الثلاثاء، 23 يناير 2018

أستاذ الكاراتيه


في أحد أفلام #الكاراتيه استوقفني مشهد تعليم الأستاذ فنون القتال لتلميذه الفتى. أقبل التلميذ متحمسا للبدء في التدريب، وتفاجأ التلميذ حين كان الدرس الأول عبارة عن مسح السيارة، وطلب منه أستاذه أن يمسحها وفق طريقة معينة، لبّى التلميذ رغبة أستاذه متأففا، وكان الأستاذ اشترط على التلميذ عدم الاعتراض، الدرس الثاني كان مسح الأرض، وأيضا بطريقة معينة، لم يكن أمام الطالب الا الاذعان مع تأفف ملحوظ، الدرس الثالث كان طلاء السور الخشبي للحديقة، نهاية المطاف قال التلميذ: جئت للتعلم وليس لأن اكون خادما ، ولكن اكتشف التلميذ انه تعلم وهو يمسح ويدهن أهم وسائل القتال، حين قال له استاذه: دافع عن نفسك بنفس الطريقة التي كنت تمسح بها وتدهن. وبالفعل استطاع التلميذ عبر حركات يديه التي كان يقوم بها وهو يمسح ويدهن أن يتجنّب الضربات التي كان يوجهها إليه معلمه.

الاثنين، 22 يناير 2018

حبة علكة

ما علاقة حبة العلكة بالصابونة؟
تستحق حكاية العلكة ان تروى. كما جرت ولادتها على يد وليم ريغلاي William Wrigley Junior , كان ريغلاي يعمل مع والده في صنع الصابون وبيعه. ولكنه اراد ان يكون تاجرا مختلفا، قرّر ان يعطي مع كلّ صابونة تباع حبة علكة.

كان الهدف من حبة العلكة المهداة ان تنتصر على الصابونة.

ما علاقة الصابون بالعلكة؟

وليم ريغلاي كان على علم بواو العطف.

#الشغف وراء الكثير من الكشوفات.

ليس هناك أجمل من أن يمتلك إنسان ما الشغف.
فالشغف يشبه اللمسة السحرية التي تغيّر الأشياء.
علّموا أبناءكم الشغف، أبجدية الشغف بالأشياء.
لا شيء يقضي على الضجر، والملل، والرتابة، والحزن، والكآبة، والسأم، وإضاعة الوقت كالشغف.
الشغف يمنحك عينين تريان ما لا يراه غيرك، ويمنح أذنيك مقدرة على سماع صوت ما لا صوت له.
وما أكثر الأصوات في هذا الكون التي لا تزال تنتظر آذاناً صاغية لتفضي إليها بأسرارها!

السبت، 20 يناير 2018

طلاق لأسباب لغويّة ( من مقالات كتاب لعنة بابل)


















أسباب الطلاق كثيرة قد تكون بعدد أسباب الموت، هناك أسباب تدخل في الرأس، ولكن بعضها يفوق الخيال، ويلامس الخبال. قد يكون ما يرد في هذا المقال من قبيل الرسم الكاريكاتوري، إلاّ أنّه رسم مأخوذ حبره من مداد هذا العالم العربي، ومأخوذة ملامح وجهه من صور كثيرة تنبت من أطراف شفاه عربية.
معروف على مستوى العالم أنّ إنساناً لا يحترم لغته لا يمكن أن يُحترم، وأمة لا تتعامل مع لغتها بودّ لا تستحق الحياة، ولكن، في الوقت نفسه، ثمة أمم كثيرة في لحظات من تاريخها تعيش فترة فقدان التوازن وضياع البوصلة، والأمة العربية بقضها وقضيضها تمرّ بمرحلة فقدان التوازن، على الأقل التوازن اللغوي. يكفي أن ترى الأفواه الملوثة التي لا تحسن نطق الحروف حتى بالعامية اللبنانية فما بالك بالفصحى! تفخّم المرقّق وترقّق المفخّم، أفواه لا ترى الحدود التي تفصل بين التاء والطاء، وبين الدال والضاد، ولا تعرف أين تنتهي حدود القاف وأين تبدأ حدود الكاف. أفواه كثيرة لا تعرف حرمة اللهجات! تسمع "بدّي روح جيب ابني من الإيكول Ecole"، "اشتريت بلانت Plante"، "ما بقرا إلا فرانسيه Français". والعبارات من هذا القبيل تفوق الحصر.
إنّ من يعود إلى عصر النهضة يرى أنّ الاهتمام الأول انصبّ على اللغة، لأنه يستحيل أن تنهض أمة باستعارة ألسنة غيرها، أو تحلّق في أجواء التطور والتحضر بأجنحة غيرها.ادرك رجالات النهضة ذلك، وحاولوا أن ينهضوا. فشلت النهضة، في العمق، وما الواقع العربي اليوم إلاّ صورة من صور إخفاقات النهضة، لأننا لم نعرف كيف نتعامل مع لغتنا. ولكن الفشل لا يعني اليأس.الدنيا دولاب لا يكف عن الدوران.واليأس عاجز عن إيقاف دولاب الدنيا.
هل هناك أمة تحترم نفسها وتنتمي إلى العالم المتحضر لا تحترم لغتها ولا تعمل على نشرها وتثبيت أقدامها في الأرض؟ هل أميركا التي يراها البعض رمزاً للتحضر لا تحترم لغتها؟ هل تدير فرنسا ظهرها للغتها ولفرنكوفونيتها؟ لا ينتقص من لغته إلا ناقص، وعقد النقص عندنا كثيرة، ويصل البعض من بني جلدتنا إلى الافتخار بعدم معرفته العربية. هل يعرف نفسه من لا يعرف لغته؟
سأحكي حكاية لغوية، دارت أحداثها في مصر، مقرّ الأزهر، وجامعة الدول العربية، ومجمع اللغة العربية. والحكاية تناولتها الصحف المصرية في شهر تشرين الأول من العام الماضي.
امرأة لا تريد أن تعيش مع زوجها، حياتها الزوجية لم تعد تطاق، ليس لأنّ زوجها خانها، أو ضربت عينه على غيرها، أو لأنّه يضربها ويعذبها، أو لأنه خارج من صفحات "بخلاء" الجاحظ، سيد النثر العربي، ولا لأنه عاقر سوف يحرمها من متعة الأمومة، ولا لأنّه سكّير أو مدمن على الميسر. كلّ هذه الأسباب ليست وجيهة في رأيها للطلاق، والزوجة لا تنكر أنّ زوجها رجل لطيف المعشر وكريم المحتد واليد.
الزوجة خريجة الجامعة الاميركية، وهي تحبّ اللغة الإنجليزية، حبّ اللغات ليس عيباً! بل هو مشروع وضروريّ. علينا أن نحبّ لغات الآخرين ونتعمّق أسرارها، لأنّ في ذلك غنى معرفياً ممتعاً. وليس هناك من لغة في العالم لا تحمل مخزونا كبيراً من الشعر والمجازات والاستعارات والإبداعات اللطيفة. إنّ الله لم يحرم لغة من نعمة الجمال، ومن لا يرى في لغات الآخرين مسحة من جمال عليه أنّ يشكّ في أذنيه وليس في اللغات. إنّ الزوجة خرّيجة الجامعة الأميركية، كان من الممكن جدّاً أن تكون متخرجة من الجامعة الأميركية وأن تكون طبيعية. وبالمناسبة، في حفلة تخرج طلاب الجامعة الأميركية في بيروت، قام جون واتربوري رئيس الجامعة بعملية توازن دالّة يشكر عليها وهو أنّه ألقى خطابه بالعربية والإنجليزية على السواء! الغريب أن يحترم رئيس الجامعة الاميركية لغة لبنان ولا تحترمها ممثلّة خرّيجي الجامعة الأميركية.
إنّ الزوجة طلبت الطلاق فقط لسبب واحد أحد هو أنّ زوجها العربيّ يرفض أن يحكي معها، وهي العربية أباً عن جد،ّ بالإنجليزية. كانت تثور وتغضب لأنّه يتكلم معها أمام زميلاتها بالعربية، فكانت تتقلص وتنكمش وتشعر بعار لا يطاق أمام أعين زميلاتها، وخصوصاً أنها اشترطت عليه قبل الزواج أن تكون علاقتهما اللغوية إنجليزية. طيش الهوى سحب من فم الرجل الموافقة، ولكنه لم يستطع أن يلتزم بالشرط، خانه لسانه، عاد إلى طبيعته اللغوية العربية. قالت الزوجة:"تحاملت على نفسي شهرين كاملين وكلماته العربية تفتك بصدري و تمزّق قلبي، إلا أنني سئمت الحياة معه بسبب إصراره على الحديث باللغة العربية". الطريف في الأمر أن الزوجة خريجة كلية الترجمة، أي انه يفترض بها أن تعرف ما معنى اللغات وما دور اللغة الأم في التوازن النفسي.
حكمت المحكمة بالخلع، ربحت المثقفة العربية خريجة الجامعة الاميركية في القاهرة لسانها الإنجليزي وخسرت زوجها بعد شهرين فقط من الزواج. شعرت أنها كانت في جحيم لغوي عربي لا يطاق، أين منه جحيم الخيانة الزوجية، أو جحيم التعايش مع ضرة تحت سقف واحد؟
حالة فردية بالتأكيد، حالة نادرة، شاذّة، ولكنها حالة لا أظنّ أنها تحصل إلاّ في عالم مهزوم، يشكو ضعفاً شديداً في النظر لأنّه يرى سحنته السمراء، في المرآة، شقراء بلون بشرة كلوديا شيفر.


الجمعة، 19 يناير 2018

السجع في حياة #الصاحب_بن_عبّاد



قلت للمسيّبي: أين يبلغ في عشقه ( اي عشق الصاحب بن عباد) للسَّجع، قال: يبلغ به ذلك أنه لو رأى سجعة تنحلّ بموقعها عُروة الملك، ويضطرب بها حبلُ الدولة، ويحتاج من أجلها إلى غُرْمٍ ثقيل وكلفةٍ صعبة، وتجشّم أمور، وركوب أهوال، لكان يخفّ عليه أن لا يفرج عنها ويخلّيها، بل يأتي لها ويستعملها، ولا يعبأ بجميع ما وصفت من عاقبتها.
وقال علي بن قاسم الكاتب: السجع لهذا الرجل بمنزلة العَصَا للأعمى، والأعمى إذا فقد عصاه فقد أُقعد، وهذا إذا ترك السّجع فقد أُفحِم.

عن #التوحيديّ

#instapoet//#روبي_كور #Rupi__Kaur شاعرة كندية من أصل هندي.


اعتمدت وسائل التواصل لنشر أعمالها الشعرية، وتحديدا الآنستغرام، ونالت من وراء مقاطعها الشعرية شهرة مستطيرة ، وجمعت بعض أعمالها الآنستغرامية في ديوان أسمته " حليب وعسل" فبيع منه حوالي مليونين وخمسمائة ألف نسخة.
أنتجت وسائل التواصل كلمات جديدة منحوتة كما نرى في كلمة instapoet أي شاعر الانستغرام.
الورقة الرقمية منصة إقلاع إلى الورقة الورقية.
قصيدتها قصيرة ، خاطفة، أشبة بلمعة فلاش، تضيء بها مسائل نسائيّة، عاطفية.
وتشهد امسياتها الشعرية كثافة لافتة في الحضور.
الشعر بخير حين يكون الشاعر بخير!

الأحد، 14 يناير 2018

جلال الدين أكبر، أحد أباطرة المغول في الهند.

أنا مسلم، ولكن أحني رأسي لكلّ دين.

جلال الدين أكبر، أحد أباطرة المغول في الهند.
من فيلم جودا أكبر.

لغة الأشجار


في العام ١٩٧٠ لاحظ مجموعة من العلماء سلوكاً طريفاً للزرافات في السهوب الإفريقية، كانت الزرافات تقضم أوراق شجرة أكاسيا ثمّ تتوقّف عن الأكل وتذهب إلى شجرة أخرى لتتابع وجبتها الورقية.
تساءل العلماء عن سرّ انتقال الزرافة من شجرة إلى أخرى رغم وفرة الأوراق في الشجرة الني كانت تأكلها.
كشف التساؤل عن سرّ سلوك الزرافة.
فالشجرة تعتبر ان التهام أوراقها اعتداء عليها شخصيا، ومن حقّ النفس الدفاع عن النفس، ويبدو ان الشجرة مزودة بوسائل للدفاع عن النفس، عمليا، وإذا نقّب المرء عن وسائل الدفاع عن النفس في عالم الطبيعة، وجد ان كل كائن حيّ يملك وسيلة للدفاع بها عن نفسه، وللشجرة وسيلة دفاعية كيميائية لطرد من ينهش في جسمها الخشبيّ.
تبين للعلماء ان الشجرة تبدأ بفرز مادة سمية تنشرها في عروقها وصولا لأوراقها فتصير خطرة على الزرافة وهذا ما يجعلها تكفّ عن التهام الأوراق ولكنها اي الزرافة لا تذهب الى الشجرة المجاورة للشجرة الأولى وانما تذهب مسافة مائة متر تقريبا عن الشجرة الأولى .
هل اوراق الشجرات المجاورة لا تفتح شهية الزرافات؟
ما الذي يدفع الزرافة الى تجنب الشجرات الواقعات في محيط الشجرة الأولى؟
يبدو ان الشجرة ليست أنانية، فهي تدافع عن نفسها وتدافع ايضا بحسب المستطاع عن بنات جنسها إذ تقوم بإبلاغ جارتها بخبر الهجوم عليها لتقوم جارتها بتبديل تركيبة نسغها وتسميمه.
وتتوسل الشجرة الهواء كوسيلة نقل للمعلومة الشمّية.
فالشجرة تبث رائحة تحملها الريح عن طيب خاطر الى الشجرات الأخريات.
والزرافة ليست غبية، ولا تسمح للشجرة أن تتذاكى عليها أو تضحك على شفتيها فتمشي أحيانا عكس مجرى الريح وتتابع الطعام مطمئنة لأنها تعرف ان الريح لن يكون بمقدورها حمل الخبر المشموم او الرسالة الشمية التي تحسن الأشجار فكّ شيفرتها .

الاثنين، 8 يناير 2018

لسان هندستان


أحدث تعريف لعلم اللغة الحديث لم يحد قيد أنملة عن التعريف الذي وضعه ابن جنّي بقوله: " اللغة أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم"، وهو تعريف حصيف وكثيف ورد في كتاب " الخصائص" وهو أحد أهمّ كتب التراث في اللغة العربيّة. والأصوات صور لما يجول في الأذهان من أفكار، أو كما يقول ابن خلدون إن الأصوات اللغوية هي رموز لترجمة ما في الأفكار، وحين ينتقل إلى المجال الكتابي يتساءل ابن خلدون ما إذا كانت الحروف المكتوبة رموزا للأفكار أم رموزا للأصوات؟ فيعتبر أنّ الحرف،  وكلمة حرف تحيل في أغلب الأحيان إلى الشكل المكتوب للصوت اللغوي الواحد، فـصورة صوت الباء في العربية مثلاً هي حرف " ب" بتجلّياته المختلفة. فالحرف العربيّ الواحد يتغيّر، كتابة ، بتغير السياق الذي هو فيه، فحاله في أوّل الكلمة ليس كحاله في وسطها، وليس كحاله في آخر الكلمة. ويسمّي ابن خلدون الحرف " رمز الرمز"، فالصوت رمز الفكرة، والحرف رمز الصوت، من هنا ينتقل الحرف الى كونه رمزا من الدرجة الثانية، وليس رمزا من الدرجة الأولى، وهذا ما يقوله ابن جني حين يأتي الى تعريف اللغة إذ به يذهب الى ذكر الصوت وليس الى ذكر الحرف في تعريف اللغة.
تستطيع اللغة أن تقوم بواجباتها على أكمل وجه دون أن تستعين بالكتابة. الكتابة حالة طارئة على اللغة. وإلى الآن فإنّ اللغات غير المكتوبة هي أكثر بكثير من اللغات المكتوبة، فهناك بحسب تقديرات علماء اللغة ما يزيد عن خمسة آلاف لغة في العالم، ويعيش أهل اللغات غير المكتوبة دون مشاكل كلامية. هذا طبعا لا ينفي على الإطلاق أهمية الكتابة، بل انّ ما رسم الحدود بين التاريخ وما قبل التاريخ هو الكتابة التي كانت منعطفا في مسار الإنسان.  ولكن أردت فقط الإشارة إلى أنّ الكتابة شيء، واللغة شيء آخر. الصوت شيء، والحرف شيء آخر.
وعالم الكتابة يدخلنا في عالم الطرافة، وعالم النزاعات، وعالم الأيديولوجيّات، وأقصد بعالم الكتابة، هنا، الشكل الذي تعتمده اللغات في التجسيد المرئيّ لأصواتها، قد تقرّر لغة من اللغات أن تجسّد المعنى وليس الصوت كما حال الكتابة الفرعونية أو الكتابة الصينيّة التي لم تعتمد على الألفباء في الكتابة، وكثيراً ما يخطىء المرء في التعبير وهو يسأل عن عدد حروف اللغة الصينية، ولا يكون سؤاله حول حروف اللغة الصينية وإنما حول كلماتها. الجهل بالشيء يبلبل التصوّرات. فحروف كلّ لغة من اللغات عدد محدود جدا، كعدد حروف الأبجدية العربية يزيد أو ينقص قليلاً بخلاف عدد الكلمات الفائق الذي يفيض دائما على دفّتي المعجم. ولا أظنّ أن هناك معجما يمكنه الادعاء أنه يحتضن كلّ مفردات لغة. وكان اللغويّ العربي ابن فارس يقول لا يعرف اللغة العربية إلاّ نبيّ، أي لا يمكن لأيّ امرء أن يعرف اللغة بكل مفردتاتها وأشكال تراكيبها إلاّ إذا كان مزوّدا بمقدرة خارقة هي النبوّة، وهو اعتراف منه، بشكل من الأشكال، أن الإنسان أعجز من أن يستوعب اللغة بكل طاقاتها، وما يقوله عن العربية يمكن ان يقوله المرء عن أية لغة أخرى.
داخل كلّ لغة نظامان: نظام مفتوح ، ونظام مغلق، وفي كل لغة ثنائيات كثيرة. ولا تختلف اللغة في هذه المسألة عن الطبيعة نفسها، فالطبيعة تكتظّ بالثنائيات: ليل ونهار، أنثى وذكر، كبير صغير، وهكذا..، النظام المفتوح هو نظام الكلمات، فليس لمفردات لغة حدّ أو عدد تقف عنده، فهي تزيد باستمرار، فدار التوليد اللغوية دار لا تهدأ! والنظام المغلق في اللغة، هو ما نراه في حروف الجرّ مثلا، إذ لا يمكن لنا أن نضيف حروف جرّ جديدة لأنّ التطوّر فرض علينا أن نزيد حرف جرّ جديد، وكذلك الأمر في النظام الألفبائيّ، ويقال أنّ مقتل اللغات هو في اللعب بأنظمتها المغلقة وليس بأنظمتها المفتوحة، فاقتراض مفردة لا يزعزع أركان اللغة.
كلّ لغة مكتوبة تختار شكلاً ألفبائيا أو صوريا ليكون صورتها ومرآتها ورمزاً لأصواتها.  وهكذا تصير الكتابة ميدانا لغويا وايديولوجيا.  ومن هنا تدور حول الكتابة صراعات واغراءات تترجم الواقع غير اللغويّ لشعب من الشعوب. وهنا سأتوقف عند حالة طريفة، وهي ليست حالة خاصة يتبعها شعب واحد، فاللغة الكرواتية واللغة الصربية هما لغة واحدة، وكانتا تكتبان بشكل واحد في زمن الوحدة بينهما، ولكن لأسباب غير لغوية بعد الانفصال بينهما وتفتت الاتحاد اليوغسلافيّ اختارت كل واحدة منهما شكلا لتجسّد فيه أصوات لغتها ، فالكرواتية اختارت الحرف السيريليّ بينما اختارت الدولة الصربية الحرف اللاتيني، والاختيار لم يكن عبثيا. وهكذا صار للغة الواحدة شكلان مكتوبان : شكل سيريليّ ( الروسيّ) وشكل لاتينيّ، وهذا التغيير على مستوى الشكل اللغويّ هو تغيير أيضا على مستوى الانتماء السياسيّ او المعتقد الدينيّ.
تستخدم الشعوب الكتابة كمجال لتجسيد الخلاف السياسي او الديني او الايديولوجيّ، وما حصل في صربيا وكرواتيا حديثا هو نفسه ما حصل في الهند، فاللغة الهندية واللغة الباكستانية هما لغة واحدة في الأساس، ولكن لأسباب دينية وليس لأسباب لغوية صار لهما شكلان مختلفان، فالكتابة الهندية تعتمد الحرف ذا الأصول السسنسكريتية، بينما اللغة الباكستانية ( الأرديّة) اعتمدت الحرف العربيّ لتعلن انتماءها الى عالمها الاسلامي، والدين كان مبرّر انفصالها عن محيطها الهندوسيّ، باعتبار الحرف العربيّ رمزاً اسلاميا بامتياز وهذا ما أعطى الحرف العربيّ فرصة ذهبية للانتشار خارج حدوده اللغوية. وعدد من الدول الاسلامية في الاتحاد السوفياتي بعد انهياره عاش لحظة حيرة كتابية، وبعض هذه الدول فكّر في تبني الحرف العربي على غرار باكستان أو إيران، ولكن العرب لم يتلقفوا هذه الفرصة التي تعزّز من حضور حرفهم في العالم. وهو حضور ناصع، فالحرف العربي يحلّ في المرتبة الثانية، عالميّا،  بعد الحرف اللاتيني، وأنا هنا اتكلّم على الحرف العربيّ لا على اللغة العربية. وحيث يوجد الحرف العربيّ يكون حكماً حضور اللغة العربية مختلفاً ويكون الباب أمام مفردات اللغة العربية، أيضا، مفتوحاً للدخول في لغات الآخرين. فمن ينكر أن عدد المفردات العربية قد تقلّص في اللغة التركية بعد انقلابها على الحرف العربيّ لصالح مفردات الكلمات التي تكتب بالحرف اللاتيني؟
الحرف بوّابة لغويّة أو مرفأ لاستيراد وتصدير الكلمات.
بلال عبد الهادي