الخميس، 22 مايو 2014

قبل أن يتناولوا وجبتهم في «مطعم الدنون» المعروف للحمص والفول.



لم تنتظر طويلا، ميرا منقارة التي تعمل في بيروت، قبل أن تفكر في إطلاق مشروعها السياحي باتجاه مسقط رأسها طرابلس. فما إن هدأت المعارك الضارية، التي استمرت ست سنوات، حتى أعلنت عن بدء تنظيمها لرحلات سياحية تدوم يوما واحدا إلى طرابلس. ميرا متخصصة في الأصل، في الإرشاد السياحي، وطرابلس مسقط رأسها، وتريد أن يزورها أكبر عدد ممكن من السياح. يوم الأحد الماضي كان ما يقارب العشرين شخصا بينهم إنجليز وفرنسيون وألمان وبيروتيون، يجوبون معرض رشيد كرامي الدولي الذي يعد تحفة معمارية نادرة صممها المهندس البرازيلي الشهير أوسكار نيماير، على مساحة مليون متر مربع. بين المسرح العائم، وذاك المشيد على طرز روماني وصالة العرض الضخمة والحديقة الهائلة ومطار هبوط الهليكوبترات، كان السياح يتجولون ومعهم ميرا، يحاولون اكتشاف هذا العمل المعماري الرائع لباني مدينة برازيليا، في بقعة كانت حتى أمس خطرة ومحظورة عليهم من سفاراتهم. المحطة الثانية كانت في مطعم عبد الرحمن الحلاب، ومن ثم نزهة على شاطئ البحر في الميناء. هذه ليست الجولة الأولى التي تنظمها المرشدة السياحية الطرابلسية، فقبلها قادت مجموعة أخرى من بيروت، إلى أسواق طرابلس القديمة، حيث تجولوا في أزقة المدينة المملوكية التي تعد الثانية بعد القاهرة من حيث امتدادها واتساع مساحتها. تعرف السياح على حاناتها وحماماتها ومساجدها، وصولا إلى قلعة سان جيل الصليبية التي منها يمكن اكتشاف المدينة بمشهد بانورامي بديع، قبل أن يتناولوا وجبتهم في «مطعم الدنون» المعروف للحمص والفول.

وتقول ميرا: «إن هذه الرحلات، مجرد بداية لمشروعها، فمع دخول فصل الصيف ستبدأ بتنظيم جولات من بيروت إلى الجزر البحرية القريبة من طرابلس، حيث يمكن للسياح قضاء نهار كامل بين السباحة والزيارة والاستشكاف».

طرابلس تنهض، أهلها ينشطون كما لم يفعلوا من قبل. حلول السلم ينعش حيوية فائقة في مختلف المراكز الثقافية والجمعيات، والهيئات المدنية، وهناك أيضا مبادرات فردية، لاستعادة الوجه السياحي الترفيهي للمدينة الذي شوهته الحرب.

بعد غياب طويل، بدأت «جمعية طرابلس السياحية» العمل لإعادة إطلاق المهرجانات الصيفية. يقول العميد سمير شعراني لـ«الشرق الأوسط»: «بدأنا اتصالاتنا قبل انتهاء المعارك، لكنّ أحدا لم يصدقنا أو يتعاون معنا، وبمجرد أن هدأت الأوضاع أعدنا التواصل، صار الجو مشجعا، والتجاوب كبيرا، حفلات (مهرجانات طرابلس) ستنطلق بدءا من منتصف رمضان لتمتد خلال شهر أغسطس (آب)، وستتضمن حفلتين أجنبيتين، وحفلتين عربيتين، وسهرة رمضانية يرجى أن تكون مفتوحة للجميع وستشكل مفاجأة سعيدة للطرابلسيين». البرنامج يعلن عنه بمجرد تأكيد مواعيده، فعمليا، لم تجر المصالحة الأولية ودخول الجيش بشكل جدي وحاسم بين المنطقتين المتحاربتين، أي جبل محسن وباب التبانة، إلا يوم 3 أبريل (نيسان)، ولم يكمل الإحساس بالهدوء شهره الأول. وبالتالي فإن الترتيبات تجري بالسرعة الممكنة، على أمل أن يكون كل شيء جاهزا بحلول شهر رمضان.

النبض الحيوي نفسه، هو الذي يسود في «جمعية العزم والسعادة»، حيث بدأ العمل لترتيب برنامج رمضاني فني، له طابع ديني، وستنظم حفلات طوال الشهر لم يعلن عنها بعد. «جمعية العزم والسعادة» التي تقيم نشاطاتها في «بيت الفن» و«مركز الصفدي الثقافي» بقيا طوال فترة المعارك يسعيان لاستقبال الفنانين والأدباء، ويقيمان الحفلات والأمسيات والمسرحيات والمحاضرات، في محاولة للتغلب على أجواء العنف والموت. «صحيح أن عدد الحضور كان قليلا»، يخبرنا مدير مركز الصفدي، رياض علم الدين، لكننا واصلنا عملنا، لا سيما في المناطق البعيدة نسبيا عن الاشتباكات.

«مركز الصفدي» كان قد حضر برنامجه لرمضان كما كل عام، مع فنانين في غالبيتهم محليين، لكنه الآن، وبعد تحسن الأوضاع الأمنية، في طور مراجعة البرنامج. علم الدين يشرح: «في المرحلة السابقة، لم يكن الفنانون المحترفون من خارج طرابلس أو من خارج لبنان، يقبلون دعوتنا. والآن أي اهتزاز أمني صغير يؤثر على عملنا. بات عندي قناعة أن طرابلس بحاجة لشيء واحد فقط هو الأمان. فمنذ استتب الأمن بات برنامجنا في المركز محجوزا بالكامل لشهرين. نضطر أحيانا لتنظيم نشاطين أو ثلاثة في اليوم الواحد. هناك تعطش لاستعادة الحياة لدى أهل المدينة، ونحن نود الاستجابة لهذه الرغبة، لهذا بدأنا بالسعي لتنظيم برنامج ترفيهي لرمضان على مستوى مختلف عن السنوات الماضية، حيث كانت الأوضاع تضطرنا للقبول بالممكن، لكننا كنا نرفض التوقف، التردد كان يأتي من شركائنا، أما نحن فالإدارة العليا كانت حريصة على أن نبقى موجودين».

شكلت المؤسسات الثقافية في المدينة، متنفسا حقيقيا طوال الأزمة، سرعة العودة بزخم، تأتت من المثابرة التي لم تكل.

ميرا التي تعمل بمبادرة فردية تامة، مثل «جمعية طرابلس السياحية» و«مؤسسة الصفدي»، وغيرهما من المؤسسات مثل «العزم والسعادة» كلها تنشط مؤمنة بأن الصيف يجب أن يكون مختلفا عما سبقه من مواسم سممها العنف. طرابلس تستعد لصيف واعد، حتى لو استثنيت من برامج وزارة السياحة حذرا، وتعد بأجواء رمضانية ذات نكهة خاصة.
 
http://www.aawsat.com/details.asp?section=54&article=772816&issueno=12959#.U33u4U2KDIU
 

الأربعاء، 21 مايو 2014

من كلام كونفوشيوس حكيم الصين الكبير


مقال سمير عطا الله في جريدة النهار بعنوان " النسبية والحمّص بطحينة.

أحبّ قراءة كتابات سمير عطا الله، وأتابع عموده اليوميّ في جريدة الشرق الأوسط.، ولكن مقال اليوم مميّز بالنسبة لي، وتحديدا بسبب عنوانه، إذ في العنوان " لقمة شهيّة" هي الحمّص بالطحينة.
المقال منشور في جريدة النهار العدد 21 أيار 2014 - السنة 81 - العدد 25388

أوائل الستينات كنا، الزميل عادل مالك وأنا، نذهب إلى دمشق لتغطية انقلاباتها المتلاحقة. وكنّا نقيم في فندق لائق وسط المدينة هو "فندق أمية"، كما سمّاه أصحابه اللبنانيون في تأدّب الغرباء، كما سمّى جرجي زيدان مجلته في مصر "الهلال"، امتناناً لرعاية المصريين وإلفتهم وتقبُّلهم سيطرة "الشوام" على دُور الصحافة والنشر.
كان في "فندق أمية" أفضل مطاعم المدينة. ولكن بعد فترة قررنا الخروج بحثاً عن طعام دمشقي حقيقي من الأنواع المحكي عن سحرها في اللُّعاب ونفختها في البطون. انما كيف نعثر على المطعم المنشود؟ وجدنا أمام الفندق شرطياً يوجّه حركة السير بملل واضح. فالمدينة تكاد تخلو من الحركة في أزمان الانقلابات. اقتربنا منه فترك مكانه ومشى نحونا باشّاً، إذ عثر على أول مَن يحاكيه تلك الظهيرة. قلت له بعد التحية والسلام والشكر على استتباب الأوضاع حتى الانقلاب التالي، إننا من بيروت ونبحث عن مطعم "شامي كوّيس".
خلع قبَّعته ومسَح عرَقه وابتسم مرحّباً. ها هو يُعطى مهمة إنسانية بعيداً من ملل الزمامير وسماع المارشات العسكرية. حكّ جبينه حكاً موسيقياً تقديراً لأهمية السؤال. تطلّع حوله إلى كل الجهات التي يوزّع عليها حركة السير، وأعاد القبعة إلى رأسه، ثم أشار إلى مطعم جانب الفندق هو جزء من مرأب أيضاً، وقال في انتصار ونشوة: "خيّو، بدكم أحسن من هيك مطعم".
عدنا إلى فندق أمية! كانت قد مضت عقود على عثور أينشتاين على نظرية النسبية. وهي لا تنفع فقط في الفيزياء لصنع الذرّة والطائرات التي تحمل 600 راكب مع كل ما يحتاجون إليه، بل تفيد خصوصاً في شرح بديهيات الحياة. بالنسبة إلى الشرطي كان أكوَس مطعم هو الذي يتناول فيه صحن الحمص قبالته. نجمتا "ميشلان" على الأقل. وكان على حق، فمنذ أن سجّل أينشتاين نظرية النسبية أوائل القرن الماضي، أصبح هذا العالم برمّته، كوكب النسبية.
وُلد ابني وابنتي في لندن، وذهبا إلى "ليسيه شارل ديغول". وعندما كانت ابنتي في الثامنة، سألتها، ماذا شرحت لكم المعلمة اليوم؟ فأجابت من غير أن تلتفت إليّ: النسبية، أو علم المقاييس. لماذا المقاييس؟ لأن العمل بها يُريحك. يجعلك تشعر أن الصحن الأكوس ليس عند "بوكوز" في ليون حيث لن تذهب أبداً إلاّ في القراءة، بل هو في هذا المطعم في النصف الآخر من المرأب، حيث يطيب الحمص على وَقْع مطارق الحديد على التنك. ولكن ثمة أمر آخر ضمن قانون النسبية هذا: الشرطي البلدي والميكانيكي وشريكه طاهي الحمص، أكثر هناء من جميع رواد "فندق أمية"، لأنهم غير معنيين إطلاقاً بمن تحمل الدبابة الآتية أو الذاهبة. أكْوَس صحن حمص في العالم.
أكرر العودة إلى أيار 1968 في مناسبات كثيرة لأنه كان مفترقاً لتحوّلات كثيرة. هذه المرة تفقّدت الفندق الذي كنت أنزل فيه ليلة 10 أيار فوجدته قطعة من الصين. حياً من أحياء شانغهاي يوم ذهب إليها جان كوكتو (1956) ووجدها غارقة في الأفيون وعائمة عليه. الصين في كل مكان. تركتها ورائي في نيويورك ووجدتها أمامي في الحي اللاتيني الذي منه أذنَ لنهاية عصر الجبابرة.
يومها حفرت النسبية باللغة الهيروغليفية المصوّرة بداية العصر العادي والناس العاديين. أنزل ذلك العقد صوَر نهرو، وعبد الناصر، وكينيدي، وديغول، وشو إن لاي، وخروشوف، وأديناور. وبعد عقدين، سوف يصبح المتظاهر ليونيل جوسبان رئيس وزراء فرنسا، والمتظاهر غيرهارد شرودر مستشار ألمانيا. حلّ العاديون في جميع الأمكنة. سُمّي "جيل 68". جون ميجور في 10 داوننغ ستريت باسم المحافظين، ووزيرة الصحة إدوينا كاري تؤلّف الروايات الجنسية وتنافسها رئيسة البرلمان الفنلندي. ولن تعود فنلندا، جارة السوفيات، علامة من علامات الحرب الباردة وبدايات زوالها (اتفاقات 1974) بل سوف تصبح علامة العصر العلمي، بيت "نوكيا" وليس مزرعة الايائل واللحوم الجافة.
طفقَت الناس تُبعد الجبابرة وتُغنّي للصغار. إليزابيت الثانية تعلّق الأوشحة لفرقة البيتلز إقراراً بأن العصر الإمبراطوري انطوى. في تلك الرحلة البحرية إلى الصين التقى جان كوكتو على السفينة شارلي شابلن. تخيّل الحوار الذي دار. تخيّل كيف جلس أحدهما في حَضرة الآخر.
تبحر السفن عادية اليوم في كل الاتجاهات. لا جبابرة في أعالي البحار. لا أندريه مالرو يكتب عن الصين ويُوصي ريتشارد نيكسون (قبل أن يصير رئيساً) بالذهاب إلى بكين. ولا سارتر في المقاهي. ولا جولييت غريكو بعينيها الجارحتين مثل العتم وشعرها الأسود مثل كهف. لا أحد تقريباً. جيل 68 لا علامات فارقة له. تتطلّع أمامك فتجد أن أكْوَس صحن حمص هو في الشقّ الآخر من المرأب.
تطلّعت بربارة بوش في أميركا العادية ورأت أن ابنها الثاني "جب" ينافس هيلاري كلينتون على الرئاسة، فقالت: ما هذا؟ ماذا حدث؟ هل هذه هي أميركا، ليس فيها سوى عائلتين تقدّمان مرشحي الرئاسة؟ إيه ستي، ضحكي بعِبِّك. شو بدِّك أكْوَس؟ عائلتان مو منيح؟
العصور، مثل الأفراد، لا تدوم. صين الأفيون التي ألغاها ماو بكلفة عامة من نحو 90 مليون قتيل، هي الآن الاقتصاد الأول في العالم. ترفع تعاليم ماركس وتطبّق نظريات فريدمان. تُبقي صورة ماو كبيرة في ساحة تيان آن مين، لعل الناس تتذكّر الفارق بين كتابه الأحمر ومجاعاته الكبرى وثورات ثقافة القبور، ومستويات الحياة التي وصلت إليها اليوم. على مساحة 700 كلم مربع أقام الصيني لي كوان يو ما هو في عالم النسبة أعظم اقتصاد في العالم. يوم وصل كوكتو إلى سنغافورة قال إنها أدغال ُيصار الى ترويضها بصعوبة. يومها كان يوصف لبنان بأنه سويسرا الشرق، وبيروت بأنها باريسه. مرحبا بالأدغال التي لا تروّض. التقهقرالمحروس بعناية.
كان هذا البلد كاتدرائية من الأسماء: رياض الصلح. تقي الدين الصلح. عبدالله العلايلي. صائب سلام. كمال جنبلاط. موسى الصدر. غسان تويني. بولس بطرس المعوشي، الذي لقبه الموارنة "محمد". بنى رجال لبنان عصر النهضة هنا، وفي مصر مروراً بسوريا فارس الخوري، من الأروام والكاثوليك، وصولاً إلى أمين معلوف في فرنسا وديفيد معلوف في أوستراليا وأفلاطون حاطوم في البرازيل.
المسألة كلها في النسبية، أو المقياس، أو التناسب إذا شئت الابتعاد – مثلي – عن تعقيدات الفيزياء. يتوقّف كل شيء على نوع وطبيعة وصيغة الوطن الذي تطمح إليه. ذلك يفترض أنك تفكّر في مقياس مُعيّن من الرجال. عندما أكثرَ محبّو فؤاد شهاب من مقارنته بالجنرال ديغول، استدعى، بوَرَعه وتعفُّفه وتواضعه، مسؤولي الإعلام وقال لهم، هؤلاء الطيبو القلوب سوف يخربون بيتي: "ديغول على شو؟ على الحرب العالمية الأولى أم الثانية؟ هدّوا الشباب شوي. تا يصير الواحد ديغول بدو فرنسا".
لو ظلّ بونابرت في كورسيكا لما عرفنا عنه شيئاً ولكان أقصى ما فعله تغيير قانون البلدية في الجزيرة. كل ما تحتاج اليه في الدول الصغيرة هو شيء من التواضع. في هذا الباب الشديد الرفعة، كان الياس سركيس قديساً طوباوياً. وبتطبيق قانون النسبية ومعادلته يمكن إعلانه شربل عنايا السياسة. ثم إنه – إضافة إلى القانون – لكي تكون متواضعاً إلى هذا العمق، يجب أن تُولد في مزود. وإلاَّ، يا ساتر. سوف تقضي العمر راكضاً على السلالم. وهي متحركة، مرة إلى فوق، مرة دركبة.
لا حقيقة في الكبرياء والعجرفة وسباق الأرانب. سعادة الأمم والرجال والشعوب أن تعرف أحجامها وتدرس قانون التناسب في الثامنة من العمر، لأن ذلك سوف يفيدها في العقود التالية. كان سعيد عقل يبدو عبقرياً في شِعره وفي نثره وفي فكره، إلى أن يكتب متسائلاً كيف يجوز أن يسبقنا الروس إلى كوكب الزهرة: "متى نحن هنا نشدّ الركاب إلى زُحل".
زُحل من زحلة، أو العكس. يفقد وِقاره من يفقد معياره. كنا في القُرى لا نملك ثمن لعبة فنتخيّل العصا فرساً. وكان ذلك قبل وقت من قراءة دون كيشوت وحصانه الهزيل "روكينانتي". غير أن مخيّلات الكبار مؤذية مثل خيلائهم. الطفولة حُلم أما الكهولة فمسؤولية لا تتحمّل الألعاب وكَسْر المزاهر في الفشل والغضب.
تذكير: نحن في العصر العادي. الجبابرة فيه ذوو عقول مثل بيل غيتس. ذوو خوارق مثل لي كوان يو ووزير التخطيط الصيني الذي ليس له اسم. مثل الأم تيريزا لا مثل نابوليون. مثل فرنسيس بثوبه الأبيض وتواضعه الناصع. مثل برنامج أوباما الصحي. مثل تبرّعات وورن بافيت. هؤلاء لهم الجنَّتان ولا مرور في المطهر الذي سخر منه فرنسيس: هل يُعقل أن يبخل الله برحمته كي ينشئ مطهراً قبل الوصول إلى الجنَّة؟ أليست هي وعده؟

http://newspaper.annahar.com/article/135164-النسبية-والحمص-بطحينة
 

الاثنين، 19 مايو 2014

جريمة شرف


1.   تخيّلْ حالة إنسان يخاف أن يتخيّل!

2.   الفراغ حلبة مصارعة.

3.   المفردة الواحدة لها دلالات متعددة، منها كلمة " تنصيب" كمثال.
لا تخلو لغة من حذر.
وتعدد الدلالة هو بمثابة مداخل كثيرة الى البيت الواحد!

4.   كم من فكرة جميلة تتحوّل عند التطبيق إلى مسخ!

5.   الدنيا جنّة المؤمن.
أليست المزرعة جنّة؟

6.   قال لي ذات يوم فلاّح حصيف: لزبل البقر ثلاث عشرة فائدة.
هذا طبعا دون فوائد البقر.

7.   هناك كلمات ترتكب جرائم وهي كلمات راقية.
في اللغة العربية عبارة " جريمة شرف".
كم جريمة ارتكبت هذه العبارة الجزّارة؟

8.   بروح رياضية
المونديال على الأبواب، والحماوة الكرويّة ستستعر، والحماس يسن أسنانه، والأعلام بدأت ترفرف برأسها من شبابيك السيّارات والشرفات، رزقة موسمية مع كلّ مونديال.
قلت لصديق ألمانيّ حتّى العظم كرويّاً، هل بإمكانك أن تتخيّل نفسك مع البرازيل.
قال : مستحيل. يشعر بعجز خياليّ لا يتصوّر انه يمكنه أن يتصوّر أن يكون مع البرازيل.
قال لي: وأنت مع من؟
قلت له: مع الطابة التي تتقن اللعب اياً كان القاذف. وهذا يمنحني فرصة إبقاء أعصابي باردة في مهبّ اللهيب الكرويّ.

9.   حبّ البَصْبَصَة وراء نجاح البرامج المعروفة باسم " تلفزيون الواقع".

 

فول باللبن من مطعم الدنّون


العين خدّاعة كما الألوان.
قد يقول من يرى الصورة انه يرى صحنَي فول بالحامض والطحينة.
الألفة، العادة تدفعان بنا الى ارتكاب هفوات. فالمعتاد، مثلا ، في طرابلس أن يؤكل الفول مع الحامض والطحينة، وان كان البعض لا يعرف ان هذا الطبق من مألوف الطعام ...
في طرابلس.
اللون الأبيض هنا يشير الى الفول بالطحينة. ولكن الطبق المرئيّ لا يتضمّن طحينة ولا حامضاً.
انه ، بكلّ بساطة ، فول باللبن.
وهو طبقٌ يرغبه السوريّون تحديدا، ويتسرّب قليلا قليلا الى مذاق اللبنانيين.
والمعروف انّ المذاقات تحب التجوال وتبديل أماكن سكناها!

مرّن دماغك

تمرين لغوي وعقلي
تمرين، عمليا، بسيط، ولكنّه يتطلّب التخلّي مؤقتا عن كل قناعاتك. والتدرّب على أن تكون غيرك.
فلنفترض أنّك مع التيّار العونيّ، وانّك من عشّاق البرتقال والجنرال. ولكن عليك ان تتخلّى عن حبّك للتيّار العونيّ وتتخيّل نفسك مع القوّات اللبنانيّة وتعشق كلّ خطوة يخطوها جعجع، وتتمنّى من كلّ قلبك ، خيالياً، وصول جعجع الى سدّة الرئاسة، وتقوم ، فعلا لا مجازا، في كتابة مقال تتخيّل فيه الخيرات التي ستهبط على لبنان من جرّاء تطبيق الأفكار الجعجعيّة.
ولكن اذا كنت من مؤيدي جعجع فعلا فعليك ان تتخيل انك ضدّه للعظم، وانك لا تطيق ان يأتي أحد على سيرته امام أذنيك، وتبدأ بسرد انجازات عون وعبقريته في اجتراح السلم الأهليّ والازدهار الاقتصادي.
وقد تكون مع حسن نصر الله، ولكن تتخيّل انك ضدّه، وان سعد الحريري هو من يمثلّك خير تمثيل. فماذا تقول عن حسن نصر الله حين تتخلّى عن تأييدك المطلق له ، مؤقتا؟
اعرف ان البعض لا يخطر بباله ان يكون ولو بالخيال ضدّ ما هو عليه وضدّ من هو معه. يخاف ان يمسّ شعرة من قناعاته، يمارس الوفاء حتّى الثمالة.  ولكن ما اقوله انما هو لصالح الجميع انه أشبه ما يكون بتزييت موتور " مكربج".
يقال ان خلف الأحمر استعمل هذه التقنية مع " أبي نؤاس" قبل أن يمنحه اجازته الشعرية.
ويمكن الاستمرار بهذه اللعبة اللغوية والدماغية بشكل عابر للأقطار العربية. كأن يكون من مؤيدي مرسي ويحبّ خطّه السياسيّ ولكن ينتفض خياليا على قناعاته ويقوم بتمثيل دور آخر، ويقوم بتدبيج مقال عن السيسي وتبرير فعلته وضرورة ما قام به .
وكما يرى الصديق العزيز انها لعبة شيّقة ولكنها شاقّة على البعض. وأجمل ما فيها ان يقدم عليها ويقتحم اسوارها من يجدها من الاشغال الشاقة بل من التصوّرات المستحيلة.
ما أعرفه هو ان الخيال لا يعرف المستحيل، فالمستحيل مفردة ، في نظر الخيال، في متناول اليد!

السياسة الصينية

سلوك الصين السياسيّ يثير الحيرة، وليس ذلك بمستغرب. فطريقتها في ممارسة السياسة لا تختلف كثيرا عن طبيعة لغتها.
ولغتها تثير حيرة العيون .
اذ انها بخلاف اللغات الالفبائية فهي لا تكتب الصوت وانما تكتب المعنى.
نحن في كتاباتنا الالفبائية نكتب جسد الكلمة بينما هم يكتبون روح الكلمة اقصد معناها.
والمعنى مرن ، طيّع .

مسخ اسم آية

مسخ آية
درجنا في بلادنا العربية الميمونة في صنع آرمات المحلاّت بالأجنبي، سواء كانت الماركة عربية او أجنبية.
الحرف اللاتيني جذّاب، ساحر، يلعب بالأقدار والعيون والعقول.
ولكن الحرف اللاتيني حتّى يصير مقبولا لا بدّ من تعديله، فالحرف اللاتيني الفرنسي غير اللاتيني الاسباني وغير اللاتيني الألماني وغير اللاتيني التركيّ  وغير اللاتيني الصيني ( بين يين).
استوقفتي محلّ اسمه ( آية) بالعربيّ، ولكن اسمه اللاتيني هو " آيا"، احب صاحب المحلّ ان يلعب بالحرف اللاتينيّ من الناحية الجمالية وهذا حقّه الطبيعيّ، فالخطاط كالشاعر هناك ضرورات خطية كما هناك ضرورات شعرية.
اسمه بالحرف اللاتيني هو AYA
كلمة آية من الكلمات القرآنية ذات الطابع المقدس ( فالسورة القرآنية تحسب بعدد الآيات) لكنها تشرشحت ( صوتيّا) على أفواه الناس، وصارت تلفظ كما تكتب بالحرف اللاتيني اي مفخمة . تفخيم لحرف الألف وتفخيم لحرف الياء.
وهو تفخيم يخالف طبيعة الألف في هذا المقام وكذلك يخالف طبيعة حرف الياء الصوتية.
ما أعرفه هو أن الغرب في الفترة الاستعمارية للبلاد العربية، الاستعمار المباشر، لأننا لا نزال عمليا نعيش في ظلّ الاستعمار الحارق وغير المباشر.
لقد انفقت بريطانيا وفرنسا ما يعادل ملايين الدولارات لإقناع العرب بالتخلي عن  حرفهم على غرار ما فعلت تركيا وقاوموا، ولكننا الآن نقدّم لهم خدمة مجّانية باستعمال الحرف اللاتيني في الطالع والنازل.
الحرف ليس الا بشرة اللغة ونحن نفرح بسلخ بشرتنا من دون احساس بالألم.
فما لجرح، كما قال المتنبي، بميّت آلام!

السبت، 17 مايو 2014

آداب السلوك على الانترنت

طريقة ولادة الكلمات لا تخلو من طرافة، وأشكال الكلمات كأشكال الناس. لا أحد يمكنه أن يحدّد مصائر الكلمات. ولكلّ لغة طريقة في توليد الكلمات. كلمة" المولّد" كلمة تنتمي الى العصر العبّاسي وتعني في علم اللغة المفردات العربية التي كان لها معنى من المعاني ولكن شاءت الأقدار أن تمنحها معنى جديدا. ولا يمكن لأحد أن يغلق الباب على معاني الكلمات. أو يصدّ معنى وافدا بحجّة أنه يخالف القياس، او يخالف العادات اللغوية لهذه اللغة أو تلك. لا معنى نهائيا لكلمة، اللفظ رحم، والجذر في العربية بمثابة رحم. وتعجبني الفرنسية التي أعطت معادلا لغويا للجذر العربي وهو " matrice " التي تعني الرحم. والرحم اللغوي مخصاب ومنجاب ، وثمة فارق جرهري بين رحم اللغة ورحم المرأة وهو ان رحم اللغة لا يعرف " سنّ اليأس"، ولا يتوقّف عن الانجاب الى ما شاء الله.
وأنتقل الى ناحية لغوية تدخل في حيّر آداب السلوك.
اختارت الفرنسية لآداب السلوك كلمة " étiquette" ولكن جاء الانترنت فزعزع كيانها ولعب بها. واللغة لا تزعل ممّن يلعب بها لعبا بنّاء، ويمدّها بقدرات جديدة، ويؤمن لها مستقبلا واعدا!
لكلّ شيء في الحياة آداب سلوك حتّى ما يسمّى بـ"بيت الأدب"! له آداب سلوك.
والانترنت الوافد الجديد لها آداب سلوك وأرادت الفرنسية أن تضع كلمة لهذا المعنى الطارىء، فجاءت الى كلمة internet  التي تقلّ حجمها لفرط الاستعمال كما حال السينماتوغرافيا التي صارت سينما ثم استمرّ تقليص الحجم الى ان صار سينيه  ciné. وأخذت منها المقطع الاخير net، وسبحان مغيّر مراتب المقاطع، لقد تحوذل بسحر ساحر الى المقطع الاوّل في الكلمة الفرنسية الجديدة وهي nétiquette.
ولكن من يتأمّل الكلمة الجديدة يعرف انها لم تأخذ من " net"  الا حرف n  فاللغة لا تحبّ التبذير دائما، ووضعت هذه ال n   في اوّل étiquette. وشهدت الفرنسية ولادة مفردة جديدة استعانت بحرف انكليزيّ لتتم الولادة على خير. فالحرف الاوّل فرنسيّ أبا عن جدّ ولكن في العمق حرف انكليزي ابا عن جدّ.
وصار لكلمة netiquette حياة جديدة لا أحد يعرف ما كتب الله لها من العمر!
البعض لا تعجبه هذه الكلمات وشبيهات لها من حيث التركيب والتاريخ ويعتبرها دخيلة، وهجينة ويرفض تزويدها بهوية ويأبى اعطاءها جنسيّة تخوّلها الدخول الى اراضي المعجم .
كثرة الحرّاس على باب اللغة كثرة قاتلة.
ومسألة الخطأ والصواب مسألة اعتباطية. هذا ما يقوله مسار اي لغة ومن جملتها اللغة العربية.
ما عدد الكلمات الخطأ التي يحضنها بمحبّة " لسان العرب"؟
للصواب وجهة نظر تغاير احيانا وجهة نظر اهل الصواب!

#لغة
#nétiquette

الجمعة، 16 مايو 2014

كريستوف كولومبوس والتبولة اللبنانية


1.  - متى تنتهي صلاحية 14 و 8؟
- حين يستيقظ المواطن اللبناني.

2.  ينتقد دكتاتورا ولكنه يتمترس خلف دكتاتور!

3.  الكلام المعسول كلام مغسول.
والكلام كلّما انغسل اتّسخ!

4.  تفقيس الجامعات الخاصّة في لبنان ظاهرة غير صحّيّة.
الجامعات ليست خوجايات يا خواجات!

5.  لولا كريستوف كولومبوس ما كان في تبّولة!

6.  المجهول كنزٌ لا يقدّر بثمن.

7.  حين يكون لكلّ زعيم جامعة
فعلى العلم السلام!

8.  مثل صيني:
عليك، لتتفوّق على أستاذك، أنّ تكفّ عن اتّباع آثار قدميه.

9.  الفكرة كالروح لا قيمة لها الاّ حين تندمج في جسد.
فكرة لا تتجسّد ليست فكرة، فالروح بلا جسد حالة افتراضيّة.
والجسد بلا روح ليس جسدا، انه جثّة ! أو مومياء أو رفات.

10.                   فرق كبير بين انسان حياته فعل، وآخر حياته ردّ فعل.

11.                   لسان حال لاعب كاندي كراش ساغا:
الى كاندي كراش ساغا أثابني وأثابكم الله.

12.                   قال لي: لا أحبّ اللون الأسود.
قلت له: ولكنّك تحبّ الحجر الأسود.

13.                   " Gourmets" تعني الذواقة، محبّ الطعام( محبّ الطعام ليس بالضرورة " بحبّ بطنو"!
قلت لماذا لا اقول عن محبّ الكلام، ومتذوق الفنّ اللغويّ انه "
Gourmots"?

14.                   الطالب الجامعيّ الذي يكتفي بالمقررات طالب غير جامعيّ.
وهو لا ينتبه الى أنّه يرتكب جريمة بحقّ العلم وحقّ وطنه وحقّ نفسه.
المقررات وحدها لا تنتج علماء.
تنتج شهادات زور.
والله أعلم!

15.                   التوفير، أحياناً، تبذير.
والتبذير، أحيانا، توفير!

عبارتي ليست أكثر من تلوين لقول مأثور:
الغالي رخيص.
المشكلة ان ثمة اناسا لا يدركون رخص الغالي، وغلاوة الرخيص!