الأحد، 6 أغسطس 2017

فكرة نبيلة

هل من فكرة نبيلة ليس في رقبتها دم؟

بين الجزيرة والعربية

محطّتا #الجزيرة و #العربية تشبهان شخصين يتراشقان بالبيض!

ليست اسرائيل

ليست إسرائيل هي وحدها المسؤولة عمّا نحن فيه من تخلّف ، وتفكّك، وضعة، وضعف، وأمّية مستعرة.
هل كنّا بخير قبل ولادة اسرائيل؟
هل كنّا بخير قبل الاستعمار؟
أليس ضعفنا هو الذي أخضر الاستعمار؟
أليس ضعفنا هو الذي كان الأرضية الخصبة لإنشاء إسرائيل؟
ضعفنا لا هو ابن اسرائيل، ولا ابن اميركا، ولا ابن فرنسا، ولا ابن بريطانيا.
ضعفنا ابن طريقتنا في التفكير.
هل فكّرنا في وضع طريقتنا في التفكير على طاولة البحث لنفحصها، لنعرف ايّ " فيروس" ينهكها ويهلكنا؟
سأعود الى مائتي سنة الى الوراء، ما الذي اخترعناه قبل مائتي سنة؟ ما هو الانجاز العلمي او الفكري او الروحي او التكنولوجي الذي حققناه قبل مائتي سنة؟
مشكلة الحاضر المحتضر بنت الماضي الممضّ.
سأكتفي بسؤال واحد:
هل عندنا ، اليوم، قاموس ( الله ما يكسر حدا) هو ابن اليوم، ابن الدراسات اللغوية الحديثة؟
الا نزال نعيش ( قاموسيّا) على اطلال ابن منظور؟
هذا على مستوى قاموس، فما بالك بما هو أخطر من قاموس؟
هل عندنا جامعة نرفع بها رأسنا بين الجامعات؟
هل هناك أمّة ذات قيمة في العالم لاتستهلك الاّ المستورد؟
نستورد القمح، والأرز، والفول، والحمص ، والعدس، نستورد ما به حياتنا وموتنا.
أويظنّ ظانّ ان امّة تستورد ما يتحكّم بلقمة عيشها البسيطة أمّة لها قيمة في هذا العالم؟
" الكوفية: و" العقال" او " الشماخ" رمز بعض الدول العربية تستورده من الخارج.
ماذا نقول عن امّة تستورد حتّى رموزها.
العملة الوطنية، هل هي عملة وطنيّة، الا تطبع النقود خارج اوطاننا؟
وعدّ وعدّ
وتقول لي: من أين جاء كلّ هذا الجنون؟
ما نراه اليوم ليس ابن اليوم، هو ابن اكثر من ثلاثة قرون.
نحن قرّرنا أن نكون رهينة على كلّ الصعد.
لباسنا، أكلنا، اوراق كتبنا ودفاترنا، حبر اقلامنا، صحون أكلنا.
أمّة لا تملك الاّ العري.
حتى شجر التوت لم يعد موجودا لنستعمل أوراقه في ستر عوراتنا.
فلا حول ولا قوّة الاّ بالله!

امجاد

أمجادنا دفتر تاجر مفلس!

من هو " #الكنتي""؟



ومن هم " #الكنتيون"؟
عن الأمّة #الكنتيّة
لا اعرف اين قرأت هذه الكلمة في صيغة المفرد "كنتيّ"، قد يجدها القارىء غريبة على السمع، والمقصود بها الناس الذين لا يملكون شيئا في الحاضر، رصيدهم صفر.ولكن لهم ماض مجيد وزاهر الا ان حاضرهم قاحل و"أجدب" مثل الأرض الجدباء العقيم.فيقول الواحد منهم "كنت وكنت وكنت" ، يتكلم على الماضي الزاهر لتعويض نقص الحاضر، يتكلم عن ابيه ويأتي على سيرة جدّه الذي ترك بصماته على حقل من حقول المعرفة.
فماذا يفعل "الكنتيّ"؟
يقضي حياته في الحسرات على ماض لا يمكن للكنتيّ ان يستعيده.
الماضي ليس لنا، المستقبل ليس بالضرورة ان يكون لنا، فالاعمار بيد الله سبحانه.
لنا البرهة الحاضرة، وهي هويتنا الفعلية.
أحيانا #التفكير الكثير بالمستقبل يبعده عنا، واحيانا التفكير الكثير بالماضي يشلّ حاضرنا.
المهارة تكمن في تحويل #الماضي الى منصة انطلاق الى المستقبل من محطة الراهن.
المهارة في أن يغيّر الكنتيّ نظرته للأمور ويقول ما قال الشاعر:
كن ابن من شئت واكتسب أدباً
يغنيك محموده عن النسب 
إنّ الفتى من يقول هاأنذا
ليس الفتى من يقول كان أبي
#بلال_عبد_الهادي

لسان بشر

كثير ممّا في الأبجدية من أفكار وتراكيب لم تخطر بعد على لسان بشر!

السبت، 5 أغسطس 2017

اللون وعلاقته بالارتواء

الشعور بالارتواء
تتغيّر كمية الماء التي تروي عطشك بحسب لون الإناء، فالكوب الأزرق ومن ثمّ الأخضر والأحمر والأصفر يمنحونك الإحساس بالارتواء أكثر من الألوان الأخرى.
كنت دائما أعتبر أن لون صحن الطعام جزء من مذاق الطعام.
هل العام في صحن مربّع أيضا له المذاق نفسه في حال كان في صحن مدوّر أو مستطيل أو بيضاوي؟ ، ( فايش أو غميق)
اللون جزء أيضا من تسمية الطعام، فنحن نقول #ألوان_الطعام.
اللون يفتح أو يصدّ الشهيّة!
لون الصحن يتحكم أيضا بشكل لا واع في كمية الأكل التي تأكلها!

كنتاكي في اليابان

سلسلة مطاعم KFC كادت تفشل في اليابان بسبب شكل علب الأكل الورقية! ممّا اضطرها الى صنع أشكال جديدة تلائم ذوق وثقافة اليابانيّ. الغلاف خلاف ثقافي.

الأربعاء، 2 أغسطس 2017

السلطان ونعال الشاعر ابي العتاهية


كنت قد قرأت كتاباً طريفاً لعالم النفس الفرنسيّ جوزيف ميسنجر(Joseph Messinger) المتخصّص في قراءة دلالات التواصل غير اللفظيّ بشتّى أشكاله وقراءة الطرائق المفعمة بالمعنى التي نتعامل بها مع الأشياء، في كتابه اللطيف:"هذه الأشياء التي تشي بنا، لغة المظهر"، (Ces objets qui vous trahissent,le langage du look).

وكانت النعال من جملة الأمور التي تناولها ودرس دلالتها فيقول إنّها كانت في بدايات استخدامها علامة فارقة  تميّز الأحرار من العبيد لأنّه لم يكن للعبد حقّ الانتعال، كما يتكلّم على التعامل مع الأحذية لدى بعض الحضارات كما في اليابان مثلاً حيث لا يحقّ لها الدخول إلى حرم البيت، فتخلع عند عتبة البيت. ويحاول الكاتب، بشكل طريف، قراءة أحوال النفس الإنسانيّة من خلال استهلاك كعب الحذاء، فهو يقول إنّ الطموحين تتآكل أكعاب أحذيتهم من الأطراف الخارجيّة، أمّا استهلاك الأطراف الداخليّة فهي تعني أنّ الإنسان خجول، كتوم، لأنّه يكبح مشيته. وبري الكعب لا يحمل الدلالة التي يحملها بري النعل.

ولا يخلو تراثنا العربيّ من بعض الأمور الطريفة حول النعال، منها كتاب وضعه المقري التلمسانيّ صاحب المؤلف الشهير " نفح الطيب في غصن الاندلس الرطيب" الذي يعدّ أبرز المراجع المكتوبة حول الأدب الأندلسيّ، والكتاب يحمل العنوان التالي: "فتح المتعال في مدح النعال"، وهو عن النعال التي انتعلها الرسول عليه السلام، وهل ننسى صلة النعال بالمقدّس؟ ومن لا تخطر بباله النعال حين الكلام عن الوادي المقدس في الآية الكريمة:" فاخلع نعليك إنّك بالوادي المقدس طوى" [طه/12] ؟ واذا اردنا الطرافة الا يمكن تأليف كتاب عن الاحذية وانشغال البال على النعال في صلوات الجمع والاعياد؟ أليس هناك من ينتهز هذه المناسبة لانتعال حذاء جديد بالمجّان؟ بل اليس للنعال حضور في تفسير المنامات العربية؟ ألا يعني النعل في المنام العربيّ رحلة موفّقةً أو غير موفّقةٍ بحسب حال النعال في المنام او زواجا او طلاقا أو امرأة؟ وما يعني "يحذو حذوه"؟ وما مصدر هذا التعبير غير الحذاء؟ وماذا نقول عن الكرامة العربية التي انتفضت على شكل حذاء في وجه رئيس الولايات المتحدة على يد الصحافي العراقيّ المجروحة كرامته الوطنيّة؟

ومن باب الكرامة سأدخل الى الجزء الثاني من مقال النعال. وسيتناول مقالي عن النعال ثلاثة  أمور؟ المثقف والنعال والسلطان؟ والنعال ستكون ساحة العلاقة بين المثقف والسلطان؟ وبين الشاعر والسلطان؟ بين الشاعر الذليل في بلاط الحاكم، والشعر ديوان العرب على ما كان يقال في كتب الأدب، وكان للشعر في غابر الوقت مقام الإعلام اليوم أيضاً، به تدافع القبيلة عن نفسها، وبه تحفظ ارشيفها، ومن خاصية الشعر انه كذّاب. وهذا ما تقوله العبارة المأثورة " أعذب الشعر أكذبه". والشعر العربيّ القديم كان يتمحور حول المدح والهجاء؟ فهل هذا يعني أنّ الشعر ديوان العرب وأكاذيبهم وحقائقهم؟ هل الحاجة أم تلفيق الكذب؟ تقلّص كثيراً حجم الكذب عند الشعراء بإلغاء مفهوم الشعر القديم القائم على المديح ونقيضه؟ ولكن من يحمل راية المديح والهجاء بعد الشاعر؟ ألم يذهب الشاعر المتكسّب وحلّ معه الصحافيّ المتكسّب؟ ألا تستحقّ رحلة المدح والهجاء ذهابا وإياباً  دراسة سياسية واجتماعية؟

لقد وقع نظري على بعض ابيات الشعر ذات الصلة بالنعال. ولكنها في الوقت نفسه ذات صلة بالسلطان والمثقفين، ولقد أوردها الجاحظ في كتابه البديع: البيان والتبيين". والأبيات بمضمونها وسياقاتها تنمّ عن حالة الارتباك النفسي التي كان يعيشها الشاعر في ظلال الخلفاء. وما يزيد دلالتها حدّة وبروزاً هي انها لشاعر عرف بالزهد والحكمة، وهو أبو العتاهية؟ اي منسوبة لشاعر اسقط من حسابه عالم السلاطين ومغريات الدنيا وألاعيب الشهوات السلطانية.

يروي الجاحظ ان ابا العتاهية اهدى ذات يوم نعلاً للخليفة المأمون. الهدية من الادنى الى الاعلى فخّ شفّاف، ومحاولة محاكاة الطبقات العليا، ولكن الهدية المنسوبة الى مقام عليّ كانت مرفقة ببيتين من الشعر يضعان الشاعر في مكان سفليّ، ويحوّلان الشاعر الى رباط نعل الخليفة، يقول ابو العتاهية:

نَعْلٌ بَعَثْتُ بها لتَلْبَسها ... تَسْعَى بها قَدَمٌ إِلى المَجْدِ

لَوْ كان يَحْسُنُ أَن أُشَرِّكَها ... خَدِّى جَعَلْتُ شِرَاكَها خَدِّي

ولقد قبل الخليفة النعل بعد أن قرأ البيتين.  الشعر هنا كان مطية تغري الخليفة بقبول الهدية. ولقد ردد الشاعر هذه الفكرة في قصيدة اخرى قالها في عمرو بن العلاء صاحب الخليفة المهديّ على ما يقول ابو علي القالي في كتابه "الأمالي":

إني أمنت من الزمان وريبه      لما علقت من الأمير حبالا

لو يستطيع الناس، من إجلاله،    لحذوا له حرّ الوجوه نعالا

ما كان هذا الجود حتى كنت يا     عمْرا، ولو يوما تزول لزالا  

فأمر له بسبعين ألف درهم، وأمَرَ من حضَرَهُ من خدَمِهِ وغلمانه أن يخلعوا عليه، فخلعوا عليه حتى لم يقدِرْ على القيام لِما عليه من الثياب؛ ثم إنّ جماعة من الشعراء كانوا بباب عمر، فقال بعضهم : يا عجباً للأمير، يعطي أبا العتاهية سبعين ألف درهم! فبلغ ذلك عمرا، فقال: عَلَيَّ بهم، فأُدخِلوا عليه، فقال: ما أحسَدَ بعضَكم لبعضٍ يا معشر الشعراء! إنَّ أحدكم يأتينا يريد مدحنا فيُشَبِّب في قصديته بصديقته بخمسين بيتاً، فما يَبلُغنا حتى تذهب لَذَاذة مدحه ورَونَقُ شعره، وقد أتانا أبو العتاهية فشَبَّب ببيتين ثمّ دخل في مدحنا.

ذلّ فاقع السواد في سيرة أبي العتاهية يترجمه ليس تحويل وجوه العبيد إلى نعال وأسيار ( ربطة) وانّما تحويل وجوه الأحرار.

الدرهم والدينار حوّلا فيما مضى وجوه الأحرار الى سيور في النعال. ألا يسلك اليوم الدولار سلوك الدينار لدى بعض اصحاب الأقلام؟




واو العطف / من مقالات كتاب لعنة بابل




هناك من يحبّ أن يعقّد الأمور، وهناك من يحبّ أن يبسّطها.  أميل إلى المبسّط، السهل، السلس، وأجد في الغموض نوعاً من الخبث واللعب على الحبال. أحياناً أقرأ أشياء فأقول هذا كلام يحتاج إلى منجّم مغربيّ لفكّ دلالاته لما فيه من إلغاز وتعمية، وأحياناً أقرأ أموراً شديدة البساطة والعمق في آن، منها تعريف لطيف وكثيف للفلسفة. إذ سئل مرّة حكيم من حكماء الهند عن الفلسفة، وما هي؟ فما كان منه إلاّ أن أجاب إجابة متقشّفة تنّم عن فهم عميق للحياة وهي التالية:" الفلسفة هي أن يحسن المرء استخدام واو العطف".  قد لا يعترف بهذا التعريف كثير من دارسي الفلسفة باعتبار أنّ بساطته لا تليق بمقام الفلسفة. ونحن نعرف أنّ كلمة فلسفة مكروهة في بلادنا، ومن أدلّة الاستخفاف بها انحدار استعمالها في الكلام اليوميّ إلى مرتبة يتبرأ منها من يعتبر نفسه عاقلاً. فإذا قلنا عن شخص أنّه "متفلسف" فهذا يعني أنّه شخص كلامه سمج، وثقيل على السمع، ومنفّر. فالمرادف اللغوي العامّي لعبارة " عم يتفلسف" هو " عم ياكل هوا!.

ولا أعتقد ان كلمة الفيلسوف الهندي تنتسب إلى هذا الهواء! حين قرأت هذه العبارة الهنديّة، قفزت إلى ذهني عبارة عربية في تعريف البلاغة  وهي أن البلاغة "معرفة الفصل من الوصل" أي معرفة اللحظة التي تسمح لنا ان نربط أو ان نفصل بين الأشياء والعناصر. نلحظ هنا ان البلاغة, من هذا المنظور, ليست بعيدة تماماً عن النظرة الهندية، ولكن أحبّ الإشارة إلى أنّ تعريف البلاغة هنا ليس تعريفاً عربياً محضاً، وإنما هو تعريف منقول عن اللغة الهندية  بحسب ما يرد في كتب البلاغة.

هذه المقدّمة مدخل للكلام على الدعاية ووصلها بالثقافة والغناء, ومدخل للكلام على التجارة ووصلها بالأدب والشعر والنغم ( بمعنى البحث عن واو العطف) أي مدخل للفت النظر إلى إمكانية بناء شبكة علاقات بين جملة من الأمور لا يربطها أحياناً، من حيث الظاهر المراوغ، أيّ رابط.

قد يذهب البعض إلى استغراب أن تزجّ البلاغة بكلّ مهابتها وأبهتها في ميدان الدعاية والإعلان, وكأنّ الإعلان, في زمن طغيان الإعلان, حرف ساقط. ألفت النظر هنا إلى أنّ المعنى الأوّل للبلاغة هو بلوغ الغاية عن طريق الإقناع, والتأثير في نفس المستهلك المتعدّد والمتنوّع, وعليه أليس جوهر البلاغة إعلانيّاً؟  قد يكون الأمر متعلقاً باستهلاك الأدب أو الفنّ أو أية سلعة من السلع. فكلّ مخلوق, في النهاية, حيوان مستهلك. ولا مفرّ من الاعتراف بأنّ الأدب وكلّ متفرعاته وامتداداته سلعة يفترض بها أن تكون قابلة للاستهلاك. واستثمار الفنّ اقتصادياً ليس عيباً أو مسّاً بكرامته, كما انّ الاتجار بالثقافة ليس هدراً لكرامتها أو انتهاكاً لدمها الأزرق!

وهنا سأتوقف عند حكاية تراثية تظهر كيف يمكن للأدب إذا اقترن بالغناء والقصد الإعلانيّ أن ينقذ تاجراً بضاعته كاسدة ليس لأنّها غير جيّدة وإنّما لأنّه ليس لها راغبون, أي كيف يمكن أن يكون للأدب دور اقتصادي فاعل، دور في إنتاج الرغبة. على الأدب أن يلعب دوراً اقتصادياً وليس عليه أن يخجل من ذلك. الحركة الاقتصادية الواعية لا تقصي أحداً. والقصة التي سوف أسردها هي من تراثنا العربيّ القديم وهذا مكمن طرافتها الواعية لقيمة "واو العطف" في تغيير مصائر الأشياء.

 يروى انّ الشاعر مسكين الدارميّ كان قد اعتزل الشعر وقرّر أن يمضي ما تبقّى له من عمر في النسك والعبادة، بعد ان كان من الشعراء المعروفين بالظرف والتهتّك والخلاعة إلاّ أن الأقدار تلعب أحياناً برغبات الناس وقراراتهم بألف حيلة وحيلة. غاية نبيلة جعلت الشاعر المعتزل يخون زهده وعزلته حين رمته المقادير بين يدي تاجر قماش يندب حظّه العاثر بعد ان كسدت بضاعته المؤلّفة من خُمُر سود,  وللألوان تأثير خلاب على ترويج الأشياء أو كسادها كما على أسعارها. كان اللون الأسود، في زمان التاجر، عائقا أمام تسويق الخُمُر, فاستنجد التاجر بالشاعر المعتزل مسْكين الدارميّ الذي استعاد خيالُه نشاطَه, هذه المرّة, لتسويق ما كسد. ليس للشاعر من حيث المبدأ خبرة في التجارة أو في ترويج البضاعة، ولكن الشاعر يمتلك القدرة على التأثير في أفكار الناس وشهوات الناس، وإلاّ ما معنى " إنّ للبيان سحراً"؟ رغب الشاعر في مساعدة التاجر، وغالباً ما يسخر التجّار من الشعراء الذين لا يحسنون التعامل مع الحياة العمليّة. مساعدة التاجر تتطلّب التخلّي عن الزهد والنسك فتخلّى مسكين الدارميّ ، وإنْ بشكل مؤقت، لفكّ ضيقة التاجر، عن الزهد وملازمة المسجد، وراح يستعيد كلماته القديمة، ويوقظ شاعريته الهاجعة في روحه  وألّف مقطوعة شعرية وأرسلها لصاحب له من مشاهير المغنّين, واشتهرت الأغنية على ألسنة الناس، فلم تبق فتاة, بعد سماع الأغنية, إلاّ ومُناها الاتشاح بخمار أسود اللون, لأنّ الشاعر الزاهد استطاع, بحنكته الشعرية, أن يمنح اللون الأسود دلالة جديدة، وملاحة لم تكن له، ويغيّر من نظرة الحِسان إلى الألوان. وللشعر مقدرة كيميائيّة, كما يقال, على تحسين القبيح وتقبيح الحسن, وتغيير نظرتنا ومواقفنا من بعض الأمور.

ومن حسن حظّ هذه الأبيات الشعرية أنّها عبرت القرون بسلالة واستعادت حياتها الفنّيّة, في العصر الحديث, بفضل صوت المطرب العراقيّ الراحل ناظم الغزالي ولاقت رواجاً لا يزال نضراً إلى اليوم, والأبيات هي:

قل للمليحة في الخمار الأسود  ماذا فعلت بناسك متعبّد؟

قد كان شمّر للصلاة ثيابه   حتى خطرت له بباب المسجدِ

ردّي عليه صلاته وصيامه        لا تقتليه بحقّ دين محمّد

لقد عرف الشاعر كيف ينقذ بضاعة التاجر من الكساد لأنّه أحسن استخدام "واو العطف" بين البضاعة غير الرغوب فيها والشعر والنغم والصوت المرنان ( والبلاغة, فيما يبدو, صديق وقت الضيق),  وبين سيرته الشخصيّة التي ولّدت الصدمة في آذان الناس، الشاعر الذي التزم الصمت والعزلة والزهد، يعود إلى  الشعر ليس من باب الزهديّات المتوقّع ( إذ ليس بمقدور شعر الزهد توليد تلك الصدمة الشرائيّة المطلوبة!) وإنّما من باب الغزل غير المتوقّع من ناسكٍ بالملاح.

في أي حال، بين الشعر والدعاية صلة نسب لا ينكرها أحد، فقديماً كان يقال" أعذب الشعر أكذبه"، والكذب يعني، في سياق الشعر، المجاز. فالمعنى المضادّ للحقيقة ليس بالضرورة أن يكون كذباً، فـ "المجاز" هو المقابل لمفهوم "الحقيقة" في العرف البلاغيّ.  والحقيقة ركن قد يستغني فنّ الدعاية عن خدماته عند الضرورة لصالح الكذب الجذّاب والخلاّب!

                           بلال عبد الهادي