الجمعة، 11 أغسطس 2017

مكتبة أحمد بيضون ( مقال منقول)

باشرْتُ اقتناءَ الكتب قبل نيّفٍ ونصف قرن وأصبح عندي اليوم مكتبة ضخمة. ويصبح للكتب مقام استثنائي التصدّر بين مقتنيات واحدنا إذا اتّفق أنه من فئة الكتّاب أو المؤلفين وممن يزاولون من بين هؤلاء حرفة البحث، على الخصوصقد تُنسب الكتب، في هذه الحال، إلى لوازم المهنة. ولكن حاجة الباحث في القانون، مثلاً، إلى الكتب ومقامها عنده شيء مختلف عن حاجة محامٍ يَقْصُر همّه على إجادة الدفاع عن مصالح موكّليه. وفي كلّ حال، يفترض أن تبقى «المطالعة» التي كانت فاتحة الطريق إلى تكوين المكتبة مواكبةً لسائر الهموم التي تتدخّل في إنماء المقتنى من الكتب.
تواكب المطالعة تكوين الشخصية العَقَدية، خصوصاً، أي ارتسام الخطّ الفكري الذي يُدْرج المرء في جماعة معنوية أو وجهة انتمائية ويجعل له في الناس نظراء وأضداداً. وتواكب، على الأخصّ، كل انعطاف في هذا الخطّ يفترض البحث عن أسانيد وشواهد كثيراً ما تجبّ ما كان قبلها. وقد يتوزّع هذا بين حقول وهموم متباينة. وعلى غرار الخطّ الفكري، تتكوّن الذائقة بما هي طلبٌ للمتعة وللمعرفة اللانفعية وتروح تتحوّل ويُسْفِر نموّها عن فروعٍ ومراحل. وعليه تستوي المطالعة، بما هي شرطُ نضارةٍ ونَماءٍ، مَلوَنةً لمراحل العمر جميعاً وتتشكّل المكتبة مرآةً أو جسداً لهذه المَلْوَنة.
تستوقفني مكتبتي اليوم لأن شيئاً مقابلاً للكتب، هو الشبكة العنكبوتية بقضّها والقضيض، أخذ يلحّ علينا لاعتبار المكتبة ذات الرفوف ماضياً مضى. لا أظن، وقد أصبحت متقدّماً في العمر، أنني سأبلغ يوماً أعتبر فيه كتبي مقتنياتٍ مُتْحفية. وهذا مع العلم أنني ضالع أشدّ الضلوع في الممارسة الحاسوبية من عقد ونصف عقد. متردّداً أرتضي الوقوف اليوم والنظر إلى مكتبتي، بسببٍ من توزّعي بينها وبين الشبكة، وكأنها باتت على مبعدة
ما الذي أعدّه وصفاً مناسباً لرفيقة عمري هذه؟ أضيق أحياناً (ويضيق بيتي) بمهمّات إيواء الكتب وتصنيفها والعناية بها ولا يفوق هذا الضيق بالكتب سوى الضجر مما يقتضيه تنظيم الأوراق المحفوظة. ولكن يبقى أقْرَبُ ما يسعني قوله في المكتبة أنني أراها تجسيماً جيولوجياً لما يمكن أن أعتبره «طبقات» العمر. فحين رحت أغادر الماركسية، مثلاً، لم تلبث أعمال ماركس وإنجلز ولينين وسواهم من أضرابهم أن تدرّجت نحو الرفوف العليا، وهي جنّة الكتب التي يرجّح ألا نفتحها بعد اليوم: بالمعنى الذي يقال فيه أن الأسرّة جنّة الأطفال فلا ينبغي اصطحابهم إلى الأعراس!
في الموضع الذي أخلته تلك الكتب، أي في الصدارة، تجاورت أعمالٌ متعلقة بتاريخ لبنان وأخرى موزّعة بين الوجوه الجديدة في الفلسفة الفرنسية وأقاربهم في العلوم الاجتماعيةوأمّا كتب العربية التي جمعتها حين حاولت أن أَضْرِب بسَهْم في بعض مسائل اللغة والمعاجم، فهيّأت لها مصيراً آخر: بقيَت في المتناول ولكن لا أتناولهاأنساها آماداً طويلة ولكن أجدّد التعهّد لنفسي أن هذا الطلاق لن يصبح بائناً أبداً. أقلّ حظوةً من كتب اللغة، كتبٌ كنت أحتاج إليها (أو أتوقّع الاحتياج إليها) في سنوات التدريس المتمادية. هذه غادرت غرفة مكتبي إلى الرفوف التي في الممشى. والشيء نفسه حصل لكتب كثيرة كانت «مكتبات بحث» لهذا أو ذاك من تآليفي. السيرة التي وضعتها لرياض الصلح، مثلاً، تخلّفت منها رفوف عديدة مكتظّة يسعني، إذا شئت، أن أوزّع محمولاتها بين زوايا عدّة متباعدة من خزائن كتبي.
هذا ومن عيوبي أنني لا أستغني عمّا يصل إلى يدي من كتب سفيهة. أقول إن بعضاً من تآليفي وجد معظم مادّته في أعمالٍ لا تعدّ ذاتَ شأنٍ في أبوابها ولكن لا يستغنى عنها بما هي «أدلّة» و»عيّناتّ» ترشد إلى واقع الأحوال في قطاع اجتماعي أو معرفي. وهي، في أدائها هذه الوظيفة، أوفر دلالة، على التعميم، من مؤلّفات العباقرة. هكذا أجدني أداري ضيق شقتي البيروتية بالكتب الجديدة بترحيل السخيفة القديمة إلى منزلي الجبلي الذي استوى، قبل بضع سنوات، متنفّساً لمكتبتي. ولكن غلب على ما أنقله إليه مجاميع الدوريات وما أعدّه قليل القيمة من الكتب ومعها كتب تهدى إليّ ولا أقرأها وثالثة لا يًحْتمل أن أحتاج إليها في بحر السنة التي أمضيها في بيروت باستثناء الفصل القائظ.
الواجهات الزجاجية للكتب الجميلة الإخراج أو لتلك الرفيعة المقام، والخزائن ذات الأبواب الخشبية لتلك التي تجمع إلى قبح المظهر ضعف احتمال العودة إليها: الأطروحات خصوصاً! والرفوف المكشوفة للكتب التي يتعين بقاؤها في متناول اليد، والخزائن المسمّرة بالسقف لعوالم كتبية أمست خلفي، والجبل لمجموعات المجلات وللكتب السقيمة التي يجب الإبقاء عليها احتياطاً ولمُهْدَيات لم تُصبح مثار شهية ولأعمال أدبية تُستبعد العودة إليها بعد القراءة أو يؤمل التفرّغ لها في أماسي الصيف، إلخ، إلخ.
وما الذي قرأْتَه من هذه التآليف المؤلّفة كلّها يا بنيّ؟ اقتنيتُ كتباً قرأتها لغرضٍ كان يدعو إلى ذلك أو لوجه القراءة. واقتنيت أخرى لم أقرأ منها إلا صفحات أو سطوراً أمْلت قراءتها حاجةٌ ما. واقتنيت كتباً بدافع الشعور الغلاب أن عليّ أن أقراها ولكن حالت دون ذلك حوائل فزاد كلّ منها حسرة على حسرات. واقتنيت كتباً ألزمتني دواعي العمل بالسهر عليها ليالي طويلة ألخّصها وأدوّن ملاحظات وأفكاراً متصلة بها وما كنت لأَقْرُبها لولا دواعي العمل. ولا أعود إلى الهدايا وكان بعضها رائعاَ ولكن وقع في غير أوانه وكان بعضها الآخر رديئاً فتعذّر أن يقع في أوانه.
عليه تتخلل الرفوفَ حسراتٌ لا تُحْصى، متنوعةً البواعث، خَلّف بعضَها الإحجامُ وبعضُها خَلّفه الإقدام. ومن المُتَع، وهي كثيرة أيضاً، ومن الحسرات تكوّنَت كلّ طبقةٍ من طبقات العمر وتمثّلت في رفٍّ أو رفوف. ولكن المكتبة لا تستنفدها طبقاتُ العمر الجيولوجية بل فيها أيضاً مسالكُه وشِعابه وفيها مقاصيره وساحاته وفيها منابره ومخابئه. لذا يبدو الأقرب إلى وفائها حقَّها أن نَرى فيها شيئاً من قبيل شجرةِ الحياة.

منام امبراطور صينيّ


ثمّة رواية كتبها الأديب الصينيّ مو يان  الحاصل على جائزة نوبل للآداب بعنوان " الحلم والأوباش"، نقلها الى العربيّة الدكتور محسن فرجاني المتخصص في الأدب الصيني.  بطل الرواية طفل  ليست حياته الا إعادة لما يراه في المنام. وفي الوقت نفسه بعض مناماته كانت بنت اختياراته الشخصية. قبل ان يغمض عينيه يقرّر انه سيفعل كذا وكذا من الأمور، وما إن يستغرق في النوم حتى يبدأ برؤية ما نوى رؤيته في منامه. وفي يقظته يعرف مسبقاً كلّ تفاصيل الأحداث التي ستحصل معه. حياة بلا مفاجآت سارّة او ضارّة. وتشكّل منامات الطفل السارد منعطفات سردية في الرواية،  لكأن الواقع الذي يعيشه في مطارح كثيرة ليس الا نسخة طبق الأصل لما يراه في غفواته.
عالم المنامات في الروايات الصينية له مذاق خاص يشبه مذاق كرامات الصوفيين. وكنت قد تناولت في مقالات سابقة مجموعة من المنامات الصينية ، منها منام الفيلسوف الطاوي تشوانغ تزه  zhuang zi الذي ظنّ نفسه فراشة تحلم أنّها هو!
حديثي اليوم عن منام امبراطور صينيّ من سلالة تانغ tang!
ليس المطلوب منك أن تؤمن بالمنامات، ولكن هذا لا يغير من أمر المنامات شيئا. هل تخلو حياة الكبار من منامات؟ ألم نجعل مفتاح الترجمة في العربية مناماً رآه الخليفة المأمون فكان من مفعوله أن دخل أرسطو  بفلسفته الإغريقية الى بهو اللغة العربية من بوّابة المنامات الفسيح فولدت ثنائية العقل والنقل؟
ألم يكن الغرض الشعريّ المعروف بالمدائح النبوية هو ابن منام رآه البوصيريّ ذات ليلة؟ ألم تكن مقامات الزمخشريّ هي بنت منام بحسب ما يقول في فاتحتها؟ كانت المستشرقة الألمانية الراحلة ماري شيمل قد تناولت المنامات في الثقافية الاسلامية بشقّيها العربيّ وغير العربيّ في كتابها الموسوعي " أحلام الخليفة"، وهو كتاب شيّق ترينا فيه الدور الذي لعبته المنامات في تقرير مصير عدد كبير من الكتّاب والفلاسفة والساسة وأهل الكرامات.
طرافة منام الامبراطور الصيني "صورية". كلّ الشعوب تؤمن بالأرواح والأشباح. لا يخلو تراث شعب من أقاصيص ذات صلة مع العالم الغيبيّ بأشباحه وأرواحه الهائمة. ولنا في تراثنا الجاهليّ مفهوم "الهامة" العطشى التي تطالب بالثأر. في الشرق الأقصى عزّزت الديانات والفلسفات والروحانيات من حضور عالم الأشباح . والأشباح تثير الذعر، فنحن نخاف من الموتى أكثر ممّا نخاف من الأحياء! النوم بجوار المقابر يلعب بمضامين المنامات!( ما تنام بين القبور وتشوف منامات وحشة).
 رأى ذات يوم الإمبراطور مينغ خوانغ  ming huang  مناماً غيّر مصير  العبادات في الصين، وأضاف إليها شخصيّة مناميّة ذات مفعول واقعيّ، وحضور روحانيّ!
ليس من السهل ان يولد من تضاعيف منام شخص لا وجود له، شخص من طينة منامية محض.  هذا الشخص هو تشونغ قوي zhong kui. كنت قد تناولت، ذات مقال، حكاية شخص عربي عشق فتاة رآها في منامه وهام بها دون أن يكون لها كيان من لحم ودم، وهي قصة حقيقية رواها ابن حزم في كتابه طوق الحمامة.
هل تتخيل شخصاً هو ابن منامك يكون حارسك الأمين؟ هذا ما حدث بشكل من الاشكال للإمبراطور الصينيّ. بعد عودة من حملة عسكرية اصيب الامبراطور مينغ خوانغ  بالحمّى، حمّى أشدّ حدّة من تلك التي ذكرها المتنبّي في قصيدتة الميميّة الشهيرة:
ملومكما يجل عن الملام
ووقع فعاله فوق الكلام
والحمّى مسرح للهذيان والمنامات السورياليّة! فتراءى للملك في المنام شخص في صورة شيطانية وسرق منه عوداً مصنوعاً من اليشب (حجر الجاد)، وقارورة طيب تعود لخليلته، ولكن جاء شخص آخر في منامه، في الزيّ الذي يلبسه طلاب الامتحانات الامبراطورية، وهجم على الشيطان اللصّ واستعاد منه المسروقات الثمينة وأعادها للإمبراطور، ولم يكتف بهذا بل اقتلع عين الشيطان اللصّ وابتلعها وقام من بعد ذلك بتقطيع بدن الشيطان اللصّ إربا إرباً وراح يلتهمه قطعة قطعة على مرأى من الإمبراطور المذعور من عنف منامه .
بعد أن أنهى تشونغ قوي اللابس زيّ طلاب الامتحانات الامبراطورية وجبته الشيطانيّة دنا من الامبراطور، وهدأ من روعه، وراح يروي له حكاية انتحاره بسبب رسوبه في الامتحانات الامبراطورية في عهد الامبراطور وو ته wu de ، تأثّر الإمبراطور لانتحاري، قال تشونغ قوي، فقرّر تكريم جثماني ودفني بما يليق وأحزاني. واعترافا من جثماني بالجميل قرّرت ان أكرس حياتي بعد موتي لخدمة السلالة الشريفة.
قام الامبراطور من نومه وقد زالت عنه الحمّى، فقرّر تكريم الطالب الذي انتحر ثمّ جاء بعد فترة من موته لينقذه من شيطان منامه، ومن الحمّى التي كانت ترتع في عظامه!
استدعى الإمبراطور رسّام القصر، وطلب منه أن يرسم الطالب. استغرب الرسام، كيف يرسم من لم يره؟ كيف يلقط ملامح وجهه، كيف يُخرج من سديم المنامات كائنا من ألوان؟ قال له الملك: سأصفه لك كما رأيته في المنام. راح الرسام يرسم صورة تشونغ قوي على وقع كلمات الإمبراطور وأوصافه ؟
وهكذا ولد تشونغ قوي من حلم امبراطور وفرشاة رسام. وبدأ الرسامون يقومون برسم تشونغ قوي وتوزيع صوره على الصينيين كرمز أو أيقونة منامية تشفي المرضى من أوجاعهم . وانتشرت صوره بالآلاف في ربوع الصين، ولا تزال الى اليوم في الأعياد تعلق صورة هذا المخلوق المنامي على الجدران لطرد الاشباح الشريرة، أو توضع تماثيله على الأرفف في البيوت لبثّ الرعب في نفوس الأشباح ذات النوايا الشرّيرة.
الشخصيات الخيالية كثيرة، ولا غنى عنها، هذا ما تقوله لنا، في أي حال، افلام السينما بخلاف الشخصيات المنامية. يروي الرسام الصيني المعاصر فان تزنغ انه عدل من ملامح تشونغ قوي، فنزع عنها الصورة الشبحية ، وأعطاها الكثير من ملامح الصينيّ المعاصر.
يبدو ان الحياة لا تشترط دائماً أن يكون الحيّ من لحم ودم!


بلال عبد الهادي

زَحْفَطَة وزَحْفَطون

لم أفهم معنى هذه الكلمة يوم سمعتها في أوّل مرّة. وهي ليست، الى الآن، كثيرة الشيوع على الأفواه، فيما أظنّ. ولم أكن اعرف من قام بإدخالها الى اللغة العربية، وتحت اي ظرف، ولست ادري ان كانت من الكلمات التي اعترف بها المعجم، فالمعجم يتدّلل على كلمات كثيرة، ويعاند فتح الأبواب أمام كثير من الكلمات، ولا يعجبه العجب، ولكن لهذه الكلمة حضور مرحّب به في " غوغل" الديمقراطيّ إلى أقصى حدود الديمقراطية، وسوف تعثر وأنت تتجوّل في أرجاء غوغل على تعريفات له بسيطة وحادّة الملامح.
سوف تعرف أنّ هذه الكلمة المنحوتة لم تخرج من فم كاتب عاديّ، بل من كاتب قصص وروايات بديعة، ومن قلم ناقد جريء وصاحب طرفة عفوية تنبت من شفتيه دون تعمّل، انه سعيد تقيّ الدين، وهو من الكتاب البارعين في نحت الكلام، واختراعه لمآرب فنية، وماهر في دمج كلمتين دمجا كيميائياً بديعاً. واسم من يحبّ الزحفطة كما يقول الراحل تقي الدين:"زحفطون" وهو مصطلح أطلقه الكاتب على المتملقين. والزحفطون هو اختصار للـ"زاحف على بطنه" تكسباً وتملّقاً!
واللغة العربية لا تبخل بهكذا اشتقاقات، فالجذر الرباعيّ لا يزال ارضاً بوراً ولكنّها قابلة للاستصلاح. الجذر الرباعيّ أشبه بصحراء تتخللّها واحات، ولكن يمكن لمن يرغب أن يعزّز حضور هذه الواحات. وتخضير الصحراء ليس بمستبعد، وها نحن نرى بأمّ العين تحوّلات الخليج الصحراويّ الى واحات وبساتين وميادين تلعب في ارجائها الخضرة.
وتقيّ الدين أحد هؤلاء الذين لديهم مقدرة على توليد الرباعيّات من الثلاثيات . ففعل "زحفط" وليد اتصال حميم بين فعل " زحف" وفعل " بطن". أخذ فعل الزحف بكليته واستعان بحرف الطاء من البطن فأنتج " زحفط" وأعطاه دلالة لاسعة: " الزحف على البطون" ليس في المعسكرات حيث يتدرب العسكريّ على الزحف تحت الاسلاك الشائكة لغايات أمنية، وانما من زحف الناس لغير ما مبرّر على الزحف على البطون تقرّباً من ذي سلطان أو مكنة أو أملاً بحظوة موعودة، ويروحون يكيلون له المديح كيلاً، وإن عجزت اصواتهم عن الصياح استعانوا بفوّهات بنادقهم مثلاً للتعبير عن فرح تحته زحف، واعجاب تحته ولع بما في الجيوب، وقد يستعينون بأوراق الصحف، وصدر الصحف رحب، وواسع الذمّة أحيانا! أو يطلّون من الشاشات ويهللون ويعلّلون بالحجج المنطقية والعقل الديكارتيّ انّهم صادقون ويقولون ما به يشعرون.

وللزحفطون مترادفات وتعابير أخرى، فهو من " يمسح الجوخ" أو " يلحس الأحذية"، أو يشتغل مبيّضاً في عالم الوجوه والأقنعة.

أحوال الهمزة

الهمزة حرف يحبّ اللعب بأصابع الناس، ويحترف إرباك الأذهان، يطيش من متطلّباته النزقة رأس القلم، ربّما لأنّ الهمزة من قماشة الزعماء تحبّ الكراسيّ والفخفخة (والفخفخة فخّ مضاعف!)  فهي طوراً تجلس على عرش الياء، وطوراً تمدّ رجليها فوق كرسيّ الواو، وأحياناً لا يطيب لها أن تتمدّد الاّ على رأس حرف الألف.
كان الخليل بن أحمد الفراهيديّ لا يحبّ الكراسي ولا يميل إلى تسنّم المناصب التي يسيل لها اللعاب، فزهده وصغر الدنيا في عينيه معروف. كانت تغيظه هذه الهمزة المتبجّحة، المراهقة فقرّر حين قام بتأليف معجم العين، ان يسقطها من حسابه، لم يحبّها لذبذبتها وتلوّنها. كان من حقّ معجمه بناءً للمنهاج الذي اعتمده ان يكون "معجم الهمزة" لا "معجم العين"، أي أن يبتدىء بها لا بالعين، الاّ انه قرّر معاقبتها علّها تستيقظ من غفلتها النرجسيّة فنقلها من الصفّ الأوّل الى الصفّ الثالث بعد العين والحاء، وحجتّه في ذلك، " هوائيّتها" وانّها تحبّ الكرّ والفرّ، ويستهويها التخفّي.
ولكن من يتأمّل لسانه لا بدّ له من أن يشفق على هذه الهمزة التي يسقطها اللسان من حسابه في أوقات كثيرة. في علم الأصوات هناك ما يعرف بتليين الهمزة أو تسهيلها، وتليين الهمزة تعبير ملطّف ومخفّف لما يعترضها من تبديل ّأو إسقاط. وحول هذه النقطة أبيات شعر كثيرة، منها ما ورد في كتاب " الدرر اللوامع "  لابن بري:
القــــول فــــي التحـــقيق والتســـهيل    للهمـــــــز والإســــــــقاط والتبـــــــديل
والهمــــز فــــي النطــــق بـــه تكـــلّف       فســـــــــهلّوه تـــــــــارة وحـــــــــذفوا
فالكراسيّ التي تعتمد عليها الهمزة تتمرّد عليها وتلفظها بعيدا عنها، وبقدرة قادر تقوم الكرسيّ مقام الهمزة، فكلمة " بئر" على سبيل المثال التي تعتمد في الكتابة على كرسيّ الياء تتحوّل الى " بير"، تختفي الهمزة لصالح الياء. وفي كلمة" رأس" نجد أنّ الألف خلعت الهمزة بعيداً وصارت تلفظ " راس"، وكذلك تفعل الواو بها، تطردها وتحلّ محلّها، كما في كلمة "لولو" التي هي في الأصل "لؤلؤ". وفي التعبير العاميّ، حين تجيء متطرّفة تسقط من اعتبار اللسان فالـ"السماء الزرقاء" تصير في الاستعمال "سما زرقا".
ولعلّها انتقاماً لشرفها الذي مرّغه الخليل بوحل الاهمال والاسقاط راحت تذيق اصابع الطلاب والكتّاب ألوان الارتباك، وتضع أمام أقلامهم العراقيل. ورغم كلّ فظاظتها فهناك من يحبّها، يحبّ غنجها، وألاعيبها، وقفزها البهلوانيّ على الحبال. وهنا أشير الى "كتاب الهمزة" الصادر عن دار الجديد في بيروت للصديقة رشا الأمير، حيث نرى الهمزة تنطّ وتلعب كطفل صغير، مشاغب، ولكن مشاغباته مهضومة. ومن طريق هذا الكتاب يمكن للطالب الصغير، في المدارس الابتدائيّة، أن يتعلّم كيف يتعامل مع هذه الهمزة المزاجيّة والمتطلّبة.
والهمزة تحبّ النميمة، وتحبّ الحكي!
فمن يفتح القاموس العربيّ على جذر" همز" يظنّ انه فتح وكر دبابير ووكر حكايات. ولقدت وردت كلمة من هذا الجذر في آية قرآنية لا تخلو من تنديد بكلّ همّاز، لمّاز، تقول الآية الكريمة:" ويل لكلّ هُمَزة لُمَزة"، ووزن " فُعَلَة" الذي انسكب فيه الجذر يعني المبالغة في الشيء.
ولكن لا يُخاف على الهمزة، فهي تحسن تدبير شؤونها، وتعرف كيف تسحب الشعرة من العجين، فمن ينتبه اليها يكتشف انها تقوم بوظيفتين، من خلال اسمَيْها او وظيفتيها، فهي همزة قطع حيث يجب قطع العلاقات وهمزة وصل حيث يكون للوصل فائدة ترجى. ولا تختلف طبيعة الهمزة عن طبيعة البلاغة. للبلاغة تعريفات كثيرة، ومن جملة هذه التعريفات:" البلاغة هي معرفة الفصل من الوصل"، والفصل قطع. ولأنّ للهمزة مقدرة بلاغيّة فهي تعرف أن تخلّص حالها. ولا أدري ما الذي فعلته همزة الوصل في حياتها الجميلة حتى لا يكون لها حضور على لوحة مفاتيح الحاسوب، فأنت إن أردت وضع علامة همزة الوصل عليك ان تلفّ وتدور في مخّ الحاسوب حتى تعثر على علامتها في باب الرموز.
ولا بدّ أيضا من ذكر دورها في اصطياد أجوبة كثيرة، فهي لم تدخل اللغة من باب واحد وهو باب الصرف، وإنّما ولجت عالم النحو أيضا من باب الاستفهام(والسؤال مفتاح المعرفة!) ومن باب المنادى للقريب.
وهنا تثأر الهمزة الماكرة لنفسها من الخليل بن أحمد الفراهيديّ باستعادتها لحقّ الصدارة الذي سلبها إيّاه الفراهيديّ!

زَحْفَطَة وزَحْفَطون
لم أفهم معنى هذه الكلمة يوم سمعتها في أوّل مرّة. وهي ليست، الى الآن، كثيرة الشيوع على الأفواه، فيما أظنّ. ولم أكن اعرف من قام بإدخالها الى اللغة العربية، وتحت اي ظرف، ولست ادري ان كانت من الكلمات التي اعترف بها المعجم، فالمعجم يتدّلل على كلمات كثيرة، ويعاند فتح الأبواب أمام كثير من الكلمات، ولا يعجبه العجب، ولكن لهذه الكلمة حضور مرحّب به في " غوغل" الديمقراطيّ إلى أقصى حدود الديمقراطية، وسوف تعثر وأنت تتجوّل في أرجاء غوغل على تعريفات له بسيطة وحادّة الملامح.
سوف تعرف أنّ هذه الكلمة المنحوتة لم تخرج من فم كاتب عاديّ، بل من كاتب قصص وروايات بديعة، ومن قلم ناقد جريء وصاحب طرفة عفوية تنبت من شفتيه دون تعمّل، انه سعيد تقيّ الدين، وهو من الكتاب البارعين في نحت الكلام، واختراعه لمآرب فنية، وماهر في دمج كلمتين دمجا كيميائياً بديعاً. واسم من يحبّ الزحفطة كما يقول الراحل تقي الدين:"زحفطون" وهو مصطلح أطلقه الكاتب على المتملقين. والزحفطون هو اختصار للـ"زاحف على بطنه" تكسباً وتملّقاً!
واللغة العربية لا تبخل بهكذا اشتقاقات، فالجذر الرباعيّ لا يزال ارضاً بوراً ولكنّها قابلة للاستصلاح. الجذر الرباعيّ أشبه بصحراء تتخللّها واحات، ولكن يمكن لمن يرغب أن يعزّز حضور هذه الواحات. وتخضير الصحراء ليس بمستبعد، وها نحن نرى بأمّ العين تحوّلات الخليج الصحراويّ الى واحات وبساتين وميادين تلعب في ارجائها الخضرة.
وتقيّ الدين أحد هؤلاء الذين لديهم مقدرة على توليد الرباعيّات من الثلاثيات . ففعل "زحفط" وليد اتصال حميم بين فعل " زحف" وفعل " بطن". أخذ فعل الزحف بكليته واستعان بحرف الطاء من البطن فأنتج " زحفط" وأعطاه دلالة لاسعة: " الزحف على البطون" ليس في المعسكرات حيث يتدرب العسكريّ على الزحف تحت الاسلاك الشائكة لغايات أمنية، وانما من زحف الناس لغير ما مبرّر على الزحف على البطون تقرّباً من ذي سلطان أو مكنة أو أملاً بحظوة موعودة، ويروحون يكيلون له المديح كيلاً، وإن عجزت اصواتهم عن الصياح استعانوا بفوّهات بنادقهم مثلاً للتعبير عن فرح تحته زحف، واعجاب تحته ولع بما في الجيوب، وقد يستعينون بأوراق الصحف، وصدر الصحف رحب، وواسع الذمّة أحيانا! أو يطلّون من الشاشات ويهللون ويعلّلون بالحجج المنطقية والعقل الديكارتيّ انّهم صادقون ويقولون ما به يشعرون.
وللزحفطون مترادفات وتعابير أخرى، فهو من " يمسح الجوخ" أو " يلحس الأحذية"، أو يشتغل مبيّضاً في عالم الوجوه والأقنعة.

بلال عبد الهادي

إعلام وآلام

الإعلام بكلّ حالاته المرئيّة والمسموعة والمكتوبة إعلام لعوب، يحاول أن يتحكّم بأعصاب المشاهد ومن ثمّ بسلوكه وردود أفعاله. البراءة ليست من هموم الإعلام ولا اهتماماته. وللباحث في علم الأحياء العصبيّ سيبستيان بوهلر  Sébastien Bohler كتاب طريف حول قصّة الإعلام وألاعيبه، بعنوان " 150 تجربة صغيرة في علم نفس الإعلام" مع عنوان فرعيّ هو مدار الكتاب:" كي نفهم بشكل أفضل كيفيّة التلاعب الإعلاميّ". الكتاب بسيط وقيّم، غنيّ بآراء متخصصين في علم النفس قائمة على تجارب حقيقية عبر خداع المتطوّعين لمعرفة ردود فعلهم العفوية. الخداع وسيلة ناجعة في كشف الحقائق بخلاف الصدق الذي يسمح للخداع المضادّ، أحياناً، أن يتحرّك على ذوقه! ولعلّ عمله في الصحافة المكتوبة أعطى قلمه سلاسة في التعبير، وبساطة تحرّرت من الثقل الأكاديميّ، فالأكاديميّة الصارمة صادمة، وذات وجه متجهّم ومنفّر أحياناً. وهو مشارك فعّال في مجلة " الدماغ وعلم النفس" الفرنسيّة.
الكتاب مجموعة أسئلة تتناول هذه اللعبة الإعلامية من جوانب مختلفة :" الإعلام والإيمان"، "والسياسة والاعلام"،"الإعلان والإعلام"، " المنوّعات"، "ردود فعل سطحيّة".
لن أتناول إلاّ بعض أسئلة ما في الكتاب، منها، لماذا الانسان يتلذّذ برؤية مناظر الدم والعنف على التلفزيون، ويتعاطف بشكل مريب مع هذه الرؤية؟ فالأفلام التي تنال استحسان الجماهير أكثر من غيرها وتجلب لشبابيك التذاكر الملايين من الأوراق الخضراء هي عادة أفلام الـ"أكشن" والعنف والقتل والتدمير وحرق الأعصاب. والإنسان هو مجموعة ما يرى ويسمع ويقرأ. الحواسّ هي المكوّن الأساس لأذهان الناس. يشير الكاتب الى نقطة مهمّة حول ذلك الشعور الملتبس عند الإنسان، وهو الإحساس بالألم واللذّة في آن معاً، لذّة النظر إلى ما يعافه النظر. لذّة غريبة، ولكنّها لذّة واقعية وأدبية، تطلبها عيون الجماهير، فالكتّاب يتألمون حين يكتبون. فلوبير صاحب "مدام بوفاريّ" كان يقول ان الكتابة " وجع فيزيائيّ" وإضافة كلمة الفيزياء الى الوجع هي لتحييد المعنى المجازيّ للعبارة، وكنت قد قرأت ذات يوم عبارة موجعة للشاعر الأمويّ الفرزدق يشبّه بها قول الشعر " بقلع الضرس"، كما أتذّكر بعض أبيات شعر الياس أبي شبكة يعلن فيها ان الشعر هو ابن الجرح المسكر،  بشكل من الأشكال،  فيقول:
اجرح القَلبَ واسقِ شِعرَك مِنهُ  فَدَمُ القَلبِ خَمرَةُ الأَقلامِ
مَصدَرُ الصَدقِ في الشُعور هوَ القَلبُ  وفي القَلبِ مَهبَطُ الإِلهامِ
وَإِذا أَنتَ لَم تُعَذَّب وَتَغمِس  قَلَماً في قَرارَةِ الآلامِ
فَقَوافيكَ زُخرفٌ وَبَريقٌ  كَعِظامٍ في مَدفَنٍ من رُخامٍ
 ويعزو بوهلر ذلك الى طبيعة حياة الإنسان البدائيّ، فجينات الماضيّ لا تزال تتحكّم في الكثير من تصرّفات إنسان اليوم. ويقول المتخصّص في الانتروبولوجيا في جامعة بريتوريا في جنوب افريقيا  فيكتور نل Victor Nell مفسرا ذلك الإحساس الملتبس الذي يجعل البعض يتلذّذ برؤية ما يقزّز النظر بالقول: ان الانسان الأوّل كان صيّاداً وهذا ما جعل دماغه مجهّزا بهذا الشعور، إنّه شعور ضروريّ للاستمرار على قيد الحياة. قد يستغرب المرء كيف يكون التلذّذ برؤية الألم ضروريّاً للبقاء على قيد الحياة؟! التفسير الأنتروبولوجيّ قد يملك بعض الجواب لا كلّه. يقول فيكتور نل إنّ كلّ عملية صيد هي، عمليا،ً مواجهة مع عذاب الحيوان الذي يموت على مرأى من الصيّاد، ولكنّها ، وفي نفس الوقت، لحظات سعيدة في حياة الصيّاد أمام مشهد حيوان تنطفىء روحه المدمّاة أمام عينيه لتأمين ما يقيم أوَد العيش، وهذا النظام العصبيّ الذي يتحمّل رؤية الدم استمرّ على قيد الحياة في جينات الإنسان المعاصر، فمن لا يطيق رؤية الدم لن يذهب الى الصيد وستفترسه سنّة البقاء للأقوى. ويختم الباحث فيكتور نل بحثه بالقول: ان الصيّاد نقل الينا خصائصه العصبية التي يلذّ لها أن ترى الدم. أراد عالم نفسيّ هو دافيد بورسوك David Borsook أن يبيّن ما الذي يتحرّك  في الدماغ ساعة الإحساس بألم ما، فقام بتجربة على مجموعة من المتطوّعين، وخلاصتها أن يحرق حرقا بسيطا راحات المتطوّعين من دون أن يتسبّب ذلك بترك أثر، وفي الوقت نفسه، قام بتصوير نشاط أدمغتهم بجهاز السكانر فلاحظ  تنشّط المواقع الخاصة بالألم، وهذا طبيعيّ، ولكنه لاحظ أيضاً ان المنطقة الخاصة بكل انواع اللذائذ، الروحية والجسدية، قد نشطت أيضاً، ولاحظ خلال التجربة ان أوّل من تنشّط للعمل هو القسم الخاص باللذّة رغم ان الشعور هو شعور بالألم ممّا جعله يستنتج إنّ هناك رابطاً بل نوعاً من الاستمراريّة بين الألم واللذة، ويستحيل، من حيث المبدأ، فصل الإثنين عن بعض. وبما ان الدماغ مجهّز بآلية فكّ الارتباط - اذا صحّ القول - بين النفس والتعاطف مع آلام الآخرين- وهذه القدرة على عدم التعاطف قدرة من صلب الدماغ كوسيلة دفاعية عن النفس!- فانه لا يبقى إلاّ الشعور اللذيذ! أمام رؤية ما هو مزعج. وهنا يتساءل الباحث بوهلر: ماذا يفعل الإعلام حين يرحّب بمشاهد الدم والقتل على شاشته اللعوب؟ هل يقوم رغم كلّ هذا التقدّم التكنولوجي المذهل بغير تعزيز حضور ما تبقى لنا من جينات جدّنا الصيّاد؟
وفي سؤال ، من مقلع آخر، يطرح مسألة من أين تأتي "الشعبية"؟ ، وهل " الكاريزما" حقيقية أم وهميّة؟ الكاريزما صناعة إعلاميّة، سرّها في لعبة العرض، والتفنّن في تسليط الأضواء على الطلوب إعلاء شأنها، ضوء يجلب الألفة فيسلس الذهن ويتعامل مع الأمور بشكل مختلف. فيتكلّم المؤلّف على تجربة قام بها عالم النفس روبير زاجونغ Robert Zajonc  . اراد ان يظهر أثر تعرّض العين لرؤية شيء ما، وردّ فعل الشخص الرائيّ على ما يرى. وقد يكون الرائيّ يجهل ما يرى ومع هذا فإنّه يقيم علاقة مختلفة مع ما يراه بناء على مدّة العرض المتقطّع والمدروس. لقد عرض ذلك العالم أمام مجموعة متطوّعين كلمات تركيّة، وهم لا يعرفون ولا كلمة عن اللغة التركيّة. الفريق الاول من المتطوّعين رأى مرّة واحدة بطاقة فيها كلمة تركيّة، اما الفريق الثاني فرأى البطاقة مرّتين، والفريق الثالث رأى البطاقة خمس مرّات، والفريق الرابع من المتطوّعين رأى البطاقة عشر مرات، أمّا الفريق الخامس فرأى البطاقة خمساً وعشرين مرّة.
كان السؤال هو: ماذا تعني هذه الكلمة وبما توحي إليك؟ كانت النتيجة  أنّ كلّ المتطوّعين أجابوا عن ايحاءات الكلمة التي لا يعرفون عنها إلاّ انّها تركية ولكن الإجابات كانت مختلفة، فالذين رأوا الكلمة مرّات عدّة تشكّل لديهم انطباع إيجابيّ عن معنى الكلمة، اما من لم يرها الا مرّة واحدة او مرتين  فكان رأيه بالكلمة أنّها ذات دلالة سلبيّة، منفّرة. ولقد أعاد العالم التجربة نفسها على المتطوّعين أنفسهم على لغة لا علاقة لها بالكتابة الألفبائية، وهي اللغة الصينيّة  فكان رأيهم بالكلمة الصينيّة هو نفسه رأيهم بالكلمة التركيّة.
والإعلام المكثّف لا يعني أنّنا نعلم ما نرى، وفي الفرنسيّة كلمة طريفة دخلت حديثاً الى اللغة الفرنسيّة هي " infobésité" المشتقّة من كلمتين " information" و" obésité/السمنة"، والتي تعني التعرّض المكثّف للإعلام، وهو تعرّض يسبب الكولسترول الفكريّ.
بلال عبد الهادي



خطط الأقدار

تبيح الأقدار لنفسها استخدام كلّ الوسائل لتغيير المصائر، واستعمال كلّ العواطف: الحب، الكره، الحقد، التسامح، الرفق، العنف، الرفعة، الدناءة
ما يلفت نظري هو ان الاقدار تتخذ من الحبّ مطية لتغيير المصائر وتحويل مسارات الناس: مثلاً قد تجد شخصاً من عائلة غنية جدا يقع واقول " يقع " في حبّ فتاة من عائلة فقيرة جدا أو " يسقط"،  كما في اللغة الفرنسية، عاشقاً "tomber amoureux" لفتاة من طبقة معدمة. هنا يحصل تغيير غير متوقّع في حياة العائلة الفقيرة، تغيير يشرف على انجاز تفاصيله الدقيقة " قدر محنّك"، تغيير بمثابة منعطف حادّ ما كان، ربّما، في وارد العائلة. ماذا يكون الحبّ، هنا، غير لعبة سارّة  وسرّية من عمل الأقدار؟

وقد يكون الكسل والاجتهاد من وسائل تغيير المصائر. ألا يغيّر كسل الغنيّ مصير الغنى؟ إنّ القدر لا يكفّ عن استخدام اي وسيلة لتوزيع الأدوار على مسرح الزمن الدوّار. 

سماحة الفصول

الفصول الأربعة خلقة إلهية، وأجمل ما فيها أنّها لا تعترف بالنقاء. انظر إلى فصول الأرض الأربعة فأجدها متداخلة، لا تتداخل فقط عند الحدود بل تتداخل في كلّ النقاط. ليس هناك فصل صاف، فصل لا يعترف ببقية الفصول. لا يمكن للصيف ان يقول للغيمة: ارحلي عن سمائي، انت دخيلة، وغير مرحب بك في فصل الصيف. ولا يطرد الشتاء قرص الشمس المشرق لأنّ الموسم ليس موسمها، أو انها تتدخل في تفاصيل شؤون فصول غيرها، ولا تعتبر الغيمة أنّ وجود الشمس على ضفافها ارتكاب معصية في حقّها أو احتلال لأراضيها. في كلّ فصل كلّ الفصول، ولو لم يكن في كلّ فصل كلّ الفصول لما كان لأيّ فصل نكهة. الفصول لا تتصرّف من تلقاء نفسها، ولا تعمل ما برأسها، وإنّما هناك مدبّر – سبحانه- يتدبّر سلوكها النبيل.
قلت وأنا اتأمّل سلوك الفصول: لماذا لا يتعلّم الانسان من تجربة الفصول مع بعضها بعضا؟ أليست الفصول الأربعة مدرسةً عليا وراقيةً في التسامح والانفتاح على الآخر واحتضانه؟

فضيلة الفصول تكمن في أنّها لا تعترف بالحقد ولا بالعنصرية ولا بالانغلاق، وتعرف أنّ فكرة "النقاء" ليست نقيّة الغايات بما يكفي بل هي فكرة تسمّ بدن الأرض، وبدن الشمس، وبدن الغيوم.

الخميس، 10 أغسطس 2017

الجيم حرف لعوب



الجيم حرف لعوب. وهنا لن أتناوله من حيث الجسد، أو الهندام الشكليّ وانما من الناحية الصوتيّة. فهو حرف نطناط، بهلوان. يتوارى، في بعض الأحيان، عن الأنظار فتظنّ أنّه غير موجود، يحبّ تخبئة وجهه بالأقنعة أو يكتفي بلبس طاقيّة الإخفاء. فهو يضع أحياناً على وجهه حرف الدالّ، فتظنّ أنّ الدال هي دال، ولا يخطر ببالك أنّ الدال إبدال، في هذا الموضع، من الدال. طبعاً، حرف الجيم يضحك على أناس كثرين، ولكنّ اللغويين يلحقونه على الدعسة، ويسجّلون سلوكه اللعوب، فتجد كلاماً عنه في ذيل كتاب سيبويه، كما رصد حركاته وألاعيبه ابن جنّي في كتابه الممتع "سرّ صناعة الإعراب". انظر الى الجيم في "جاسوس" والدال في "داسوس"، وهما كلمة واحدة اعترضها ما يعترض بعض الناس من انفصام في الذات، وشرخ في النفس. قد تقول لي وما علاقة الدال بالجيم هنا؟ قد لا يتضّح لك "وجه" العلاقة، وهذا من ألاعيب حرف الجيم الذي يخفي وجهه! لا بأس، سأقفز الى كلمة عربية ذات وجهين، في أي حال كلّ الكلمات ولوع بالوجوه والأقنعة. من يقدر على حبس كلمة في معنى واحد، الكلمات تحبّ الحريّة، وتكره الأقفاص ولو كانت من الألماس. حين تأكل حدّ الشبع، يستحلي فمك الشراب الغازيّ، فتكرع كرعات تسرّ المعدة، ثمّ تشعر أنّك بحاجة الى القيام بفعل صوتيّ ما، له في العاميّة فعل هو " تدشّى". هنا ، تأمّل حرف الدال قليلاً، وتساءل كما تساءلت أنا: هل حرف الدال هنا دال؟ وعلام تدلّ الدال في هذا المقام. إذا سألتك: ما هو فصيح هذه الفعل؟ سأسهّل عليك الوقت، واعطيك الإجابة، فليس لكلّ الناس جلد على القواميس الثرثارة، إنّ فصيح " تدشّى" هو " تجشّأ". هنا كشف حرف الجيم القناع عن وجه الصريح. وجهه الذي نعرفه. ولكن للجيم ولعاً بانتحال صفات حروف أخرى كثيرة. أشعر أحيانا أنّه ماكر كثعلب، وأحيانا بريء كفم طفل. يتوارى أحياناً خلف حرف الزين، يخلع صوته الجيميّ والداليّ ويلبس لباس الزين. هل الجيم زين؟ ماذا تقول؟ قد يظنّ البعض أنّ قولي لعبة من ألاعيب الجيم، ولكن هذا ما يحدث. وليس بيتي من زجاج وأريد رمي بيوت الناس بالحجارة. واقتبست، عمدا، هذا المثل، لأنّي أريد الوقوف خلف لوح زجاج فيه الزين والجيم، إسأل فمك، وهو يحكي حكياً عاديّاً في اللهجة العامية، وقل له: كيف تخرج كلمة " زجاج" من بين شفتيك؟ سيقول لك فوراً " ءْزاز".أرأيت كيف طارت الجيم وغطّت الزين مطرحها؟ ومن يتابع أفواه الصغار في بداية اكتسابهم للكلام، يكتشف كنوزاً لغوية لا تحصر. فم الطفل منجم لغويّ في نظر علماء اللغة، فم محيّر ومكتنز، ويعترف علماء اللغة أنّ أسرار اللغة لا يعرفها الاّ ذهن الأطفال الذين لم يكتسبوا اللغة بعد. انصت الى طفل تمرّ من أمام عينيه دجاجة، وهو في أوّل حبْوه الصوتيّ، يخرج اسمها موشّحاً بحرف الزين " زازي" أحياناً، زين فيها رائحة الجيم، زين بين الجيم والزين. واخرج الى بلاد الخليج واسمع الجيم تظنّ انّك تسمع صوت الياء، فتصاب أذناك بالإعياء لقلّة اعتياد هذه الجيم، وإن كانت الجيم تصير ياء في لبنان، ولكن قد لا ننتبه لها، فنحن نعيش في عالم الأسماء، فقد تعرف شخصاً باسمين رغم انهما واحد، نعرف أيضاً ألاعيب الأسماء المتعددة للشخص الواحد ما بين اسم وكنية ولقب. ولكن ليس عن هذا الموضوع الخصب أتكلم، وانّما عن الاسم الواحد في اسمين، فـ" جوزيف " الوافد الينا من الغرب، يظهر على بعض الألسنة " يوسف"، وما  هما الا تنويعاً على معزوفة اسميّة واحدة. سافرت ياؤنا الساميّة ( يوسف، بالمناسبة، كلمة من اللغة العبريّة) الى الغرب، وغيّرت هندامها الصوتيّ ثم رجعت إلينا في زيّ جيميّ قشيب.
   الجيم حرف ملول، ومتلوّن، يضجر من اللون الواحد، والصوت الواحد. فحياة الجيم حيواتٌ.
ولا تكفّ الأبجديّة عن إعطائنا دروساً في التعدّدية الجميلة.