السبت، 24 يونيو 2017

الشغف



لعلّ أجمل ما في الحياة هو الشغف، الشغف بالعمل الذي تقوم به، بغضّ النظر عن العمل الذي تقوم به.
الشغف ليس جاحداً، يعرف كيف يردّ لك الجميل، ويعرف كيف يكون لك جسراً حين تصل إلى مشارف الهاوية!
الشغف يشبه حالة طفل صغير امام لعبة جديدة، تأمل عيني طفل صغير وهو يكتشف لعبته الجديدة.
تعامل مع عملك اليوميّ كما يتعامل طفل مع لعبته الجديدة.
الشغف يعدك بشيء واحد لا يمنحك إياه غيره: الاكتشاف.
يسمح لك ان تكتشف في الأشياء التي تقوم بها دروبا لا يراها غيرك وكنوزا لا تفتح ذراعيها إلاّ لك.
بمناسبة عيد الفطر السعيد، أقول: ليكن الشغف بما تقومون به حليفكم السرّي، وعصاكم السحرية.
وكل عيد وأنتم بخير.

آثار أحمر الشفاه




النسيان نعمة هذا ما يعلنه القول المأثور، وهو صحيح في أحيان كثيرة ولكنه ينقلب أحيانا إلى كارثة ونقمة، وقد يتسبّب في خراب بيوت راسخة البنيان، وخصوصا انه ماهر في إخراج كلّ العفاريت الزرق، بيديه الخفيّتين، الخفيفتين، من قماقمها.

وثمّة حكاية لفتت نظري عن زوجين لا تشوب حياتهما أو حبهما أية شائبة. كانت أيامهما تجري رقراقة كأنهار العسل المصفّى، ولم يكن في قلب أيّ واحد منهما شكّ تجاه الآخر. والثقة أمان بخلاف الشكّ الذي يفتت الصخر ويعكّر صفو أنقى العلاقات.اعتاد الزوجان أن يفترقا، كلّ صباح، على قبلة. وكانا يعتبرانها كفنجان القهوة تنعش ساعات الفراق وأوقات العمل. والقبلة كانت عادية يغلب عليها طابع الحنان والمودّة. وكثير من الأزواج يتبادلون هذا النوع من القبلات الخالية من الدسم الأرجوانيّ!

ذات صباح، والرجل يهمّ بمغادرة البيت، انزلقت القبلة المعتادة إلى عنق الرجل انزلاقة بريئة. ولعلّ السبب في هذه الانزلاقة هو العطر الجديد الذي أهدته إياه زوجته عشيّة الليلة الأخيرة بمناسبة عيد ميلاده الأوّل من مرحلة حياته الجديدة.

عند انتهاء دوام العمل وهو في طريقه إلى البيت عرّج على أحد الصيّاغين لشراء هديّة شكر على عطر الأمس، خصوصاً أنّه من هواة المبادرات العطرة. قدم لزوجته عقد ذهب فسرّت به كثيراً. كانت عينا الزوجة تلمعان بالحبّ والفرح وهي ترى لمعة الذهب. وفجأة، انتفضت، تغيّر لونها، صار أصفر كلون اللؤم. قالت له والكلمات ترتجف من الغضب على شفتيها: أنت كذّاب. لم يكن يسمع هذه الكلمة منها إلاّ من قبيل المزاح أو الغنج الأنثويّ. وهو لا يكذب، حتى الكذب الأبيض لا يعترف به، ويستغرب تمويهه الخبيث بالألوان. يجد ان الصمت بديل نبيل عن الكذب. كان الكذب يطنّ في أذنيه طنين البرغش الذي يدنو من أذنيك وأنت في الفراش على وشك ان تغمض عينيك على حلم. فلم تتّهمه بالكذب؟ وراحت الخواطر السوداء تنهمر على رأسه كالدبابيس، حين سمعها تقول بصوت كالصراخ المجروح : أنت كذّاب، خائن، غبيّ. تكثفت صدمته. لم يعد يعرف ماذا يقول، ارتبكت الكلمات على شفتيه. ما بك؟ عن أية خيانة تتكلمين؟

قرّبتْ بيدين عصبيتين مرآة الجيب من وجهه وقالت له: انظر... انظر أيّها الوغد. انظر أحمر الشفاه. زاغت عيناه. ثمّة، فعلاً، أحمر شفاه على عنقه. ولكن كيف وصل إلى عنقه؟ شفتان مرسومتان بالأحمر، بين الأذن وقبّة القميص. ثمّة أمور تحصل ولا يمكن استيعابها. الشفتان الحمراوان شاهدان ملكان لا يكذبان ولا يمكن نكرانهما. حبيبتي، لا أعرف عنهما شيئاً. تعرفين أني لا أكذب. وعندي إيّاك بكلّ نساء الأرض. كل كلمة كانت تحفر في قعر ريبتها أكثر فأكثر. وتقول: حبيبتي؟! ماذا؟ أتستهبلني؟ أتضحك عليّ؟ أتريدني أن أكذّب عينيّ؟ أتيت بالعقد القذر لإخفاء عملتك الحمراء. لماذا تكذب عليّ؟ لماذا؟ وراح ملح دمعها ينهش أسيل خدّيها.

نفض ذاكرته نفضاً، توسّل كلّ ذرّة من ذرّاتها، حاول استدرار عطف الذكريات، ولكن دون جدوى. ظلّت ذاكرته خرساء، وكأنّها تسخر، في عبّها، من الموقف المتدهور بين الزوجين. كادت أن تصل علاقتهما إلى تلك اللحظة المدمرة المجنونة. لم يتذكر أبدا ان الأحمر الملعون على رقبته هو أحمر شفتيها هي. ولم تتذكر، هي أيضاً، ان الأحمر المشتبه به هو أحمر قبلة الصباح البريئة. كان الوقت كالجمر يحرق أعصابهما. ولا شيء يقدر على إنقاذ الموقف إلا ذاكرتها أو ذاكرته. كاد يجنّ، التهمة راكبته من" رقبته" حتى أخمص قدميه. من يخرجه من جحيم ظنونها، أو من الذاكرة الخائنة الماكرة؟

راح يسترجع كل لحظة من وقته في العمل، لم تعبر شفتان ساعات نهاره. وفيما هو منغمس في تباريح التذّكر إذ بقهقهة تطلّ من بين شفتي زوجته التي أقبلت نحوه وراحت تغمره بالقبل. تذكّرتْ أن أحمر الشفاه لم يكن إلاّ بصمات قبلة الصباح المنسيّة.

... وراحا معا يلعنان "نعمة" النسيان المفخّخة!



الاثنين، 19 يونيو 2017

حين يتكلّم الجسد


بلال عبد الهادي

الإنسان كائن لا يكفّ عن الكلام، حتى ولو لم ينبس ببنت شفة. ولسيغموند فرويد عبارة شهيرة تقول: «ذاك الذي تصمت شفتاه يثرثر بطرف أصابعه». والكتاب الذي بين أيدينا، يؤكد أن الإنسان بمقدوره ان يتكلم بأصابعه وعينيه وهزّات كتفيه، وأيضاً بملابسه وعصاه وسبحته،... ثمة قدرة إنسانية هائلة على التعبير، وشديدة التنوع، نادراً ما تلقى عناية المؤلفين العرب.
المؤلفات التي تتناول كلام الجسد قليلة العدد في اللغة العربية، من هنا قيمة كتاب مهدي أسعد عرار «البيان بلا لسان، قراءة في لغة الجسد». والكتاب قيّم فعلاً وهو قراءة حديثة وتراثية في آن، أي انه يعتمد على أفكار وآراء ونظريات علم التواصل الحديثة، والبحث عن مقابلات عربية لها متناثرة في أمّهات تراثنا العربي.
متتبع الكتاب الصادر عن «دار الكتب العلمية في بيروت»، يلحظ غنى تراثنا العربي بالكلام عن لغة الجسد، أو بيان الصمت، ومن تناول هذه المسألة لم يكن من النحاة أو اللغويين فقط بل اهتم بها شعراء وأدباء وفلاسفة وعلماء في أصول الفقه. ولعل لغة العيون هي الأكثر تداولا، فالشعراء والكتاب والعشاق كلهم يكتبون بعيونهم مواجدهم ورغباتهم وأشواقهم. وبحسب أحد الشعراء:
فالعين تنطق والأفواه صامتة
حتى ترى من ضمير القلب تبياناً.
ويلفت الكاتب النظر إلى لغة الجسد عبر السيدة مريم التي نذرت للرحمن صوما مغايرا للصوم المعهود وهو الصوم عن الكلام. لكن الصوم عن الكلام لا يعني عدم استخدام وسائل أخرى، وإلا لتعذر التواصل مع ما يعنيه ذلك من مكابدات ومشقات حياتية لا يطيق الإنسان تحملها، وعليه كان ثمة بدائل ووسائل غير صوتية تقوم مقام اللغة المنطوقة.
الأمثلة عن التواصل غير اللغوي كثيرة يبث بعضها الكاتب في مؤلفه منها إشارات الشرطي الذي ينظم السير بحركات يديه. ويشير أيضا إلى كلام الثياب، والثياب تنطق بما لا يقوله اللسان أو بما يخفيه أو ينكره. والكاتب يرى ان كلام قميص سيدنا يوسف هو الذي نطق بحقيقة ما حدث.
يقوم العلماء اليوم على دراسة الإشارات وتعابير الجسد بشكل مفصل ليعرفوا المكتسب من الفطري منها، فتبين لهم ان المعاني الفطرية التي يبثها الجسد لا تخلو من ست انفعالات عالمية، وهي البهجة والحزن والاشمئزاز والخوف والغضب والدهشة.
الكاتب يشير أيضا إلى طواعية لغة الجسد كما هو شأن اللغة المنطوقة. ولا ريب في أن أطروحات علم اللغة الحديث أفادت كثيرا في سبر دلالات لغة الجسد. وبما ان للجسد لغة كما هو شأن اللسان فلا بد من أن يكون لهذه اللغة نحوها وصرفها ومعجمها وبلاغتها. فالإنسان في سبيل توصيل فكرة ما، لا يكتفي بلباس لغوي واحد للفكرة الواحدة، إن تلوين الفكرة بألوان كثيرة إمكانية تتيحها اللغة والأمر نفسه نلحظه في لغة الجسد حيث انه من المتاح قول الشيء نفسه بتعبيرات جسدية مختلفة.
لا توجد أي لغة في العالم، بدائية كانت أم حضارية، لا تعرف الترادف اللغوي او المشترك اللفظي، أي كون المفردة الواحدة تدل على أكثر من معنى، فالمشترك الحركي موجود في لغة الجسد كما هو موجود في اللغة. لنأخذ هزة الرأس فهي تعني القبول او الرفض او الطرب. وهل يختلف أمر هزة الرأس هنا عن معنى «العين» المتعدد؟
من هنا يشير الكاتب إلى أن السياق هو الذي يحدد المعنى المقصود من الحركة، ويتكلم عن «الترادف الحركي»، كالتعبير عن الرفض إما بهزّ الرأس وإما بالإشارة باليد على سبيل المثال. ويدرس الكاتب أيضا المحظورات من الإشارات. فلكل لغة محظورها أيضا مهما ارتقت حضاريا، لأسباب دينية او جنسية او بسبب ما تثيره بعض الكلمات من خوف فيعمد مستعمل اللغة إلى تلطيف القول عبر الكناية أو عبر عبارات ملطفة كمن يحاول أن يقصّ من مخالب مفعول الكلمة الخشنة. وما نلحظه على صعيد المحظور اللغوي له مترادفات على صعيد بعض الإشارات التي تثير الاستهجان.
إن بعض الناس يلعبون بالكلام، يشوشون الدلالات، فيقف المرء حائرا أمام ألفاظهم، وما يحدث على صعيد الكلام يحدث أيضا على صعيد الإشارات، أي ان المرء قادر على التلبيس والتزييف والتمويه، إلا أن الجسد يصدر إشارات عفوية مضادة لكشف الزيف، وهذا ما يقوله عالم الإشارات الان بيتز على سبيل المثال، ولكن الأمر يتطلب تدريباً للعين.
ويشير الكاتب إلى أن ثمة إشارات مشتركة بين الشعوب، أشبه بلغة عالمية، ولكن ليس كل إشارة لها مدلول واحد، ويأخذ مثالا على ذلك إشارة الدائرة التي يشكلها الإبهام مع السبابة ويلحظ المؤلف ان هذه الإشارة يتغير مدلولها بتغيّر المكان الذي تشكل فيه فهي في أميركا تدل على الموافقة، ولكن في اليابان تشير إلى النقود. لكل عضو جسدي نبرته الخاصة في الخطاب، ولعل هذا ما دفع « ناتالي باكو» إلى القول:» ان مشيتنا تؤلف جزءا من هويتنا». ومن طريف ما يتناوله الكاتب اثر المهنة على لغة الجسد، فالمعروف ان الإنسان على الصعيد اللغوي لا بد له من ان يتأثر بمهنته كذلك تتأثر لغة الإشارات لديه بالمهنة التي يقوم بها. وهذا النوع من الدراسات طريف وسوف يقدم لنا معلومات ثرّية جدا عن لغة التواصل الجسدية. فهل لغة الأستاذ الجسدية حتى خارج قاعات الدرس هي نفسها التي يستعملها ضابط في الجيش مثلا؟ أليس لكلّ مهنة طريقة في استخدام الجسد؟ تساؤلات تحتاج الإجابة عنها إلى دراسات ميدانية مستفيضة ومصوّرة. والتصوير جزء أساسي في عملية التقاط وتحليل لغة الإشارات. وفي فصل دلالات الألبسة وإيحاءاتها يشير الكاتب الى كيف ان اللباس يشي بالانتماء الجغرافيّ او الديني او العرقيّ أو اللغويّ أو العمري. فكما لكل فترة عمرية نمط من الكلام والتعبير هكذا الأمر في ما يخصّ اللباس، ولكل مقام هندام. الكاتب وهو لغويّ ينطلق من منطلقات لغوية فيدرس الإشارات واللغة التي يتوسلها الجسد من منطلق الدالّ والمدلول. الدالّ الواحد ليس له مدلول واحد، وهذا التعدد في المدلول يفهم الإنسان بالفطرة قسماً كبيراً منه، وهو لذلك يستثمره في مآرب كثيرة منها: حال الشحاذ الذي يختار، بكل ما تحمله هذه المفردة من تعمّد، لباساً رثّاً او ممزقاً لأنه يريد توصيل رسالة تثير حالات عطف معينة لدى الرائي.
الإنسان يستخدم يديه للتعبير وهما من متممات الكلام اللفظي، وبعض الناس تصاب أفواههم بالخرس في حال قيدت أياديهم. والكاتب يشير إلى اهتمام العرب قديما في تسجيل كلّ حركات اليد ومنح أسماء مخصوصة لكل حركة، وهذا ما فعله الثعالبي في كتابه الغني «فقه اللغة»، حيث نرى انه خصص لليد بابا بعنوان «تفصيل حركات اليد وأشكال وضعها وترتيبها»، وتشمل اليد أيضا الأصابع، إن أي إنسان في حال انتبه إلى تصرفات جسده يدرك كمّ الكلمات التي يتلفظ بها جسده عفواً. والكاتب لا يكتفي بالجسد وإنما بعلاقة الجسد مع بعض الإكسسوارات او المتممات كالسيجارة والسبحة والعصا، حيث يتوقف طويلا عند دلالة السيجارة، وطريقة مدخنها في نفثه للدخان ودلالات ذلك على نفسيته. والمتمعن في علاقة المدخن مع السيجارة قد يلقط القلق او الفرح او الخجل او جملة متناقضة من العواطف التي يجيش بها دخان شفتيه. ويتناول أيضا علاقة الأصابع مع السبحة، ولا ريب في أن السبحة تستحق بمفردها كتابا قائما برأسه في عالمنا العربي لاستعمالاتها الكثيرة ودلالاتها التي تمتص أحيانا من توتر حاملها، وتكفي نظرة إلى علاقة الأصابع بحبات السبحة أو انتقال السبحة من يد إلى أخرى لرؤية حالات حامل السبحة؟ ويقف الكاتب عند دلالة العصا وتجدر الإشارة هنا إلى الكتاب الموسوعيّ الطريف الذي وضعه أسامة بن منقذ عن العصا. وقد ورد ذكر العصا في القرآن الكريم كما في هذه الآية الكريمة: «قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهشّ بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى». ومآرب العصا الأخرى جزء منها تواصلي. وكان الجاحظ يرى ان «المَخاصِر والعصيّ من مرافق الخطبة» والعرب كانت «تخطب بالمخاصر» بحسب تعبير الجاحظ، والمخْصرة نوع من العصي. ويستشهد الجاحظ ببيت شعر ورد فيه عبارة «وحْي المخاصر»
مجالسهم خفْض الحديث وقولهم إذا ما قضوا في الأمر وحي المخاصر
ويعتبر الكاتب ان طعن الشعوبية على العرب باستخدام العصي والخناصر إنما هو من باب اختلاف الثقافات.لأنّ الحركة المقبولة في ثقافة ما قد تكون مرذولة في ثقافة أخرى.
ومن الأمور التي يشير إليها الكاتب حدود المناطق الجسدية. حدودها غير مرئية، ولكن تكفي رؤية شخصين يتحاوران حتى ندرك من حركاتهما، من خلال التراجع والتقدم عن المسافة الشخصية لكل فرد.
ويخصص الكاتب فصلا للغة الإشارات في القرآن حيث يعمد قارئ النصّ القرآني إلى الدلالات الإشارية لبعض الأفعال أو التعابير لتجسيد صورة المعنى كما في الآية: «ثم ذهب إلى أهله يتمطّى» أو في الآية « فجاءته إحداهما تمشي على استحياء» وعبارة «على استحياء» تزود عين القارئ بمشهد حيّ يحدد نوعية المشية. وكان العرب في الجاهلية يعمدون إلى التخاطب بالأقدام، وهذا ما تظهره الآية الكريمة: «ولا يضربن بأرجلهنّ ليعلم ما يخفين من زينتهن».
من العبارات التي يستشهد بها الكاتب عبارة للغزالي يقول فيها «إنّ كلّ من طلب المعاني من اللفظ ضاع وهلك». وما يوضح بعضاً من عبارة الغزالي قول آخر لابن جنّي أحد كبار دارسي اللغة العربية نقلاً عن صديق له كان يقول: «أنا لا أحسن أن أكلّم إنساناً في الظلمة» لأنّ الظلمة تمحو لغة الجسد ومعالم البيان. والأقوال العربيّة المأثورة التي منها «ربّ إشارة أبلغ من عبارة»، أو«ربّ لحْظ أبلغ من لفْظ»، أو «إنّ الحوار لمأخوذ من الحَوَر» ليست إلا من قبيل التأكيد على أن بيان الإنسان ليس وقْفاً على اللسان.

الساموراي ومعلم الشاي


للشاي سحر خاصّ، وطقوس يعرفها جيّداً أبناء الشرق الأقصى، ولقد قرأت أسطورة عن نبتة الشاي لا تخلو من طرافة روحيّة وردت في كتاب " تاريخ الشاي" لـ Paul Butel، ولا يخلو سردها من بعض النفع الخرافيّ. تقول الأسطورة ّإنّ زاهداً بوذياً ترك الهند باتّجاه الصين لنشر الدعوة البوذية، وكان يقاوم في طريقه النعاس حتّى لا يحرم نفسه من ممارسة التأمّل وهو يسير على قدميه، الاّ أن النوم سلطان قاهر، فغلبه النعاس وعندما استيقظ غضب من عينيه جدّا، ومن جفنيه اللذين خاناه، ولم يحترما رغبته في اليقظة، فما كان منه إلاّ أنّ قصّ جفنيه ودفنهما عقاباً لهما على عصيان رغبته، وتابع طريقه الى الصين. وفي عودته لاحظ ان نبتة لم تكن من قبل موجودة قد خرجت من ضريح جفنيه، فقطف بعض الأوراق وراح يأكلها ويتحسّس مذاقها، فانتبه الى انّ لها سحرا على عينيه اذ قضت على رغبته في النوم، وحين روى حكاية النبتة التي تطرد النوم لأصدقائه جمعوا بذور النبتة السحرية وراحوا يزرعونها لتعينهم على التعبّد، وهكذا ولدت حكاية الشاي من جفني زاهد بوذيّ لتتحوّل الى ثاني مشروب في العالم بعد الماء، ولم تستطع الى اليوم حبّة البنّ أن تسقط هذه النبتة عن عرشها السامق. وثمّة في الصين من لا يحبّ أن يهين ورقات الشاي بأيّ نوع من الماء، فترى بعض عشّاق الشاي يخرجون من بيوتهم مع طلوع الضوء الى البساتين لاصطياد قطرات الندى كما تصاد الفراشات، أو كما يصطاد النحل رحيق الزهر، ويلملمون قطرات الندى العالقة في أوراق الشجر ويحملون ماءهم الرقراق والنديّ الى بيوتهم لممارسة طقوس الشراب بماء تغذّى من معين الخضرة اليانعة.

وكلمة "شاي" بصيغتها العربيّة لا تخلو بدورها من طرافة. فمن يعايش الكلمات، ويحاول تتبّع مولدها يكتشف أنّ بعض الكلمات تكون عبارة عن كلمتين توحّدتا لأسباب كثيرة، منها الالفة المستمرة، فهناك كلمات تفقد بعض احرفها من فرط الدوران على الالسنة، كما كلمة" تعال"  التي سقطت لامها من الاستعمال فصارت تلفظ "تعا"، وبالنسبة لكلمة شاي الصينية المصدر فهي تعني حرفيّاً " ورقة الشاي"، وتلفظ في الصينية " تشا ييه cha ye 茶叶 " ، " تشا" بمعنى الشاي، و"ييه" بمعنى ورقة، وهذا امر تعرفه كلّ اللغات فيما يعرف بالنحت اللغوي، ولقد لفت نظري ورود كلمة الشاي في نصّ عربيّ قديم وهو من اقدم النصوص عن اخبار الصين ولكن تحت اسم "ساخ"، ويبدو ان الكاتب العربيّ القديم اصابته الحيرة من هذه النبتة التي لم يكن قد سمع بها من قبل، والصق بها، في نصّه، صفة الغرابة.

المدخل عن الشاي للحديث عن رجل يابانيّ متخصّص في صنع الشاي وفق الطقوس اليابانيّة، ومعروف ان تحضير الشاي في اليابان له فلسفته الروحية فهو لا يرتشف فقط لمآثره الصحية،  وفي كتاب الشاي (茶の本, Cha no Hon لـ " اوكاكورا كاكوزو Okakura Kakuzo" الذي ترجمه الى العربية الشاعر سامر ابو هواش، ونشرته دار كلمة في ابو ظبي، ما يسلط الاضواء على التعامل الروحانيّ مع هذه النبتة الساحرة. والحكاية التي سأرويها الآن لا تخلو من دلالات خفيّة على الخشوع الرهيب لحظة تحضير الشاي في اليابان.  لقد فرض على معلّم الشاي ذات يوم ان يبارز سيافا ماهرا، وهو لا خبرة له في فنون القتال. فارتبك وخشي الهلاك وخشي ذلّ الفرار. كان معلّم الشاي يعمل عند شخص من الطبقة الارستقراطية ويدعى " يامانوشي" Yamanouchi ، واراد ذات يوم هذا الارستقراطيّ ان يذهب الى ايدو العاصمة اليابانية في القرن الثامن عشر، واراد ان يرافقه في رحلته معلم الشاي ليعرض امام اصدقائه مهارة معلّم الشاي في توليد تلك المذاقات المدهشة لمسحوق الشاي، وطلب منه سيّده يامانوشي ان يلبس لباس الساموراي مثلما يتطلب منه مقامه السامي، فللشاي حرمة تتبدّى في اللباس، وفيما كان يتجول، ذات يوم، في العاصمة اذ اوقفه ساموراي وتحداه ودعاه الى المبارزة. حاول ان يشرح معلم الشاي للساموراي انه لا يجيد القتال، الا ان الساموراي ادار له اذنه الصماء. ان المبارزة تعني الموت المحتم لمعلم الشاي، والرفض مجلبة لعار له ولسيده، فقبل على مضض ولكن طلب لساموراي تاجيل المبارزة الى اليوم التالي، وذهب من فوره الى اقرب مدرسة لتعليم المسايفة، ولم يكن من السهل مقابلة معلم المسايفة الاّ برسالة توصية وبناء لموعد مسبق، إلاّ ان الحاح معلم الشاي المذعور دفع بالحاجب الى السماح له بلقاء المسايف. تعاطف معلم المسايفة مع معلّم الشاي بعد أن سمع قصّته، وقرر ان يعلمه ما يجعل من ميتته ميتة شريفة، ولكن المسايف طلب منه ان يريه طريقته في تحضير الشاي، فشرع معلم الشاي بممارسة شعائره الخاصّة في تحضير الشاي، وكان هادىء الحركة شديد التركيز، اندهش المسايف من تركيز معلّم الشاي المذهل، فقال بحماس استغربه معلم الشاي: لا حاجة لك في  تعّلم فن القتال. الحالة الذهنيبة التي انت فيها كافية بالنسبة اليك لأن تواجه أيّ ساموراي. لم يفهم معلّم الشاي حرفا ممّا قاله المسايف الخبير، الاّ انّ المسايف تابع حديثه قائلا: حين ترى الشخص الذي يتحداك تخيل انك ستقدم الشاي لضيف من ضيوفك. اخلع معطفك، اطوه بعناية، وضع مروحتك اليدوية عليه مثلما فعلت الآن. حين تنتهي من هذه الشعائر ما عليك الا ان تستلّ سيفك بالروح المتيقظة نفسها التي رأيتها في كل حركة من حركاتك، وسوف ترى نفسك مستعدّة للقتال استعداداً لا يفوقه استعداد.

وافق معلّم الشاي على ما قاله الرجل، فليمت رابط الجأش أفضل من أن يلطّخ سمعة عائلته وعائلة سيّده بالعار. وفي اليوم التالي ذهب لملاقاة الساموراي، الذي لم يستطع الا أن يلاحظ التعبيرات الهادئة والمبجلة على وجه منافسه وهو يخلع معطفه، ويطويه ببرود أعصاب مرعب، ثمّ وهو يضع مروحته بأناة فوق معطفه. انهالت الوساوس على قلب الساموراي، وقال بينه وبين نفسه: معلّم الشاي سياف بارع، هذا ما تقواه حركاته، لغة الجسد لا تكذب، فتقدّم الساموراي من معلّم الشاي بكلّ تجلّة واحترام وانحنى امامه، وطلب منه ان يسامحه على تصرّفه المشين معه في اليوم السابق.

بلال عبد الهادي


الأحد، 18 يونيو 2017

عروس المتنبي


دخل التاريخَ العربيّ، والشعرَ أيضاً، نداءٌ خرافيّ الأصداء خرج، ذات فاجعة، من شفتي امرأة عبّاسية. ونداؤها كان مقروناً باسم خليفة من الخلفاء العباسيين، وهو المعتصم الذي لبّى نداء المرأة (وامعتصماه)، وكان فتح عمّورية ترجمة قانية لندائها. ولعلّ الفضل في بقاء صرخة المرأة، طازجةً، يعود للشعر أكثر ممّا يعود للسياسة أو للعسكر، أي ربّما كان الفضل يعود إلى أبي تمّام الشاعر العربيّ الكبير، رجل المجازات المدهشة والاستعارات الغريبة. ولكن ليس غرضي أنْ أتناول شعر أبي تمّام ولا حياة المعتصم. إنّما هي توطئة لتعليق على بيتٍ لشاعر آخر هو المتنّبي. أحببت الإشارة إلى أبي تمّام فقط للقول إنّ بيت المتنبّي لم يكن فريد القسمات والملامح وإنما هو سليل نمط من النظر إلى الأشياء يسبق قول أبي تمام نفسه الوارد في قصيدته "فتح عمّورية" ذات المطلع الباسق. 

السيف أصدق إنباءً من الكُتُبِ          في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللَعِبِ.

وأشير فقط إلى أنّ الشاعر يرى وجه شبه خفيّ وغريب بين الخرائب والحرائق المندلعة من مدينة عمورية وربع ميّة المعمور المتألّق – ولاسمها المائيّ صلة ضدّية بالحرائق- ويرى في اللهب الأحمر خدود صبايا خفرات، فيقول:

مَا رَبْعُ مَيَّةَ مَعْمُوراً يُطِيفُ بِهِ               غَيْلاَنُ أَبْهَى رُبىً مِنْ رَبْعِهَا الخَرِبِ
        ولا الْخُدُودُ وقدْ أُدْمينَ مِنْ خجَلٍ               أَشهى إلى ناظِري مِنْ خَدها التَّرِبِ

في شعرنا العربي كثير من الأبيات التي تقوم على توليف المتنافرات وتأليف ما بينها بحيث إن قراءتها تستولد الدهشة والاستغراب من جرأتها على تشكيل المعنى الشعري وفق هوى النفس. متصفح المكتوب العربي سيقع، لا ريب، على عدد ضخم من الصور الطريفة المعبرة عن ذاتيّات كاتبيها. نرى ذلك في بيتَي أبي تمام الولوع بتنافر الأضداد. سأكتفي،هنا، ببيت المتنبي باعتباره عينة لا أكثر. وشاعرنا ذو مهارة جبارة مستلّة من طينة ذاته في خلق الصور وبثها في تضاعيف شعره المجلجل، الرنان. والبيت من قصيدته الميميّة في سيف الدولة التي مطلعها:

على قدْرِ أهْلِ العزْم تأتي العزائِمُ    وتأتي على قدْر الكرامِ المكارمُ.

والبيت هو:

نَثَرْتَهُمْ فَوْقَ الأُحَيْدِبِ نَثْرَةً          كما نُثِرَتْ فوق العروس الدَّراهِمُ

الضمير"هم" في" نثرتهم" يعود إلى جثث الأعداء أيْ أنّ الصورة التي تنبثق منها مفردات هذا البيت تقوم على علاقة ضدّية غريبة الدلالات ظاهراً. فمن ناحية، ثمة القتلى المنثورون فوق الأحيدب وهو اسم جبل، ولا يخلو المكان من لون الدم المسفوك، ومن ناحية أخرى، ثمّة العروس وثوبُها الأبيض الفضفاض الذي تنثر عليه الدراهم. كيف اجتمعت وتكوّنت هذه الصورة المتنافرة في خيال الشَّاعر؟

هل كان خيال المتنبي ساديّاً حين صاغ من هذه المتنافرات بيتا شعرياً شديد الغرابة والواقعية في آن؟ كيف تولد الانسجام من هذا التنافر الدلاليّ بين الأبيض والأحمر؟ وأين يكمن وجه الشبه بين العروس ورؤوس القتلى؟

علينا أنْ نتأمّل المشهد الشعريَّ بعينيْ أبي الطيّب نفسِه إذا ما أردنا أنْ نرى في الصورة ما رآه الشاعر من تناغم وانسجام وصدق في وجْه الشبه. فالقتلى هم من الطرف الآخر، وقتلهم يعني انتصاراً، وفي الانتصار غبطة ونشوة وكلّ دلالات الحبور. العروس تحمل في المخزون الخياليّ والنفسيّ للرجل النشوة والجمال. من هنا ندرك أنّ الصورة المشهدية التي أتحفنا بها المتنبِّي لم تكنْ تعبّر عن الواقع المرئي بقدر ما كانت تعبر عن الواقع النفسيّ الذي كان يعيشه المتنبّي لحظة الانتصار، وهو واقعٌ منتشٍ بمشهد الدم ومنظر الجثث والرؤوس المتطايرة كالدراهم فوق جبل له شكل ثوب العرْس الأبيض. من يتخيّل، في أيّ حال، ثوب زفاف كامد الألوان؟ والجبل يحمل لزيادة حدّة المشهد اسماً دالاًّ على غير صعيد-  أغلب الأسماء في الكتابات الفنية الفذّة ليست جاهزة وإنّما مفصّلة على مقاس غايات النصّ- فهو من جهة، ورد في صيغة التصغير ليوحي بضيق المكان على رحابته، وهو، من جهة أخرى، اسم يتضمّن في الدلالة اللغويّة لصيغته الراهنة ولجذْره على السواء تشويهاً مضاعفاً: تشويه تصغير وتحقير وتشويه خلْقة. 

إنّ القبح، قبح منظر القتلى ومشهد الدم، شبيه بجمال تشرق أنواره من طلّة العروس. هذا القبح يخدم، في نظر الشاعر، هدفاً نبيلاً وجميلاً، والهدف هو الذي يحدّد طريقة النظر، ويعدّل من معنى المشهد، وعليه يغدو هذا القبح الأحمر جمالاً فاتناً بهيّاً يستدعي بدوره حضور صورة تلائمه وتمثّله خير تمثيل وهي، هنا، صورة عروس متلالئة ببياض ثوبها ولمعان الدراهم المنثورة فوقها.

ومن هنا يبدو أنّ المعنى لا يكتمل أحياناً إلاّ باستشفاف الحالة النفسيّة والشعوريّة للقائل لأنّها هي التي تنتقي المفردات وتنتقي الصور وتدمج بين المتنافرات دمجاً حميماً كما تؤلّف بين الصور التي ليس لها، إلاّ على مستوى الظاهر، ذلك التنافر الصارخ، وهو تنافر قد يخدع النظرة الأولى، وهي- أي النظرة الأولى- حمقاء، كما كان يقول الخطيب القزوينيّ صاحب " تلخيص المفتاح".


أشعار سيّدنا آدم من مقالات كتاب لعنة بابل تأليف بلال عبد الهادي














هل كان آدم شاعراً؟
وإذا كان قد قرض الشعر فأين نطق به لسانه؟ أفي الأرض أم في السماء؟ أقبل الغواية أم بعدها؟ هل في شعره أوصاف فردوسيّة كتلك التي نراها في الشعر الأندلسيّ مثلاً؟ وشعر الطبيعة الأندلسيّ يجعل من الرقعة الأندلسية روضة فردوسية، بمائها وخضرتها، ولم يكن ينقصها إلاّ أنهار اللبن والعسل المصفّى.
يبدو أنّ بعض العرب لم يتحمّل فكرة أن لا يكون أبو البريّة شاعراً؟ أيعقل أن لا ينطق لسان آدم بالشعر، وهو باكورة الخلق؟ لم لا يكون أيضاً باكورة الشعر؟ ومن يقرأ في تراثنا العربي يجد عدّة قصائد بلسان آدم، وعلينا أن ندخل عالم الغرابة حتى يمكن لنا أن نتابع منطق من يقول إنّ آدم كان يتكلّم العربية، نثرَها وشعرَها. ولكن متى تفتّقت قريحة آدم الشعرية، قبل المعصية أم بعدها؟ هل الشعر ابن الأرض أم ابن السماء؟ علينا أن نتذكّر آراء النقّاد القدامى والشعراء أيضاً أو، على الأقلّ، بعضهم الذي يرى أنّ الكلام الذي يخرج من لسانه ليس كلامه إنما كلام كائن آخر، من وادي عبقر! وُضع، من غير أن يكون له في الأمر يد، على لسانه.
استيقظ آدم ذات صباح فردوسيّ ووجد بجانبه حوّاء ومع هذا لم يثر حضورها البهيّ والغضّ العاري لسانه على إنشاد الشعر! وكانت فرحة آدم لا توصف، تحوّل بحضورها إلى إنسـ(ان)، إذ يقال إنّ كلمة إنسان، وهي لحسن المصادفات تنتهي بألف ونون، أي تنتهي بعلامة المثنّى، ما كان لها أن تولد لو لم تخلق حوّاء التي أهدت آدم الأنس الفردوسيّ، ولكن إلى حين.
متى قال آدم الشعر؟ الذين وقفوا على قصائد آدم الثعلبيّ في كتابه الممتع، سرديّاً على الأقلّ، " قصص الأنبياء أو عرائس المجالس"، والمعريّ أيضاً في كتابه البديع "رسالة الغفران" الذي لم يعرف العرب قيمته لو لم يُشِرْ رجالات الغرب إلى احتمال أن يكون ثمّة رابط بين "رسالة الغفران" و" الكوميديا الإلهية" مفخرة الأدب اللاتيني لدانتي أليجييري. ويمكن أن ترى قصائد آدم في كتب أخرى، منها "تاريخ الرسل والملوك" لابن جرير الطبريّ، و"جمهرة أشعار العرب" لأبي زيد القرشيّ، و"مروج الذهب" للمسعوديّ.
ولكن أيّ نوع من الشعر تفوّه به لسان آدم؟ هل قال الشعر الغزليّ في جدّتنا حوّاء؟ لا أثر لحوّاء في شعر آدم، ولا أثر أيضا للمديح، من يمدح في الجنّة؟ هل نطق بالهجاء؟ ليس في مأثور آدم الشعريّ ما يدلّ على أنه هجا إبليس الخنّاس أو الحيّة ذات اللسانين!
الطريف في أمر القصائد الآدميّة أنها بنت الأرض والدم وليست بنت الفردوس. كان لسان آدم في الجنة عاجزاً، فيما يبدو، عن قول الشعر، الفردوس شغله عن الشعر، والأفراح الفردوسيّة تعاش ولا تقال، لذا منعت لسانه من تذوّق الشعر، أو أنّ لسانه كان مشغولاً بتذوّق الثمرة المحرّمة.
إذاً، أين قال الشعر؟ في الأرض الغبراء. الشعر دنيويّ، أيّاً كانت روحانيّاته. والفردوس، على ما يقول أبو العلاء المعرّي، لا ينجب الشعراء. ولكن متى ولدت القصيدة على شفتي آدم؟ هل نطق بشعر التوبة كما فعل حفيده أبو نؤاس في أواخر أيامه؟ حيث أبدع أيّما إبداع في شعر التوبة الرقيق الذي حمل البعض إلى اعتبار أبي نؤاس كان فاسقاً فترة طويلة من حياته ولكن في شيخوخته تاب وتحول إلى متصوّف، عابد، زاهد في لذائذ الدنيا ومحرّماتها بعد أن فقدت طعمها على لسانه. لم تشغل التوبة حيّزاً من شعر آدم، ولعلّ السبب هو نيله صكّ التوبة من ربّ العالمين بحسب ما ورد في الآية الكريمة: "فتلقّى آدم من ربّه كلمات فتاب عليه. إنّه هو التوّاب الرحيم"(سورة البقرة، الآية:37).
حرقة الثكل هي من أوقد في قلبه جمرة الشعر. إنّ قابيل هو الذي حثّ لسان آدم على الرثاء، رثاء هابيل أوّل شهيد ساح دمه على الأرض! الشعر ابن الفجيعة والفقد والغياب وليس ابن الحضور أو الحبور. لم يحزن آدم على انزلاق الفردوس من تحت قدميه بقدر حزنه على فقد فلذة كبده هابيل الذي قضى على يد ولده. وليس أصعب من أن يعيش المرء بين نارين تشبّان في روحه وجسده. القاتل والقتيل عيناه. كيف يجرؤ قلب أب مثكول على الثأر من قاتل خارج من صلبه؟ لم يستطع آدم أن يخمد نار أحزانه إلاّ بالشعر، فقال من قلب محروق:




تغيّرت البلاد ومن عليها فوجهُ الأرضِ مغبرٌّ قبيح

تغيّر كلّ ذي لون وطعم وقلّ بشاشة الوجه المليح...
أهابيل! إنْ قُتلتَ فإنّ قلبي عليك مكتئبٌ قريح
أرى طول الحياة عليّ غمّاً وما أنا من حياتي مستريح

هل هي مصادفات "سفر التكوين" التي جعلت من الرثاء أوّل ثمرة نضجت على لسان آدم بعد أوّل عمليّة قتل شقيق على يد شقيق؟
أليس ما يدعو للحيرة أنْ تكون" فاتحة الشعر العربيّ" مرثيّة آدميّة لم تر في وجه الأرض غير الغبار الدامي؟

السبت، 17 يونيو 2017

لغة البنات السرّية للكاتبة Josey Vogels

الخميس، 15 يونيو 2017

نحت كلمة بوركيني Burkini

 
البوركيني والميني

النحت مصطلح لغويّ ويقصد به توليد كلمة جديدة من كلمتين أو أكثر، والعربية إلى هذا اليوم لم تنشطْ نشاطاً فعّالاً في هذا الحقل. فالنحت أشبه بأرض بور في بستان اللغة العربية، أرض بور لا تعني أنّها غير قابلة للاستصلاح الزراعيّ.
سبب ترك النحت أرضاً بوراً هو الطبيعة اللغوية، في نظر بعض اللغويين، للغات الساميات، والعربية من أكبر أبناء العائلة اللغوية سنّاً، بل قل إنها عميدة اللغات الساميات، ولكن الكسل العربيّ يكاد أن يحوّل حتى الطبيعة العربية طبيعة عقيماً، وأقصد الطبيعة اللغويّة.
من عالم الجغرافية يمكن أيضاً أن نستعين ببعض المفردات، وكنت منذ قليل استخدمت عبارة " الأرض البور" وكلمة " بور" من مقلع الجغرافيّة تشير إلى قطعة أرض. هناك تعبير هو " التصحّر"، والتصحّر مرض يصيب الأرض لأسباب أغلب الأحيان إنسانيّة، فالإنسان وحش نهم ومدمّر للطبيعة!
الإنسان ثاقب الأوزون، وما أدراك ما ثقب الأوزون!
خطرت ببالي عبارة " ‫‏التصحّر اللغوي" للكلام على دور العرب في تصحير الطبيعة الاشتقاقيّة للغة العربية. والمقصود بالاشتقاق هو أن تأتي إلى جذر من الجذور العربية ( هل من الضروري لفت النظر الى أن كلمة جذر ‪#‎racin هي كلمة نباتية؟ والبعض يسمّي الجذر رحماً ‎matrice كما نرى في بعض كتب المستعربين) وتستولد منه كلمات كثيرة، فأغلب أرحام الجذور ولود. فمن رحم ( ج م ع) مثلا تولد كلمات كثيرة: جامع، جميع، مجموع، مجمع، مجتمع، جامعة، مجامعة، جماع، جماعة، استجمع ... من ثلاثة حروف تولد كلمات كثيرة، هذه ميزة سامية . هذه الميزة مفتوحة، قابلة لتوليد كلمات غير موجودة ولا بدّ من إيجادها لاحتضان الأفكار والمفاهيم والأشياء الجديدة.
ليس شرطاً أن تعيش الكلمة، فالأعمار بيد الله، ومهما تقدّم الطبّ فإنّ الموت بالمرصاد! يرصد الناس كما يرصد الكلمات.
ويمكن خلق جذور لغوية، لا حدود لها. ومن أعاجيب ‫‏الفراهيديّ الفذّ أنّه تكلّم على " المهمل" من الجذور: والمهمل نوعان:
مهمل عاقر، ومهمل غير عاقر. المهمل العاقر هو ابن طبيعته الصوتية، وسأعطي مثالاً. هل من السهل التلفّظ بهذه الكلمة التي سأكتبها الآن، ولتكن : هَخْهَحَهْ، دون تأتأة وارتباك في الشفتين؟ من أين اتت صعوبتها؟  وهي لا تختلف عن وزن القهقهة؟ أتت لا ريب من طبيعة حروفها، والعرب تسمّي ذلك " ‫‏تنافر الحروف"، تنافر الحروف هو الذي سبّب عقم الجذر.
ولكن المهمل غير العاقر سآخذ مثالاً عنه يفيض بالدم والجنون وهو " د ع ش " ، هذا الجذر مهمل غير موجود في العربية، ولن تعثر عليه في أيّ قاموس عربي تراثي ، ومع هذا فهناك كلمة من مشتقاته المرعبة وهي ‫( ‏داعش ) على صيغة فاعِل، وهي مفردة حيّة ترزق على الأفواه والأقلام، وتملأ الشاشات بآثارها المدمرة لكثير من قيم المشرق! "‫دعش" هي بثابة كوب فارغ كان ينتظر من يملؤه، ولكن لم يخطر ببال جذر "دعش" أنه كوب سيمتلىء بالدم البشري!
النحت باب واسع يحلّ مشاكل لغوية كثيرة، شرط أن لا يتعامل المرء مع اللغة بذهنيّة حنبليّة وإنّما بذهنيّة ‫جاحظيّة!
كلامي هنا عن نحت موجود ولكنّه أيضاً أرض بور قد تحتاج إلى بعض السماد، واستصلاح الأراضي اللغويّة يوازي استصلاح الأراضي الزراعيّة!
قلت ان النحت الذي سأتكلم عليه هو نحت موجود، ولكننا نخاف منه، ونخاف أن يؤذي مشاعر اللغة العربية، رغم يقيني انه لا يؤذي العربية بقدر ما يسمح لها بتغيير الجوّ! اللغة على شاكلة الناس! هل وجدت قانوناً في العالم يستطيع أن يمنع الزواج المختلط؟ هل هناك قانون قادر على فرض سيطرته وتطبيق بنوده مهما أوتي من قدرة تعسّفيّة؟ والزواج المختلط مفهوم واسع. فقد يكون بين دينين، هل يستطيع قانون مهما كان صارماً أن يمنع زواج مسلمة من مسيحيّ؟ هناك سيوف كثيرة مسلطة على أعناق هذا الزواج، ولكن هل استطاعت هذه السيوف أن تمنع هذا النوع من الزواج؟ الهجرة ثغرة تدافع فيه الممنوعات عن نفسها.
الواقع الإنسانيّ، عمليّاً، يسخر من كلّ القوانين. والواقع اللغويّ يسخر من كلّ القوانين، ويفكّ رقبة كلّ القوانين.
والزواج المختلط متعدد الأشكال والألوان والأعراق.
هناك سعوديّات مسلمات مثلاً متزوجات من بريطانيين مسيحيين!
هل استطاع القانون السعوديّ منع هذا الزواج الذي يغير في دم التكوين؟
القانون غربال. والقانون اللغويّ كالغربال فيه الكثير من الثقوب!
كلامي عن الزواج المختلط هو للحديث عن الكلمة بنت الزواج المختلط، ولا أخصّ اللغة العربية وحدها، فالاختلاط اللغوي حالة تسري في كلّ اللغات باختلاف في النسبة أو الكمّ.
الخلاسي هو ابن ‫‏الزواج المختلط، أي كشقراء تخرج من رحم زنجيّة، أو زنجيّ يخرج من رحم شقراء!
فتاة شقراء ولكن كلّ ملامح وجهها تدلّ إلى أنّها من قارة إفريقيا: الشعر المكزبر أو المفلفل، الأنف المفلطح، الشفتان المكتنزتان... الخ. والسبب أنّ أمّها الزنجية تزوّجت من رجل سويديّ أشقر، فكانت هي هذا المزيج الأوروبيّ الإفريقيّ.
منذ فترة وأنا أقوم باصطياد هذه الكلمات الخلاسية، واليوم قرأت كلمة بوركيني ‪‎burkini. وهذه الكلمة هي نحت لغويّ، ولا تخلو من تضادّ دلاليّ. المفردة الواحدة من زمان قادرة على حمل الأضداد.
‫كلمة ‏"بوركينيّ" توحيد بين مفردتين: ‫البُرْقُع و‫‏البيكيني. البرقع حاجب، والبيكيني كاشف! البوركيني هي الجامع للأضداد،  توحّد ما بين الحجب والكشف. وهذا النوع من المفردات هو ما أسميته بـ" ‫‏النحت الخلاسيّ"!
البوركيني هو فكرة دينية وتجارية في آن، ولكنّه عكّر مياه الشواطىء الفرنسيّة، وعكّر مزاج بعض البلديات في الجنوب الفرنسيّ!

بلال عبد الهادي

الثلاثاء، 13 يونيو 2017

قالوا عن أبي جهل الفيحاويّ :


غريب رأي الناس في أبي جهل الفيحاويّ – قبّح الله  ما له من صيت - فهناك من يظنّ أنّه سلفيّ زمّيت، وهناك من يقول إنّه علمانيّ مقيت، وهناك من يلصق به تهمة الماسونيّة اللعينة، وهناك من يعتقد انه شيعيّ مقنّع، وهناك من يرجح أنّه علويّ مبطّن، هناك من يقول انّه من أحباش المشاريع، وهناك من يشمّ من أقواله إنّه سنّي متطرّف، وهناك من يدّعي إنّه إخوانيّ الميول، وهناك من يحسبه وهّابياً ضيّق العطن، وهناك من يخيّل اليه أنّ أبا جهل الفيحاويّ درزيّ، وهناك من يعدّه من أتباع عيسى بن مريم، وهناك من يتمثّل له جنيّا في زيّ إنسيّ مشّاء بنميم، وهناك من يخمّن انه من أولياء الله الصالحين، وهناك من يذهب فكره الخبيث الى القول انه من اتباع ماركس ولينين، وهناك من يقسم بالله إنّ هذا الكائن القبيح كائن افتراضيّ على غرار شقّ أو سَطيح، وهناك من يقول انه عميل أميركيّ مدسوس، وهناك من يقدّر انه عميل مزدوج بألف لبوس ولَبوس، وهناك من يجنح نحو الاعتقاد انه جاسوس من جواسيس المجوس ولكنّه من جذور عربية باع دينه بحفنة من الدلالير، ووظيفته بثّ الفرقة بين الفرق المستنفرة، وإيقاد نار الفتنة – وهو بها خبير!- كلّما همّ لهيبها الفوّار بالفتور، وهناك من يؤكّد أنّه عربيّ النجار صهيونيّ الجذور.

وهناك من يقول إنّه من قوم الرابع عشر من آذار وهذا افتراء، ومنهم من يعلن انه من حواريّي الثامن من آذار وهو من أفاعيلهم النكراء براء، وكأنّ الجهل وقف على آذار من سائر الشهور!

وهناك من يقول إنه من الفيحاء لأنّ كنيته " الفيحاويّ"، وهو ظنّ مخادع، إذ غاب عن بال هؤلاء ان ليس من صيدا كلّ من شهرتُه  "صيداويّ" ، ولا كلّ من شهرته " طرابلسي" أو " مصراويّ" يكون من طرابلس أو أرض الكنانة. فالأسماء - كما الناس-  بالرؤوس خدّاعة، وبالقلوب لعوب. فكم من جميل الاسم قبيح الصفات! وكم من قبيح الاسم مليح الصفات! الأسماء مطّاطة كالرجل المطّاط الذي كان له، فيما مضى من أزمان، حضور وجولات الى جانب "الرجل البرق" أو "سوبرمان" وغيرهما من بنات الخيال الوثّاب الخلاّب!

لكلّ هؤلاء أقول: ليس للجهل دين، فالجهل تراه في كلّ ملّة ونحلة، وطائفة ومذهب، ومعتقد وتيّار، تراه في العلمانيّ كما تراه في السبحانيّ، وتراه في الجاحد كما تراه في الزاهد، وتراه في الناسك كما تراه في الفاتك، فهذا حال الجهل الجهول  الذي يجول في الأذهان والعقول، فما بالك بأبي الجهل وأمّه، وخال الجهل وعمّه؟ وهل للجهل نسب أو حسب؟ انه يخترق المذاهب والأحزاب كلّها كما يخترق خيط المسبحة كلّ الحبّات.

قطع الله دابره، وان كان من المظنون أنّ قطع دابره لن يختلف عن قطع ذيل أفعى في الفتن تسعى! أو قطع الربع الخالي سيراً على الأقدام حتّى ولو كنت تسير بقدمي السليك بن السلكة أو شقيق عنترة شيبوب الهبوب!

لهذا ترى هذا الجاهل المعتوه من كلّ حكيم عاقل مكروه.
فهو عليه اللعنة ملوان كالحرباء، وإن كان لا يعرف ألف من باء، ، وملسان كسحبان وائل، وان فاق في السوء الأواخر والأوائل!

السبت، 10 يونيو 2017

مشهد من قيامة أرطغرل


الصورة الجامدة سلطان، فما بالك بالصورة المتحرّكة؟ استعانت الولايات المتحدة بهوليوودها الساحرة وأفلامها المبهرة وأبطالها الأفذاذ في نشر هيمنتها وثقافتها وليس فقط بعضلاتها الفولاذيّة الباطشة. حتّى من يكره سياسة الولايات المتحدة لا يمكنه أن ينجو من سطوة أفلامها ومهارة مخرجيها في تحريك أعصاب المشاهدين وعيونهم. هذا ما تسعى الى امتلاكه دول متعددة ذات طموحات تتعدّى حدودها الجغرافية. وهذا ما أدركته تركيا من خلال مسلسلاتها التاريخية والرومانسية على السواء. وتأثير المسلسلات يفوق تأثير الأفلام، العلاقة مع الفيلم فردية بخلاف العلاقة مع المسلسل التي تكون غالب الأحيان عائلية. ومن الطريف أن يتتبّع المرء أولئك الذين ساحوا في تركيا، ودافعُهم الى ذلك رؤية الأماكن التي صوّرت فيها مشاهد المسلسلات التركية، فالفنّ عنصر جذب سياحيّ لا يستهان بدولاراته!
هنا سأتناول شيئا من المسلسل الأخّاذ " قيامة أرطغرل" ، وكلمة "القيامة" لها دلالات غنية في ثقافتنا العربية بشقّيها الإسلامي والمسيحيّ. فهناك " قيامة" المسيح، و"القيامة" المنتظرة في آخر الزمان. هذه القيامة متعددة ايضا لغوياً، فهي ذات صلة بالقوم والنهوض. ولا ريب في أن تركيا تسعى عبر أرشفة تاريخها فنيا استثمار قدرات الفنّ الخارقة في سبيل دعم نهضتها، وفي سبيل تعزيز ربط حاضر الأتراك الناهض بماضيهم المجيد، وهذا ما تفعله شعوب كثيرة في العالم.  ويروى أنّ الرئيس التركي أردوغان كان يختلس الوقت لرؤية تصوير حلقات المسلسل. يحكي المسلسل سيرة حياة أرطغرل الأب البيولوجيّ لعثمان مؤسّس السلطنة التي سميت باسمه. المسلسل لا يخضع لشروط التاريخ، وليس المطلوب منه أن يخضع لحرفية التاريخ النثرية، فشخصية ابن العربي مثلاً ، شخصية خرافية، أو أسطورية، تشبه وظيفتها وظيفة الخضر الذي يأتي لا احد يعرف كيف لينقذ البطل من خطر داهم.  فهناك " أرطغرل" التاريخيّ، و"أرطغرل" الفنّي، كما حال عنترة التاريخيّ الذي يختلف كثيراً عن عنترة الذي نراه في السيرة الشعبية.
لا يستطيع الفنّ إلاّ أن يخون التاريخ، وهنا أتذكّر مسرحية "بيازيد" التي ألّفها المسرحيّ الفرنسيّ "راسين" مغيّرا في بعض الوقائع التاريخية لأسباب فنّية. خيانة الفنّ للتاريخ، هنا، تشبه خيانة الترجمة، وترجمة الشعر تحديداً،  خيانة هي ضريبة لا مفرّ من دفعها لتمتين أواصر التشويق. وإن كنت ذكرت الخيانة فلأني لن أحكي إلاّ عن نقطة واحدة هي الخيانات، والمؤامرات، والغدر، والمكر والخديعة، والخسّة، حتّى ليظنّ المرء أنّ التاريخ ليس أكثر من سلسلة خيانات يتصدّى لها رجالات التاريخ الشرفاء. عدوّك تفهمه، تتفهّمه، تبرّر له ربّما سلوكه الدنيء تجاهك، أمّا الخيانة، خيانة الأخ لأخيه، والمرأة لزوجها، والصديق لصديقه،  وابن القبيلة لقبيلته، فهي من الأمور التي تستفزّ، وتؤلم، وتثير الغثيان. ولكأنّ التاريخ لحمتُه الخيانة وسداه كشف الخيانة. وما تقوله الخيانة في مسلسل ارطغرل تقوله كتب التاريخ، ولكن الخيانة المكتوبة ليست كالخيانة المرئية، خصوصا إذا كان المخرج ماهرا في تصويرها وتلوينها بكلّ الألوان الجهنمية. وما إن يسقط خائن أو غدّار في "قيامة أرطغرل" حتى يستلم لواء الغدر شخصُ آخر. لا تؤلمك، في المسلسل، مشاهد الوحشية التي يمارسها المغول، وتاريخ المغول حافل بالدم الذي تفوح رائحته في كتب تاريخنا العربيّ، ولا تؤلمك وحشية الفرنجة الذين قدموا الى بلادنا واستباحوا الأرض والعرض، بقدر ما تؤلمك الخيانات الداخلية في سبيل منصب أو كرسيّ.
سأتوقف هنا عند نقطة واحدة، عن شكل من أشكال الخيانات التي ينطبق عليها المثل القائل:" يقتل القتيل ويمشي في جنازته" ويرفع نعشه على كتفه، ويشارك في عملية الدفن. الأتراك مجموعة من القبائل، أمّة قبلية على غرار الأمّة العربيّة، ولكلّ قبيلة رئيسها. والدة ارطغرل من قبيلة مختلفة عن قبيلة أرطغرل، تضطر قبيلة أرطغرل للّجوء الى قبيلة والدة أرطغرل، وأحد أفرادها موظّف في الدولة، ويحلم بأن يكون أميراً على القبائل التركية، فيتعمد القتل والمكر والخديعة للوصول الى مأربه، يستخدم أخته وابنته بروحيهما الشيطانيتين لتحقيق أمنيته، فيدفع بابنته لاصطياد شقيق أرطغرل، ويدفع بأخته إلى إيقاع خال أرطغرل، وهو سيّد القبيلة، بشباكها وأيّ شباك! وهي أي أخت الحالم بالإمارة على قول مثل تركيّ " تلبّس الشيطان حذاءه بالمقلوب"، تبني علاقة مع خال ارطغرل بالحرام ثمّ تسمّم زوجته وتحتلّ مكانها، تظهر له والحبّ وتضمر له الكره، وتنتظر الوقت المناسب للتخلّص منه، وهذا ما تفعله في الأخير وفق خطّة رسمها شقيقها المخادع. تريد أن تتخلّص من زوجها وأن تتخلّص أيضاً من خادمته الوفيّة له، والتي تحبه كأبيها، وزيادة في اللؤم قررت التخلّص منه في ليلة زفاف ابنه الوحيد، لينقلب فرح القبيلة بزفاف ابن سيّدها الى مأتم لسيّد القبيلة. دسّت السمّ ، بعد انقضاء العرس، في الشراب الذي حضرته الخادمة، وأخفت قنينة السمّ تحت وسادة الخادمة. شرب رئيس القبيلة من الشراب، وشاركته في تناول الشراب المسموم ولكن في جرعات خفيفة حتّى تبعد عنها الشبهات، ثمّ راحت تفرغ أحقادها كلّها في وجه زوجها قبل أن يسقط في الأرض خائر القوى. ثم ندهت للخادمة، وندهت للحرّاس متهمة الخادمة بتسميمها وتسميم زوجها. تدخل الطبيب واستطاع ان يوقف مفعول السمّ في جسدها، ولكنه لم يستطع أن ينقذ الزوج المخدوع، ومن سوء حظّ الخادمة أن الزوج تلفّظ باسمها قبل ان يلفظ انفاسه، كان يريد ان يعلن براءة الخادمة، ولكنّه مات قبل ان ينهي جملته، فانقلب معنى الجملة وبدا كما لو انّه يؤكد على ان الخادمة هي التي سمّمته، وراحت الزوجة المخادعة تطالب بالثأر الفوريّ من الخادمة بهدف طمس الحقيقة وإبعاد أيّ شبهة عنها خصوصاً أن الخادمة كانت على علم ببعض ألاعيب الزوجة الماكرة.

بلال عبد الهادي