الخميس، 7 ديسمبر 2017

كلمتي في الندوة حول " الكتابة على جلدة الرأس"، مع الشكر لكل الذين كَبُرْتُ بحضورهم.

أشكر مركز الثقافة في الفيحاء، وعنيت مركز الصفدي، الذي يؤدّي دور الرافعة الثقافيّة على تنوّع تجلّياتها ومجالاتها من مسرح، وسينما، وموسيقى، وغناء، وتعليم لغات، ومكتبة عامّة دائمة التجدّد، وندوات متعدّدة المنازع، ومنها ندوتي هذه. والشكر لمديرة المركز الدكتورة نادين العلي
وأشكر الناشر الصديق ناصر جرّوس ويدَه اليمنى والميمونة الأخت العزيزة رندة جرّوس.
وأشكر أيضاً الصديق الذي عمل في الكواليس الصفديّة وقصدت الدكتور مصطفى حلوة.
أشكر رفيق الرحلات البيروتية الكثيرة الدكتور والصديق جان جبّور الذي منحني ومنح كتابي شيئاً من وقته، فأمتعني بحضوره وكلمته، كما أمتعكم بحضوره وكلمته.
وأشكر الصديق ، صديق الدراسة وصديق التدريس وصديق ما بينهما، الدكتور يوسف عيد الذي ألقى نظرته الماهرة في الشعر والنقد والرسم فرسم صورة ملونة بالكلمات عن كتابي.
وأشكر الصديقة الدكتورة ديما حمدان التي أطلّت من عالمها الرقميّ إلى كتابي، وأنا من المؤمنين بالصلة الروحيّة التي تربط بين العالم الورقيّ والعالم الرقميّ، وهي صلة يخشاها البعض، ولكني أعرف أنّ الأدب صدره رحب، ويعرف كيف يبني علاقة حميمة مع العالم الرقميّ، وإن كان العالم الرقميّ يتعامل مع الضوء، حيث ورقته هي شاشة تستعين بالضوء، فإنّ الحرف العربيّ حرف ضوئيّ بامتياز، وليس هذا الكلام من عندي، فالعرب القدامى قسموا الحروف العربية بطريقة جميلة جدّا، طريقة شاعرية ونورانيّة، فالحرف العربي حرفان: حرف شمسيّ وحرف قمريّ. من هنا، لا أستبعد مقدرة الحرف العريي على بناء علاقة حميمة مع العالم الرقمي أو الضوئيّ. فالحرف العربيّ والعالم الرقميّ من جبلّة ضوئيّة واحدة!
وأشكر الصديق مايز الأدهميّ رئيس تحرير جريدة الإنشاء التي كانت تستقبل كلماتي بالأهلا والسهلا.
وأشكر كلّ الإعلاميين الذين يواكبون بأقلامهم وعدسات كاميراتهم هذه الندوة.
كما أرحّب بكلّ الذين حضروا من أصدقاء وزملاء وطلاّب أعزاء ومهتّمين بالشأن الثقافيّ في الفيحاء.
أشكركم من القلب، وآمل أن لا تخرجوا من هذه الأمسيّة بخفيّ حنين!
وأشكر كلّ من اختلس من وقته وقتا لمشاركتنا حفل اطلاق كتابي الثاني " الكتابة على جلدة الرأس".
وبعد،
أحبّ اللغة العربيّة، ولأنّي أحبّها، أحببت كرمى لعينيها كلّ اللغات. ومن باب اللغة العربية دخلت إلى عالم اللغة الرحيب والفاتن، وما قرأت عن لغة من اللغات إلاّ وكانت عيني على اللغة العربيّة. تعلّم لغات الآخرين ضرورة تكاد أن تكون فرض عين لا فرض كفاية، ولكن ليس على حساب اللغة الأمّ. ولأنّي على يقين بأنّ الإنسان لا يمكنه أن يعرف نفسه إلاّ من خلال معرفته للآخرين. ولنا في العين أسوة حسنة، العين تريك أشياء كثيرة ولكنها تعجز عن أن تريك نفسها إلاّ عبر الآخر، وقد يكون هذا الآخر مرآة، وقد يكون بؤبؤ عين الآخر.
ومن هنا كان اهتمامي بلغات الآخرين، واحترامي لكلّ اللغات، فاللغات كأسنان المشط، ولكن لتوضيح علاقتي مع لغات الآخرين أستعين بنقطتين:
- النقطة الأولى هي عنوان كتاب لناقد عربيّ بديع ومبدع من المغرب أعتبر مؤلّفاته كلَّها بمثابة أساتذة أجلاء لي، وهو عبد الفتاح كيليطو، والعنوان: أتكلّم جميع اللغات لكن بالعربية.
- النقطة الثانية آخذها من ملعب مدرسة صينيّة يدرس طلاّبها اللغة الإنكليزيّة: سأل أحد الصحفيين ، ذات يوم، تلميذا صينيّاً السؤال التالي: لماذا تدرس اللغة الإنكليزيّة؟ كان جواب الطفل الصينيّ غريباً على سمعي. وأظنّ أنّه سيكون، أيضاً، غريباً وغير متوقّع، ( واللامتوقّع ، فيما يبدو، رفيق درب المرء إلى الثقافة الصينيّة) قلت سيكون، أيضاً، غريباً على سمعكم فيما أظنّ. أجاب الطالب الصينيّ : أتعلّم اللغة الإنكليزيّة لأنّني أحبّ اللغة الصينيّة. تعلّم لغات الآخرين - في نظر الصينيّ - تعلّم يخدم قضيّة وطنيّة. قلت بيني وبين نفسي: ما عدد الذين يفكرون هذا التفكير الطريف في عالمنا العربيّ؟
ولا أظنّ أنّ جواب الصينيّ الصغير يغاير عنوان كتاب عبد الفتاح كيليطو.
من هنا يجد قارىء الكتاب استشهاداتي من لغات غير عربية، فقد يكون الشاهد من لغة صينية أو عبرية أو تركية أو كوريّة أو إيرانية أو يابانية أو ألمانيّة أو إنكليزيّة أو عربيزيّة . كلّ شاهد يساعد في توضيح فكرة لغوية تدعَم أو أظنّ أنّها تدعَم اللغة العربية أعتبره حليفاً حصيفاً للغة العربية.
وبما أنّ اللغة بوجهين، ولست أقصد هنا بالطبع المعنى السلبيّ الشائع للوجهين، ولكنّ هذه هي طبيعة اللغة الحضارية، والعربية لغة حضاريّة بامتياز رغم كلّ ما هي عليه اليوم من وهن نسمعه أو نراه. وقصدت بالوجهين : الوجه المنطوق والوجه المكتوب. وذهب اهتمامي إلى المنطوق والمكتوب معاً. وهذا ما نراه في مقالي الذي يحمل توصيفا لواقع لغويّ لا يمكن نكرانه تحت عنوان " الحرف العربيّ الجريح"، كما تناولت ظاهرة الكتابة بلغة النت والتي سمّيتها أيضاً بالـ " الكرشونيّ المودرن" . ونحن نعرف أن لا وجود للغة كرشونيّة كما لا وجود للغة النت، وهو تعبير شاع استخدامه على الألسنة، لأنّ تغيير الحرف لا يعني تغيير اللغة، فانتقال التركية من الحرف العربيّ إلى الحرف اللاتينيّ لم يكن انتقالاً من اللغة التركية الى لغة أخرى، وإن كان انتقالا من ايديولوجيا إلى أخرى. وهنا يكمُن الخطر. اللعب بالحرف هو لعب بما هو غير لغويّ، لعبٌ ايديولوجيّ وفكريّ وحضاريّ، وهذا ما تناولته في مقالي "العصر الذهبيّ للحرف اللاتيني". فالحرف اللاتينيّ ، اليوم، قدر مكتوب على الأصابع والعيون! ولا يعني هذا الاعتراف الاستسلام له بقدر ما يعني الاستعانة به على طريقة ذلك الطالب الصينيّ.
كما كنت أتساءل: أين مكمن صعوبة اللغة العربيّة، وكيف ننقذ شفتي الطفل من الأخطاء في القراءة ؟ فكان مقالي " درّاجة اللغة" وطرحت فيه فكرة استلهام طريقة تعليم اللغة العربية من طريقة تعلّم الطفل ركوب الدرّاجة الهوائيّة. فالطفل يتدرّج في تعلّم ركوب الدرّاجة ، والدرّاجة نفسها تتغيّر من دراجة ذات أربعة دواليب إلى دراجة ذات دولابين، والدولابان اللذان تنتهي مهمتهما هما الدولابان الموجودان على طرفيّ الدولاب الورّانيّ أو الخلفيّ، فاعتبرتهما بمثابة الحركات الإعرابيّة التي تتوارى عن الأنظار في أغلب الكتابات العربيّة.
اللغة لا مفرّ منها حتّى في الأمور التي لا علاقة لها باللغة، حتّى الرياضيات تتداعى وتتفكّك في حال أدارت ظهرها للغة، وإن كان في الحدّ الأدنى. من هنا قلت: على اللغة أن تفتح قلبها وأبوابها لكلّ العلوم وهذا ما قلته في مقال " النحو وصلاة السهو" ، ومقال " البيولوجيا والحكاية" .
اللغة السليمة، المعافاة، هي اللغة التي لا تؤمن بالتمييز العنصريّ بين عناصر وجودها.
أكتفي بهذا القدر، وأرجو أن تمتعكم قراءة " الكتابة على جلدة الرأس" كما أمتعتني كتابته.

وكلّ كتاب وأنتم بخير.

الكلمة التي ألقتها الدكتورة #ديما_حمدان حول #الكتابة_على_جلدة_الرأس. فالشكر لها.


ابدأ كلمتي بعبارة أوردها الدكتور #بلال_عبد_الهادي في إحدى مقالات الكتاب ، وهي قد تلخص الرسالة الأساسية من كتابه " الكتابة على جلدة الرأس"، يقول فيها :
" ..حبّي للعربية، وإيماني بأن سرّ نهوض الأمم يكمن في اللغة، دفعاني الى القراءة عن اللغة الصينية واللغة اليابانية والعبرية لمعرفة كيف عالجت هذه الشعوب مشاكلها اللغوية.؟"
فالكتاب بعنوانه اللافت والجاذب يتمحور بشكل رئيسي حول اللغة وتجلياتها العميقة في حياة الانسان وحضارة الامم. فاللغة هي سرّ أساسي في نهضة الأمم بل لا نهوض دون الوعي اللغوي. فالنمو الاقتصادي في الصين تزامن مع نمو اللغة الصينية. وألمانيا كما ورد في مقال " العرب والانتحار اللغوي " ترفض منح شهادة نجاح لطالب ضعيف في اللغة الألمانية وإن تفوق في كل مواد الإمتحانات الأخرى. فاللغة الالمانية هي التعبير عن الفكر الالماني المستقل. وللغاية ذاتها، ترفض اندونيسيا إعطاء إقامة لمقيم لا يتقن لغتها واهتم الصهاينه باللغة واعتبروا قضية اللغة أهم من قضية الارض فركزوا جهودههم على تطوير مناهج تعليم اللغات للمحافظة على اللغة العبرية. ]من هنا أيضا"، أتى طرح اليابان والصين لفكرة استخدام الحروف اللاتينية مكان الكتابة التصويرية والرموز الصينية في فترات الاحباط والاحتلال الغربي في سبيل اعادة التهضة للبلاد[.
ولإبراز قدرة االلغة الهائلة على إحداث نقلة حضارية وقفزات فكرية علمية وثقافية لشعوبها، تعمق الكاتب في البحث عن العلاقات بين العلوم وعلى الأخص بين اللغة العربية وباقي العلوم. وقد استند في ذلك على كم هائل من الدراسات والقراءت والمصادر المتنوعة في مختلف مجالات العلوم والمعارف الإتسانية. فتنوعت مقالات الكتاب الخمسين تنوعا" مثيرا" متناولة العلاقة بين اللغة وعلم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة والأديان وغيرها من العلوم.
شغف الكاتب باللغة ظهر جليا" في قرائته لكل الأشياء من حوله من خلال منظور اللغة. فبدءا" من مقالته الأولى "الكتابة على جلدة الرأس" وحتى مقالته الأخيرة "خلاف على الغلاف"، يصطحبنا الكاتب في رحلة لغوية غنية بالصور والتشابيه الطريفة الزاخرة بالخيال والتي لا تخطر ببال. ]ويكون بذلك قد أتقن تطبيق المقولة الصينية المؤمن بها "أن هناك شبه بين شيئين مختلفين مهما اختلفا في الطبيعة"[. فيرى اللغة تشبه الإنسان في عبورها لمراحل الأزمات والإنفراجات التي يمر بها في حياته. كما يعتبر اللغة استاذا" وبإمكاننا ان نتعلم منها ما نريد من حكمة ومعرفة وحلول ومشاكل...
بوعي العالم والعارف بالعديد من لغات وحضارات الأمم، تكلم الكاتب بأسف عن مشاكل اللغة العربية ودعا الى تنقيتها من اي تشويه او انحدار. فاللغة العربية جريحة وكذلك المواطن العربي، إحدى هذه الجراح "لغة النت" وتفاخر العرب بتطيعم لغة الضاد بكلمات اللغات الغربية و التفنن باستخدام الحرف الغربي في بطاقات التعريف واللافتات التي تملأ الطرقات. ولغة الاعلام هي لغة عنف بإمتياز. أما النحت اللغوي فهو باب مهمل يجرد اللغة من الطبيعة الاشتقاقية. والمعجم العربي (التاريخي) الذي من شأنه حفظ أمن اللغة لا يلقى الإهتمام اللازم لتأليفه أو إنهائه.
و للئم جراح اللغة، حث الدكتور بلال على الاهتمام بها وإغنائها وتطويرها والقضاء على الكسل العربي، والاستفادة من وسائل التكنولوجيا في مجال ادارة وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وتأليف معجم تاريخي معاصر. كما دعا الى تسويق اللغة من خلال الفن وتطوير مناهج تعليم اللغة القائمة على التدرج وتفجير طاقة المصممين العرب بتوليد خطوط عربية جديدة والأهم من كل ما سبق العمل على استعادة ثقة العربي بلغته..
إذا" الكثير من المسائل اللغوية تناولها الكتاب بعمق جديد وبأسلوب جديد. فأسلوب الكاتب أسلوب متحرر متحولة في الشكل واللون والمنطق كما يرى الصينيون اللغة. البساطة طاغية في انتقائه لمفردات انسيابية وفي نقله لحوارات عفوية مع الناس. وعنصرا التشويق والمتعة حاضران بقوة من خلال سرد العديد من القصص والحكايات من مخنلف الحضارات.

وأخيرا" أقول، كقارئة متخصصة في علوم الكمبيوتر، استمتعت وارتقيت بقراءة "الكتابة على جلدة الرأس" . ففد اوقد بي شعلة الوعي اللغوي والحماسة للغة العربية وأغنى فكري وذاكرتي بكم هائل ومتنوع من المعارف والحكم والقيم وأثرى مخيلتي بالرؤى والصور البهية والمشاهد البانورامية لعالم اللغة. وأدعو كل محب للغة العربية أن يضيء مكتبته بنور "الكتابة جلدة على الرأس".

أشكر الدكتور الصديق #جان_جبّور على كلمته حول #الكتابة_على_جلدة_الرأس. التي ألقاها في ندوة التوقيع. له تحياتي القلبية


"الكتابة على جلدة الرأس" لبلال عبد الهادي :
التفتيش عن الكنوز المخفية

د. جان جبور

كان قد سبق لي وقرأت هذه المقالات متفرقة، إلا أن الشعور لدى قراءتها مجموعةً ضمن دفتي كتاب هو شعور مغاير تماماً. فأنت تدخل في بستان كثيرِ الأزهار، وفيرِ الثمار، فتحتار أياً هو الأجمل أو الأفضل أو الأنفع، أهي الطرفة النادرة، أم المعلومة الظريفة، أم التفسير غير المتوقّع، أم الربط غير المألوف بين عناصر تبدو في ظاهرها متنافرة ؟ كل ذلك يُضفي على الكتاب طابع الجِدّة والفرادة والمتعة. لكن الأهمّ من كل ذلك، هو أن قراءة الكتاب أزالت من ذهني التباساً. فقد كنت أظن سابقاً أن بلال عبد الهادي يكتب مقالاته على نحو ظرفي، وهو يملأ بها عموداً مخصّصاً له في إحدى الصحف المحلية، وبالتالي لا رابط يجمع بينها. لكني اكتشفت، وبسرور بالغ، سِلكاً موجِّهاً بين هذه المقالات، وهي في الواقع تخضع لمخطّط مترابط، عصبُه اللغة العربية وإظهار ثرائها ومفاتنها، بالإضافة الى العمل على تطويرها والدفاع عنها في زمن العولمة وما يحمل من إشكاليات.
وقد شاءت المصادفة وأنا استمتع بقراءة "الكتابة على جلدة الرأس" أني أترجم كتاباً بعنوان : "أيَّ مستقبل للّغات في زمن العولمة ؟" للغوي الفرنسي المشهور لويس جان كالفي، وفيه يعالج مسألة موت اللغات واندثارِها، وتطوّر اللغات، والتنافس بين اللغات، وظروف هيمنة لغات على أخرى، وغير ذلك من الموضوعات المطروحة بجدية في زمن اجتياح التقنيات الحديثة ووسائط الاتصال لكل الخصوصيات ولكل الثقافات واللغات. لكن المساحة المفردة للغة العربية ضيّقة قياساً لوزنها على الساحة الدولية، علماً بأنها من بين اللغات الست المعتمدة في منظمة الأمم المتحدة. وقد وجدتُ فعلاً أن عدداً من مقالات د. بلال يسدّ هذه الثغرة.
الكتاب راقٍ بأسلوبه وغني بمضامينه. من هنا سيتمحور كلامي على أربع نقاط : أسلوب متميّز، بحث في اللغة وفي إمكانية تطويرها لمواكبة العصر، تنقيب في كنوز التراث العربي، غَرْف من معين الثقافات العالمية.

1- أسلوب متميّز

كتابة بلال عبد الهادي متحرّرة من التقليد الى حدّ بعيد. فهو ينظر الى الأشياء بعين مغسولة، ولا يريد أن يقع ضحية الإطار المتجمّد. ذاك "أن أشياء العالم تشبه المفردات اللغوية، والمفردات يتغيّر وقعها وقيمتها ودلالتها من الجوار أو الإطار الموضوعة فيه. السياق هو الإطار الذي من تضاعيفه ينبثق المعنى" (ص. 23). إنها إذاً عملية "إعادة تأطير" واستخدام للعدسة المتحركة، يتقنها الكاتب متّكئاً على فن التصوير الذي يشكّل كذلك هواية لديه، وعلى كبارٍ ممن كانوا سبّاقين في هذا الميدان، كرولان بارت في كتابه "الغرفة المضيئة" La chambre claire الذي صدر عام 1980 والذي لا بد من استكماله بالعودة الى الكتاب الذي أصدره تعليقاً على كتاب بارت عام 2015 أحد أهمّ نقاد السينما، وهو جان ناربوني Jean Narboni والذي يحمل عنواناً ذات دلالة بيّنة "الليل سوف يكون أسوداً وأبيضاً" (La nuit sera noire et blanche).
يترافق مع إعادة التأطير إتقان الربط بين أمور تبدو للوهلة الأولى متنافرة أو لا يجمعها جامع أو وجه شبه. "ولكن وجوه الشبه المحذوفة كنوز فكرية لمن يجهد نفسه في الكشف عنها" (ص. 127). وفي كتب البلاغة العربيّة تعريفات كثيرة للبلاغة منها أن البلاغة "معرفة الفصل من الوصل"، أي معرفة اللحظة التي تسمح لنا أن نربط أو أن نفصل بين الأشياء والعناصر. فالمعنى العامّ الذي نراه أمام أعيننا ليس بالضرورة أن يكون
معنى عامّاً، كلّ الكلام الذي يخرج من الفم مقيّد بخلفيّات، وهذا القول ليس أكثر من خيط من شبكة. "الشبكة" هي الكلمة-المفتاح لدى علماء اللغة المعاصرين الذين رأوا أن المعنى ينتج عن شبكة العلاقات الرابطة بين العناصر.
وفي أسلوبه المميّز، يُدخل الكاتب في معظم مقالاته الحكايات والنوادر والأمثال، التي تشكّل رافعة تقوم بوظيفة الإغواء للقارىء فتشدّه وتُشعره بالمتعة، لتصله الفكرة، على غرابتها أحياناً، دون جهد.

2- بحث في اللغة

إن الموضوع الأساس الذي تدور حوله مجمل المقالات هو اللغة. فالكاتب يُقحم نفسه في صلب النقاشات الدائرة حول وضع اللغات في زمن العولمة، ليكون المدافع عن اللغة العربية كلغة للحداثة والمستقبل. إنه يطرح المشكلة انطلاقاً من كتاب الباحث التونسي عبد السلام المسدّي بعنوان "العرب والانتحار اللغوي"، الذي يعالج مواضيع هامة كاللغة والهوية، واللغة والسياسة، والتلوّث اللغوي، وتسليع اللغة، واللغة والديمقراطية الخ. أي كما يستنتج الكاتب، أن اللغة لا يمكن فصلها عن السياسة، فما تراه يكون واقع اللغة في ظل هكذا واقع سياسي عربي مأزوم ؟ في توصيف الواقع يميل عبد الهادي الى التشاؤم : "يحزّ في نفس كلّ عربيّ يتابع علاقات الشعوب مع لغاتها ما يراه من علاقة غير صحّية وغير سويّة للعربيّ مع لغته. ولا يمكن أن يَصلُح أمر الإنسان العربيّ إلاّ من خلال إصلاح الخلل الجلل القائم بينه وبين لسانه، فعلاقة العربيّ بلغته علاقة غريبة عجيبة، علاقة فيها انقلاب للمعايير وانقلاب للمقاييس الطبيعيّة والفطرية. فالعربيّ يفتخر، من جهة، أنّ العربية لغة القرآن ولغة أهل الجنان ثمّ، من جهة أخرى، تراه في حياته اليومية يتأفف منها، ويبرم وجهه في خلقتها وكأنّه لا يريد لها أن تكون لغة أهل الدنيا ! (...) أذكر أنّ أحد الأشياء التي اشتغل عليها رجالات النهضة كانت اللغة، لأنّ من شروط نهضة الشعوب الوعي اللغويّ. فأين هو الوعي اللغويّ في حياة العربيّ؟ هناك من يعتبر أنّ العربية عائق حضاريّ، وعقبة في وجه التحضّر والتطوّر وهذا ما اشتغل عليه أعداء العربية لفترات زمنية طويلة، وانفقوا في سبيله ملايين الدولارات، وها نحن نقدّم لهم الهزيمة على طبق من ذهب. في الصراعات اللغوية كما في الصراعات العسكريّة كلّ الاسلحة تقريباً مباحة حتّى المحظور منها دولياً، واللغة العربية تعيش في صراع لغويّ يوميّ، والحروب اللغوية لا تكون حروبا فقط على الجبهات وإنما أيضاً في عقر الدار. حرب يومية، مستعرة، وقودها ألسنة الناس وعقول الناس" (39-40).
لكن الكاتب لا يقف مكتوف الأيدي مكتفياً بالتوصيف السلبي، مُقرّاً بالهزيمة، بل يشحذ همّته، وهو المتخصّص باللغويات، والمطّلع على تجارب أخرى تمتد من أوروبا الى الصين، فيدلي بدلوه بصلابة تتلطّى خلف سلاسة مصطنعة. يتساءل في أحد المقالات : هل العيب في العربية ؟ فيجيب :"لا أظن أنّ العيب في العربية، فليس هناك لغة من اللغات إلاّ وهي آية من آيات ربّ العالمين... فاللغة الصينية لا تقلّ صعوبة عن العربية، وها هي تزدهر، وتنتعش، ويُقبل الناس في كل انحاء العالم على تعلّمها... ليس هناك لغة بلا مشاكل، فاللغة كالإنسان تعبر حياته أزمات وانفراجات. والعربية الفصحى تعيش أزمة لأنّ الانسان العربيّ يعيش أزمة، لا يمكن أن تعيش اللغة حياة منفصلة عن ناسها، فالإنسان العربيّ لا يثق بنفسه، ويشعر كما لو أنه فرد من قوم موسى التائه في الصحراء. وهذا التيه يتجلّى لغويّاً لمن تتبّع علاقة العربيّ اليوم ليس مع فصحاه فقط وإنّما أيضاً مع عاميته" (121-122).
الأزمة إذاً هي أزمة ثقة. وفقدان الثقة متشعّب ومتمادٍ، وقد وصل حدّ التنكّر لحروف اللغة بالذات. ينبري عبد الهادي لإبراز جماليات الحرف العربي : "الحرف العربيّ باعتراف أهل الفنّ والخطّ جميل، مطواع، روحه رياضيّة، وتاريخه عريق. لا يتمرّد على يديك وأنت تكتبه. ولكن نحن اليوم ندير له ظهرنا. ماذا نفعل به؟ نتركه لصالح حرف آخر. الحرف العربيّ حرف نورانيّ، مضيء، مشعّ، دافئ .الصفات التي ألحقتها به
ليست صفات مصطنعة، مزيّفة .فالحرف العربيّ حرفان :حرف شمسيّ وحرف قمريّ .الحرف العربيّ لا يغيب عنه الضوء. ولا أعرف إن كانت هناك لغة أخرى منحت حروفها هذا الكمّ من الضوء؟" (110-111).
يتخيّل الكاتب لو أننا استخدمنا الحرف العربي في اللافتات وبطاقات التعريف والشعارات، ألا يؤدي ذلك الى تفجير طاقات وقدرات الحرف العربي، وخلق حيوية خلّاقة تصبّ في مصلحة جماليات الحرف العربي، وفي مدّ الحرف العربي بدم جديد ؟ وفي هذا المجال يقدّم اقتراحاً ظريفاً : "لنتخيل أنّ لبنان أو أيّ بلد عربي آخر يقيم سنويّاً مسابقة للخطّ العربيّ، ويكون من نصيب لوحة الفائز أنْ تعلّق في القصر الجمهوريّ أو القصر الملكيّ أو بلاط الأمير، هل كان احتقارنا للحرف العربيّ يبقى كما هو الآن؟ وهل كانت "لغة النت" تسرح وتمرح على ذوقها بقدّ متهتّك تظنّه ميّاساً، وقامةٍ تظنّها هيفاء؟ أليس من الخطّ تبدأ خطّة العمل الثقافيّ؟" (130).
ومن الحرف العربي، الى النظام الصوتي العربي وما يحمل من غنى، الى النحو والصرف، الى طرائق تعليم اللغة واختيار النصوص في المراحل الابتدائية، فإلى الموضوع الأساس : هل بإمكان اللغة العربية أن تواكب العصر والتطورات العلمية الحديثة ؟ يطرح الكاتب مشكلة المصطلح والكمّ المتراكم يومياً في مختلف ميادين المعرفة من المصطلحات الأجنبية التي تنتظر التأصيل. بالطبع هو يدرك افتقار الثقافة العربية لمنهجية موحّدة للتعامل مع المصطلح الوافد، حيث يجد الباحث نفسه أحياناً أمام تعدّد المرجعية اللغوية للمصطلح ما بين معرّب أو موروث أو مشتق أو منحوت الخ. بالإضافة الى انعدام صفة الإلزام لدى الهيئات المتخصّصة بالوضع المصطلحي. هذا عدا عن عدم وجود أية دراسة جدّية تقارن بين قواعد التوليد المعتمدة.
يعي الكاتب جيداً هذه المشكلة، فيكتب أن عالم المصطلحات عالم معقد لغوياً، ويبلبل أقلام الكتّاب ما بين تعريب وترجمة، وما بين ترجمة حرفية أو دلالية. لذا "يعاني العربيّ أزمة عارمة في هذا المجال، فالعالم العربي ممزّق جغرافيا وآيديولوجيا )عدد المجامع اللغوية في العالم العربي عددٌ يُظهر هذا التمزّق على الصعيد اللغوي أيضاً، والجامعة العربية ممزّقة بين الانتماءات الآيديولوجية لأقطابها ما بين تابع ومتبوع، والمجمع اللغوي شكل من أشكال السلطة، وكلّ مجمع لغويّ يغنّي على ليلاه!( (163).
لكن بالرغم من هذا الوضع الإشكالي، يدلي الكاتب بدلوه ويتقدّم بمقترحات لا تخلو من الجدّة. في مقالة له بعنوان "كنوز النحت المخفية" يعتبر فيها أن اللغة العربية، الى جانب كونها لغة اشتقاقية، هي أيضاً لغة نحتية. وبالرغم من أن الجذر الغالب للكلمات العربية هو الجذر الثلاثي، بالإمكان فتح الأبواب واسعة أمام الجذر الرباعي، نظراً لقدرته على توليد دلالات فائقة الروعة، فيقترح على اللغويين "أن يستعينوا بأفواه العامّة من الناس، فأفواه الناس معاجم حيّة، وحيويّة، وبراغماتيّة، وبارعة في التعامل الذكيّ مع الجذر الرباعيّ أكثر بكثير من رجالات أهل الفصاحة "المُتَفَيْهِقين" الذين لا يحبّون فتح شبابيك اللغة خوفاً على جسدها البضّ والغضّ من أن تصيبه "صفعة هواء" بارد فتصاب من فرط حبّهم لها بالتكلّس اللغويّ !" (154).
وبما أن "باب النحت ضيق وسقفَه واطىء"، لا يرى الكاتب غضاضة من اللجوء الى التوليد تلبية لحاجات السوق اللغوي الخاضع لإرادة العرض والطلب. وهو في هذا المجال يستأنس بما عُرف في التراث العربي بالكلام على الكلام.
ويتطلّع الكاتب في ظل امتلاك كل الوسائل العلمية والمادية والتقنية، فضلاً عن تقدّم الدراسات اللغوية، الى "بناء معجم عربي موسوعي تاريخي يتلمس قراءة رحلة دلالات الجذور. كل الأمم التي تريد أن يكون للغتها مكان تحت شمس العصر لا تتوانى عن إنشاء معجم تاريخي، أي معجم لا يترك حبل الكلمات على غاربها، ولا يخلط حابل دلالات مفردات الحاضر بنابل دلالات الغابر، ولا يمارس الديكتاتورية المعيارية الصارمة في حقّ بنات الشفاه" (168).
3- تنقيب في كنوز التراث
يغرف بلال عبد الهادي من معين التراث العربي. فاللغة التي يعمل على تطويرها ليست منقطعة عن تراثها الغني، والذي إذا أُحسن التعامل معه يساعدنا في ايجاد حلولٍ للكثير من المشكلات التي تبدو مستعصية لأول وهلة. إنه يستحضر سيبويه، وأبا نواس، وأبا تمام، والجاحظ، والمتنبي، والمعري، والسيوطي، والأصمعي، وغيرهم الكثير، فيورد ما كانوا يدركون من اللطائف الدلالية في المفردات ويستثمرونها استثماراً مبدعاً في تضاعيف نصوصهم الفنية. ولمزيد من الإسناد، يعود غالباً الى القرآن الكريم ليجد ضالته. ومن أجمل النوادر التراثية، تلك التي وردت في المقال الذي أعطى عنوانه للكتاب "الكتابة على جلدة الرأس".
كما أن للشعر نصيباً وافراً، وهو ينتقي أعذبه وأكثره دلالة.

4- إطلالة على الثقافات العالمية

يفيد بلال عبد الهادي من ثقافته الواسعة، فيطل على كتّاب من ثقافات مختلفة، حتى يصل به الأمر لأن يطلب العلم ولو في الصين. ومن بين الذين يستحضرهم بشكل دائم كبار اللغويين الغربيين، مثل جاكوبسون وسوسّير وليفي ستروس. ويُفرد للاستشراق مكاناً مميّزاً فيُظهر خلله حين تكون غاياته غير سليمة، كأن يتم استخدام جذر قَتَلَ بدلاً من فَعَلَ في تبسيط الصرف العربي، ولا يتوانى عن إظهار محاسنه حين يضيء على جوانب كثيرة من التراث العربي، كـ "ألف ليلة وليلة" التي ظلّت لفترة منبوذة، أو "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعرّي الذي كشف عن غناها لترتقي الى مصاف الروائع العالمية.

"الكتابة على جلدة الرأس" كتاب غني وشيّق، تتداخل فيه بأسلوب سلس علوم اللغة والأدب والشعر والفلسفة والمنطق وعلم النفس، بالإضافة للسوسيولوجيا والأنتروبولوجيا. إنه كتاب ملتزم، ذاك أن بلال عبد الهادي اللغوي يُدرك أن اللغة العربية تتعرّض لمحاولات التشويه والإضعاف، وتُتّهم بالقصور والعُقم، وتجتاحها، كما غيرها من اللغات، "لغة النت" وتثخنها بالجراح. لكنه لا يقف مع الندّابين المنهزمين الخائفين على مصير اللغة، كما أنه لا يخشى اجتياح "الفسابكة" ولغتهم الهجينة. إنه مؤمن بأن اللغة العربية صالحة لمواجهة التحديات، وقادرة على مواكبة التطور العلمي والحضاري... كلنا يدرك أن المشكلة ليست في اللغة، وإنما في مكان آخر، فأزمتها هي انعكاس لأزمة تضرب بنية المجتمع العربي. بالانتظار، بلال عبد الهادي يضيء شمعة بدل أن يلعن الظلام.

الأربعاء، 6 ديسمبر 2017

دعوة الى توقيع كتابي الكتابة على جلدة الرأس


عن عنوان كتابي الكتابة على جلدة الرأس


الكتابة على جلدة الرأس

انتقال عنوان مقال إلى المقعد الأوّل في الكتاب  أي تحويله الى عنوان  يعطيه حياة جديدة ودلالات أيضا جديدة تتعدّى إطار المقال فيرخي بظلاله  الدلالية على سائر المقالات
ومن يتتبع عناوين الكتب ويقرأ سير العناوين، يعرف ان هنال عناوين مسودة تبقى في الظلّ، وقراءة العناوين في شتّى حالاتها من الأمور التي تستهويني، وكنت منذ اكثر من عشر سنوات قد اشتركت في مؤتمر أقامه مركز اللغة والتواصل  في الجامعة اللبنانية في بيروت ، وكان بحثي  الذي قدّمته بعنوان سيمياء العناوين، وقد اعتبرت الغلاف حلبة مصارعة بين مجموعة من العناصر، فالغلاف يتضمن اسم الكاتب واسم الكتاب ودار النشر وصوراً أو أيقونات أو ألواناً، ويمكن للمرء ان يجيل نظره في مواضع  ومواقع هذه العناصر افقيا وعموديا ليستخرج منها دلالات ذات صلة بأغراض الكتاب.
كما اعتبرت او تعاملت مع عنوان الكتاب وتحولاتها عبر الأزمنة والأمزجة.
واعتبرت يومذاك ان العنوان يمكن ان يكون قريبا من مفهوم ال adn، بمعنى انه يكثف مضامين كتاب ما، وكان الناقد الفرنسي جيرار جينيت قد اشتغل على ذلك في كتابه البديع" العتبات " ، والعنوان عتبة من عتبات الكتاب.
والعنوان بحسب درسة علمائنا الافاضل من معجميين ولغويين قد توقفوا واختلفوا عند معنى العنوان، فمنهم من ذهب به نحو المعنى ومنهم من  اعتبره بمثابة العنان الكتاب او مقود الكتاب.
كتابي في اللغة، وحين اقول في اللغة فانما اقصد بذلك اللغة وهي تمشي في اسواق الناس، وتتفوه بها السنة الناس.
وكلّ صاحب كتاب يصاب بحيرة عنوانية اذا صح التعبير. الا من رحم ربي او آزرته الأقدار تماما كما طريقتنا في تسمية ابنائنا.
الكتاب مجموعة من مقالات ، وهي خمسون: تتناول زوايا مختلفة من اللغة، منها ما يتعلق بكيفية تحبيب ابنائنا بالقراءة للكتب العربية، وتقويم ألسنة النشء ، فاستعنت بالدراجة الهوائية  في بلورة فكرتي.
وبما ان الكتاب يتألف من خمسين مقالا فهذا يعني انه كان يمكن ان يملك خمسين عنوانا افتراضيا، يضاف اليها احتمالات اخرى من خارج عناوين المقالات، وهذا كثيرا ما يحدث في عالم العناوين.
كان عنوان الكتابة على جلدة الرأس هو المنتصر في معركة العناوين، رغم عدم رضى كثير من الاقرباء والاحباء  وربّما بعض الحاضرين هنا أيضا عن العنوان إذ وجدوه عنوانا صادما بل  " مقرفا" و " مقزّزا"  احيانا.  ولا اخفيكم اني استعنت بموقع غوغل لسببين لأعرف إن كان قد سبقني أحد إلى اختيار هذا الاسم، ولكن أيضا لسبب ثان هو  معرفة ما سيقدّمه لي من صور   وضعت العنوان "الكتابة على جلدة الرأس"    فانسدلت امامي صور كثير منها لا تسرّ الناظر.
والعنوان المختار ليس أكثر من صورة فوتوغرافية لواقعة تاريخية حصلت في العصر العباسي، واقعة تحمل دلالات كثيرة، ولكني نظرت إليها من وجهة نظر عالم لغويّ جليل هو ياكبسون الذي حاول رسم معالم الرسالة والمرسل والمرسل اليه، والعلاقة  التي تبنى بينهم. وشاءت المصادفات أن ينتهي الكتاب بمقال وضعت له عنوان " الخلاف على الغلاف"، وكيف ان تحويل الغلاف الى رسالة قد يؤدّي الى توتّر بين المرسل والمرسل إليه.
من يتأمّل عناوين الكتب يجد ان مروحة اختيار الكاتب واسعة نسبيّاً، ولكن في العربية،   والتراث السامي عامّة، ثمّة طريقة في العنونة استلهمتها أو وقعت أسيرا لها وهي ان بعض الكتب تأخذ عنوانها من الكلمة الأولى فيها، أو من إحدى صيغ الجذر، فالقرآن الكريم على سبيل المثال أخذ اسمه من أوّل كلمة من كلمات التنزيل وهي " إقرأ"، وديوان الحماسة الذي اختاره الشاعر العربي الكبير انّما انتقاه الشاعر بسبب أن أوّل غرض تناوله كان شعر الحماسة، ولو اختار الفخر لكان صار اسمه ديوان الفخر مثلا.
وبما ان المقال الأوّل في كتابي يحمل عنوان " الكتابة على جلدة الرأس" راودتني نفسي اتباع سنّة كلاسيكية عربية وساميّة.
وكلمة " الجلدة" ليست غريبة عن عالم الكتب وعالم الكتابة، فالكتابة كانت تستعين بالجلد، وما زالت الجلدة صديقاً حميماً للكتابة حتّى ولو توارت عن الأنظار، فقد يكون كتاب ما مؤلّف من عدّة " مجلّدات" ولكنّها خالية من الجلد. و " تجليد" الكتب لا يعني بالضرورة وجود " جلد" للتغليف!

في أيّ حال، كل ما أتمنّاه لكتابي أن يكون شيّقا، ومحبوبا فيقرأ من الجلدة إلى الجلدة.

الأربعاء، 29 نوفمبر 2017

من يكتب من؟




من يكتب من؟ هل انا الذي اكتب مصيري أم مصيري هو الذي يكتبني؟

اعتمد على الإجابة من شكل الكتابة العربية. ثمّة ما لا يكتب في العربيّة، أغلب الأحيان. ولكن عدم كتابته لا ينفي وجوده ولو للحظة واحدة.موجود بزخم في الخفاء، عدم أخذه بعين الاعتبار يجعل اللغة العربية خرساء، مقصوصة اللسان والشفتين. والآن الى التوضيح: اللغة العربية تتألف من حروف وحركات.الحروف تكتب بخلاف الحركات التي لا تكتب الا في الضرورات القصوى لأسباب دينية وأسباب تعليمية: لا أعرف بوجود مصحف حديث بلا حركات، وكل كتب القراءة العربية للأطفال توضع عليها الحركات. ولكن لا علم لي بوجود صحيفة او مجلة تجعل الحركات جزءا من الكتابة.قهي غير موجودة لأنّها غير موضوعة، ولكن تخرج من كل الأفواه القارئة، قراءة صامتة او جهريّة.

الحروف تسمّى في علم الأصوات الحديث( الصوامت)، والحركات تسمّى(الصوائت).

من منطلق طبيعة الكتابة العربية استوحيت كتابة مصيري، فقلت إجابة على سؤال البداية:

أنا اكتب صوامت حياتي، والمصير يكتب صوائت حياتي.

وليس للصوامت صوت ولا صدى لولا الصوائت، ولكن بإمكان الصوائت أن تعيش بلا صوامت.

لو لم أكن أعلّم مادّة علم الأصوات لما خطرت ببالي هذه العبارة، ولكن أعلّم هذه المادة منذ ما يقارب السنوات العشر، ومع هذا ما خطر هذا التعبير ببال قبل اليوم، تعبير مؤجل الوجود.

للإنسان وطنان: جغرافيّ ولغويّ.


الوطن الجغرافيّ ذو حدود معروفة.
الوطن اللغويّ ذو حدود متغيّرة، غير ثابثة.
والناس يعيشون في الجغرافيا كما يعيشون في اللغة.
هناك من لا يعرف إلاّ لهجته، يتقوقع في لهجته ولم أقل لغته، وهذا يشبه من يعيش في قرية نائية، يولد ويعيش ويموت في حدودها لا يتعدّاها.
وهناك من يعيش في لهجته ولغته ولهجات الآخرين ضمن حدود وطنه الجغرافيّ.
وهناك من يحبّ السفر في مسالك الأرض وممالكها فيتعرّف على الآخرين بلغاتهم المتغايرة، ويقارن بين طريقته في استعمال الأصوات وطرائق غيره، فيعرف نسبية الأشياء.
جاء زمن العولمة والأسواق المفتوحة وانكسرت حدود الجغرافيا الى حد جعلت مارشال مكلوهان عبارته الذائعة: العالم قرية.
والقرية قطعة جغرافية، كانت قطعة جغرافية ناطقة بلهجة معينة لكنها صارت قرية ناطقة بكل لهجات العالمين.
صارت كل لغات العالم في متناول سمعك عبر كبسة زر على يوتيوب.كما صارت كل الجغرافيا الأرضية في متناول عينيك عبر كبسة زر تفلش امام ناظريك جبال العالم ووديانه وبحاره وانهاره، وناسه في حياتهم اليومية.
صادر قدرك ان تعيش في حدود جغرافية مفتوحة، واصوات لغوية مفتوحة.
حاول ان تطرد كل الكلمات غير العربية من لسانك، تحد ان لسانك صار فأفاء وتأتاء.
وهذا لا يعني، بالضرورة، ضعفا في العربية، بقدر ما يؤكّد على مقولة مكلوه

حظوظ الحروف في اللغات كحظوظ الناس في الحياة.


فاللغة العربية رفعت حرفا إلى عليين وجعلته علامة فارقة لها، فهي لغة #الضاد.
صار كأنّه الولد البكر لها، تعرف به كما يعرف الشخص بابنه البكر: أبو جورج، ابو محمد... إلخ.
ولكن قد يكون حظّ البكر سيئا، وهذا له مترادفات في اللغات والحياة.
فالضاد على رفعة شأنه حرف سيء الحظ في الدنيا اللغوية، اذهب الى المعجم لتكتشف رقّة حاله!

#لهواة_السجع


كان #الصاحب_بن_عبّاد مهووساً بالسجع بشكل مرضيّ فاعتبره #التوحيدي أشبه بالأعمى، علاقة السجع علاقة حميمة مع الأذن! وقال عنه " #السجع بالنسبة لهذا الرجل بمنزلة العصا للأعمى، والأعمى اذا فقد عصاه فقد أقعد، وهذا إذا ترك السجع فقد أفحم".
من كتاب #مثالب_الوزيرين

عادات نفس


عوّدت نفسي على قراءة ما لا احبّ أكثر ممّا عوّدتها على قراءة ما أحبّ. أحبّ قراءة الصحف مثلا التي لا أحبّ خطّها السياسيّ على الصحف التي أحب خطّها السياسيّ. وأقول لمن هو من 14 مثلا أن يسمع تلفزيون المنار، ولمن هو من 8 أن يسمع أخبار المستقبل. من هو على نقيضي ينفعني أكثر ممّن هو على شاكلتي.
وما يضحكني من الناس هو خوفهم على قناعاتهم من أن تمسّ أو تزعزع.
وأين المشكل في ان تتزعزع قناعاتي أو تتغيّر؟ 
ليس هناك قناعات مقدّسة ومنزلة.
وليس هناك قناعات راسخة رسوخ " الجبال" وانما راسخة رسوخ " الكثبان".
كثير ممّا أعتقده من الجبال كثبان، كما ان كثيراً من الشراب سراب!
والله - سبحانه - أعلم