كتبهابلال عبد الهادي ، في 26 نيسان 2011 الساعة: 19:47 م
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وليّ كلّ نعمة، وصلواته علة نبيّه الهادي من كلّ ضلالة، وعلى آله المنجبين الأخيار، وعترته المصطفين الأبرار.قال أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل رحمه الله لبعض إخوانه: اعلم علّمك الله الخير، ودلك عليه، وقيضه لك، وجعلك من أهله أنّ أحقّ العلوم بالتعّلم، وأولاها بالتحفّظ بعد المعرفة بعد المعرفة بالله جلّ ثناؤه علم البلاغة، ومعرفة الفصاحة، الذي به يعزف إعجاز كتاب الله تعالى، الناطق بالحق، الهادي إلى سبيل الرّشد، المدلول به على صدق الرسالة وصحّة النبوة، التي رفعت أعلام الحقّ، وأقامت منار الدّين، وأزالت شبه الكفر ببراهينها، وهتكت حجب الشّك بيقينها.
وقد علمنا أنّ الإنسان إذا أغفل علم البلاغة، وأخلّ بمعرفة الفصاحة لم يقع علمه بإعجاز القرآن من جهة ما خصّه الله به من حسن التأليف، وبراعة التركيب، وما شحنه به من الإيجاز البديع، والاختصار اللطيف، وضمّنه من الحلاوة، وجلّله من رونق الطّلاوة، مع سهولة كلمه وجزالتها، وعذوبتها وسلاستها، إلى غير ذلك من محاسنه التي عجز الخلق عنها، وتحيّرت عقولهم فيها.
وإنما يعرف إعجازه من جهة عجز العرب عنه، وقصورهم عن بلوغ غايته، في حسنه وبراعته، وسلاسته ونصاعته، وكمال معانيه، وصفاء ألفاظه. وقبيح لعمري بالفقيه المؤتمّ به، والقارئ المهتدي بهديه، والمتكّلم المشار إليه في حسن مناظرته، وتمام آلته في مجادلته، وشدّة شكيمته في حجاجه، وبالعربيّ الصّليب والقرشي الصريح ألاّ يعرف إعجاز كتاب الله تعالى إلاّ من الجهة التي يعرفه منها الزّنجي والنّبطي، أو أن يستدلّ عليه بما استدلّ به الجاهل الغبيّ.
فينبغي من هذه الجهة أن يقدّم اقتباس هذا العلم على سائر العلوم بعد توحيد الله تعالى ومعرفة عدله والتصديق بوعده ووعيده على ما ذكرناه، إذ كانت المعرفة بصحة النبوة تتلو المعرفة بالله جل اسمه.
ولهذا العلم بعد ذلك فضائل مشهورة، ومناقب معروفة، منها أنّ صاحب العربية إذا أخلّ بطلبه، وفرّط في التماسه، ففاتته فضيلته، وعلقت به رذيلة فوته، عفّى على جميع محاسنه، وعمّى سائر فضائله، لأنه إذا لم يفرق بين كلام جيّد، وآخر ردئ، ولفظ حسن، وآخر قبيح، وشعر نادر، وآخر بارد، بان جهله، وظهر نقصه.
وهو أيضاً إذا أراد أن يصنع قصيدة، أو ينّشئ رسالة وقد فاته هذا العلم مزج الصّفو بالكدر، وخلط الغرر بالعرر، واستعمل الوحشي العكر، فجعل نفسه مهزأة للجاهل، وعبرةً للعاقل، كما فعل ابن جحدر في قوله:
| حلفتُ بما أرقلتْ حـولَـهُ | همرجلةٌ خلقُها شـيظَـمُ | |
| وما شبرقتْ من تنـوفـيَّةٍ | بها من وحي الجنِّ زيزيَمُ |
وإذا أراد أيضاً تصنيف كلام منثور، أو تأليف شعر منظوم، وتخطّى هذا العلم ساء اختياره له، وقبحت آثاره فيه، فأخذ الردئ المرذول، وترك الجيد المقبول فدل على قصور فهمه، وتأخّر معرفته وعلمه.
وقد قيل: اختيار الرجل قطعة من عقله، كما أنَّ شعره قطعةٌ من علمه. وما أكثر من وقع من علماء العربية فيه هذه الرذيلة منهم الأصمعي في اختياره قصيدة المرقش:
| هل بالدّيارِ أنْ تجيبَ صممْ | لو أنَّ حيَّا ناطقاً كـلّـمْ |
وكان المفضّل يختارُ من الشعر ما يقلُّ تداول الرواة له، ويكثر الغريب فيه، وهذا خطأ من الاختيار، لأنَّ الغريب لم يكثر في كلام إلاّ أفسده، وفيه دلالة الاستكراه والتكلُّف.
وقال بعض الأوائل: تلخيص المعاني رفق، والتّشادق من غير أهله بغض، والنظر في وجوه الناس عيّ، ومسّ اللّحية هلل، والاستعانة بالغريب عجز، والخروج عمّا بنى عليه الكلام إسهاب. وكان كثير من علماء العربية يقولون: ما سمعنا بأحسن ولا أفصح من قول ذي الرّمة:
| بعينينِ نجلاوينِ لم يجرِ فيهمـا | ضمانٌ وجيدٍ حلِّىَ الدُّرَّ شامسِ |
وحكى العتبي عن الأصمعي أنه كان يستحسنُ قول الشاعر:
| ولوْ أرسلت من حـب | ك مهبوتاً من الصينْ | |
| لوافيتُك قبل الصْـب | ح أو حين تصلـينْ |
وذكر العتبي أيضاً أن قول جرير:
| إن العيونَ الَّتي في طرفِهَا مرضٌ | قتلْننَا ثمَّ لـم يحـينَ قـتـلانَـا | |
| يصرعْنَ ذا اللُّب حتى لا حراك به | وهنَّ أضعفُ خلقِ اللهِ أركانَـا |
| إنَّ الذين غدوا بلبِّكَ غـادرُوا | وشلاً بعينِكَ لا يزالُ معينَـا | |
| غيَّضنَ من عبراتهِنَّ وقلنَ لي | ماذا لقيتَ منَ الهوى ولقينَا |
فلما رأيت تخلي هؤلاء الأعلام فيما راموه من اختيار الكلام، ووقفت على موقع هذا العلم من الفضل، ومكانه من الشرف والنبل، ووجدتً الحاجة إليه ماسة، والكتب المصنّفة فيه قليلة، وكان أكبرها وأشهرها كتاب البيان والتبيين لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وهو لعمري كثير الفوائد، جمّ المنافع، لما اشتمل عليه من الفصول الشريفة، والفقر اللطيفة، والخطب الرائعة، والأخبار البارعة، وما حواه من أسماء الخطباء والبلغاء، وما نبّه عليه من مقاديرهم في البلاغة والخطابة، وغير ذلك من فنونه المختارة، ونعوته المستحسنة، إلا أنّ الإبانة عن حدود البلاغة، وأقسام البيان والفصاحة مبثوثة في تضاعيفه، ومنتشرةٌ في أثنائه، فهي ضالّة بين الأمثلة، لا توجد إلا بالتأمل الطويل، والتصفّح الكثير، فرأيت أن أعمل كتابي هذا مشتملا على جميع ما يحتاج إليه في صنعة الكلام: نثره ونظمه، ويستعمل في محلوله ومعقوده، من غير تقصير وإخلال، وإسهاب وإهذار. وأجعله عشرة أبواب مشتملة على ثلاثة وخمسين فصلا: الباب الأول: في الإبانة عن موضوع البلاغة في أصل اللغة وما يجري معه من تصرف لفظها وذكر حدودها وشرح وجوهها وضرب الأمثلة في كل نوع منها وتفسير ما جاء عن العلماء فيها، ثلاثة فصول.
الباب الثاني: في تمييز الكلام جيده من رديه ومحموده من مذمومه فصلان.
الباب الثالث: في معرفة صنعة الكلام، فصلان.
الباب الرابع: في البيان عن حسن السبك وجودة الرصف، فصل واحد.
الباب الخامس: في ذكر الإيجاز والإطناب، فصلان.
الباب السادس: في حسن الأخذ وقبحه وجودته ورداءته، فصلان.
الباب السابع: القول في التشبيه، فصلان.
الباب الثامن: في ذكر السجع والازدواج، فصلان.
الباب التاسع: في شرح البديع والإبانة عن وجوهه وحصر أبوابه وفنونه، خمسة وثلاثون فصلا.
الباب العاشر: في ذكر مقاطع الكلام ومباديه والقول في الإساءة في ذلك والإحسان فيه، ثلاثة فصول.
وأرجو أن يعين الله على المراد من ذلك والمقصود فيما نحونا إليه ويقرنه بالتوفيق ويشفعه بالتسديد، إنه سميع مجيب.
| رمتني ميٌّ بالهوى رمىَ ممضـعٍ | من الوحشِ لوطٍ لم تعقه الأوانِس |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق