السبت، 16 يناير 2016

الليلة الثالثة عشرة من كتاب الامتاع والمؤانسة

فلما حضرت ليلةً أخرى قال: هات. قلت: إن الكلام في النفس صعب، والباحثون عن غيبها وشهادتها وأثرها وتأثرها في أطراف متناوحة وللنظر فيهم مجال، وللوهم عليهم سلطان، وكل قد قال ما عنده بقدر قوته ولحظه، وأنا آتي بما أحفظه وأرويه، والرأي بعد ذلك إلى العقل الناصح والبرهان الواضح.
قال بعض الفلاسفة: إذا تصفحنا أمر النفس لحظناها تفعل بذاتها من غير حاجة إلى البدن، لأن الإنسان إذا تصور بالعقل شيئاً فإنه لا يتصوره بآلة كما يتصور الألوان بالعين والروائح بالأنف، فإن الجزء الذي فيه النفس من البدن لا يسخن ولا يبرد ولا يستحيل من جهة إلى أخرى عند تصوره بالعقل، فيظن الظان منا أن النفس لا تفعل بالبدن، لأن هذه الأمور ليست بجسم ولا أعراض جسمية.
وقد تعرف النفس أيضاً الآن من الزمان والوحدة واليقظة، وليس لأحد أن يقول: إن النفس تعرف هذه الأشياء بحس من الإحساس، ففعل النفسي إذن يفارق البدن، وتأليف البرهان أن يكون على أن يقال: للنفس أفعال تخصها خلوٌ من البدن، مثل التصور بالعقل، وكل ما له فعل يخصه دون البدن فإنه لا يفسد بفساد البدن عند المفارقة.
وقال أيضاً: وجدنا الناس متفقين على أن النفس لا تموت، وذلك أنهم يتصدقون عن موتاهم، فلولا أنهم يتصورون أن النفس لا تموت، ولكنها تنتقل من حال إلى أخرى إما إلى خير وإما إلى شر؛ ما كانوا يستغفرون لهم، وما كانوا يتصدقون على موتاهم ويزورون قبورهم.
وقال أيضاً: النفس لا تموت، لأنها أشبه بالأمر الإلهي من البدن، إذ كان يدبر البدن ويرأسه.
والله جل وعز المدبر لجميع الأشياء، والرئيس لها. والبدن أشبه شيء بالشيء الميت من النفس إذ كان البدن إنما يحيا بالنفس.
وقال أيضاً: النفس قابلة للأضداد، فهي جوهر، فالفائدة أن النفس جوهر.
وقال: النفس ليست بهيولى، فلو كانت هيولى لكانت قابلةً للعظم، فليست النفس إذاً بهيولى.
وقال: ليست النفس بجسم، لأن النفس نافذة في جميع أجزاء الجسم الذي له نفس، والجسم لا ينفذ في جميع أجزاء الجسم؛ ولا هيولى، لأن النفس لو كانت هيولى لكانت قابلة للمقادير والعظم، وفائدة هذا أن النفس جوهر على طريق الضرورة.
وقال آخر: حركة كل متحرك تنقسم قسمين: أحدهما من داخل، وهو قسمان: قسم كالطبيعة التي لا تسكن البتة، كحركة النار ما دامت ناراً، وقسمٌ هو كحركة النفس تهيج أحياناً وتسكن أحياناً، وكحركة جسد الإنسان التي تسكن إذا خرجت نفسه وصار جيفة.
والقسم الآخر من خارج، وهو قسمان: أحدهما يدفع دفعاً كما يدفع السهم ويطلق عن القوس، والآخر يجر جراً كما تجر العجلة والجيفة.
وقال: فنقول: ليس يخفى أن جسدنا ليس مدفوعاً دفعاً ولا مجروراً جراً ولما كان كل مدفوع أو مجرور متحرك من خارج متحركاً لا محالة من داخل، فالجسد إذن متحرك من داخل اضطراراً.
وقال: إن كان جسدنا متحركاً من داخل، وكان كل متحرك من داخل إما متحركاً حركةً طبيعية لا تسكن، وإما نفسية تسكن.
فليس يخفى أن حركة جسد الإنسان ليست بدائمة لا تسكن، بل ساكنة لا تدوم، وكانت حركة كل ما سكنت حركته فلم تدم ليست حركةً طبيعية لا تسكن، بل نفسيةً من قبل نفسٍ تحركه وتحسسه.
بوقال: إن كانت النفس هي التي تحيي الإنسان وتحركه، وكان كل محرك يحرك غيره حياً قائماً موجوداً، فالنفس إذاً حيةٌ قائمة موجودة.
وقال أيضاً: النفس جوهر لا عرض، وحد الجوهر أنه قابل للأضداد من غير تغير، وهذا لازم للنفس، لأنها تقبل العلم والجهل، والبر والفجور، والشجاعة والجبن، والعفة وضدها، وهذه أشياء أضدادٌ، من غير أن تتغير في ذاتها، فإذا كانت النفس قابلةً لحد الجوهر، وكان كل قابل لحد الجوهر جوهراً فالنفس إذاً جوهر.
وقال: قد استبان أن النفس هي المحيية المحركة للجسد الذي هو الجوهر ولما كان كل محيٍ حركٍ للجوهر جوهراً فالنفس إذاً جوهر.
وقال: لا سبيل أن يكون المحيا المحرك جوهراً ويكون المحيي المحرك غير جوهر، فإذا كانت هي المحيية المحركة للجسد، وكان لا يمكن أن يكون المحيي المحرك للموجود غير موجود، فالنفس إذاً لا يمكن أن تكون غير موجودة.
وقال: إن كانت النفس بها قوى وحياة الجسد، فيمتنع أن يكون قوامها بالجسد، بل بذاتها التي قامت بها حياة الجسد.
وقال: إن كانت النفس قائمة بذاتها التي قامت بها حياة الجسد، فما كان قائماً بذاته فهو جوهر، فالنفس إذا جوهر.
وقد أملى علينا أبو سليمان كلاماً في حديث النفس هذا موضعه، ولا عذر في الإمساك عن ذكره ليكون مضموماً إلى غيره، وإن كان كل هذا لم يجر على وجهه بحضرة الوزير - أبقاه الله ومد في عمره - لكن الخوض في الشيء بالقلم مخالفٌ للإفاضة باللسان، لأن القلم أطول عناناً من اللسان، وإفضاء اللسان أحرج من إفضاء القلم، والغرض كله الإزادة، فليس يكثير الطويل.
قال: ينبغي أن نعرف باليقظة التامة أن فينا شيئاً ليس بجسم له مدات ثلاث: أعني الطول والعرض والسمك، ولا يجزأ من جسم ولا عرض من الأعراض، ولا حاجة به إلى قوة جسمية، لكنه جوهر مبسوط غير مدرك بحس من الإحساس. ولما وجدنا فينا شيئاً غير الجسم وضد أجزائه بحدته وخاصته، ورأينا له أحوالاً تباين أحوال الجسم حتى لا تشارك في شيء منها وكذلك وجدنا مباينته للأعراض، ثم رأينا منه هذه المباينة للأجسام والأعراض إنما هي من حيث كانت الأجسام أجساماً والأعراض أعراضاً؛ قضينا أن ها هنا شيئاً ليس بجسم ولا جزء من الجسم، ولا هو عرض، ولذلك لا يقبل التغير ولا الحيلولة، ووجدنا هذا الشيء أيضاً يطلع على جميع الأشياء بالسواء ولا يناله فتور ولا ملال، ويتضح هذا بشيء أقوله: كل جسم له صورة فإنه لا يقبل صورةً أخرى من جنس صورته الأولى البتة إلا بعد مفارقته الصورة الأولى، مثال ذلك أن الجسم إذا قبل صورةً أو شكلاً كالتثليث، فليس يقبل شكلاً آخر من التربيع والتدوير إلا بعد مفارقة الشكل الأول. وكذلك إذا قبل نقشاً أو مثالاً فهذا حاله، وإن بقي فيه من رسم الصورة الأولى شيء لا يقبل الصورة الأخرى على النظم الصحيح، بل تنقش فيه الصورتان، ولا تتم واحدة منهما، وهذا يطرد في الشمع وفي الفضة وغيرها إذا قبل صورة نقشٍ في الخاتم؛ ونحن نجد النفس تقبل الصور كلها على التمام والنظام من غير نقص ولا عجز، وهذه الخاصة ضدٌ لخاصة الجسم، ولهذا يزداد الإنسان بصيرةً كلما نظر وبحث وارتأى وكشف.
ويتضح أيضاً عن كثب أن النفس ليست بعرض، لأن العرض لا يوجد إلا في غيره، فهو محمول لا حامل وليس هو قواماً، وهذا الجوهر الموصوف بهذه الصفات هو الحامل لما لها أن تحمل، وليس له شبه من الجسم ولا من العرض.
وكان يقول: إذا صدق النظر، وكان الناظر عارياً من الهوى، وصح طلبه للحق بالعشق الغالب، فإنه لا يخفى عليه الفرق بين النفس المحركة للبدن، وبين البدن المتحرك بالنفس.
قال: ولما عرضت الشبهة لقوم قصر نظرهم، ولم يكن لهم لحظ ولا اطلاع فظنوا أن الرباط الذي بين النفس والبدن إذا انحل فقد بطلا جميعاً.
وهذا ظن فيه عسف، لأنهما لم يكونا في حال الارتباط على شكل واحد وصورةٍ واحدة، أعني أنهما تباينا في تصاحبهما وتصاحبا في تباينهما.
ألا ترى أن البدن كان قوامه ونظامه وتمامه بالنفس? هذا ظاهر.
وليس هذا حكم النفس في شأنها مع البدن، لأ،ها واصلته في الأول عند مسقط النطفة، فما زالت تربيه وتغذيه وتحييه وتسويه حتى بلغ البدن إلى ما ترى، ووجد الإنسان بها، لأن النفس وحدها ليست بإنسان، والبدن وحده ليس بإنسان، بل الإنسان بهما إنسان، فإذاً الإنسان نصيبه من النفس أكثر من نصيبه من البدن.
وهذه الكثرة توجد في الأول من ناحية شرف النفس في جوهرها، وتوجد في الثاني من جهة صاحب النفس الذي هو الإنسان بما يستفيده من المعارف الصحيحة، ويضمه إلى الأفعال الواجبة الصالحة، فأمر المعارف الصحيحة معرفة الله الواحد الحق باليقين الخالص، وأمر الأفعال الواجبة الصالحة العبادة له والرضوان عنه.
وغاية المعرفة الاتصال بالمعروف، وغاية الأفعال الواجبة الفوز بالنعيم والخلود في جوار الله، وهذا هو الصراط المستقيم الذي دعا إلى الجواز عليه كل من رجع إلى بصيرة وآوى إلى حسن سيرة.
فأما من هو عن هذا كله عمٍ وعما يجب عليه ساهٍ، فهو في قطيع النعم، وإن كان متقلباً في أصناف النعم.
وكان يقول كثيراً: الناس أصناف في عقولهم: فصنفٌ عقولهم مغمورة بشهواتهم، فهم لا يبصرون بها إلا حظوظهم المعجلة، فلذلك يكدون في طلبها ونيلها، ويستعينون بكل وسع وطاقة على الظفر.
وصنف عقولهم منتبهة، لكنها مخلوطة بسبات الجهل، فهم يحرضون على الخير واكتسابه، ويخطئون كثيراً، وذلك أنهم لم يكملوا في جبلتهم الأولى وهذا نعتٌ موجود في العباد الجهلة والعلماء الفجرة، كما أن النعت الأول موجودٌ في طالبي الدنيا بكل حيلة ومحالة.
وصنفٌ عقولهم ذكيةٌ ملتهبة، لكنها عمية عن الآجلة، فهي تدأب في نيل الحظوظ بالعلم والمعرفة والوصايا اللطيفة والسمعة الربانية، وهذا نعت موجود في العلماء الذين لم تثلج صدورهم بالعلم، ولا حق عندهم الحق اليقين؛ وقصروا عن حال أبناء الدنيا الذين يشهرون في طلبها السيوف الحداد، ويطيلون إلى نيلها السواعد الشداد فهم بالكيد والحيلة يسعون في طلب اللذة وفي طلب الراحة.
وصنف عقولهم مضيئة بما فاء عليها من عند الله تعالى باللطف الخفي، والاصطفاء السني، والاجتنباء الزكي، فهم يحلمون بالدنيا ويستيقظون بالآخرة؛ فتراهم حضوراً وهم غيب، واشياعاً وهم متباينون.
وكل صنف من هؤلاء مراتبهم مختلفة، وإن كان الوصف قد جمعهم باللفظ.
وهذا كما تقول: الملوك ساسةٌ، ولكل واحد منهم خاصة؛ وكما يقولون: هؤلاء شعراء ولكل واحد منهم بحر؛ وهؤلاء بلغاء ولكل واحد منهم أسلوب وكما تقول: علماء، ولكل واحد منهم مذهب.
وعلى هذا أبو سليمان - حفظه الله - إذا أخذ في هذا الطريق أطرب، لسعة صدره بالحكمة، وفيض صوابه من المعرفة، وصحة طبيعته بالفطرة.
وقال: إنا بعد هذا المجلس تركنا صنفاً لم نرسمه بالذكر، ولم نعرض له بالاستيفاء، وهم الهمج الرعاع الذين إن قلت: لا عقول لهم كنت صادقاً، وإن قلت: لهم أشياء شبيهة بالعقول كنت صادقاً؛ إلا أنهم في العدد، من جهة النسبة العنصرية والجبلة الطينية والفطرة الإنسية، وفي كونهم في هذه الدار عمارة لها ومصالح لأهلها: ولذلك قال بعض الحكماء: لا تسبوا الغوغاء فإنهم يخرجون الغريق ويطفئون الحريق ويؤنسون الطريق ويشهدون السوق.
فضحك - أضحك الله ثغره، وأطال عمره، وأصلح شأنه وأمره - فقال: قد جرى في حديث النفس أكثر مما كان في النفس، وفيه بلاغ إلى وقت، وأظن الليل قد تمطى بصلبه، وناء بكلكله؛ وانصرفت.

الأربعاء، 13 يناير 2016

اليأس مومس لعوب

اليأس غباء، طيش، نزق، سقوط في الفخّ المنصوب، كل وسائل اليأس موفورة ومؤمنة: انكسارات، تخلف، ايمان شرس بالخرافة، كسل، تبجح على خواء، تشاوف أخرق، ادعاء بامتلاك افعل التفضيل. اليأس يمارس الدعارة في بلادنا، اليأس مومس لعوب، مومس فاتنة المظهر، والعفّة تتطلب بعد نظر.
ليس سهلا ان تحافظ في العالم العربي على الأمل.
ولكن الأمل قدر لا رادّ له.
يستحيل ان يكون الماضي خيرا من الآتي، كلّ الآتي.
الفكر السلفيّ يخالف منطق العيون

الاثنين، 11 يناير 2016

داسوس أم جاسوس؟

الناظر في الكلمتين يعرف انهما تشيران الى معنى واحد. هنا اريد ان احكي عن الجيم والدال فقط. فالخلاف بين الكلمتيبن هو خلاف بين الحرف الاول في كل من الكلمتين.هل الجيم في جاسوس هي غير الدال في داسوس؟
طبيعة الجيم طبيعة ثنائية. اي انها تحتضن الجيم والدال معا. فحرف الجيم حرف مزدوج، كما نجد في لغات كثيرة انكليزية وصينية مثلا. فبنطال الدجينز يكتب بالجيم ولكن لفظا تحضر الدال غير المكتوبة. وفي الصينية هناك حروف كثيرة من هذا القبيل: دج، تش، تس، الخ.
اذا، الحرف العربي جيم هو "دج". بعض اللهجات اخذت الحرف الأول:"د" وبعض اللهجات اخذت الحرف الثاني:"ج".
وهكذا صارت "دجاسوس" داسوس او جاسوس.

اشير في الاخير الى ان حرف الجيم قد يخرج من الفم على شكل"ي" كما في الخليج او على شكل "ز" كما في بعض مناطق ليبيا أو من بعض أفواه الصغار.

علاء رجب وكلامه حول الأدب الصيني


الأدب الصيني
الأدب الصيني من أشهر وأعرق الآداب في العالم. وقد قدّم الكُتّاب الصينيون أعمالاً مهمة على مدى 3000 عام تقريبًا.
لم يعد الصينيون الأدب شكلاً فنيًا منفصلاً عبر معظم التاريخ الصيني، حيث كانوا يتوقعون من كل المثقفين أن يكتبوا بأسلوب رشيق منمّق بغض النظر عن الموضوع. فقد تناول كثير من روائع الأدب الصيني موضوعات يعدُّها بعض الكُتّاب الأوروبيين موضوعات غير أدبية. وتشتمل هذه الموضوعات على التاريخ والفلسفة والسياسة والدين والعلوم.
كانت الخدمة الحكومية تحظى بقدر كبير من الاحترام في الصين حتى بداية القرن العشرين. ولفترة تزيد على الألف عام كان الأفراد يتقلدون وظائف حكومية بعد اجتيازهم لامتحان يختبر قدرتهم على نظم الشعر وكتابة النثر. ولذا فإن معظم الكُتّاب الكبار في الفترة التي سبقت القرن العشرين كانوا موظفين حكوميين؛ لأن معظمهم قد عُيِّنوا في وظائفهم نظرًا لمهارتهم الأدبية.
تعطي معظم الأعمال الصينية دروسًا أخلاقية أو تعبّر عن فلسفة سياسية. وتبدو هذه الموضوعات بوضوح في كتابات الكونفوشيين. الكونفوشية فلسفة أسسها كونفوشيوس الذي عاش في الفترة ما بين عامي 551 و479 ق.م. ساد هذا المذهب الصين حتى القرن العشرين. كذلك كان يعتنق عدد كبير من الكُتَّاب (البوذية أو الطاوية)، حيث كانت البوذية إحدى الديانات والفلسفات المهمة. وكان البوذيون والطاويون أقل اهتمامًا من الكونفوشيين بمسألتي الأخلاق والسياسة، بيد أنهم استخدموا الأدب ليعبّروا عن أفكار دينية وفلسفية.
حقق الأدب الصيني خلال سني القرن العشرين، انفصامًا كبيرًا عن ماضيه. وقد عُزي هذا الانفصام جزئيًا إلى أثر الثقافة الغربية على الكُتّاب الصينيين. ولكن سيطرة الحزب الشيوعي الصيني على مقاليد الأمور في الصين كان له الأثر الأكبر، فقد طالب الشيوعيون ـ منذ استلامهم السلطة ـ الكتّاب الصينيين بالتركيز على المُثل الشيوعية.
الأدب الصيني القديم
البدايات.
من بواكير الأعمال الأدبية الصينية المجموعة التي تضم ثلاثمائة قصيدة وكانت تُعرف باسم كتاب الأغاني. ويرجع تاريخ أقدم هذه القصائد إلى القرن الحادي عشر قبل الميلاد. قد تكون بعض هذه القصائد بدأت بوصفها أغاني الزراعة والحب والحرب، بينما كان بعضها الآخر يُنْشَد في مناسبات الزفاف والقرابين الدينية. ومن أقدم أعمال النثر الصيني كتابات تاريخية تعرف باسم كتاب الوثائق. ويتكوّن هذا الكتاب بصورة أساسية من خطب ظُنّ أنها للحكام الصينيين الأوائل. وربما كانت هذه الخطب على أية حال أقاصيص كُتبت في عهد حكم أسرة تشو فيما بين عامي 1122و256 ق.م ).
يُشكّل كتاب الأغاني وكتاب الوثائق بالإضافة إلى ثلاثة كتب أخرى ما يُعرف بـ الكلاسيكيات الخمس التي تشكّل أساس الكونفوشية. وقد كان الكونفوشيون يعدّون هذه الكتب نموذجًا للامتياز الأدبي. فقد كانوا يتلونها بوصفها أيضًا أعمالاً تضم الحكمة الأخلاقية، حيث كانت تؤكد على المثاليات الكونفوشية في الواجب والاعتدال والسلوك القويم والخدمة العامة.
ربما نشأت الديانة الطاوية في القرن الرابع قبل الميلاد كرد فعل ضد الكونفوشية إلى حد ما. خلافًا للكونفوشيين، كان الطاويون يعتقدون أن على الناس أن يتفادوا الالتزامات الاجتماعية ويعيشوا حياة مبسطة وأقرب إلى الطبيعة. وقد أثرت هذه الأفكار كثيرًا على الشعراء، حيث تغنوا بجمال الطبيعة. ونتج عن الفلسفة الطاوية رائعتان من الروائع الأدبية: الأولى وهي كتاب نموذج الطريق والفضيلة كتبه في الغالب لاوزي، مؤسس الطاوية. أما الثاني المعروف باسم زوانجتزي فينسب إلى الفيلسوف زوانجتزي.

الشعر.
عاش الشعراء الصينيون الأربعة الكبار، على أرجح الأقوال، في عهد أسرة تانغ (618 - 907م). وهم حسب تواريخ ميلادهم: وانج وي؛ لي بو، دو فو، بوجويي.
كتب وانج رباعيات تصف بعض المناظر الطبيعية. وتوضح أعماله التي تؤكد على الهدوء والتأمل تأثره بالبوذية.
أما لي بو فقد كتب قصائد خيالية عن أحلامه ونزواته وحبه للشرب. وبخلاف معظم الشعراء في عصره كتب لي بو على منوال القصائد القصصية الصينية القديمة.
يعدّ الكثير من النقاد دو فو أشهر شعراء الصين، حيث تفوق على كل شعراء أسرة تانغ الآخرين في أسلوبه واختيار موضوعاته. وقد عبّر في بعض قصائده الأولى عن إحباطه لسقوطه في امتحان دخول الخدمة الحكومية. وقد ألهمته الثورة الدموية التي نشبت بين عامي 755 و 757م كتابة قصائد يدين فيها الاستهتار الذي رآه أثناء الحرب. وفي قصائده الأخيرة أبرز استخدامًا ذكيًا للغة مُطَوِّرًا بذلك أسلوبًا أثّر على الشعراء الصينيين لعدة قرون.
أما بو جوبي فقد كتب قصائد ساخرة بأسلوب قصصي. وقد عارض كثيرًا من السياسات الحكومية في عصره.
المسرحيات والقصص.
تطوّرت بوصفها أشكالاً للأدب الصيني في القرن الثالث عشر الميلادي. وتشبه المسرحيات الصينية الأوبرا الأوروبية، حيث تجمع بين الغناء والرقص مع الحوار. وأكثر المسرحيات الصينية شهرة هي: الغرفة الغربية التي كتبها وانج شيفو وظلم تاوا التي كتبها غوان هانكنج. وقد كُتبِت المسرحيتان في القرن الثالث عشر الميلادي. ويعد تانج زيانزو أشهر كاتب مسرحي صيني. وأكثر مسرحياته شهرة هي مسرحية سرداب الباوانيا كتبت في القرن السابع عشر الميلادي.
وقد أعاد كتاب محترفون مجهولون كتابة الحكايات التاريخية التقليدية وصاغوها في قالب قصصي معقد يماثل القصص التي كتبها المؤلفون الغربيون. وقد نسبت رواية رومانسية الممالك الثلاث التي كتبها كاتب مجهول، إلى لو جوانز هونج، وهي تصف النزاع على السلطة بين ثلاث دول متنافسة في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الميلادي. أما رواية احتياطي الماء المعروفة أيضًا باسم كل الرجال إخوة فقد أسندت ـ ربما خطأ ـ إلى لو جوانز هونج وشي ناين. وتحكي الرواية عن عصابة خارجة على القانون ربما عاشت في القرن الثاني عشر الميلادي.
وفي القرن السادس عشر ظهرت رواية هزلية عظيمة عرفت باسم الرحلة إلى الغرب. وتُنسب هذه الرواية التي يُطلق عليها في الغرب اسم القرد إلى ووشينج آن. تصف الرواية زيارة أحد الرهبان البوذيين إلى الهند في القرن السابع الميلادي. وقد قام كاتب مجهول أيضًا، في القرن السادس عشر الميلادي بكتابة رواية زهرة اللوتس الذهبية وهي رواية شهيرة تتناول الفساد الأخلاقي. وتعد رواية حلم الغرفة الحمراء، والتي تعرف باسم قصة الحجر أفضل الروايات الصينية. وقد كتبها كاوزوكين في القرن الثامن عشر. وهي تتتبع تطور انهيار إحدى الأسر الأرستقراطية العريقة.
الأدب الصيني الحديث
كانت الصين معزولة عن الغرب حتى القرن التاسع عشر. وقد شهد القرن التاسع عشر سفر كثير من المنصرين والتّجار الأوربيين إلى الصين، وانفتح الصينيون تدريجيًا على الثقافة الأوروبية. وبحلول القرن العشرين ظهر أثر الأدب الغربي على أعمال معظم الكتاب الصينيين. وكان أهم مُؤلف صيني في أوائل القرن العشرين هو لو زن الذي كتب قصصًا قصيرة ساخرة في النقد الاجتماعي.
تولى الشيوعيون الصينيون، بقيادة ماوتسي تونج زمام السلطة في الصين عام 1949م، بعد حرب أهلية طويلة. وقد طالب الشيوعيون أن تكون الآداب جميعها في خدمة الدولة الجديدة. كما أمروا الكُتَّاب بإنتاج أعمال يسهل فهمها على الفلاحين والجنود والعمال، وكان لزامًا أن تمثل الطبقة أبطال الأعمال الأدبية.
وخلال الثورة الثقافية (1966-1976م)، جرى اضطهاد كل المثقفين في الصين. وكانت أهم الإصدارات الرئيسية في ذلك العهد قد كتبها العمال والفلاحون غير المؤهلين. وفي عام 1976م بدأت الحكومة تسمح بمزيد من الحريات الفنية. سيطرت الموضوعات السياسية والاجتماعية في هذه الفترة على كل الأعمال المنشورة وتجرأ بعض الكتاب على كتابة أعمال تنتقد الحكومة. وتضم قائمة الكتاب المهمين: ليوبينيان وزانج جي.
وفي عام 1989م قاد طلاب الجامعات الصينية وبعض المواطنين المظاهرات في ميدان تيان آن مين في بكين، مطالبين بمزيد من الديمقراطية. ومنذ بداية المظاهرات، اعتقلت الحكومة الصينية كبار الكتاب الذين أبدوا تعاطفًا مع الحركة الديمقراطية. وحاليًا تمنع الحكومة الكتّاب من نشر أي عمل ينتقد الحكومة. ويتمّتع الكُتّاب الصينيون الذين يعيشون في تايوان وهونج كونج وسنغافورة والولايات المتحدة بحرية فنية أكثر. ونذكر من هؤلاء الشاعرين يانج مو، يو كوانج شونج والروائيين شين جو ـ سي وباي هسين ـ يونج.

الكرة المضيئة – حكاية من التراث الصيني

حوار مع آن شينغ


 آن شينغ فرنسية من أصل صيني، عالمة بالصينيات، مهتمة بتاريخ الصين الفكري. بدأت باحثة في المركز الوطني للبحوث العلمية (فرنسا). ثم درّست في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية ، و في معهد فرنسا الجامعي. انتخبت في الكوليج دو فرانس سنة 2008، وتحتل الأن كرسي الأستاذية في مبحث' تاريخ الصين الفكري'. من أعمالها: ترجمة حوارات كونفوشيوس إلى الفرنسية (دار لوساي 1981) و'تاريخ الفكر الصيني ' (لوساي 1997) ، كما أشرفت على مؤلفات جماعية عديدة من بينها 'الفكر في الصين اليوم' (غاليمار 2007).
في هذا الحوار تتحدث عن ظروف العودة إلى فكر كونفوشيوس و ما تطرحه من إشكاليات. كما تحاول تفكيك بعض الأحكام المسبقة الغربية حول الفكر الصيني. 


أنتِ مهتمة بالتصدي للأحكام المسبقة المستحكمة حول الصين. ما هي في نظرك أهم تلك الابتسارات المتعلقة بالتراث الفكري الصيني؟

آن شينغ : يجب التذكير أولا أنه حينما نتحدث عن الصين، فنحن نتحدث عن واقع ضخم و معقد للغاية. على المستوى الزمني أولا و دون أن نجاري الخطاب الإيديولوجي الذي يتحدث عن 5 آلاف سنة من الحضارة الصينية، يمكن الحديث عن ثلاث ألفيات على الأقل فيما يتعلق بالتراث الفكري الصيني. أما فيما يتعلق بالمكان، فنحن أمام بلد يعادل أوروبا كلها. وهذا بغض النظر عن مدى تأثير ثقافة وخط الصين على كل من كوريا و اليابان و فيتنام.. خلال كل الألفية الثانية من العهد المسيحي. و مع الأسف لم نتخلص بعد من النظرة الموروثة من عصر الأنوار والآتية تحديدا عن طريق المبشرين اليسوعيين و التي حددت نظرتنا حول الصين. تسود خرافتان، تتحدث الأولى عن صين فلسفية وجدت لها صدى لدى فولتير في فرنسا. والثانية عن صين الاستبداد الشرقي التي كثيرا ما تقترن باسم مونتيسكيو. فمن جهة هناك صين ينوه بعقلانيتها،توافقها،عالميتها، وجمالياتها.إنها أسطورة صين / الفلسفة. ومن جهة أخرى صين عنيفة، فظة تلصق بها كل الأحكام المسبقة حول ثقافة الخضوع الأعمى للسلطة...تلك هي التصورات المسبقة الأساسية التي ما زالت قائمة إلى اليوم. وينتقل ذلك التصور من أقصى الكاريكاتور إلى أقصى الحذق : من النظرة الكولونيالية حول التنكيل في الصين و ذلك الشعب غير القادر على التفكير بنفسه، وحتى إلى أكثر الخطابات بلورة، التي تفسر كيف أن التراث الصيني لا يعرف الحوار و الجدل و لذلك لا يمكن أن نقابله بالتراث الإغريقي- اللاتيني المرتكز على الرأي العام والمنتديات . و هي فكرة أسقطها على العالم المعاصر هؤلاء الذين يريدون التأكيد على انتفاء النقاش في عالم الفكر الصيني الحالي. وهذا ليس صحيحا تماما، لأن النصوص تبين أن هناك مناظرات و جدل في التراث الصيني. وعلى الرغم من محاولة الرقابة الواضحة التي تمارسها السلطات الحاكمة، نجد اليوم على الأنترنيت عددا كبيرا جدا من المنتديات و مواقع التعبير الحر، وهو ما يدل على وجود حياة فكرية غنية. و لكن للوقوف على ذلك ينبغي أن يكون لنا حد أدنى من الاحتكاك مع الواقع الصيني على الأقل.. وذاك ليس حال بعض الذين يخطبون حول الصين الأبدية بحماسة و لكن دون أن يتحلون بنفس تلك الحماسة في الذهاب إلى الميدان للقاء معاصريهم الصينيين.

هل يبدو لكِ الحديث عن 'فلسفة صينية' معقولا؟

حينما نتحدث عن التراث الفكري الصيني نميل إلى وضعه قبليا في خانة الفلسفة. وتلك هي القبلية بالذات التي بدأت مساءلتها و أنا أتابع بكل اهتمام كيفية اختراع هذه المقولة في الحداثة الصينية في آواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وفي الحقيقة لقد عشنا عملية تركيب مصطنعة على الشأن الصيني. لقد تم إنتاج طيلة القرن العشرين مجموعة كبيرة جدا من "تواريخ الفلسفة الصينية" و غالبا بطريقة أشبه بالطريقة الصناعية. فها هو مو زونغسان الذي قضى عمره المهني بتايوان، خارج الصين الشيوعية، يحدد من جهته مشروعا ابتغى من خلاله تأسيس علم أخلاق كونفوشيوسي جديد وذلك بالمواءمة بين الأخلاق الكانطية وأخلاق الكونفوشيوسية المحدثة. يطمح شينغ شونغ - يونج وهو جامعي صيني- أمريكي مقيم في هاواي إلى إعادة التفكير في الميتافيزيقا الغربية معتمدا على 'كتاب التحولات' و الذي هو مصدر من المصادر الأساسية في الفكر الصيني. وفي المقابل نجد عمل فرنسوا جوليان الذي يستعمل الصين ليستخرج اللامفكر فيه في الفكر الغربي. و اختصارا نجد في الأمر تجارب من كل نوع.

"هل هناك فلسفة صينية؟" و"هل يمكن أن نتفلسف باللغة الصينية؟" من أجل استعادة تملك تراثهم، يحاول المثقفون الصينيون المعاصرون إعادة النظر في مثل هذه الأسئلة. المقصود اليوم هو الانطلاق من الصفر والتساؤل فيما إذا لم يكن من المستحسن والمثمر التخلص نهائيا من هذا الافتراض الفلسفي الحصري.

ما رأيكِ في منهج المقارنة المعتمد دائما عند التطرق إلى الصين؟ 

يجب أن تكون المقارنة نقطة انتهاء إذ لو تم تصورها كنقطة بداية نظرية لحُكم عليها بفبركة قضايا مصطنعة. كثير من الطلاب تجذبهم المقارنات و لا نقصد الفرنسيين منهم فقط بل يصل الصينيون أيضا ورؤوسهم مملوءة بمنهجيات تعلموها بسرعة، بلا عناية. وتكون النتيجة التقليل من أهمية جانبي المقارنة. فحينما نحاول مقارنة الصين واليونان، تختزل الفلسفة اليونانية دائما بشكل من الإشكال في أفلاطون و أرسطو. في حين يمكن أن نعود إلى وجوه أخرى، مثلا هؤلاء الفلاسفة الذين درسهم بيار حدو، الرواقيين و الأبيقوريين, إذ قد نجد عناصر فكرية مشتركة بينهم و بين مفكري الصين في العصر القديم، هؤلاء الذين فكروا هم أيضا بدورهم في مسألة في كيفية عيش الفرد لمصيره الإنساني في أفضل ما يمكن والعيش مع غيره على أحسن ما يرام. إذا اختصرنا العصر اليوناني القديم في الإرث الأفلاطوني و الأرسطي ووضعناه في مقابل العهد الصيني القديم منظورا إليه ككتلة واحدة، سيسهل علينا جدا إيجاد وإظهار التناقض و التعارض، لأن بين أيدينا مواضيع قد سبق وأن بنيناها لهذا الغرض.


شخصيا، أرى أن الأولوية هي في العودة إلى مقاربة تاريخية تقينا من شر السقوط في تهويمات بلا أساس قد تفضي بنا إلى خطر فقدان العلاقة بالواقع. خصوصا إذا ما عرفنا أن بعض المواقف النظرية قد تصبح خطيرة إذا ما سقطت بين أيدي إيديولوجيين وناشطين سياسيين. فمثلا تستغل فكرة الغيرية الصينية من طرف إيديولوجيين ينتهزون الفرصة لتمرير عبرها أن ليس للصينيين ثقافة ديمقراطية. ومن ثمة المطالبة بكونية صينية أخرى و الحكم في نهاية الأمر بعدم اهتمام الصينيين بحقوق الإنسان. لقد عملت الصين طيلة أكثر من قرن على تهديم تراثها الفكري، واليوم نجد أنفسنا أمام جيل ما بعد الثورة الثقافية الذي لا يعرف التراث وبالتالي يسهل التلاعب بعقله. ولئن كان للصينيين الذين ولدوا في الثلاثينات بقايا علاقة مع تراث بلادهم الحي- حتى و إن كان قد تعرض للهجوم آنفا-،فلم يعرف الجيل الموالي الذي عاش تحت نير النظام الماوي التراث إلا من خلال عملية التهديم التي كان يتعرض لها و لم يعرف كونفوشيوس سوى من خلال حملة النقد التي كانت موجهة ضد لين بياو. أما الجيل الجديد المولود بين 1970 و 1980، فهو من جهته يجهل تماما ماضيه البعيد و يتناسى ماضيه الأكثر قربا. ورغم ما يبدو من علامات العودة إلى التراث، فإن الشباب الصيني الذي يعيش اليوم في المدن هو شباب استهلاكوي تربى في محيط غربي بلا علاقة تربطه بالأوليين أو تاريخ الآباء. لذلك تبقى كل التلاعبات ممكنة بعقول هذا الجيل. وأمام هذا الوضع ينبغي علينا هدم كل ما ترسب من تصورات من أجل إعادة تأسيس شيئا، يكون قريبا من الواقع التاريخي بعض الشيء. فالتاريخ الفكري يأخذ بعين الاعتبار مسألة إعادة القراءة والنقاش والجدل الداخلي.


ما سر هذا الانتقال بين الصين القديمة والصين الحديثة..؟ 



أحاول أن أقدم إضاءة عن الحياة الفكرية لمعاصرينا الصينيين, وعلى الخصوص هؤلاء الذين يهتمون بالتراث ويبذلون قصارى جهودهم لتملكه. منذ حوالي 150 سنة على الأقل، تنظر الصين إلى ما عاشته على أنه تجربة استلاب وإذلال أمام الغرب. ولئن أمضت الصين قرنا كاملا في تقويض ميراثها بشكل قصدي واع، فإنها تتخيل اليوم أنها بإمكانها الافتخار به. و هذا انقلاب حديث عهد، تم خلال جيل واحد و يتخذ عدة أشكال و ذلك حسب مستوى العقل النقدي: من وطنية مهووسة بالانتقام ووصولا إلى تحاليل أكثر جدية. شخصيا، أحاول أن أفهم هذه الخطابات المتركزة أساسا حول كونفوشيوس وكتاب 'الحوارات'.

كيف تفسرين المكانة المركزية التي يتمتع بها كونفوشيوس في الفكر الصيني؟ 

 في بداية العهد الإمبراطوري، وبالتحديد في بداية حكم سلالة هان، في القرن الثاني قبل العهد المسيحي, رُفع كونفوشيوس إلى مرتبة الحكيم الأسمى و تم تأليهه ضمن الشعائر الإمبراطورية. وقد غدا إيقونة في حركتين: حدثت عملية تقديس طويلة المدى في التراث الصيني ثم تم استعادتها و تضخيمها في أوروبا عصر الأنوار. وإن كان جاء ذلك متأخرا، فقد اكتسبت 'الحوارات' على وجه الخصوص مكانة عظمى، وانتقلت على أنها كذلك إلى النخب الأوروبية. و قد قام اليسوعيون بوظيفة الوسطاء هناايضا إذ كان كتاب 'الحوارات' من أول الكتب التي نقلوها إلى اللغة اللاتينية. ولكن لا يستوفي كونفوشيوس كل ما استطاعت الصين أن تفكر فيه. فهناك بالتأكيد أيضا التقاليد التاوية والبوذية، و لكن ليس هذا فحسب بل نحن نجهل في الغالب، أن في بداية القرن الثامن وتحت حكم أسرة التانغ، استقبلت الصين الزرادشتية والمانوية الخ. وهو ما يكذب بشكل مطلق تلك الصورة المكونة عن صين منغلقة تماما قبل مجيء الغرب ممتطيا حصانه الأبيض. يبقى أن صورة كونفوشيوس قد انصهرت مع هوية امبراطورية معينة، لا تعني سوى السلطة المركزية مع حركة طاردة : من المركز نحو الأطراف، ومن أعلى هرم المجتمع إلى أسفله.

ولئن ساد كونفوشيوس فذاك يعود أيضا إلى فكرة معينة عن الحضارة والثقافة الإنسانية. فقد كان الرجل واعيا جدا بأنه وريث ثقافة سامية وأن مهمته هي نقلها للأجيال الموالية. كان له تصورا أصيلا للغاية، فالتراث حسبه هو ما يتغير أساسا. فلم يفهم رسالته كل هؤلاء الذين نظروا إليه على أنه شيخ رجعي، مخرّف ومحافظ. كان ينظر إلى عملية نقل التراث على أنها علاقة إنسانية في تغير دائم و تساؤل مستمر حول ذاتها. وحتى الذين حاولوا تحطيمه و خاصة الأكثر تشددا منهم مثل أنصار الثورة الثقافية، فهم يعترفون اليوم بقيمته التربوية والبيداغوجية. لقد ساد كونفوشيوس بما جسده أكثر بما قاله. وتتجلى قيمة 'الحوارات' في حفاظها، ليس فقط على ما قدمه من دروس، و لكن قد حافظت على صورة المعلم الذي كان. وهذا بلا شك ما سمح لرسالته أن تبقى حية وذلك بغض النظر عن التقديس الرسمي.


غالبا ما يتم الإصرار اليوم على مسألة استعمال كونفوشيوس كأداة ووسيلة دعائية. هل من مصداقية لهذا الخطاب؟ 

لا يمكن رد عودة كونفوشيوس إلى مجرد ظاهرة استغلال إيديولوجية بسيطة. فالمسألة ليست بنت أمس قريب، فمنذ القرن العشرين، حاول بعض المثقفين الصينيين مقاومة ذلك الإغراء الحداثوي الرامي إلى رمي التراث برمته في سلة المهملات. وإن هزمهم التاريخ واختار أغلبهم المنفى ابتداء من سنة 1949. ولكنهم عادوا إلى واجهة الأحداث نتيجة الازدهار الاقتصادي الذي عرفته بعض البلدان الأسيوية وكذا عودة الخطاب حول القيم الكونفوشيوسية ابتداء من ثمانيات القرن المنصرم. وقد سار على هذا الدرب جزء من الوسط الثقافي في صين اليوم. عاد كونفوشيوس أيضا ضمن ذلك التفكير السياسي الذي مارسه مثقفون يفكرون في طريق صينية لا هي مجرد استعادة سطحية للإرث الماوي و لا هي امتداد لنماذج مصدرها الديمقراطيات الليبرالية الغربية. و قد ذهب أصحاب هذا المنهج الصيني إلى البحث عن القيم و الثروة المعنوية في خزان الأفكار التقليدية العظيم. و ذلك بغية ابتداع طريقة حكم جديدة و مناهج أخرى في الإدارة الاجتماعية. كما نلاحظ أيضا عودة إلى التربية على الطريقة الكونفوشوسية، تعتمد على إعادة تقييم حب الوالدين لدى الأطفال وعلى الخصوص من خلال تحفيظهم 'الحوارات' عن ظهر قلب. و يتم هذا لحد الآن و بشكل محدد في إطار هامشي كالمناهج الخارجة عن إطار التعليم الرسمي، و هي أساليب تقليدية وضعها ناشطون بغية إعادة أخلقة الشبيبة و لتجاوز المشاكل الاجتماعية التي تعيشها الصين اليوم.
وفي الأخير يمكن أن نشير إلى وجود بعض مؤرخين داخل و خارج الصين، يحاولون أيضا فهم الظروف التي تكونت فيها صورة كونفوشيوس ونص 'الحوارات'. وأخذت عودة الحكيم أوجه شديدة الاختلاف و هو ما يبين غليان و حراك في الحياة الفكرية الصينية اليوم، بعيدا عن الصور النمطية المعتادة.

 

مجلة العلوم الاجتماعية (الفرنسية)، عدد مايو 2009 : المصدر:

حكاية صينية

ارسل تشي يانغ ابنه يانغي إلى معهد لمتابعة الدراسة بعد المرحلة الثانوية، ومن الجدير بالذكر أن تشي يانغ ليس بالرجل الغني، فقد كان يعيل زوجته وأربعة أولاد, وهذا كان مسموحاً قبل الثورة الاشتراكية ( أي إنجاب أكثر من ولدين!)، وكان الأب يقتصد في النفقات المنزلية لكي يؤمن حاجات ابنه في المعهد, ولحسن الحظ كان الولد على مستوى جيد من الوعي والشعور بالمسؤولية ذلك أنه كان يدرس جيداً ولاينفق المال إلا على الضروريات الدرسية من كتب ولوازم أخرى . وعلى مقعد الدراسة تعرّف يانغي إلى ابن أحد الموظفين الحكوميين الكبار، إلاّ أن الفرق واضح بينهما، فهذا الولد المسمى تشي سومو مبذّر لايعرف قيمة المال، وكان يتناول وجباته في أفخر مطاعم المدينة, وكان ذلك طبعاً على حساب الدوام, فغالباً يتغيب أو يتأخر عن المحاضرات, ونصحه زميله يانغي مراراً, وشجَّعه مع تغيير نمط حياته، إلا أن هذه النصائح لقيت آذاناً صماء، فقد كان يقول له: احتفظ بنصائحك لنفسك, فأنا ابن مسؤول ذي نفوذ كبير، ويستطيع أن يساعدني في كافة مناحي الحياة العامة.‏  واقتربت الامتحانات النصفية فأخذ يانغي يحضّر جيداً, وبالفعل نال علامات جيدة بل ممتازة في بعض المقررات الدرسية, وأما الطالب تشي سومو فلم يبل بلاءً حسناً في الامتحانات, ذلك أنه تغيب عن بعضها, وكانت نتائجه سيئة للغاية, وبعد الامتحانات عاد تشي سومو إلى مدينته ليزور أهله ويقضي إجازته نصف السنوية.‏  وحين أخبر التلميذ أباه عن أدائه في الامتحان، صُعِقَ الأب وقال له :‏  هذا ماقدّمت يداك, فلن أدعك تتابع الدراسة, لأنك لاتستحق هذه الفرصة, فزميلك الفقير حقق علامات عظيمة لأن العمل أساس, لايابني لا أستطيع أن أساعدك البتة وحتى لو تمكنتُ من ذلك فلن أفعل، أريدك أن تعتمد على نفسك وأن تنظر إلى الفصل الدراسي الأول بوصفه درساً مؤلماً تتعلم منه أن لاتضيع الوقت وأن تفعل مابوسعك, بل أكثر لأن النجاح الحق لايأتي إلاّ إثر العمل الدؤوب, يابني خذ عبرة من عمل زميلك ابن ذلك الرجل الفقير, فهو لم يأت ليزور أهله بسبب انشغاله بدروسه, وحين يزور أهله تكون زيارته قصيرة لأن الدراسة تتطلب العمل والمثابرة فتعلّم منه يابني، تعلم منه!.‏

محسن فرجاني .. أول عربي يحصل على جائزة التميز في الكتاب الصيني الجائزة تأسست في 2005 وتمنح للمترجمين والمؤلفين والناشرين الذين يسهمون في ترجمة الثقافة الصينية ونشرها خارج الصين.

بقلم: مصطفى عبدالله    مد الجسور   وقف أول عربي في قاعة الشعب الكبرى بالعاصمة الصينية فى السابع والعشرين من أغسطس الجاري لاستلام جائزة الإسهام المتميز في الكتاب الصيني التي تمنح للأجانب أصحاب التميز في تقديم الثقافة الصينية، وبما أن الدكتور محسن فرجاني، الأستاذ بكلية الألسن بجامعة عين شمس صاحب أكبر إسهام في ترجمة هذه الثقافة، والتعريف بها، فقد عكف طويلاً على ترجمة أمهات كتب التراث الصيني الخالد إلى اللغة العربية، كما ترجم العديد من الأعمال الأدبية الصينية الحديثة ومنها: روايتا "الثور والحلم"، و"الاوباش" لـ "مويان" أديب الصين الحائز على جائزة نوبل في الآداب في دورتها الأخيرة، فضلاً عن إسهامه في تمثيل مصر في العديد من المؤتمرات العلمية، والندوات الأدبية في الصين، ومن بينها الندوتان الرابعة والخامسة لحوار الحضارات بين العرب والصين.  لذلك رشحته الصين لنيل الجائزة لهذا العام.  ويذكر أن فرجاني أول عربي يَنال هذه الجائزة، فقد منحت في الدورات السابقة لستة هم: من أميركا "إزرا فوجل" المتخصص في الشئون الصينية، ومن السويد "آن جوستافسن"، مترجمة روايات مويان إلى لغتها الأم، ومن إندونيسيا "يوزا سورياوان"، ومن إيطاليا "ليونيللو لانشوتي"، ومن الأرجنتين "جورج ي. مانيلا".  ويشار إلى أن الجائزة تأسست في 2005 تحت اسم "الإسهام المتميز في الكتاب الصيني" وتمنح للمترجمين والمؤلفين والناشرين الذين يسهمون في ترجمة الثقافة الصينية ونشرها خارج الصين. الجائزة تمنحها الإدارة العامة للصحافة والنشر والتليفزيون والسينما بالحكومة الصينية في حفل كبير أثناء افتتاح معرض الصين الدولي للكتاب هذا العام.  وقد ألقى الدكتور فرجاني خطابًا في المؤتمر الصحفي الذي عقد في رحاب حفل منح الجائزة، وفيه عبر عن مشاعر الفخر والسعادة كأول عربي ينال هذه الجائزة،، وكذلك أثنى على تقدير مترجمي الثقافة الصينية من جانب الهيئات الثقافية الصينية في تأكيد منه كفائز على أن مثل هذا الفوز يعزِّز العلاقات الثقافية بين العرب والصين، وهي علاقات ممتدة عبر التاريخ، وتمثل الجائزة بالفعل أقوى حافز بالنسبة له لمواصلة جهده في مجال الترجمة من الصينية إلى العربية، وهي الجهود التي تتم عبر المركز القومي للترجمة في مصر الذي ينشر ترجماته، وكذلك مساندة وتشجيع كثير من رموز المجتمع الثقافي المصري.  ويعرب لي الدكتور فرجاني عن سعادته الغامرة بتوجه هذه الجائزة الرفيعة إليه، ويعترف بإخلاصه لعطائه للثقافة الصينية، وحرصه على مد الجسور بينها وبين القارئ العربي.  ويتحدث عن تجربته في ترجمة روايات مويان، وكيفية معالجته للنص مستطلعاً أجواء الكتابة عنده وخصائصها الإبداعية في الرواية، ويذكر طرفاً من أحوال الأدب الصيني المعاصر، ولاسيما عند أجيال "الفترة الجديدة" التي تجذب إليها الأنظار الآن، داخل الصين وخارجها، ويذكر كيف أنها تحظى بقدر غير مسبوق من الترجمات في عدد من اللغات الأوروبية، ويقول:  لو كان صحيحًا أن براعة مويان في المزج بين الواقعية السحرية والحكايات الغرائبية المعهودة في التراث الصيني القديم، هي المسوّغ لحصوله على جائزة نوبل في الأدب، إذن لاستحقها معه بالتساوي عدد من أهم كتاب القصة في جيل ما يُعرف بـ "أدب البحث عن الجذور".  وهؤلاء كثيرون جدًا، ومنهم: ليو سولا، شو شين، تسان شيو، جاهيداوا، هونفن، يو هوا، سوتون، مايوان، والأساس الإبداعي عندهم جميعًا يقوم على فكرة الانتصار لطاقات الحياة البدائية وكشف الجوهر العبثي للإنسان، تنديداً بضعفه وزيف ثقافته الحديثة.  والكتابة الروائية عند كثير منهم تجسد احساساً بعبث الوجود، لكن منابع إلهامهم لم تأت مباشرة من نماذج غربية الطابع؛ صحيح أنهم استفادوا من الترجمات والمدارس النقدية في الغرب، لكنها استفادة دون نقل!  ويوضح الدكتور محسن فرجانى كيف أن القصة لم تكن محل احتفاء أو استحقاق لجدارة حتى في التراث الفكري والأدبي الصيني القديم، وكثيرًا ما اعتبرتها الكونفوشية مجرد هزل وثرثرة صبيانية واسمتها "شياو شو" أي: الكلام التافه.  ويوضح أن الكتابة الروائية في الصين لم يكن لها أن تحتل مكانة معتبرة إلا بما اشتقت من الأساطير القديمة، أقدم واقع سحري نهلت منه أجيال الكتابة في أوائل الثمانينيات، حتى قبل أن تجري أقلام المترجمين بنقل نصوص "جارثيا ماركيز"؛ ذلك أن الساحة الأدبية كانت، وقتئذ، تبحث عن يقين ضاع منها إبان الثورة الثقافية.. لم يكن ثمة أساتذة هذه المرة حقا وفعلاً، ودع عنك مقولة الأديب السكندرى "محمد حافظ رجب"، تحت ظروف مختلفة، بشأن أجيالنا الأدبية في ستينيات الأدب العربي في مصر، فكانت العودة إلى الجذور الثقافية، حتى بمحتواها المتضمن لشرائح عريضة ممتدة من التراث الكونفوشي إلى الفولكلوريات الشعبية، فتشكلت ملامح يقين بالأسطورة منسجمة مع تقاليد باقية في المواريث، وكانت "الحداثة" هي الكلمة المفتاح لفهم اتجاهات الإبداع، منذ أوائل القرن العشرين، أو هكذا قد يقال.  ويذكر فرجاني أن تاريخ الحداثة في الصين يبدأ أيضًا مع حد زمني قاطع بين زمن قديم انتهى، وعصر جديد بدأ يشق طريقه إليها، فيما سمي بحركة الرابع من مايو 1919.

رأي ابن بطوطة في أهل الصين

حذاقة أهل الصين 299 أهل الصين من أحذق خلق الله كفاً بنقش وصناعة وكل عمل لا يقدمهم فيه أحد من سائر الأمم. والرجل منهم يصنع بيده ما يقدر أن غيره يعجز عنه فيقصد به باب الملك يلتمس الجزاء على لطيف ما ابتدع. فأمر الملك بنصبه على بابه من وقته ذلك إلى سنة. فإن لم يخرج أحد فيه عيباً جازاه وأدخله في جملة صناعه وإن أخرج فيه عيب أطرحه ولم يجازه. وإن رجلاً منهم صور سنبلةً عليها عصفور في ثوب حرير لايشك الناظر إليها أنها سنبلة وأن عصفوراً عليها. فبقيت مدة ثم اجتاز بها رجل أحدب فعابها. فأدخل إلى ملك ذلك البلد وحضر صانعها. فسئل الأحدب عن العيب فقال: المتعارف عند الناس جميعاً أنه لا يقع عصفور على سنبلة إلا أمالها. وإن هذا المصور صور السنبلة قائمة لا ميل لها وأثبت العصفور فوقها منتصباً فأخطأ. فصدق ولم يثب الملك صانعها بشيْ (سلسلة التواريخ) 300 حدث ابن بطوطة بهذا الشأن قال: وأهل الصين أعظم الأمم إحكاماً للصناعات وأشدهم إتقاناً فيها. وذلك مشهور من حالهم قد وصفه الناس في تصانيفهم فأطنبوا فيه. وأما التصوير فلا يجاريهم أحد في إحكامه فإن لهم فيه اقتداراً عظيماً. ومن عجيب ما شاهدت لهم من ذلك أني ما دخلت قط مدينة من مدنهم ثم عدت إليها إلا ورأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في الحيطان والكواغد موضوعة في الأسواق. ولقد دخلت إلى مدينة السلطان فمررت على سوق النقاشين ووصلت إلى قصر السلطان مع أصحابي ونحن على زي العراقيين. فلما عدت من القصر عشياً مررت بالسوق المذكورة فرأيت صورتي وصورة أصحابي منقوشة في كاغد قد ألصقوه بالحائط. فجعل كل واحد منا ينظر إلى صورة صاحبه لا تخطئ شيئاً من شبهه. وذكر لي أن السلطانأمرهم بذلك وأنهم أتوا إلى القصر ونحن به فجعلوا ينظرون إلينا ويصورون صورنا ونحن لم نشعر بذلك. وتلك عادة لهم في تصوير كل من يمر بهم. وتنتهي حالهم في ذلك إلى أن الغريب إذا فعل ما يوجب فراره عنهم بعثوا صورته إلى البلاد وبحث عنه فحيثما وجد شبه تلك الصورة أخذ (لابن بطوطة)

حوار مع الدكتور محسن فرجاني

يقف الدكتور محسن سيد فرجاني، حارساً على واحد من كنوز الحكمة والمعرفة العالمية، فما يملكه من علم كبير باللغة الصينية، أتاح له الاطلاع على تراث طويل من الحكمة والفلسفة المقبلة من بلادها الأم الصين .
فرجاني يعمل أستاذاً في قسم اللغة الصينية، في كلية الألسن جامعة عين شمس، وقدم العديد من الترجمات والأبحاث حول اللغة الصينية، وتاريخها، لافتا إلى أهميتها كوسيط يقود الدارس والمترجم إلى كنوز قديمة وحديثة، لم تزل غائبة عن ثقافتنا العربية حتى الآن، بسبب ضعف الترجمة في حقل اللغة الصينية، وغياب الاهتمام الشعبي بها .
قدم أستاذ اللغة الصينية خلال السنوات الماضية العديد من الترجمات المهمة عن اللغة الصينية مباشرة، أبرزها محاورات كونفوشيوس والكتب الأربعة المقدسة وكتاب الطاو، وغير ذلك من الأبحاث والكتب .
* إلى أي مدى نهتم بالأدب الصيني في العالم العربي؟
- يلقى التراث والأدب الصيني قبولا واهتماما لدى المتخصصين، والنخبة القليلة، والمثقفين، وربما امتد تأثيره إلى قطاعات من الدارسين والمهتمين، لا أقول إن هناك اهتماماً شعبياً كبيراً بالكتب الصينية، هو اهتمام نخبوي في النهاية .
* لماذا أقبلت إذاً على ترجمة الكتب الأربعة المقدسة، مع ضخامتها وصعوبتها؟
- يرجع اهتمامي بترجمة الكتب الأربعة، إلى رؤيتي للحضارة الصينية، كمصدر ثري مثلها في ذلك مثل الحضارة العربية والإسلامية، في تراثهم الأدبي ما يستحق الترجمة، وقد تعرفت خلال زيارتي للصين إلى مستشرقين ومستعربين صينيين، ولمست عندهم اهتماما بالثقافة العربية، وعرفت أنهم ترجموا للصينية الكثير من الكتابات العلمية والتاريخية، لذا وبدافع من التعاون والاهتمام بدأت الترجمة .
* لماذا لم تفكر في نقل الكتب الأربعة من لغة وسيطة، تسهيلاً عليك؟
- من المهم جداً ترجمة الكتب الأربعة عن الصينية مباشرة، وذلك لأهميتها في موطنها الأصلي، ولأننا في العالم العربي فاتنا الاهتمام بجذور الثقافة الصينية، التي لم تترجم عن الصينية مباشرة، بينما تمت ترجمة التراث الصيني إلى اللغات الأجنبية الأخرى بداية من القرن السابع عشر الميلادي، على يد الإرساليات التبشيرية الأوروبية، قبل أن تخطو تلك الدول إلى العصر الحديث .
أقدم ترجمة لهذه الكتب كانت في اللغة اللاتينية، وفي الإنجليزية أكثر من ترجمة عن الصينية مباشرة، بعضها استعان بخبراء صينيين، لذلك كان مهما أن يكون لدى الحضارة العربية من يترجم هذه الكتب عن الصينية مباشرة .
* كم تقدر عدد المترجمين الجادين في مجال اللغة الصينية؟ وهل هم كافون لنقل هذا التراث الثقافي الضخم؟
- بالطبع غير كافين، هناك مجموعة من الباحثين والدارسين لهذه اللغة، لكنهم ليسوا جميعا مترجمين، فمن يقوم بتلك المهمة على مستوى العالم العربي كله، نكاد نحصيهم على أصابع اليد الواحدة، هؤلاء الذين وصلوا إلى مرحلة الأستاذية، بعد الدكتوراه .
* هل وجدت الترجمات الأجنبية أمينة في النقل؟
- من خلال متابعاتي الأخيرة لترجمات الأمريكيين بالذات لأعمال أديب نوبل الصيني مو يان، اكتشفت أن هناك مترجماً أمريكياً يدعى هاورد غولدبلات، كتب مقالاً يتحدث فيه عن اهتمامه بالأدب الصيني، وأنه قرأ الترجمات الإنجليزية المباشرة عن اللغة الصينية، خاصة تلك التي قام بها آرثر ويلي، أحد شيوخ الترجمة عن الصينية في القرن ال،19 والذي يعتبر أستاذاً لغولدبلات نفسه، يقول الأخير: إن ترجمات أستاذه ويلي لم تعجبه لأسباب عدة، منها أن ويلي، الذي ترجم رواية الرحلة إلى الغرب إحدى أهم الروايات في التراث الصيني القديم، انتقى منها 12 فصلاً فقط، وقدم الرواية للقارئ الأمريكي على أنها الرواية الأصلية كاملة، في حين أنه غير في ملامحها .
* كيف تنظر إلى الترجمة عن لغات وسيطة؟
- على المستوى الشخصي، لست ضد النقل عن لغات أخرى، نظراً لندرة المترجمين العرب في حقل اللغة الصينية، وقد دعوت من قبل الجهات المتخصصة في الترجمة أن تشرك معنا مترجمين من لغات وسيطة، فالحضارة الصينية من الأهمية بمكان أن تدعو القارئ العربي للاهتمام بها، والاقتصار علينا نحن والمتخصصين في الصينية لا يكفي، لذا أتمنى على الجهات المتخصصة أن تفتح صدرها لمترجمي الأدب الصيني عن لغات وسيطة، لأن كم الإنتاج الصيني مهول جداً .
* ما فائدة الترجمة المباشرة عن الصينية؟
- الترجمة المباشرة تلقي أضواء على المحتوى الثقافي للنصوص الأصلية، أما الترجمات عن اللغات الأجنبية فقد تحتوي على تعديلات تجعل من الصعوبة بمكان نقل المحتوى الثقافي، وعلى الرغم من أن غولد بلات عاب على أستاذه التغيير، إلا أنه هو نفسه أدخل تعديلات على رواية مو يان، الذرة الرفيعة الحمراء، حيث حذف معظم الإشارات التي تحتمل مضمونا سياسيا، كما حذف العبارات والألفاظ التي قد لا تلقى قبولاً عند القارئ الأمريكي، ليس رغبة في التغيير، ولكن التزاما منه بسياسات النشر، كي لا يصدم القارئ الأمريكي، ومن بين تلك التغييرات، تعديل الفئة العمرية لبعض الشخصيات، كفتاة جعل عمرها 14 بدلاً من ،18 وهكذا تكون الترجمة عن مثل تلك اللغات بعيدة عن المضمون الثقافي للغة الأصلية .
* ما الذي يفوتنا مع نقص الترجمة عن اللغة الصينية؟
- يفوتنا فهم الحضارة الصينية، الحضارة تختلف عن الثقافة، على الرغم من أنها حضارة صديقة، يفوتنا متابعة مستحدثات التطور، والمؤلفات الفكرية والسياسية والاقتصادية، خاصة أن الصين كتلة تتحرك، هناك ما هو سياسي مرتبط بما هو اقتصادي متفاعل مع ما هو ثقافي، انعدام الترجمة لا يقرب من أذهاننا ما يحدث في الصين، ولا يرسخ بنية صحيحة للفهم وللتبادل أو التعاون، وأسوأ ما فيها أنها ترهن فهمنا للصين بدوائر الأفكار الغربية، حتى أصبح تحليلنا لمضامين الفكر الصيني مرتبطاً برؤية الغرب، والخطورة هنا أن بعض النقاد في تاريخ الفكر الغربي أحياناً ما يطلقون أحكاماً قيمة، تجد لها صدى عند المفكرين العرب، كأنيس منصور، وعبدالرحمن بدوي، وعباس العقاد، وجمال حمدان، وآخرين، رددوا مقولات غربية عن الصين، للأسف كانت مغلوطة .
هذا كله أعاق الفهم الصحيح للعناصر الأساسية المكونة للحضارة الصينية فكرا وثقافة وإبداعا، ولعل أسوأ أثر نتج عن ذلك في رأيي، أن الكم المترجم، والتبادل الثقافي بيننا لا يفي أبداً بالعلاقة القديمة، وما هو مطلوب لعلاقة قديمة كانت بين العرب والصينيين، على الرغم من أنها العلاقة الوحيدة التي لم تتوتر، فقد اصطدم العرب مع الهند، ومع الرومان، لكن العلاقة الصينية العربية على مر التاريخ كانت من أوثق وأمتن العلاقات، لذا من غير المقبول، ومن غير الطبيعي أن نفتقد إلى الصلة الثقافية المباشرة .
* هل يهتم الصينيون بترجمة الكتب العربية؟
- الكتب المترجمة عن العربية للصينية أكثر بكثير مما يتخيل أحد، وفي كل المجالات، ربما نحن في البحث العلمي نستخدم كلمة كل بحذر، لكن على مسؤوليتي أقول: إنهم ترجموا كل ما له علاقة بالمنطقة العربية حتى كتب الأطفال، لديهم شغف بالحضارة العربية يتزايد باطراد، ترجموا الأعمال الكاملة لشخصيات مثل: يوسف إدريس، نجيب محفوظ، يحيى حقي، حتى علاء الأسواني، وعبدالرحمن الشرقاوي، وأحمد شوقي، هذا طبعا بخلاف ترجمات ضخمة وتراثية مثل بردة البوصيري، ومجمل التراث الإسلامي كله، يكفي أن نقول: إن لديهم أكثر من 14 ترجمة لمعاني القرآن الكريم .
هم ترجموا الكثير عن اللغة العربية مباشرة، وأصبح لهم نجوم في عالم الترجمة، مثل الشيخ محمد مكين، الذي بدأ الترجمة في أواخر أربعينيات القرن الماضي، وغيره الكثيرون، من المستعربين الذين اعتادوا أن يكون لدارس اللغة العربية اسم عربي يعرف به، فمثلاً الشيخ محمد مكين اسمه ماجيان، والدكتور صاعد اسمه جون جيكون، والدكتور بسام، وشريف، وصافي، جميعهم صينيون لهم أسماء صينية، لكنهم اختاروا أسماء عربية .

- See more at: http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/a04b4c70-96ee-4f4e-aeb3-26c050bf9689#sthash.Jo5KXFf1.dpuf