماء البصراء عن هذا الإطلاق، فقالوا: ما وجدنا هذا في كتاب الله - عز وجل - ولا كلام نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولا في حديث الصحابة والتابعين. وسألت أبا سعيد السيرافي الإمام: هل تعرف العرب أن معنى القديم ما لا أول له? فقال: هذا ما صح عندنا عنهم ولا سبق إلى وهمنا هذا منهم، إلا أنهم يقولون: هذا شيء قديم وبنيان قديم ويسرحون وهمهم في زمانٍ مجهول المبدأ.
فقل: قد مر في كلامك شيء يجب البحث عنه، ما الفرق بين الحادث والمحدث والحديث؛ فكان من الجواب أن الحادث ما يلحظ نفسه والمحدث ما يلحظ مع تعلقٍ بالذي كان عنه محدثاً. والحديث كالمتوسط بينهما مع تعلقٍ بالزمان ومن كان منه.
وههنا شيء آخر، وهو الحدثان والحدثان؛ فأما الأول فكأنه لما هو مضارعٌ للحادث، وأما الحدثان فكأنه اسم للزمان فقط، لأنه يقال: كان كذا وكذا في حدثان ما ولي الأمير، أي في أول زمانه، وعلى هذا يدور أمر الحدث والأحداث والحادثات والحوادث. وفلان حدث ملوكٍ كله من ديوان واحد وواد واحد وسبك واحد. قال: ما الفرق بين حدث وحدث? قلت: لا فرق بينهما إلا من جهة أن حدث تابع لقدم، لأنه يقال: أخذه ما قدم وما حدث؛ فإذا قيل لإنسان: حدث يا هذا. فكأنه قيل له: صل شيئاً بالزمان يكون به في الحال، لا تقدم له من قبل.
ثم رجعت فقلت. ولفوائد الحديث ما صنف أبو زيد رسالة لطيفة الحجم في المنظر، شريفة الفوائد في المخبر، تجمع أصناف ما يقتبس من العلم والحكمة والتجربة في الأخبار والأحاديث، وقد أحصاها واستقصاها وأفاد بها، وهي حاضرة. فقال احملها واكتبها، ولا تمل إلى البخل بها على عادة أصحابنا الغثاث. قلت: السمع والطاعة.
ثم رويت أن عبد الملك بن مروان قال لبعض جلسائه: قد قضيت الوطر من كل شيء إلا من محادثة الإخوان في الليالي الزهر، على التلال العفر.
وأحسن من هذا ما قال عمر بن عبد العزيز قال: والله إني لأستري المحادثة من عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بألف دينار من بيت مال المسلمين. فقيل: يا أمير المؤمنين، أتقول هذا مع تحريك وشدة تحفظك وتنزهك? فقال: أين يذهب بكم? والله إني لأعود برأيه ونصحه وهدايته على بيت مال المسلمين بألوف وألوف دنانير، إن في المحادثة تلقيحاً للعقول، وترويحاً للقلب، وتسريحاً للهم، وتنقيحاً للأدب.
قال: صدق هذا الإمام في هذا الوصف، إن فيه هذا كله.
قلت: وسمعت أبا سعيد السيرافي يقول: سمعت ابن السراج يقول: دخلنا على ابن الرومي في مرضه الذي قضى فيه، فأنشدنا قوله: 
ولقد سئمت مآربـي فكأن أطيبها خبـيث
إلا الحـديث فـإنـه مثل اسمه أبداً حديث 
وقال سليمان بن عبد الملك: قد ركبنا الفاره، وتبطنا الحسناء، ولبسنا اللين، وأكلنا الطيب حتى أجمناه، وما أنا اليوم إلى شيء أحوج مني إلى جليس يضع عني مؤونة التحفظ ويحدثني بما لا يمجه السمع، ويطرب إليه القلب. وهذا أيضاً حقٌ وصواب، لأن النفس تمل، كما أن البدن يكل؛ وكما أن البدن إذا كل طلب الراحة، كذلك النفس إذا ملت طلبت الروح وكما لابد للبدن أن يستمد ويستفيد بالجمام الذاهب بالحركة الجالبة للنصب والضجر، كذلك لابد للنفس من أن تطلب الروح عند تكاثف الملل الداعي إلى الحرج فإن البدن كثيف النفس، ولهذا يرى بالعين، كما أن النفس لطيفة البدن، ولهذا لا توجد إلا بالعقل؛ والنفس صفاء البدن، والبدن كدر النفس. فقال: أحسنت في هذه الروايات على هذه التوشيحات وأعجبني ترحمك على شيخك أبي سعيد، فما كل أحد يسمح بهذا في مثل هذا المقام، وما كل أحد يأبه لهذا الفعل؛ هات ملحه الوداع حتى نفترق عنها، ثم نأخذ ليلة أخرى في شجون الحديث.
قلت: حدثنا ابن سيف الكاتب الراوية، قال: رأيت جحظة قد دعا بناءً ليبني له حائطاً فحضر، فلما أمسى اقتضى البناء الأجرة، فتماكسا وذلك أن الرجل طلب عشرين درهماً؛ فقال جحظة: إنما عملت يا هذا نصف يوم وتطلب عشرين درهماً? قال: أنت لا تدري، إني قد بنيت لك حائطاً يبقى مائة سنة؛ فبينما هما كذلك وجب الحائط وسقط؛ فقال جحظة: هذا عملك الحسن? قال: فأردت أن يبقى ألف سنة? قال: لا، ولكن كان يبقى إلى أن تستوفي أجرتك. فضحك - أضحك الله سنه -.

الليلة الثالثة عشرة من كتاب الامتاع والمؤانسة

فلما حضرت ليلةً أخرى قال: هات. قلت: إن الكلام في النفس صعب، والباحثون عن غيبها وشهادتها وأثرها وتأثرها في أطراف متناوحة وللنظر فيهم مجال، وللوهم عليهم سلطان، وكل قد قال ما عنده بقدر قوته ولحظه، وأنا آتي بما أحفظه وأرويه، والرأي بعد ذلك إلى العقل الناصح والبرهان الواضح.
قال بعض الفلاسفة: إذا تصفحنا أمر النفس لحظناها تفعل بذاتها من غير حاجة إلى البدن، لأن الإنسان إذا تصور بالعقل شيئاً فإنه لا يتصوره بآلة كما يتصور الألوان بالعين والروائح بالأنف، فإن الجزء الذي فيه النفس من البدن لا يسخن ولا يبرد ولا يستحيل من جهة إلى أخرى عند تصوره بالعقل، فيظن الظان منا أن النفس لا تفعل بالبدن، لأن هذه الأمور ليست بجسم ولا أعراض جسمية.
وقد تعرف النفس أيضاً الآن من الزمان والوحدة واليقظة، وليس لأحد أن يقول: إن النفس تعرف هذه الأشياء بحس من الإحساس، ففعل النفسي إذن يفارق البدن، وتأليف البرهان أن يكون على أن يقال: للنفس أفعال تخصها خلوٌ من البدن، مثل التصور بالعقل، وكل ما له فعل يخصه دون البدن فإنه لا يفسد بفساد البدن عند المفارقة.
وقال أيضاً: وجدنا الناس متفقين على أن النفس لا تموت، وذلك أنهم يتصدقون عن موتاهم، فلولا أنهم يتصورون أن النفس لا تموت، ولكنها تنتقل من حال إلى أخرى إما إلى خير وإما إلى شر؛ ما كانوا يستغفرون لهم، وما كانوا يتصدقون على موتاهم ويزورون قبورهم.
وقال أيضاً: النفس لا تموت، لأنها أشبه بالأمر الإلهي من البدن، إذ كان يدبر البدن ويرأسه.
والله جل وعز المدبر لجميع الأشياء، والرئيس لها. والبدن أشبه شيء بالشيء الميت من النفس إذ كان البدن إنما يحيا بالنفس.
وقال أيضاً: النفس قابلة للأضداد، فهي جوهر، فالفائدة أن النفس جوهر.
وقال: النفس ليست بهيولى، فلو كانت هيولى لكانت قابلةً للعظم، فليست النفس إذاً بهيولى.
وقال: ليست النفس بجسم، لأن النفس نافذة في جميع أجزاء الجسم الذي له نفس، والجسم لا ينفذ في جميع أجزاء الجسم؛ ولا هيولى، لأن النفس لو كانت هيولى لكانت قابلة للمقادير والعظم، وفائدة هذا أن النفس جوهر على طريق الضرورة.
وقال آخر: حركة كل متحرك تنقسم قسمين: أحدهما من داخل، وهو قسمان: قسم كالطبيعة التي لا تسكن البتة، كحركة النار ما دامت ناراً، وقسمٌ هو كحركة النفس تهيج أحياناً وتسكن أحياناً، وكحركة جسد الإنسان التي تسكن إذا خرجت نفسه وصار جيفة.
والقسم الآخر من خارج، وهو قسمان: أحدهما يدفع دفعاً كما يدفع السهم ويطلق عن القوس، والآخر يجر جراً كما تجر العجلة والجيفة.
وقال: فنقول: ليس يخفى أن جسدنا ليس مدفوعاً دفعاً ولا مجروراً جراً ولما كان كل مدفوع أو مجرور متحرك من خارج متحركاً لا محالة من داخل، فالجسد إذن متحرك من داخل اضطراراً.
وقال: إن كان جسدنا متحركاً من داخل، وكان كل متحرك من داخل إما متحركاً حركةً طبيعية لا تسكن، وإما نفسية تسكن.
فليس يخفى أن حركة جسد الإنسان ليست بدائمة لا تسكن، بل ساكنة لا تدوم، وكانت حركة كل ما سكنت حركته فلم تدم ليست حركةً طبيعية لا تسكن، بل نفسيةً من قبل نفسٍ تحركه وتحسسه.
بوقال: إن كانت النفس هي التي تحيي الإنسان وتحركه، وكان كل محرك يحرك غيره حياً قائماً موجوداً، فالنفس إذاً حيةٌ قائمة موجودة.
وقال أيضاً: النفس جوهر لا عرض، وحد الجوهر أنه قابل للأضداد من غير تغير، وهذا لازم للنفس، لأنها تقبل العلم والجهل، والبر والفجور، والشجاعة والجبن، والعفة وضدها، وهذه أشياء أضدادٌ، من غير أن تتغير في ذاتها، فإذا كانت النفس قابلةً لحد الجوهر، وكان كل قابل لحد الجوهر جوهراً فالنفس إذاً جوهر.
وقال: قد استبان أن النفس هي المحيية المحركة للجسد الذي هو الجوهر ولما كان كل محيٍ حركٍ للجوهر جوهراً فالنفس إذاً جوهر.
وقال: لا سبيل أن يكون المحيا المحرك جوهراً ويكون المحيي المحرك غير جوهر، فإذا كانت هي المحيية المحركة للجسد، وكان لا يمكن أن يكون المحيي المحرك للموجود غير موجود، فالنفس إذاً لا يمكن أن تكون غير موجودة.
وقال: إن كانت النفس بها قوى وحياة الجسد، فيمتنع أن يكون قوامها بالجسد، بل بذاتها التي قامت بها حياة الجسد.
وقال: إن كانت النفس قائمة بذاتها التي قامت بها حياة الجسد، فما كان قائماً بذاته فهو جوهر، فالنفس إذا جوهر.
وقد أملى علينا أبو سليمان كلاماً في حديث النفس هذا موضعه، ولا عذر في الإمساك عن ذكره ليكون مضموماً إلى غيره، وإن كان كل هذا لم يجر على وجهه بحضرة الوزير - أبقاه الله ومد في عمره - لكن الخوض في الشيء بالقلم مخالفٌ للإفاضة باللسان، لأن القلم أطول عناناً من اللسان، وإفضاء اللسان أحرج من إفضاء القلم، والغرض كله الإزادة، فليس يكثير الطويل.
قال: ينبغي أن نعرف باليقظة التامة أن فينا شيئاً ليس بجسم له مدات ثلاث: أعني الطول والعرض والسمك، ولا يجزأ من جسم ولا عرض من الأعراض، ولا حاجة به إلى قوة جسمية، لكنه جوهر مبسوط غير مدرك بحس من الإحساس. ولما وجدنا فينا شيئاً غير الجسم وضد أجزائه بحدته وخاصته، ورأينا له أحوالاً تباين أحوال الجسم حتى لا تشارك في شيء منها وكذلك وجدنا مباينته للأعراض، ثم رأينا منه هذه المباينة للأجسام والأعراض إنما هي من حيث كانت الأجسام أجساماً والأعراض أعراضاً؛ قضينا أن ها هنا شيئاً ليس بجسم ولا جزء من الجسم، ولا هو عرض، ولذلك لا يقبل التغير ولا الحيلولة، ووجدنا هذا الشيء أيضاً يطلع على جميع الأشياء بالسواء ولا يناله فتور ولا ملال، ويتضح هذا بشيء أقوله: كل جسم له صورة فإنه لا يقبل صورةً أخرى من جنس صورته الأولى البتة إلا بعد مفارقته الصورة الأولى، مثال ذلك أن الجسم إذا قبل صورةً أو شكلاً كالتثليث، فليس يقبل شكلاً آخر من التربيع والتدوير إلا بعد مفارقة الشكل الأول. وكذلك إذا قبل نقشاً أو مثالاً فهذا حاله، وإن بقي فيه من رسم الصورة الأولى شيء لا يقبل الصورة الأخرى على النظم الصحيح، بل تنقش فيه الصورتان، ولا تتم واحدة منهما، وهذا يطرد في الشمع وفي الفضة وغيرها إذا قبل صورة نقشٍ في الخاتم؛ ونحن نجد النفس تقبل الصور كلها على التمام والنظام من غير نقص ولا عجز، وهذه الخاصة ضدٌ لخاصة الجسم، ولهذا يزداد الإنسان بصيرةً كلما نظر وبحث وارتأى وكشف.
ويتضح أيضاً عن كثب أن النفس ليست بعرض، لأن العرض لا يوجد إلا في غيره، فهو محمول لا حامل وليس هو قواماً، وهذا الجوهر الموصوف بهذه الصفات هو الحامل لما لها أن تحمل، وليس له شبه من الجسم ولا من العرض.
وكان يقول: إذا صدق النظر، وكان الناظر عارياً من الهوى، وصح طلبه للحق بالعشق الغالب، فإنه لا يخفى عليه الفرق بين النفس المحركة للبدن، وبين البدن المتحرك بالنفس.
قال: ولما عرضت الشبهة لقوم قصر نظرهم، ولم يكن لهم لحظ ولا اطلاع فظنوا أن الرباط الذي بين النفس والبدن إذا انحل فقد بطلا جميعاً.
وهذا ظن فيه عسف، لأنهما لم يكونا في حال الارتباط على شكل واحد وصورةٍ واحدة، أعني أنهما تباينا في تصاحبهما وتصاحبا في تباينهما.
ألا ترى أن البدن كان قوامه ونظامه وتمامه بالنفس? هذا ظاهر.
وليس هذا حكم النفس في شأنها مع البدن، لأ،ها واصلته في الأول عند مسقط النطفة، فما زالت تربيه وتغذيه وتحييه وتسويه حتى بلغ البدن إلى ما ترى، ووجد الإنسان بها، لأن النفس وحدها ليست بإنسان، والبدن وحده ليس بإنسان، بل الإنسان بهما إنسان، فإذاً الإنسان نصيبه من النفس أكثر من نصيبه من البدن.
وهذه الكثرة توجد في الأول من ناحية شرف النفس في جوهرها، وتوجد في الثاني من جهة صاحب النفس الذي هو الإنسان بما يستفيده من المعارف الصحيحة، ويضمه إلى الأفعال الواجبة الصالحة، فأمر المعارف الصحيحة معرفة الله الواحد الحق باليقين الخالص، وأمر الأفعال الواجبة الصالحة العبادة له والرضوان عنه.
وغاية المعرفة الاتصال بالمعروف، وغاية الأفعال الواجبة الفوز بالنعيم والخلود في جوار الله، وهذا هو الصراط المستقيم الذي دعا إلى الجواز عليه كل من رجع إلى بصيرة وآوى إلى حسن سيرة.
فأما من هو عن هذا كله عمٍ وعما يجب عليه ساهٍ، فهو في قطيع النعم، وإن كان متقلباً في أصناف النعم.
وكان يقول كثيراً: الناس أصناف في عقولهم: فصنفٌ عقولهم مغمورة بشهواتهم، فهم لا يبصرون بها إلا حظوظهم المعجلة، فلذلك يكدون في طلبها ونيلها، ويستعينون بكل وسع وطاقة على الظفر.
وصنف عقولهم منتبهة، لكنها مخلوطة بسبات الجهل، فهم يحرضون على الخير واكتسابه، ويخطئون كثيراً، وذلك أنهم لم يكملوا في جبلتهم الأولى وهذا نعتٌ موجود في العباد الجهلة والعلماء الفجرة، كما أن النعت الأول موجودٌ في طالبي الدنيا بكل حيلة ومحالة.
وصنفٌ عقولهم ذكيةٌ ملتهبة، لكنها عمية عن الآجلة، فهي تدأب في نيل الحظوظ بالعلم والمعرفة والوصايا اللطيفة والسمعة الربانية، وهذا نعت موجود في العلماء الذين لم تثلج صدورهم بالعلم، ولا حق عندهم الحق اليقين؛ وقصروا عن حال أبناء الدنيا الذين يشهرون في طلبها السيوف الحداد، ويطيلون إلى نيلها السواعد الشداد فهم بالكيد والحيلة يسعون في طلب اللذة وفي طلب الراحة.
وصنف عقولهم مضيئة بما فاء عليها من عند الله تعالى باللطف الخفي، والاصطفاء السني، والاجتنباء الزكي، فهم يحلمون بالدنيا ويستيقظون بالآخرة؛ فتراهم حضوراً وهم غيب، واشياعاً وهم متباينون.
وكل صنف من هؤلاء مراتبهم مختلفة، وإن كان الوصف قد جمعهم باللفظ.
وهذا كما تقول: الملوك ساسةٌ، ولكل واحد منهم خاصة؛ وكما يقولون: هؤلاء شعراء ولكل واحد منهم بحر؛ وهؤلاء بلغاء ولكل واحد منهم أسلوب وكما تقول: علماء، ولكل واحد منهم مذهب.
وعلى هذا أبو سليمان - حفظه الله - إذا أخذ في هذا الطريق أطرب، لسعة صدره بالحكمة، وفيض صوابه من المعرفة، وصحة طبيعته بالفطرة.
وقال: إنا بعد هذا المجلس تركنا صنفاً لم نرسمه بالذكر، ولم نعرض له بالاستيفاء، وهم الهمج الرعاع الذين إن قلت: لا عقول لهم كنت صادقاً، وإن قلت: لهم أشياء شبيهة بالعقول كنت صادقاً؛ إلا أنهم في العدد، من جهة النسبة العنصرية والجبلة الطينية والفطرة الإنسية، وفي كونهم في هذه الدار عمارة لها ومصالح لأهلها: ولذلك قال بعض الحكماء: لا تسبوا الغوغاء فإنهم يخرجون الغريق ويطفئون الحريق ويؤنسون الطريق ويشهدون السوق.
فضحك - أضحك الله ثغره، وأطال عمره، وأصلح شأنه وأمره - فقال: قد جرى في حديث النفس أكثر مما كان في النفس، وفيه بلاغ إلى وقت، وأظن الليل قد تمطى بصلبه، وناء بكلكله؛ وانصرفت.