الخميس، 10 سبتمبر 2015

المدينة الفارغة













ثمّة رواية تاريخية صينيّة بعنوان "الممالك الثلاث"، كتبها " لْيُوْ كوَاْنْ تْشُوْنْغْ" في القرن الرابع عشر، وهي من الروائع الأدبية التي أنتجتها الإمبراطوريّة الصفراء. يقارنها البعض بالإلياذة اليونانيّة أو بالمهابهاراتا الهندية. وهي مترجمة إلى أكثر اللغات الغربيّة، ولكنّها لم تعرف بعد، للأسف، طريقها إلى لغة الضَّاد.
"الممالك الثلاث" رواية لا تنتمي إلى الأدب الشعبيّ ولا إلى الأدب الرسميّ، فهي تقيم على تخوم الأدبين، وثمّة تصنيف طريف، فيما يبدو، في الصين للأنواع الأدبيّة، وهو أنّ الرسميّ والشعبيّ على تماسّ حميم، بل إنّ كثيراً من القصائد الشعبيّة، تبوّأت على يد "كونفوشيوس" مقاماً عليّاً في كتاب "الأغاني".
الممتع في "الممالك الثلاث" أنها أشبه بتطبيق عمليّ وحَذِق لنظريّة الاستراتيجيّ القدير "صْوِنْ تزه" التي سردها في كتابه الفاتن "فنّ الحرب". والرواية ليست خرافيّة، أبطالها أناس عاشوا وكافحوا وحاربوا، وهي مليئة بصنوف الخدع الحربيّة، التي تحوّلت قوانينَ استراتيجيّةً، لا تزال صالحة، في غالبيتها، للحياة اليوميّة والتجاريّة وليس فقط الحربيّة، كما إنّ الرواية تمثّل بامتياز الروح الصينية في التعامل مع صنوف الأخطار.
بطل الرواية "تْشُوْ كُوْ لْيَاْنْغْ"( ومعناه نور العقل 诸葛亮 zhū gé/gě liàng) من مواليد القرن الثاني للميلاد) وهو سيّد التكتيك الحربيّ، واستراتيجيّ ماكر من طراز نادر. وثمّة حكاية في "الممالك الثلاث" تروي كيف أنّ "لْيَاْنْغْ" انتصر في لحظة كان من المستحيل الانتصار فيها. المعركة، ظاهريّاً، محسومة سلفاً، الخسارة واقعة لا محالة، ومع هذا يرى أن الانتصار ممكن، بفضل ما أوتيه من دهاء، والوسيلة هي زرع الشكّ في قلب الخصم، بلبلة ذهنه، زعزعة يقينيّاته، عدم تصديقه ما يرى! اظهر حقيقتك من غير أن تعلن أنّها حقيقتك. إنّ الخدعة أيّ خدعة تقوم على تمييع الحدود بين الظاهر والباطن، ومحو الفواصل بين الخفيّ والجليّ. إذا كنت ضعيفاً أظهر أنّك ضعيف فيظنّ البعض أنّ ضعفكَ خدعةٌ، أو فخّ، فيتعامل معك على أساسِ أنّك تبطن قوّة(رغم عدم وجودها). هذا جزء من فحوى فصل من رواية "الممالك الثلاث". وهي مليئة بالفصول الاستراتيجيّة المضمرة في تضاعيف سرد مشوّق وجذّاب.
المهارة تكمن في توصيل رسالة إلى عدوّك، مفادها أنّ الظاهر ليس بالضرورة هو الباطن، والأمر ليس سهلاً وليس ممتنعاً في آن. ونحن، إلى اليوم، لا نزال نسقط في فخّ المظهر الخلّب رغم أنّ باطنه، أحياناً، مسطّح وهشّ. حوصرت في إحدى المرّات مدينة الداهية " تْشُوْ كُوْ لْيَاْنْغْ"، حين كان جيشه خارج المدينة، وليس في الروح الصينيّة ولع بالعمليّات الانتحاريّة، العمليّات الانتحاريّة ليست، في عيني الصينيّ، بطولات مثمرة. ماذا يفعل "ليانغ" وهو محاصر أو على وشك أنْ يطبق عليه الحصار، وليس في المدينة إلاّ العجائز والصغار؟ هل يقاوم؟ أليست المقاومة، هنا، بطولة خاسرة لأنّها لن تبقي أحداً؟ أليس من الأفضل له تحويل عجزه إلى "وهم شرس" في عين عدوّه ؟ هل يستسلم؟ وفي الاستسلام مهانة لا تليق بحنكته المشهود له بها في كلّ الممالك الصينية. لقد اعتمد على استراتيجية "المدينة الفارغة"، ومفهوم "الفراغ" مفهومٌ مختلف عما هو مألوف لدينا.(كلمة "لا شيء" غير موجودة في اللغة الصينية!) الفراغ، في نظر الصينيّ، أهمّ من الامتلاء. الفراغ ليّن كالأفعى، سيّال كالماء، مطواع كالعجين أو كالتنّين. ولكنّ هذه الاستراتيجيّة هي بمثابة الملاذ الأخير حين لا تكون هناك أيّ وسيلة أخرى، لأنها تشبه اللعب بالنار. قام "ليانغ" الداهية بتنظيف المدينة وغسل شوارعها، وفتح بواباتها، وطلب من الباقين في المدينة الوقوف على الأبواب لاستقبال الغازي. ارتبك ذهن الخصم فهو، أوّلاً، يجهل أنّ المدينة خالية من الجنود، وهذا تعزيز لاستراتيجية ليانغ، وثانياً، إنّ فتح الأبواب لاستقباله قد لا يكون أكثر من ترحاب مخادع. هنا تحوّل الضعف علامة استفهام ملغومة، صارت الرسائل تصل إلى الخصم مشوّشة، غامضة النوايا، تقرأ طرداً وعكساً (رغم أنها واضحة تماماً!). صارت قراءتها الأولى تعني احتمال كونها فخّاً. ما الحلّ؟ خاف القائم بحصار المدينة من أن يكون محاصراً، شعر أنّ فتح الأبواب ظاهر خدّاع، (ولكنّه، في الواقع، ظاهر حقيقيّ!). وجد الخصم أنّه من الأسلم له أن لا يدنو من الأبواب، ويرضى من الغنيمة بالإياب!
يشير كاتب الرواية إلى أنّ هذه الاستراتيجية لا يمكن تطبيقها كيفما اتفق. العدوّ هو الذي يحدّد لك مسار استراتجيّتك اللينة المتعرّجة كمجرى نهر، وفعاليّة "استراتيجية المدينة الفارغة" تكون ناجعة مع خصم حذر. هنا تنقلب طبيعة الحذر الايجابية إلى طبيعة سلبية، خصوصاً أنّ الأشياء والمفاهيم كلّها، من وجهة نظر صينيّة، تشبه سحابة لا يرضيها أن تحبس في شكل واحد !

الأربعاء، 9 سبتمبر 2015

خيّاطة في البيت الأبيض


Elizabeth Keckley


كلّ الناس يحلمون، الحلم كالهواء متاح للكلّ، ومباح بالعدل للكلّ. حتى الموتى يحلمون، قد يستغرب البعض كلامي على أحلام الموتى، ولكن العلماء يؤكدون ان للموتى مقدرة على الحلم، فلقد قرأت ان الميّت يمضي الدقائق السبع الأولى من موته في الأحلام، يسترجع ذكريات ماضيه كلّه، تتحوّل هذه الدقائق الى شريط من الذكريات. والدراسات الدماغيّة لا تزال في مطلع عمرها ولا يزال امامها الكثير لتعمله وهذا يعني ان الانسان تنتظره متَع لا تنتهي، وكشوفات علمية مذهلة لا تخطر ببال كثيرين من الناس.

في هذه المقالة سأتناول سيرة حياة حلم، ولا اقصد بالحلم ما نراه في المنام، وانّما الرغبات الذاتية التي يسعى المرء الى تحقيقها، ويحقّقها رغم انف صعوبات الطريق. لا اظنّ ان طريق الاحلام مفروشة بالسجّاد العجميّ الأحمر، كلّ الذين حققوا احلامهم يتحدثون عن العقبات الكأداء التي اعترضتهم، والاخفاقات التي كانت تطلّ برأسها من وقت إلى آخر، ولكنهم لا يتخلّون عن أحلامهم، يتعاملون معها كما تتعامل الأمّ مع وليدها. الأمومة تضحية وتفانٍ، وتحقيق الأحلام تضحية وتفان، ودفع تكاليف. الأحلام لا تتحقق بكبسة زرّ، كلّ النجاحات تتصبّب عرقاً، ليس هناك نجاح مجّانيّ.

وهنا سأحكي مقاطع من سيرة امرأة سوداء، ولدت في ظلّ العبودية، ولكنّها مكافحة انتزعت حرّيتها بيديها وحنكتها وإصرارها. اذكر هنا عبارة تحكي عن تفتيت الصخر بالإصرار والمثابرة، اليأس قد يطال بعض الناس، وهنا احكي عن استاذ قال لتلميذ له :" لو ذهبت كلّ يوم الى شجرة ضخمة للغاية ثم ضربتها خمس ضربات ببلطة حادة، ففي النهاية لا بد ان تسقط الشجرة، مهما كان حجمها". والأحلام تشبه طبخة على النار، لا تجعلها تحترق باستعجالك لإنضاجها، كثيرون يضعون أحلامهم على النار ولكنّهم لا يحسنون استعمال النار، لهذا لا يتلذّذون بمضغ طبخة أحلامهم. اللعب بالنار يتطلّب صبراً ومهارة.

المرأة التي سأتكّلم عنها كانت تجيد فنّ الطبخ، طبخ الأحلام. ولدت هذه المرأة واسمها اليزابيت كيكلي   Elizabeth Keckley (1818- 1907) ، قبل أن ينال الأسْود في اميركا حرّيته، ولكنها رفضت واقعها. تعلمت في فترة العبودية القراءة والكتابة والحياكة. انتقلت عائلة سيّدها التي نشأت فيها الى مدينة فيرجينا، وكانت في اواسط العشرينات من عمرها، حلمت بأن تصير سيّدة اعمال، حين اكتشفت في مدينة فيرجينا سيدات حرائر من لون بشرتها، رغبت في الحرية، كانت تحلم بالحريّة وتتابع تدرّبها على اتقان الحياكة على أمل أن تتقن حياكة مصيرها وحرّيتها. كانت واقعية جدّا، الأحلام تتطلّب الكثير من الواقعية كما كانت ترى، حلمت بالحرية ولكنها لم تتمرّد على حياة الإذلال التني تعيشها في بيت سيّدها، تحمّلت العذاب وحياة الرقيق. انتقلت العائلة بعد تسع سنوات الى مدينة سانت لويس في ولاية ميزوري. كانت في التاسعة والعشرين من العمر ولا تزال مستعبدة. كانت عائلة سيّدها تمرّ بأزمة اقتصادية عصيبة، ولكي تجني المال راحت تعمل في حياكة الالبسة لتعيل أفراد عائلة سيّدها، كانت تصنع الفساتين لنساء العائلة ولنساء الطبقة الراقية في المدينة.

بواسطة إبرتي، تقول، تمكنت من اطعام سبعة عشر شخصا لمدة عامين وخمسة اشهر، كانت الحرّية تحرّك مشاعرها، حين اقترحت على سيدها عتقها مقابل بدل مادّيّ صدّها بخشونة وطلب منها عدم فتح الحديث، الا انها لم تكن تنوي الاستسلام، الاستسلام كلمة حذفتها من معجم حياتها، ليست عنيدة ولكنّها لن تستسلم، العناد قصر النظر والاستسلام دمار ذاتيّ لكل أحلامها، عاودت الطلب مرّة ثانية بعد فترة من الوقت، وكانت حالة سيّدها الماديّة قد ازدادت سوءا، لم يكن جوابه هذه المرّة كما في المرّة السابقة، بل اقترح عليها ان تأخذ منه ربع دولار من الفضّة وتهرب الى الولاية الحرّة،  لكنها رفضت ان تكون حرّيتها مسروقة سرقة، تريد حرّية كاملة بالطرق القانونية المشروعة.

كانت حال العائلة يزداد سوءا فأذعن سيّدها لرغبتها وحدّد سعرها 1200 دولار، كان المبلغ في ذلك الزمان يكسر ظهر الأحرار فما بالك بالعبيد، ولكنّه كان سعرا بخساً في نظرها، الحريّة لا تقدّر بثمن، وهنا عرضت عليها النسوة التي كانت تخيط لهم مساعدتها واعطتها كل واحدة بحسب مستطاعها. لكن كيري اعتبرت الهبة قرضاً سرعان ما عملت على تسديده من عملها في الحياكة. كان الحرية التي نالتها في عام 1852  وهي في الرابعة واثلاثين من عمرها بمثابة جزء من حلمها وليس كلّ حلمها. كان الشطر الآخر من حلمها أن تصير سيّدة أعمال، فبدأت العمل في مجال الخياطة، وازداد طموحها، لم ترضى بأن تكون مجرّد خيّاطة عاديّة، ستكون إبرتها علامة فارقة، وهذا ما كان، كانت الأزياء تخرج من تحت يديها وتصير محطات في عالم الموضة. راحت تحلم بالدخول إلى البيت الأبيض من خرم إبرتها ومقصّها الساحر، أرادت أن تكون ملابس السيّدة الأولى زوجة الرئيس أبراهام لنكولن من تصميمها وصنعها.

كانت أفواه زبائنها مدخلها الى البيت الأبيض. كانت تفصّل أزياء لسيّدات الطبقة الراقية في المجتمع الأميركيّ، وانتقلت شهرتها من فم إلى فم حتّى وصل صدى انجازاتها الى مسامع سيّدة البيت الأبيض فاستدعتها، صار جسد السيدة الاولى فرصة ذهبيّة ومعرضاً حيّا لأزيائها التي تفتنّ في صنعها، وصارت فضلا عن ذلك، مستشارة الموضة الوحيدة لماري تود لينكولن، وموضع ثقتها. بعد اغتيال الرئيس لنكولن سئلت زوجته: ألا يوجد شخص ترغبين في تواجده الى جانبك في هذه المحنة؟ بلى، أجابت ماري تود لنكولن، ارسلوا لي اليزابيت كيكلي التي كانت تعتبرها سيّدةّالبيت الأبيض الصديقة الأقرب إلى قلبها، ومن سخرية الأقدار أن عائلة السيّدة الأولى كانت تعمل في تجارة العبيد والرقّ.

لقد حقّقت الأمة السوداء كلّ أحلامها، وكانت من الناشطات في جمعيات تساعد الفقراء السود الذين نالوا حريّتهم مؤخرا على الاندماج في مجتمع الاحرار عبر العمل.

اسم الخياطة السوداء اليزابيت كيكلي ليس نكرة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، كما انّ اسمها جزء من تاريخ الموضة في أميركا، وبإمكان من يرغب في قراءة سيرتها الذاتيّة العودة الى كتابها " Behind the Scenes, or, Thirty years a Slave, and Four Years in the White House.  / وراء الكواليس،  ثلاثون عاما من الرقيق، وأربع سنوات في البيت الابيض"، أو قراءة رواية الكاتبة ( Jennifer Chiaverini جنيفر شيافريني) التي نسجت من حياة تلك الأمة السوداء روايتها التاريخيّة Mrs Lincoln's Dressmaker / خّياطة  مدام لينكولن.

بلال عبد الهادي

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2015

الخرافة البغدادية والترجمة



هذه عبارة قرأتها على احدى صفحات الفايسبوك، وقائلها يتبناها على انها حقيقة علمية لا تقبل الجدل.
رغم ان من له اطلاع ولو بسيط على التراث العربي لاكتشف وهنها العلميّ، ولكنها تشبه المرهم الوهمي او التعويذة التي يظنّ المعالج بها انها ترياق شاف.
مشكلة العرب مع من يصدّق على الطائر كل قول دون تمحيص.
كان تعليقي عليها هو ما يلي:
هذه الخرافة يحبها بعض العرب للأسف.
وازاء تعليقي تدفقت بعض التعليقات التي تخلط شعبان برمضان ، ومنها التعليق التالي، واتركه كما هو بأخطائه اللغوية والعلمية:
1- بلال انت راجل كبير و محترم لو انت بتقول كلام كبير زي دا المفروض يكون مدعم بدلاله نراها و نفهمها و الا هي سخريه و اهانه من صغيري العقول
2- هذه حقيقة موجودة في كتب الغرب اقرا فضل العرب المسلمون على الحضارة و العلوم الانسانيةفلولا علم الرياضيات لما صنعت حاسوبا ولا وصلت للقمر ومعظم النظريات الفلكية والرياضية تم تطويرها في عصر العلم والمعرفة في عهد الخلافة العباسية ... وللحديث سرد كثير في كتب الاوربيون

في التعليق رقم 2 يعتبر الأخ كاتب التعليق وهو أسامة سعد آل شاكر، ان ما يقوله الغرب كلام مقدّس، او كالمقدّس.
ثمّ من قال انها حقيقة موجودة في كتب الغرب، وهي خرافة صراح.
فلا حول ولا قوة الا بالله!
وصاحب التعليق رقم 2 كنت قد اجبته بان كلامي هو تعليق على ما ورد في الصورة اعلاه، فاعاد القول التالي:
وكلامكم يدل على جهل بالتاريخ انظر المخطوطات في المكتبة البريطانية وغيرها من المكتبات عن تاريخ بغداد وتطور العلم فيها ، انها كثيرة اكثر من ان تعد، انظر الى حضارة العرب المسلمون لاكثر من الف عام مضت ولا تهتم لصورة لبلد متخلف اثر فيه الزمن وانهكته المجاعة والطاعون، ولكل زمان دولة ورجال ، انا لا ادافع هنا عن العرب بل اتشرف ان اكون عربيا ولكن هذه خلفية تاريخية حقيقية نحن بقايا من امم انقرضت ، هل تعلمون ان امة الاسلام حكمت الهند اكثر من اربعمائة عام وازدهرت فيها الحضارة والعلوم كبغداد في عهد الدولة الخوارزمية ، هل تعلمون ان الدولة الاسلامية كانت تمتد حتى شمال النمسا وكان اولاد الاوربيون يدرسون في الجامعات العربية الممتدة من المغرب العربي في تونس حتى جامعات بغداد كمثل الجامعة المستنصرية التي بنيت قبل سقوط بغداد بنصف قرن ثم تم احياؤها من جديد لمدة اربعمائة سنة تدرس فيها علوم العرب النقلية والعقلية ناهيك عن العلوم الفلسفية والفقهية المنوعة
واعدت بدوري ما قلته سابقا كما يلي:
لا حول ولا قوة الا بالله، كلامي يتعلق فقط لا غير بما ورد في الصورة. اعتقد ان كلامي لا يحتاج الى منجم مغربي لفهمه! مع التحيات


قرد حراسة


من المعروف أنّه حين تضاف كلمة " حراسة " إلى حيوان ما فإنّ الذهن يذهب أوّل ما يذهب إلى استحضار الكلب. فعبارة " كلب حراسة " ليست غريبة على السَّمْع حتّى باستخداماتها المجازيّة. أما الحيوانات الأخرى فليس من عاداتها تأدية مهمّة الحرّاس لدى الآدميين. ولا أعرف لماذا أتذكّر، هنا، فيلماً للأطفال عرض منذ عشر سنوات تقريباً في صالات السينما اللبنانية شاهدته برفقة ابنتي الصغيرة، كان بطله الرئيسيّ خنزيراً ينوب مناب الكلب في حراسة خراف أحد الرعاة، ويشارك الخنزير في مسابقة تقام في القرية عن أفضل كلب حراسة فينال الجائزة الأولى وسط تصفيق الرعيان وإعجابهم ببراعة الخنزير الذي تطبّع بطباع الكلاب!
ولكن ما أتناوله اليوم هو حكاية قرد قام بدور حارس دكّان. ولقد أخبرني هذه الحكاية صيّاد حكايات طاعن في السنّ وطاعن، أيضاً، في الخبرة. لم يسبق أن وقع نظري من قبلُ على نصّ يحكيها. تقول الحكاية إنّ أحد الباعة يملك قرداً، وكان بينه وبين قرده خبز وملح وعِشْرة عمر. كان هذا البائع يضطرّ أحياناً لمغادرة دُكّانه فوجد أنّه من الممكن تعليم القرد حراسة الدكّان في غيابه بدلاً من أن يغلقه وصار البائع يغادر الدُكّان ويتركه في عهدة القرد.
انتبه، ذات يوم، أحد اللصوص إلى وجود القرد بمفرده في المحلّ، واللصّ أحياناً لا يكون على عجلة من أمره، فالعجلة- كما يعرف اللصّ وغير اللصّ- من الشيطان. راح اللصّ، على مدى بضعة أيّام، يراقب صاحب المحل ليعرف مواعيد مغادرته، والمدّة التي يستغرقها الغياب، ثم اختار الفترة الأطول التي يغيب فيها البائع عن محلّه لتكون مسرح عملية السطو التي يخطّط لها، وفي الوقت المحدّد دخل ذلك اللصّ بوجه بشوش يقطر طيبةً ومحبةً وبساطةً حتّى ليظنّ من يراه أنّه من أولياء الله الصالحين. ابتسم اللصّ في وجه القرد ابتسامات تنمّ عن ودّ. وكلّنا يعرف ولع القرود في التقليد، فما كان من ذلك القرد إلاّ أن بادل اللصّ ابتساماً بابتسام، ثمّ سرعان ما بدأ ذلك الرجل بالتثاؤب ( والتثاؤب، كبعض الأمراض، يُعْدي) وراح القرد بدوره يتثاءب، وكان التثاؤب ينبت من بين ابتسامتين تخرجان من وجه اللص كلّه، ثمّ بدأت فترات الابتسام بالتقلّص وفترات التثاؤب بالازدياد. ظلّ الرجل يتثاءب والقرد يتثاءب إلى أن تشتّتت يقظة القرد ونسي أنّه يقلّد ذلك الرجل مجرّد تقليد لا غير. شعر القرد أنّ النعاس بدأ يدبّ في جفنيه وما هي إلاّ هنيهات حتى غلبه النوم واستغرق في سبات عميق، نام كأيّ جسد ميت من النعاس. وعلى رؤوس أصابع قدميه تقدّم اللصّ إلى دُرْج المال وسحب ما سحب ثم انسحب كالشعرة من العجين بلا حسّ ولا خبر.
عاد الرجل إلى محلّه وهو مطمئنّ لأنّه تركه برعاية عين أمينة لا يغمض لها طرْف وما إن وصل إلى الدكّان حتى رأى القرد في عالم آخر غير العالم الذي تركه فيه. وانتبه إلى دُرْج " الغلّة " المفتوح. هجم البائع على القرد وراح يضربه والقرد يقفز قفزاته المعروفة هرباً من ذلك الضَّرْب الذي لم يعرفْ له سبباً، فاليقظة المباغتة تتخلى عنها ذاكرتها ولو للحظات. وحين استعاد القرد ذاكرته ويقظته مرّ أمام عينيه شريط الأحداث التي سبقت النوم، وتألّم القرد لما أصاب صاحبه من خسارة كان هو مسبّبها.
تعلّم القرد من علامات الضرب على جلده أن لا ينام وأن لا يسمح لأحد أن يلعب بعينيه. مرّت الأيام ونسي الرجل مصابه و" عادت حليمة إلى عادتها القديمة " كما يقول المثل، أي عاد الرجل إلى ترك محلّه لفترات في عهْدة القرد.
استمرأ اللصّ فكرة تنويم القرد. فعاد مرّة ثانية إلى المحلّ بمقدّماته المعسولة إيّاها من ابتسام وبشاشة وجه ثمّ بدأ بإدراج تثاؤباته في طيّ ابتساماته وراح القرد بحكم التقليد يبادل اللصّ تثاؤباً بتثاؤب وابتساماً بابتسام وتذبيل عينين بتذبيل عينين وما إن مرّ وقت حتّى بدأ التثاؤب يأخذ مفعوله ولكن هذه المرّة في جفني اللصّ الذي نسي دوره اللصوصيّ وغلبه النعاس حتى سطا عليه سلطان النوم. القرد، فيما يبدو، لا يلدغ من جحْر مرتين! راح يتأمّل اللصّ النائم بعينين يقظتين من بعيد. لم يهجمْ عليه أو ينتقم منه، تركه يسترسل في نومه ومنامه.
تفاجأ الرجل حين رجع إلى دكّانه بوجود ذلك الرجل المستغرق في النوم ولكنْ عرف من إشارات القرْد أنّه الرجل الذي كان وراء مصيبته في المرّة السابقة. صحا الرجل من نومه مذعوراً إثر ضربات فجّة كانت تنهال عليه وهو لا يعرف إنْ كان في علم أمْ في حلم أو بالأحرى في كابوس لو لم يرَ القرد وقهقهاته المجلجلة وضربات يديه التي ترنّ على صدره من فرح له نكْهة الشماتة ومذاقُ الانتقام.

الأحد، 6 سبتمبر 2015

النحو وصلاة السهو



ليس هناك معرفة عميقة بأمر من الأمور إلاّ وهي تفيد في مجال آخر. وإذا ما تأمّل المرء في الموجودات التي يستعملها في حياته اليومية فإنّه سوى يرى عشرات الأمثلة. كنت قد قرأت أنّ ستيف جوبز استوحى تصميم إحدى كمبيوتراته من شكل مكنسة كهربائيّة، وانه كان يهوى التجوال في جناح الأدوات المنزلية في السوبرماركت ليستوحي أشكال حواسيبه.

 ومن حسنات علم اللغة الحديث، على سبيل المثال، انه تحوّل الى منهج لدراسة أمور لا علاقة لها باللغة، ولا سيّما المنهج البنيويّ. لقد استعانت أغلب العلوم الانسانيّة بالأدوات التي قدّمها علم اللغة الحديث للتعامل مع الموادّ التي تعمل عليها. العلوم يولد بعضها من بعض، ويؤازر بعضها بعضاً، ويضيء بعضها بعضاً. وسوف أطرح بعض الأسئلة من وحي العلوم التي لا صلة ظاهرة فيما بينها، ولكن من يتابع أخبار نموّها وتطورّها سوف يكتشف تلك العلاقات الخفيّة. ما علاقة دارون صاحب الكتاب العاصف" النشوء والارتقاء" بعلم اللغة؟ هل كان لعلم اللغة الحديث أن يتطوّر على الشكل الذي تطوّر عليه لولا نظرية دارون؟ ما علاقة الرومانسية الأدبية بنظرية دارون ، وهل كان لدارون دور في نشوء الرومانسيّة؟ وهل يمكننا فصل دراسة الفلكلور الشعبيّ عن السعي الحثيث لاكتشاف مسائل لغوية؟ وهل من علاقة بين الفلكلور وبين الرومانسية؟ وهل كان للرومانسية ذلك التيّار الأدبيّ اللاهب الذي عصف بعواطف أوروبا أن تنشأ لولا نموّ علم اللغة الحديث وتحديداً بمناهجه التاريخية؟

حياة العلوم لا تخلو من طرافة، وهي على نسق حياة الناس، هل يخلو التطوّر البشريّ من عنصر الطرافة أو عنصر المصادفة؟ وثمّة طرفة عن جحا تقول في شكل سؤال: من أكبر جحا أم ابوه؟ يمكن لنا أن نرى هذا السؤال من غير المنظور الساذج  الذي أريد له، ونحاول أن نراه في حياة العلوم والفنون. فلننظر الى المسرح والسينما، الكلّ يكاد يجمع على القول إنّ السينما هي بنت المسرح حتى على صعيد المفردات والمصطلحات، فالمخرج السينمائيّ هو " metteur en scène "، ويفصح اسم المخرج بالفرنسيّة عن جذوره المسرحيّة، ولكن السينما نمت نموّاً مذهلاً إلى حدّ ان متابع المسرح المعاصر ينتبه الى بصمات السينما في الإخراج وفي تقنية العرض المسرحيّ وأحيانا تكون شاشة السينما عنصرا حيويّاً من عناصر المسرحية، وهي شاشة غيّرت من مصير تجسيد الزمن وتجليات الماضي على خشبة المسرح. فالأب ( وهو المسرح هنا) يغيّر مصير ابنائه، ولكن سرعان ما تنقلب الادوار فنرى الأب يتأثّر بولده، بل إنّ الابن هو الذي يقرّر مصير إقامة والديه. كم عدد الآباء الذين تركوا ديارهم ليكونوا الى جانب أبنائهم في المغتربات؟

في العلوم الانسانية بفروعها الاجتماعية والانتروبولوجية والنفسية نجد عدداً لا يستهان به من مصطلحات علم اللغة. فهل كان بمقدور عالم النفس الفرنسيّ الشهير جاك لاكان ان يطوّر نظريته في علم النفس لو لم يستقِ من علم اللغة جزءاً كبيراً من أدوات بحثه؟ وهل كان بمقدور كلود ليفي استراوس  مؤسّس الأنتروبولوجية البنيوية أن يؤسّس نظريته الانترولوجية حول الغذاء لو لم يستعتن بحركات (صوائت) اللغة الأساسيّة وأقصد الفتحة والضمة والكسرة؟ وقد يقول قائل وما علاقة حركات اللغة بالطعام؟ وكيف يمكن لشخص أن ينشئ نظرية كاملة الأوصاف لأمر غير لغويّ من منظور لغويّ محض؟ نظر استراوس الى الحركات فوجد ما يسمي بالمثلّث الصوائتي وهو المثلّث المكون من ثلاثة أضلاع صوتية وهي الفتحة والضمة والكسرة ولا تخلو لغة منها، ولكن كلّ لغة تختلف عن غيرها من خلال استعمالها لمروحة هذه الصوائت. وفي العربية بعض المصطلحات ولعلّ أشهرها "الإمالة" وهي أخذ الفتحة جهة الكسرة فتخرج من الفم حركة هي مزيح من الحركتين كما في الآية الكريمة " وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إنّ ربي لغفور رحيم " (هود : 41). قال استراوس ان كل المجتمعات تأكل النيء والمعفّن والمطبوخ، ولا تجد شعبا من الشعب لا يتعامل فمه مع هذا "المثلّث الغذائيّ". ما كان بمقدور هذا المثلّث الغذائيّ البسيط أن يولد في ذهن استراوس لولا نظرته نظرة لغوية الى امور الطعام وهو الذي قضى جلّ وقته في دراسة الطعام في الشعوب البدائية باعتباره نصّاً لغوياً وميتولوجياً.

 أخذ ادوات علم ما وتوظيفها في مكان آخر يسمح للدماغ البشري ان يرى روابط جديدة، أو ينشئ روابط جديدة، ويرى حلولاً قد يكون من الصعب على نظام مغلق على نفسه ان يراها رغم أنّها في متناول اليد أو النظر!

وكنت قد وقعت على نصّ من تراثنا الفقهيّ للشاطبيّ في كتابه " الموافقات" يتكلّم فيه على احتمال أن يجد نحويّ لا علاقة له بالفقه في إيجاد حلّ فقهيّ من باب من أبواب اللغة وليس من باب من أبواب الفقه، وينقل حادثة وقعت للفرّاء وهو من هو في ميدان اللغة! يقول الشاطبيّ: "حمل بعض العلوم على بعض في بعض قواعده، حتّى تحصل الفتيا في أحدها بقاعدة الآخر، من غير أن تجتمع القاعدتان في أصل واحد حقيقيّ، كما يحكى عن الفرّاء النحويّ، أنه قال : من برع في علم واحد سهل عليه كلّ علم. فقال له محمد بن الحسن القاضي  - وكان حاضراً في مجلسه ذلك، وكان ابن خالة الفرّاء - : فأنت قد برعت في علمك، فخذ مسألة أسألك عنها من غير علمك: ما تقول فيمن سها في صلاته، ثم سجد لسهوه فسها في سجوده أيضاً؟ قال الفَرّاء :لا شيء عليه. قال: وكيف؟ قال: لأنّ التصغير عندنا لا يصغّر، فكذلك السهو في سجود السهو لا يسجد له، لأنّه بمنزلة تصغير التصغير، فالسجود للسهو هو جبر للصلاة، والجبر لا يجبر، كما أنّ التصغير لا يصغّر. فقال القاضي: ما حسبت أنّ النساء يلدن مثلك. فأنت ترى ما في الجمع بين التصغير والسهو في الصلاة من الضعف،  إذ لا يجمعهما في المعنى أصل حقيقي، فيعتبر أحدهما بالآخر" .

وأنهي بخبر أشبه بطرفة أورده الكاتب بيل برايسون  في كتابه عن سيرة حياة شكسبير، فهو يروي حكاية شخص ولوع بانتاج شكسبير الأدبيّ، وهو هاوٍ حدّ الهوس، ولكنّه كان يتابع كلّ خبريّة عن شكسبير، يعرف تاريخ شكسبير من الألف الى الياء، ومن خبرته في " التنقيب" عن حياة شكسبير صار عنده خبرة في فنّ التنقيب. استراتيجيته في التنقيب عن اخبار شكسبير، استخدمها هي نفسها في التنقيب ولكن هذه المرّة ليس عن حياة أديب وإنما عن النفط. فاشترى مساحات شاسعة في ولاية تكساس، ثم بدأ بالتنقيب، الى أن انفجرت الأرض التي اشتراها نفطاً لا علاقة لشكسبير، من حيث الظاهر، في العثور عليه.

بلال عبد الهادي

حكاية من حكايات اليشب الصينيّ


العنقاء والحجر


المستحيلات، في نظر العربيّ القديم، ثلاثة: الغول والعنقاء والخلّ الوفيّ. لا يخلو إدراجُ الخِلّ الوفيّ في خانة المستحيلات من نظرة تشاؤميّة سوداء (البعض يراها واقعيّة). لكنّ الشعوب لم تُجمع على هذه المستحيلات. ولعلّ مجرّد وجود أسماء لها هو مبرّر كافٍ لوجودها، إن لم يكن ذلك على مستوى الحقيقة العلميّة فهو وجود على مستوى الواقع الأسطوريّ، وللوقائع الأسطوريّة سلطان يفوق، في بعض الأحيان، سلطان الحقائق! يبدو أنّ لكلّ حضارة، فيما يخصّ الطائر الأسطوريّ، فينيقها أو عنقاءها. والتسمية العربية للعنقاء مستلّة، كما يقول المفسّرون، من عنق هذا الطائر الطويل والجميل. والأساطير التي دارت حول هذا الطائر لا تخلو من دلالات جميلة منها نهوضه من موته ورماده أي قدرته على الولادة المتجددة.

 إحدى الحكايات التي تدور حول العنقاء صينيّة المنشأ وهي تربط بين اكتشاف حجر "اليَشَم" المعروف بالـ"جاد" (Jade) وطائر العنقاء. تقول الحكاية إنّ أحد الحِرفيّين رأى طائر العنقاء يحطّ على رأس جبل. والعنقاء، إذا أخذنا ببعض تفاصيل الأسطورة العربية، ليس طائراً خرافياً مائة بالمائة. فهو طائر نادر الظهور، يزور الأرض آتياً من مكان قصيّ مجهول كلّ خمس مائة سنة. وعليه فإنّ رؤيته لا تتيسّر لكلّ إنسان. والعنقاء، في نظر الصينيين، كائن جميل ونبيل وكريم، لا يضاهيه جمالاً ونبلاً وألواناً أيُّ طائرٍ آخرَ. ولعلّ ولعَ الصينيين الراهن بالطيور غُصْنٌ من أسطورة العنقاء.

حين رأى ذلك الحِرفيّ الطائر وهو يحطّ على قمة الجبل لم ينبهر بجماله فقط وإنما افتتن بالمكان الذي حطّت عليه قدما العنقاء. قرّر الحرفيّ أن يصعد الجبل، على مشقّة الصعود، لأخذ الحجر الذي وقف عليه طائر العنقاء، معتبراً أن هذا الطائر النبيل يستحيل أن يضع قدميه على حجر لا يليق بمكانته ومخالبه. ومن هنا، اعتقد الحرفيّ اعتقاداً راسخاً بأنّ هذا الحجر لا بدّ من أن يكون من الأحجار الكريمة النادرة.

       حمل الحرفيّ واسمه "بْيانْ خُهْ" الحجر بكلّ فرح إلى الملك لتقديمه هديّة، وهنا طلب الملك من خبير بالأحجار الكريمة تقييم هذا الحجر الكريم، قال الخبير بعد إلقاء نظرة على الحجر: إنّه حجر عادي ولا صلة له بالكرم لا من قريب ولا من بعيد. اعتبر الملك الحرفيّ الذي أحضر الحجر مخادعاً وكذاباً وأراد الاستخفاف بعقل الملك والضحك عليه، فغضب الملك وانزل بالحرفيّ عقاباً صارماً لا تمحى آثاره إذ أمر بقطع رجله اليسرى.

دارت الدنيا دورتها ومات الملك فاعتلى ابنه العرش. عاد الحرفيّ مجدداً حاملا حجره الكريم وقدمه للملك الجديد الذي طلب بدوره من خبير في البلاط أن يفحصه لامتحان معدنه. فقال الخبير: إنّه حجر عاديّ ليس له أيّ صلة نسب بالأحجار الكريمة فغضب الملك وسار على نهج أبيه آمراً بقطع رجل الحرفيّ اليمنى. خسر الحرفيّ بسبب هذا الحجر قدميه. مات الملك الجديد وخلفه ابنه. وكان الحرفيّ قد شاخ وهرم ومع هذا لم يؤثر بتر قدميه على إيمانه بمحتِد الحجر النبيل ذرّة واحدة. ولكنه فقد الثقة بالملوك فلم يذهب إلى الملك الذي خلف أباه وإنما اتجه إلى سفح الجبل الذي حطّ عليه طائر العنقاء وراح يبكي، بقي واقفاً يبكي ثلاثة أيام بلياليها وهو يحتضن حجر اليشم حتى تقيأ الدم من فرط حزنه.

سمع الملك ببكاء الرجل فبعث إليه من يسأله عن سبب بكائه، ظنّ من رآه أنّه يبكي حزناً لفقدان قدميه، ونيله قصاصاً لا يستحقّه إخلاصه. قال مبعوث الملك للحِرَفيّ معزّياً: هناك عدد كبير من الناس قطعت أرجلهم، فلماذا تحزن وتبكي أيّها الشيخ؟

 قال الحرفيّ: "أنا لست حزيناً بسبب قطْع رِجْلَي، وإنّما لأنّ هناك من يقول إنّ الحجر الكريم هذا هو حجر عادي، والمواطن الصالح والصادق كاذبٌ ومخادعٌ، والبريء يعامل معاملة مرتكبي كبائر الذنوب، هذا هو سبب حزني الحقيقي يا سيّدي!"

 أمر الملك، حين علم بحكاية الحرفيّ الذي ضحّى بقدميه لأجل حجر، على الفور بفحص الحجر والتدقيق فيه فانفلق قلب الحجر عن يَشَمٍ باهر، يشم بهر ضياؤه عينَي الملك فأكرم الحرفيّ وعوّضه خسارة قدميه. وقد ذاع صيت يشم الحرفيّ بين الممالك التي تنافست على اقتنائه إلى أن استقرّ في مملكة "جاو". وعندما علم الملك تْشِيْنْ (221 – 207 ق. م) مؤسّس الإمبراطوريّة الصينيّة بخبر هذا الحجر عرض مقايضته بخمس عشرة مدينة من مدن إمبراطوريته. وقد قبلت مملكة "جاو" بهذا العرض السخيّ.

 نادراً ما عرف حجر كريم مصيراً كمصير يشم الحرفيّ، وهو مصير دالّ، في أي حال، على قيمة حجر اليشم أو الـ"جاد" ليس فقط الجماليّة وإنّما أيضاً القيمة العلاجيّة للنفس والجسد إذ يقال إنّ لحجر الجاد قدرةً على إصدار ذبذبات مهدّئة بمقدورها خلق حالة من التوازن بين جسد المرء وروحه. وللعالم العربيّ الكبير أبي الريحان البيرونيّ (372 - 440هـ.) كتاب علميّ طريف بعنوان:" الجَماهِر في معرفة الجواهر" يتطرّق فيه إلى الفوائد الصحيّة، النفسيّة والجسميّة، لبعض الأحجار الكريمة.

بلال عبد الهادي



السبت، 5 سبتمبر 2015

من أحاديث الموتى

لا ندري بالتمام والكمال مدى صحة الرؤيا التي رآها الخليفة العباسي المأمون وغيّرت من مجرى تاريخ الفلسفة في العالم الإسلامي، بحسب الرواية التي رواها القفطيّ في كتابه "تاريخ الحكماء". ولكن لا ريب في أنّ رؤيا المأمون لأرسطو كبير الفلاسفة الإغريق وحواره المناميّ معه جعلته يعتني عناية فائقة بترجمة التراث الفلسفي الإغريقي إلى العربية وإنشاء بيت الحكمة. ويا ليته رأى من جملة من رأى هوميروس فربّما كان من شأن ذلك أن يدفعه إلى الاعتناء أيضاً بكتب الأدب والأساطير العفيّة التي لم تنل حظوتها من الترجمة إلاّ حديثاً.
المتتبع لدور عالم الأحلام في الحضارة العربية أو غيرها من الحضارات يلحظ أموراً طريفة جدّا خرجت من أرحام الأحلام. فالإنسان لا يتصرّف أحياناً بناءً لما يمليه عليه ضميره وإنما بناء لما تمليه عليه مناماته. وربّما كانت منامات المرء تكشف عن خفاياه ونواياه أكثر مما يكشفه سلوكه اليوميّ الذي ليس بالضرورة أن يكون صورة نقيّة عن مكنونه.
الفراق مرّ المذاق، والإنسان حين ينفصل عمن يحبّ في الدنيا لا يطيق انتظار الآخرة لملاقاته. والميت قد يكون عاطفيّا ورقيق القلب ويشعر بالشوق لمن غابت عنه وجوههم فيتسلل إلى أحبابه للسمر معهم من باب الأحلام طوراً لحديث عاديّ وطورا لإسداء نصيحة أو إعطاء رأي. ويمكن قراءة أخبار الرائين الكثيرة المتناثرة في كتب التعابير والأحلام العربية أو غير العربية ليرى المرء كمّ التغيرات التي تحدثها الأحلام في حياة الأحياء. ويحضرني هنا كتاب العالم النفسيّ الشهير اريك فروم الموسوم "اللغة المنسية" حيث يحاول على امتداد صفحاته بلورة الأبجدية المنامية، ووضع صرف ونحو إذا صحّ التعبير لمادّة المنام الهلاميّة أو لهذه اللغة المنسيّة كما أحبّ أن يسميها باعتبارها لدى بعض من ينسب نفسه إلى العقلانيّة من قبيل الأباطيل أو الترّهات. وسواء كانت المنامات من هذيانات خيال محموم أم لا، فهي غيرت سلوك أشخاص كثيرين لعبوا أدواراً حاسمة في التاريخ كالاسكندر أو تيمور لنك.
في المنامات ما يخطر وما لا يخطر على بال، ولعلّ من أطرف ما في المنامات، هو ما ترويه عن الموتى الذين يلبسون في فترة المنام لباس الأحياء، ويتصرفون كما كانوا يتصرفون في حياتهم اليومية الغابرة، بل ربما ينشطون أكثر! وما من حيّ إلا وله تجربة ولو عابرة مع من فارق الدنيا. ومن الطريف حقّاً رصد ما يقوله الأموات عن الأحياء، وسماع تعليقاتهم على أحداث الدنيا الساخنة التي يرونها من بعيد، والنظرة عن بعد تكون في أي حال بانورامية أكثر. ليس للميت من وسيلة دنيوية للتعبير عن نفسه أو للتواصل مع الأحياء إلاّ هذه الوسيلة، كلّ ما قاله في حياته الدنيا من كلام أو كتابات ينتسب إلى الماضي، وإعطاء كلامه القديم دلالة مستجدّة من قبيل التأويل الذي لا يصحّ إلا بمباركة أو مشاركة مباشرة منه عن طريق ظهوره في رؤيا ما! وهذا كثير الحدوث في التاريخ، وكتب الأدب والتاريخ تزخر بمواقف الشعراء الموتى أو المتصوفة من تفسيرات وتآويل لأقاويلهم لا تنال استحسانهم فيتدخلون مناميّاً لإعادة معنى القول إلى مجراه الطبيعيّ.
ولا يمكن لأحد أنْ يجرؤ على نكران الأحلام وفعاليتها، ففي كلّ الكتب السماوية أو ما يقوم مقامها في حضارات غير سماويّة أحاديث عن المنامات. وما قصة يوسف المنامية ببعيدة عن ذهن القارىء فيما أتصور، والميت يتدخل في أحداث الساعة ليس فقط في الرسم الكاريكاتوري كما نرى في رسومات فنانين على صفحات الجرائد حيث يرسمون الميت وهو جالس على غيمة بيضاء يخاطب الأحياء ويعلّق على أحداث الساعة من عليين، ولعلّ هذه الصور الكاريكاتورية ليست إلاّ ترجمة حرفية لأحلام الرسّام.
ولكن الميّت لا يستطيع أن يحقق أهدافه إلا بمساعدة الأحياء فهم من يترجمون رغباته ويحققون أحلامه إن كان للميت من أحلام منعه فيض الروح من تحقيقها. وقد يساهم منام ما في إنشاء غرض أدبيّ ما كان له أن يوجد بالصورة التي هو عليها الآن لولا منام عابر في ليل الأحياء. تروي لنا كتب التاريخ الأدبي حكاية الشاعر البوصيريّ (1212-1296)الذي اشتهر بمدائحه النبوية ولا سيما مطولته "البُرْدة" (160 بيتاً) التي قام أكثر من شاعر بمعارضتها والنسج على منوال بردتها ووزنها وقافيتها، ولم يكن آخرهم أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته "نهج البردة" التي مطلعها:
رِيْمٌ على القاع بين البانِ والعَلَمِ أحلَّ سفكَ دمي في الأشهر الحُرُمِ
ورد في سيرة حياة البوصيريّ انه كان مقعدا، فرأى الرسول عليه الصلاة والسلام في المنام وهو يحثّه على الوقوف على رجليه والسير بشكل طبيعيّ. قام البوصيري من نومه ووقف على رجليه وكأنه لم يكن فيما مضى مقعداً لا تطاوعه قدماه. عبّر عن شكره وفرحته بإنشاء مدحته النبوية التي صارت غرضاً شعرياً بامتياز، ومطلعها للتذكير ليس أكثر:
أَمِنْ تذكّر جيران بذي سَلَمِ مزجت دمعاً جرى من مقلةٍ بدم؟
هل كان لهذا الغرض الشعري أن يرى النور على هيئته تلك لو لم يغمض البوصيريّ عينيه ذات ليل على منام أعاد إليه عافية قدميه؟