الخميس، 26 نوفمبر 2020

«الكتابة على جلدة الرأس» و«لعنة بابل» لبلال عبد الهادي: نحو أمن لغويّ تفاديًا لمصير رأس المملوك جابر


 


د. سُميّة عزّام       


    لا يحيا الإنسان في حدود «هُنا» و«الآن»، بل يجاهد كي يترك علامة دالّة على وجوده. والتاريخ غالبًا ما يكون نبع المعاني، نستخلص منه خلاصة خِبراتنا في توقنا المستديم إلى المعنى. البحث عن الأصل، وعن العلاقات بين الأشياء، وما خفي منها على وجه الخصوص، طريق للكشف، بل هو «فنّ الفهم». خير تجسيد لهذه الرحلة صوب المعنى كتاب «الكتابة على جلدة الرأس» الصادر عن دار جرّوس برس، طرابلس، لبنان عام 2018، للّبناني المتخصّص في علم اللغة الحديث، والمهتمّ باللغتين الصّينيّة والعِبريّة، بلال عبد الهادي.


   الحديث عن هذا الإنجاز اللغوي -الأدبي لا ينفصل عن كتابه الأوّل «لعنة بابل»(مركز محمود الأدهمي، طبعة أولى 2013)، بمقدّمة سكّ فيها منهجه الفكري الذي أوضح مسار فصول الكتاب. قائلًا إنّه مولع بـ «واو» العطف، وهي الواو العاطفة والواصلة بين عالمين، وإنّ وظيفة الكتابة تسليط الضوء على الصّلات المتينة والخفيّة بين الأشياء، موردًا خبرًا عن حكيم هندي، يقتبس منه ردّه على سائله عن سرّ الفلسفة، قائلًا: «الفلسفة هي أن تحسن استخدام واو العطف». ويصحّ القول إنّ الكتاب الثاني هو محطّة ثانية من محطّات رحلة الكشف عن حكايات اللغة وعالمها البهيّ. أوليست اللغة لعبة، وللعبة أصول، وقيمة الكلمة تبرز من خلال موقعها، وشبكة علاقاتها في الجملة، فيتّضح المعنى؟! واكتشاف أهمّيّة السياق وعلاقة الكلمات بعضها ببعضها الآخر داخل الجملة يعود فضله إلى مؤسّس علم اللغة الحديث فرديناند دي سوسير المتعلّق بالتشبيهات لإيصال المعنى، وقد شبّه الكلمة، في دورها وقيمتها، بالبيدق في لعبة الشطرنج؛ ذلك تحت عنوان: «ولادة كتاب دي سوسير» (الكتابة على جلدة الرأس)، وهذا ما أخذه عبد الهادي عنه، عشقه للتشبيهات التمثيليّة.


   في تقنيّات حبك النّصوص المنفصلة- المتّصلة، جاء الكتابان إجابة عن سؤال مفاده: كيف تتحوّل دروس الصرف والاشتقاق واللسانيّات، إلى حكايات ممتعة وتشبيهات تجذب المنصرف عنها لجفافها، ولصعوبات يلقاها في سبيل تعلّمها؟ وكيف تُقدّم تاليًا، اللغة طازجة، وقد خرجت من بين دفّتي المعجم، على مائدة تعمر بتشكيلات تغدو مجال خبرة حيّة لحواسنا؛ فلا نتذوّق صنوفها وحسب، بل نسمع ونشمّ ونلمس ونبصر جماليّاتها؟ ألم تخرج كلمتا «أدب» و«مأدبة» من الرحم/ الجذر اللغوي نفسه؟ أوليس اللسان أداة نطق وتذوّق أيضًا؟ يسأل الكاتب تحت عنوان: «مآكل لغويّة» (لعنة بابل)، مقتبسًا كلامًا لأحد النحويّين العرب القدامى «إنّ النحو في الكلام كالملح في الطعام»؛ فحسن الاستخدام ينجّي «طبخة» النّص من أن تفسد. وفي حديثه عن اللسان أيضًا، يعقد صلات القربى اللغويّة والصّوتيّة بين فعلَي «قَطب» و«كتب»، بوصف الكتابة، لغويًّا، رتق الذاكرة المفتوقة، وهي خياطة وتطريز، ونقول نسيج النصّ. كما يشير، في نصّه المعَنوَن: «رتق الذاكرة وفحولة اللسان» (لعنة بابل)، إلى العلاقة بين الكتابة والجنس؛ «فاللغة لها رحم، وعُضوا النَسل واللَّسْن متشابهان، وما الكتابة إلّا وسيلة لحفظ نسل الأفكار».


   خمسون نصًّا في«الكتابة على جلدة الرأس» يُضاف إلى ستين مماثلًا في السياق والأسلوب والرّؤية في «لعنة بابل»، بعناوين مدهشة من معجم الحياة اليوميّة للإنسان، وعلى صلة بحواسه وذاكرته، ومأكله ومعتقداته الدينيّة، ومحيطه الجغرافيّ وأدواته، وموروثه الثّقافي، ومن غير إغفال لما يزكي اللغة العربيّة من توليد ونحت، لمواكبة مستحدثات العصر. هي حكايا الإنسان في مطبخ اللغة! فقد نبش صاحب النّصوص في أمّهات الكتب من تراثنا العربيّ، بحثًا عن حكايا اللغة، فضلًا عن روافد غربيّة معاصرة؛ ذلك يعني أنّ ما وُضع بين أيدينا معين ثقافيّ عميق في التاريخ، وممتدّ في الجغرافيا.


   يتناول الكاتب في نَصّي «الحرف الّلاتيني في عصره الذّهبيّ» و«دفتر الفَسبَكة ومَعشَر الفسابِكة» قضايا راهنة، تعود إلى مشكلة الحرف العربي إزاء الحرف اللاتيني، في استخدام التطبيقات الإلكترونيّة، والحاجة إلى إطلاق التسميات على المسمّيات. ومنكرًا على الكاتب المصري سلامة موسى (1887-1958) قوله: «لن تُستَعرَب العلوم إلّا إذا استَلتَن الهجاء العربيّ (أي صار لاتينيَّا)»، ليعلن موقفه بأنّه في فترات المحن تتزعزع الثقة باللغة وبحروفها، فيعقد مقارنة مع اللغتين الصينيّة واليابانيّة، وكيفيّة تجاوزهما محنة التعامل مع الكمبيوتر ومتطلّباته. «فالأبجديّات تنتعش وتذبل كما الحضارات»، قائلًا إنّ من سيحدّد مصائر الكلمات هي الانترنت [مقترحًا إطلاق تسمية” الشابك”، بالتذكير، على شبكة المعلومات الدوليّة] لا مجامع اللغة إلّا إذا انصاعت لأمر الانترنت.


    هكذا، يبدو الكاتب شديد المرونة والواقعيّة والانفتاح على علوم العصر، فموقفه منها يبتعد عن التشاؤميّة والرّفض غير المبرّر لدى البعض، ويعبّر تحت هذا العنوان: «لا تلعن الانترنت» (لعنة بابل)، قائلًا: «إنّ من يفضّل القراءة الورقيّة على القراءة الرّقميّة كمن يفضّل السّيّارة على الطّيّارة، ولكنّ حياة العالم، اليوم، لا تكتفي بالطيّارة ولا تستغني، حكمًا، عن السيّارة». ويورد مثالًا طريفًا في سياق إظهار علاقة أحداث التاريخ المتوتّرة مع كل جديد، فيحّرف بعض الرّافضين لفظ “تلفزيون” إلى “مُفسِدْيون” لإبداء رأي سلبي فيه. وعن براغماتيّة اللغة، يقول في نصّه: «قاموس» (لعنة بابل) إنّ الكلمة تملك سيرة حياة حافلة، تغيّر مسارها أو تتمرّد على معنى ارتبط بها فتخلعه كما تخلع الأفعى جلدها وتلبس جلدًا آخر- معنى جديدًا. لذا، تبدو الحاجة ملحّة إلى معجم عربيّ «يحفظ للأمّة أَمْنها اللغوي»، مقتبسًا من مقدّمة «لسان العرب» لابن منظور قوله، بما يشبه الإنذار إلى أمّته، السّفينة أو الطوفان: «جمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير العربيّة يفخرون، كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون».


   ربما يكون من سوءات الإنسان، في مرحلة من مراحل تطوّر حضارته، فصل العلوم فصلًا قارًّا، ومن سبل استنارته، مقابل ذلك، عودته إلى فهم أيّ علم ومصطلحاته في ضوء علم آخر. هذا المفهوم يوجد له تجلّيات وإشارات عديدة على مدار النّصوص، لا سيّما في «كرواسان» و«مطبخ ابن الرومي» (لعنة بابل) و«البيولوجيا والحكاية»(الكتابة على جلدة الرأس). ولعلّ أبرزها حديثه عن جهود العالم الأنثروبولوجي الفرنسي كلود ليفي ستروس، قائلًا إنّه من أطرف الدراسات تلك التي تدلف إلى الحضارات الإنسانيّة عبر دراسة الموائد العامرة بأطايب القصص. وقد قام بذلك ستروس، باحثًا في أكل الناس وطرائق وضع الأطباق على الموائد، مستخرجًا من ملاحظاته «المثلّث الغذائيّ»، النّيّء والمطبوخ والمعفّن، بوصفه العمدة في تباين الحضارات والثقافات. متابعًا بأنّ الأكل يصبغ الحضارات؛ فالحضارة التي نعيشها يطلق البعض عليها تسمية «حضارة الفاست فوود».


   إذا كان ابن الرّومي شهيرًا بحبّه لمعدته، ويتلذّذ بوصف الأطعمة في قصائده، باعتباره الطعام نصًّا فنّيًّا يجب إتقان كتابته ووضع النقاط والحركات على مفرداته، فإنّ بلال عبد الهادي يصحّ فيه ما جاء من نقد ابن رشيق للشاعر المذكور، إذ قال في كتابه «العمدة»: «إنّه يقلّب المعنى ظهرًا لبطن فلا يترك زيادة لمستزيد». وباستعارة الكاتب نفسه، فهو «يقحّط صحنه على الأخير»، ذلك لولعه بالتفاصيل.  


   الاستمتاع بقصصِ اللغة – لغتنا واللغات بشكل عام- هو مغزى هذين المنجزين. وقصصُها هي حكايانا، وما يَمسّنا في وجداننا وطرق عيشنا، ويُضفي أبعادًا أخرى على معنى حيواتنا، ويجعل اللغة نفسها، نابضة بالحياة، تتنفّس ذاكرتها بصور ذات دلالة على وجودها وبقائها. هذا المغزى يحيلني إلى الاستدلال من العهد الجديد على أهمّية القصة والمَثل، علّنا نعتبر ونفهم. فقد جاء في «إنجيل متى» أنّ يسوع المسيح، حين سأله تلاميذه:«لماذا تكلّمهم بأمثال؟»(متى13: 10)، أجاب، وقال لهم: «من أجل هذا أكلّمهم بأمثال، لأنّهم مبصرين لا يبصرون، وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون» (متى13: 13) .. «لأنّ قلب هذا الشعب قد غلظ، وآذانهم قد ثقل سماعها» (متى 13: 15).


  يبدو لنا أنّ دلالة العنونة لكتاب «الكتابة على جلدة الرأس» قد جاءت في سبيل الجزع الاستباقيّ، بعد مفهوم «بَلبلة اللغات» والخشية منها في دلالة عنوان «لعنة بابل»، بالتماهي مع قصة المملوك جابر الذي دفع رأسه ثمن عدم قراءة رسالة حفرت على جلدته، وقد كان ساعي بريد أعمى لا يرى ما يحمل، بتعبير صاحب الكتاب، حين أدّى الرأس دور الورقة، وهو جزء عضويّ من المملوك. هي خشية على أمّة تحمل طيّ لغتها إرثًا ثقافيًّا وجماليًّا وتاريخًا من القصص والأخبار، ولا تبصرها، الأمر الذي قد يودي بهما، الأمّة واللغة معًا، إلى مصير مماثل لمصير رأس جابر ناقل رسالة ابن االعلقميّ، وزير الخليفة المستعصم، إلى المغول لتسهيل أمر دخولهم مدينة بغداد- مدينته… وعسى ألّا «تتبلبل» لغتنا.


الأربعاء، 25 نوفمبر 2020

استحلي وخود، مبادرة من مطعم الدنّون، هدفها تحبيب الناس بالقراءة


 



استحلي وخود، مبادرة من مطعم الدنّون، هدفها تحبيب الناس بالقراءة، لفت نظر الناس إلى أهمية بناء علاقة حميمة وحلوة مع الكتاب.

يجد الداخل إلى مطعم الدنون في طرابلس مجموعة من الكتب والمجلات في استقباله، يمكنه أن يستحلى كتابا ويأخذه معه دون مقابل .


الخميس، 15 أكتوبر 2020

مصائر الكتب لا يعلمها إلاّ الله.

 


ومن الممتع تتبّع مصير كتاب واحد  في بلده،  وفي البلدان الأخرى،    مثلاً مصير مقامات الهمذاني ،   عبر مجموعة من الأسئلة، أسئلة تتناول إقامتها في مسقط رأسها اللغويّ،  ثمّ سفرها في الألسنة الأخرى؟

فمقامات الهمذاني وإن خبا نورها ، اليوم، في المستعمل من القراءات، إلاّ أنّها لا تزال حيّة،   ولا ريب في أنّ  المقامات مبعثرة، متشظّية، كما كلّ النصوص الكبرى،     والتشظّي جوهر التناصّ.

التناصّ أشبه بزرع الأعضاء، لم نسمع بعد إلى اليوم، أنّك أخذت روح فلان وزرعتها في جثمان علاّن،  بل تأخذ أو تجتزىء من جسد  جزءاً وتزرعه في جسد جديد، جزء مرئيّ، ظاهر للعيان، أو جزء خفيّ، قايع في الأحشاء.

فأنت تجد مقاطع من مقامات الهمذاني في الألمانية، والفرنسيّة، والإنكليزيّة، والصينيّة  ،   ويكون جزء من العمل في متابعة مصائر المقامات معرفة ماذا حلّ بما نقل إلى هذه اللغة أو تلك، هل بقي غريباً أم أن اندمج مع نصوص من صلب هذه اللغات، وهكذا،   وحظوظ النصوص في اللغات ليست واحدة،    فهناك نصوص لم تعش إلاّ في لغات أخرى بينما قضت نحبها في لغاتها الذاتية، كأن يكتب نصّ  ثمّ يترجم ثمّ تضيع نسخته المكتوبة بلغته،   وهذا يعني أنّ لغته لن تستعيده إلاّ عبر الترجمة، وترجمته إلى لغته وخصوصاً أنّ المترجم لن يكون هو الكاتب يجعل بين الكتاب   وكتابه شرخاً لغويّاً طريفاً.

هذه عيّنة عن الفكرة التي عنونتها بمصائر الكتب، وهي عيّنة بسيطة إذ كان يمكن الاستفاضة ، وصولاً إلى الكتاب الذي يعيش  كما لو أنّه آدم،كتب كثيرة لا أب لها، لا يعرف كاتبها، ولكنّها تعيش، وتعيش حياة باذخة.

أليس هذا ما يقوله لنا كتاب ألف ليلة وليلة  ، كتاب   لقيط، ولكنّ حالته هذه لم تمنع كلّ لغات الحضارات من تبنّيه،  فتجده في أي لغة شئت!

ولعلّه بين النصوص الأدبية ( العربيّة) هو الكتاب الأكثر ترجمة، ترجمة لا أظنّ أن بوسع ديوان المتنبي أن يضاهيها.

فشهرزاد  تتمتّع بشهرة عالمية بخلاف مالىء الدنيا وشاغل الناس،  والأحق بعبارة مالىء الدنيا وشاغل الناس هو كتاب ألف ليلة وليلة وسيّدته شهرزاد المبجّلة

الخميس، 27 أغسطس 2020

欢迎参加艾敏•雷哈尼逝世八十周年纪念研讨会

 

欢迎参加艾敏•雷哈尼逝世八十周年纪念研讨会

艾敏•雷哈尼是19世纪末20世纪初黎巴嫩著名的散文家、诗人、思想家和政治家,阿拉伯旅美文学作家的杰出代表,留下了大量文字优美、富含哲理的文学作品,为现代阿拉伯文学的发展以及东西方文化交流做出了贡献。今年是艾敏•雷哈尼逝世80周年,中国阿拉伯文学研究会将于2020829日举办纪念艾敏•雷哈尼逝世八十周年专题研讨会,以怀念他对阿拉伯文学以及世界文学做出的卓越贡献,研讨他独特而美丽的文字艺术,品味他丰富而深邃的哲学思想。本次会议由北京大学阿拉伯语系和北京语言大学阿拉伯研究中心联合承办,北京大学东方文学研究中心和北京大学中东研究中心协办。研讨会采取在线研讨的方式,使用腾讯视频会议工具。届时欢迎各位阿拉伯文学研究者以及喜爱艾敏·雷哈尼作品的高校教师和研究生参会。

中国阿拉伯文学研究会    

北京大学外国语学院阿拉伯语系

北京语言大学阿拉伯研究中心

北京大学东方文学研究中心 

北京大学中东研究中心   

2020824

مؤتمر في جامعة بكين عن أمين الريحاني


 

الأحد، 31 مايو 2020

تدوين النفس ( شذرات من ذات)


قبل زمن الانترنت، وقبل اكتشاف خيراته العلمية،  كنت في مطلع علاقتي بالقلم، كنت اخصص كل يوم، وقتا للكتابة. لم اكن اعرف ماذا اكتب، كنت اريد ان اكتب، ولكن لا افكار في راسي. من اين أجيء بالأفكار، وانا مجرد ولد افتكر بياض الورق ملعب كرة قدم.
كانت الورقة بيضاء، تثيرني نقاوتها، وكنت كالعاجز أمام براءتها وأمام بياضها البضّ.
فانا لست شاعرا، ولست روائيا، ولست شيئا، مجرد شخص صغير يرغب بالكتابة.
كانت اوراقي البيضاء هي تقويمي الشخصي، هي ذاكرتي اللدنة، الطريّة ( اعتبر فعل التذكر طقسا من طقوس العبور من الطفولة إلى عالم آخر، لا انسى أوّل مرّة سمعت بها ولدي الصغير يقول لي: بتتذكّر يا بابا وقت كذا…، هنا، باغتني ولدي، قلت له : والله كبرت يا حبيبي وصار عندك ذكريات!)
حيث لا كلمة تحت تاريخ معين، فكأنّه يوم لم يدخل حياتي. يوم ولد وعاش ومات وكأنّه لا ولد لا عاش ولا مات. هو والعدم سيّان. امتلأ مسار عمري بالورق والدفاتر. صار، مع الوقت، أشبه بمغارة علي بابا. أيامي بأغلبها في هذه المغارة، غضبي، فرحي، حزني، اخفاقاتي، نجاحاتي، آرائي، طيشي، نزقي. كنت حين أدخل الى طقس الكتابة كمن يدخل الى الحمّام، عاريا، ردائي مدادي.لا احب ان يراني أحد متلبساً بالكتابة. كنت أخجل أن أكتب أمام الملأ، كمن يخجل أن يستحمّ في حمّام، جدرانه من زجاج شفّاف. ألهذا السبب كنت أختار دفاتر لون غلافها أسود اللون؟ ربما، لست أدري! سيميائيّاً، الألوان نمّامة، تحكي، تفضح، وتخدع أحياناً!
اريد ان اكتب، كنت، ولكن الخواطر شحيحة، كنت احيانا اكتب كلمات بسيطة ليس لي فيها اي فضل. كأنْ اكتب: "انا اليوم اقرا في كتاب الايام لطه حسين، قرأت خمسين صفحة". كان رأس القلم كأنّه عين كاميرا تلقط لحظات او تعصر ساعات في لحظة. " اليوم ذهبت الى السينما ، وشاهدت فيلم كذا"، المهم ان اكتب، أن أمارس هذه اللعبة.
كنت اريد بناء علاقة حميمة بيني وبين القلم، ولهذا كنت كثير التروي في اختيار القلم والدفتر. فهذا القلم لا يتلاءم مع أصابعي، وهذا قلم يتأفف من لونه بصري، وهكذا. كانت كلماتي تتمرّد على نوع من الأقلام، تحرن، فأعرف ان هذا القلم عدو لي. فاتركه غير آسف على ثمنه. وكذلك الأمر مع الدفتر، هناك دفتر، غير بشوش، أتخيّله يعبس في وجه كلماتي، وهذا دفتر ودود، حنون، يفتح ذراعيه الورقيتين لكلماتي البسيطة، الخجولة. ( لا أزال إلى اليوم أخجل من كلماتي، لا أعرف السبب) فهما، في أي حال، أي القلم والدفتر، ليسا مجرد اداتين أو وسيطين حياديين، انما اصدقاء. وقل لي من تعاشر اقل لك من انت، لهذا كنت اعاشر دفاتر معينة، واقلاما معينة.
لن اطيل المقدمة او الاسترسال، فقد أعود إلى هذه المسألة مرّة أخرى، ولكن كل ما سبق هو تمهيد لشبب اختيار عنوان هذه التدوينة.
سألتني مرّة صديقة، قبل دخولي الجامعة، وماذا تكتب؟ قلت: لها: أدوّن نفسي على الورق.هذا كان شعوري وأنا أكتب، حتى المقالات التي تغيب فيها نفسي تكون شديدة الحضور، ولكن متوارية خلف موضوعية متخيّلة، او خلف حكاية، أو مثل. ربّما خجلي يمنعني من ارتكاب " الذاتيّة" إلاّ سهواً.
وحين تعرفت الى المدونة، لم اشعر كثيرا بالغربة.إذ ان الفة اصابعي مع ملامس الطابعة كانت حتى قبل ولادة الانترنت، والكمبيوتر، أو قبل وصول الكمبيوتر الى متناول حواسّ الناس.ولسبب بسيط آخر، لغويّ، ان بين تدويني والمدونة ، صلة لغوية ما.
ترى لو لم يختر الكتّاب مصطلح "مدونة" هل كنت شأشعر بنفس صلة القرابة هذه؟ لست أدري. ولكن الأنسان أسير المفردات، وانا كعربي لا يمكنني ان لا أؤمن بصلة الأرحام بين الكلمات، ولا يخطر ببالي أن أقطع الأرحام، قطع الأرحام إسلاميّاً وكونفوشيّاً يجلب غضب السماء.
قرأت مرة ان كونفوشيوس كان لا يعبر امكنة معينة، يحرّم على نفسه الدخول اليها ليست لأنها غير جميلة وانما لأنها تحمل اسماء غير جميلة.الأسماء أشبه ببشَرة الأشياء. لا يتخيّل المرء العلاقة بين الجلد واللحم، انهما على تماس حميم، وكذلك العلاقة بين جلد الاسم ولحم المسمّى.
وجذر "دون " غيرالعربي بالأساس، وهو ضيف عزيز من اللغة الفارسيّة ، كان له ، فيما بعد ولا يزال، شأن عالمي، إذ خرج من جلده الفارسي ثم اكتسى جلداً آخر، تركيا وفارسيا وووو… وولج الى اعماق النفس عبر" DIVAN" الطبيب النفسي. وصار بمثابة الجلد والشغاف.
وأنا إلى اليوم لا أزال ادوّن نفسي ولكن على شاشة ضوئية. تحررت كلماتي من خطّي ولكنها نالت حرية أكبر، كبسة زر تغيّر لونها، او قامتها، أو ثيابها. استعادت الكلمة مع الطباعة الالكترونية حقيقتها الصوتية الأولى، حقيقتها الفيزيائية فصار الضوء كوسيطها الأول " الهواء"، صارت مرنة كالهواء، طيّعة كالهواء.
تغيرت الدنيا، تغير لون الحبر، ولا زلت ادوّن. لأنني إلى اليوم، لا اعرف ماذا اريد ان اكتب. استعين بنفسي لتدوّن نفسها، وما انا الا وسيط" غير امين" لما تقوله لي نفسي.
الأمانة ، في الكتابة، خيانة أدبية. الخيانة، في الكتابة، مسلك أخلاقيّ لا تشوبه شائبة. السلوك المنحرف مع الحرف خدمة تقدّم للحرف. الحرف لا يحبّ الأسر، الحرف بالمعنى العميق للكلمة يشبه الصوت الصيني، سياقه ، لا هو، يكشف عن هويّته الدلالية. من هنا حبّي لهذه اللغة التي وفدت إليّ كنسمة تردّ الروح، أي مفردة صينيّة بمعزل عن سياقها يستحيل كتابتها، كلّ صوت خيانة للأذن.
الخيانة إخلاص، ومن لا يمارس الخيانة على الورق؟
اليس كل تركيب جديد هو خيانة لتركيب قديم؟
حتى قصائد رابعة العدوية في حب الذات الإلهية خيانة لكل الشعر الصوفي قبلها، لأنها تعرف أن تخون بشرف لغويّ يدوّن نفسها وأشواقها.
كل كاتب خائن حتى ولو كان ناسكا في خروبه؟ ( من وحي ناسك الخروب ميخائيل نعيمة)
الكتابة لا تحب الإخلاص، تعشق الخيانة، والقارىء لا يحب الا الخونة من الكتّاب، ولا يحي ان يقرأ الا الكتاب الخائن.
الم يكن كتاب " مارسيل بروست" خيانة لنمط الكتابة من قبل، وخيانة حتى لذاكرته التي كانت تملي له املاء ما يريد ان يدوّن.
حتى عدسة الكاميرا تخون، جمال الصور ينبع من مياه الخيانة الجوفية للعين.
ان كان من صدق في الكتابة، فهو صدق الخيانة.الصدق في الخيانة، ان يكون الكاتب مخلصا لخيانته للغة وهو يستعير منها مفردات ليست له، وتعابير ليست له. اليس هذا ما تقصده جوليا كريستيفا في مصطلحها الجميل "التناصّ"؟ او "intertextualite"؟
الكتابة ، في الأخير، خطيئة، خطيئة غير مميتة، الخطيئة المميتة الوحيدة في الكتابة، حين لا تكون انت انت.حين تكون انت غيرك. لا تكون حبرا على ورق، تكون ورقا خاليا من الحبر.

الثلاثاء، 26 مايو 2020

شيء من الطفولة ، وشيء من الكتب

لطفولتي فضل على علاقتي بالكلمة المكتوبة. ولولا شغب الطفولة لكان مصيري مجهول الهوية بالنسبة لي. طفولتك هي انت بخيرها وشرّها، ترافقك الى اللحظة الأخيرة من عمر ذاكرتك. الذاكرة هي اهم عنصر في الكائن. هي الخيط الخفيّ الذي ينتظم مسيرة حياتك. ذاكرتك توضّب شؤون حياتك، ماضيك. ذاكرتك هي التي تنقّح ذكرياتك، تحذف، تضيف، تعدّل تيرمج، تقوم بعمليات "المونتاج" …الخ.
لا انكر فضل طفولتي عليّ، فهي التي رسمت علاقتي بالكلمة. لو لم اكن مشاغبا، اهرب من المدرسة لألهو وألعب، في الوقت الذي يجب فيه ان اكون في مقعد الدرس، لما كانت علاقتي بالكتاب على ما هي عليه اليوم.
كنت احمل في شنطة المدرسة كيس نيلون لأدفن فيه كتبي المدرسية. كان السائق يوصلني إلى باب المدرسة وبدلا من ان اتجه صوب البوابة الحديدية العملاقة، كنت انتظر ذهاب السائق لتغيير اتجاه سيري ثم اصعد الى زيتون ابي سمراء، سيرا على الاقدام، وهناك اسحب الكيس من الشنطة واضعها فيه ثم احفر حفرة في التراب لأدسّ الشنطة والكتب، وأروح مع امثالي من الأصدقاء نلهو، ونفتش عن حمار في البرية لنمارس الفروسية على ظهره. كان هناك، على مسافة ليست بعيدة من ابي سمراء، مساكن لقرويين ينزلون من القرى البعيدة "السفيرة" او "فنيدق" وينزلون معهم بقرهم وحميرهم ودجاجهم وينتشرون في بساتين الليمون المطلة على نهر"ابو علي".
كانوا يتركون حميرهم ومواشيهم ترعي في الحقول وكنا نستلذّ ركوب الحمير، فطفولتنا وقاماتنا لم تكن تسمح لنا بالمغامرة مع ظهور الخيل. كما كنا نذهب الى السينما لمشاهدة افلام "سانتو" أو "هرقل" او "ماجستي" أو الافلام اليابانية عن الديناصورات. لم تكن افلام الكاراتيه قد وصلت الينا بعد.كما لم اكن من هواة افلام الكاوبوي كثيرا . كنا نذهب الى صالات السينما الشعبية التي لا تتوقف شاشاتها عن بث الافلام، فيلما اثر آخر.
لم يكن في طفولتي كتاب.
لا اذكر انني تولعت في طفولتي بكتاب او مجلة مصورة. لا مجلة سوبرمان ولا بونانزا، ولا القصص البوليسية المكتوبة للصغار. كانت القراءة شيئا ليس من طفولتي، خلا الكتب المدرسية التي لم تكن علاقتي معها على ما يرام. كنت اهرب من المدرسة ولا اعرف كيف ان المدرسة وهي مدرسة "الطليان أو الآباء الكرمليين" لم تلفت نظر أهلي الى تغيبي المستمر. كنت افبرك "عذرا" للتغيب تتقبّله المدرسة.
ولكن كنت اقفز من صف الى صف بالمعدل المطلوب، اي كنت انجح "شحطا" كما يقال بالعامية عندنا. بقيت في الطليان حتى الصف الرابع الابتدائي، واذكر أني صفعت الناظر كفّين وهو "الأب بيار". كان عنيفا مع الطلاب، ولا اعرف كيف يكون الخوري عنيفاً، وفي نظري ان رجل الدين هو الأب العطوف الحنون لا الشرس الذي يمارس مازوشية لا حدّ لقسوتها مع الطلاب. كان الضرب من علامات المدرسة الجيّدة، وثمة مثل كان يقوله بعض الاهل للمدرسة:" اللحم لكم والعظم لنا". وكان الاساتذة والنظّار لا يرحمون لحمنا الطريّ، وكانوا يبتكرون طرقا ووسائل في العقاب بدلا من ان يبتكروا طرقا في التعليم. واظن لو ان الاساتذة كانوا يفكرون في ايجاد فرص لتحبيب الطالب بالعلم بدل االتفكير في كيفية تعذيب لحمنا الطريّ لكان الامر أخذ مساراً أفضل.( جزء من علاقة الطالب السيئة مع المدرسة مردّه الاساتذة لا العلم). ما اذكره أنّ "الاب بيار" قبض علىى خصلات شعر سالفيّ ورفع جسدي في الهواء. التعذيب بنتف الشعر كان جزءا من العقاب، رفعني فصرت واياه وجها لوجه. لا اعرف كيف أنّ الألم دفعني بعد أن رفعني الى ان اصفعه بكل ما كنت أشعر به من وجع صفعتين بباطن يديّ الصغيرتين( لقد شفيت بفعلتي غليل طلاب كثيرين من عمري، واليوم اعتبر ان سلوكي معه كان سلوكاً يستحقّه هذا الخوري الكريه). لم يكن يتوقع ان اضربه او ارفع يدي عليه، ولم اكن انا افكر ايضا بان أصفعه. ومن ذهوله فتح يديه فسقطت ارضا، ولكن بلمح البصر انتصبت ووليت هاربا فطاردني استاذ شاب فأسرعت في الفرار، ولكن خطواته اكبر من خطواتي وحين شعرت بدنوّه مني وكاد أن يصير القبض عليّ في متناول يديه انحيت ارضا على امل ان يتعثر بجسدي وهذا ما تم اذ فاجأه انحنائي الذي كان اسرع من قدرته على الوقوف فتعثر بجسدي، على طوله، في الأرض.
كان هذا المقطع من عمري كفيلاً بان اغير المدرسة، وانتقل الى مدرسة معارف، بالقرب من البيت، فارتحت من السائق وظلم الرهبان ولكن ابتعدت عن الكتاب اكثر. فمدرسة الدولة هي مدرسة الفقراء والمتمردين والحاملين لقضايا فلسطين والطبقات المظلومة والثورة. فما كان يخلو اسبوع من اضراب، وعودة الى البيت ثم انطلاق في الشوارع. فرصة للّعب وفرصة لضياع الوقت.
بقيت في المدرسة سنتين، وكنت لا اكفّ عن اللعب والشيطنة البريئة وغير البريئة. وذات يوم، جاء صديق لوالدي وقدّم له نصيحة، قائلا له:" اذا اردت ان تربح ابنك فضعه في مدرسة داخلية، واشار الى دير مار جرجس الواقع في قرية عشاش.
نصيحة من فم عجوز
كنت في الثالثة عشر من العمر. نصيحة من فم عجوز غيرت مصير حياتي. فترة الانتقال من حالة التسيّب الى حالة الانضباط لم تستغرق الا ثلاثة اشهر. اذكر ان علاماتي في الاشهر الثلاثة الاولى كانت سيئة جدا. وفي الشهر الرابع قفزت علاماتي قفزة نوعية لم يصدقها احد، لا من زملائي في الصف ولا من الاساتذة. صرت الاول في الصفّ. انتقال من النقيض الى النقيض.
هل الفضل للعزلة؟ للقراءة الذاتية؟لتعويض سنواتي الأولى؟ لست ادري. كل ما ادريه ان علاقتي بالكلمة بدأت في المدرسة الداخلية. منعطف جميل في حياتي. صرت احب المدرسة وصرت ادرس، وصرت انتهز كل لحظة للدرس. وصرت ادرس حتذى في الوقت الذي لا يسمح لي بالقراءة. ففي الداخلية وقت لكل شيء. اشتريت بطارية جيب، لأقرا في الوقت الذي يفصلني عن النوم في الفراش، اغطي جسدي باللحاف واقرأ في السرير الى ان انام. ووقت الفرصة صرت احيانا ابقى في الصفّ واستخدم اللوح كورقة خرطوش لدروسي.
ولم يعد من وقتها الكتاب يفارقني. وكان في المدرسة مكتبة استعير منها كتبا بناء لنصائح الأساتذة وأقرأ تولعت بنثر سعيد عقل ونثر ميخائيل نعيمة فالتهمت كل كتب ميخائيل نعيمة، وكان له أثر في مطلع حياتي. ولكن لم يكن يخطر لي ببال ان اشتغل حين اكبر بالكتابة او الادب. كنت احلم ان اكون طبيبا جراحا، ربما تاثرا بخالي الذي درس الجراحة.
ولكن الحرب غيرت مساري العلمي.
نشبت الحرب الغبية عام 75، واحترقت مدرستي على ايدي فتيان "الحركة الوطنية" التي رأت في الدير اثرا من الرجعية او الانعرالية. كل ما اذكره ان قلبي احترق على مدرستي، رفيقة مرحلة من اجمل مراحل حياتي.
في طرابلس، تسجلت في مدرسة الغزالي، كان جو المدرسة دينيا، فتأثرت باجوائها، واجواء زملائي، ودخلت في الجو الديني، وغرقت في كتب الدين، وصرت في أوقات العطلة أقضي وقتي بين كتاب أو مسجد. وتعززت علاقتي باللغة العربية، وقررت من يومها ان ادرس اللغة العربية وأتخصص بها لاستطيع تفسير القرآن. تحول تفسير القرآن الى هاجس في ذهني لا يزال يفتنني إلى اليوم. ورحت اقرأ في كتب الدين، قرأت "في ظلال القرآن" لسيّد قطب، وتفسير السيوطي، وتفاسير اخرى. وتعلمت تجويد القرآن وأحكامه، ورحت أقرأ في التاريخ الاسلامي حيث الصراعات الدينية الدامية، والصراع على السلطة بين عائشة وعلي ومعاوية. تلطخت صورة بعض الصحابة في ذهني! وكنت حين اطرح بعض الاسئلة على اهل المعرفة كانوا يهربون من الأجوبة، فشعرت ان الهروب من الأجوبة جبن، وان عدم اعادة قراءة تاريخنا من منطلق علميّ عقبة في تاريخ النهوض. واذكر اني تعرفت على كتابات طه حسين الدينية قبل الادبية ، "على هامش السيرة"، "الشيخان"، "الفتنة الكبرى". وتولعت بأسلوب هذا الكاتب كثيرا، وصرت أقرأ له كلّ شي. ذات يوم، كنت في مكتب الجماعة الاسلاميّة، ووجدت كتبا له في المكتبة فاعلنت حبوري بعثوري على كتبه في المكتب، ولكن حبوري لم يسرّ احدا بل صدمت بقولهم:" انه كافر" وانهالت التهم على رأس الراحل الرائع طه حسين. هنا وجدت أنّ شعوري يميل إلى طه حسين لا إلى خصومه، إلى افكار طه حسين لا إلى افكار خصومه. لم استوعب تكفير قامة من اهم قاماتنا الادبية.
القرآن دفعني الى الأدب
ثمّة كتب كثيرة دخلت حياتي، في البدايات، اذكر منها "المعلقات العشر بشرح الزوزني" كان لقائي بها صادما. كلمات ليست من واقعي، ولكن بقر|أت انها اهم نص شعري من القديم، فرحت اقرأها رغم "النمور الكثيرة" التي تعترض عيني. كانت قراءتي تقوّي صلتي بالعربية وتضعف صلتي بالفرنسية. اشعر انني احتاج الى ان اعرف تاريخ العربية وتراثها، والتهمت سيرة عنترة لأنّ النبي احبّ عنترة، قررت ان ابدأ بالعربية من حذورها، كنت ميالا الى الادب لا الى اللغة. كانت مكتبتي تنمو يوما اثر يوم ولكن تغيرت كليا في لحظة. كنت قد وفرت حوالي ثلاثة الاف ليرة من عملي خلال فصول الصيف من النقود التي كان يعطيني اياها والدي أجراً على عملي معه في المطعم في الاعطال والصيفية. كنت في السنة الثانوية الاولى، سحبتها من المصرف بنيّة السفر الى فرنسا في عطلة الصيف لتقوية لغتي الفرنسية. لم يتم السفر، ولكن لم اعد النقود الى البنك وانما ذهبت بكلّ المبلغ الى المكتبة وانفقته على شراء الكتب، الكتب الاساسية، الكتب التي تعتبر امهات التراث العربي، اشتريت "لسان العرب" و"الاغاني" و"قصة الحضارة" لديورانت، و"العقد الفريد"، وغيرها من الكتب، والمجموعة الكاملة لميخائيل نعيمة التي قرأتها كلّها الا كتاب "مرداد"، والمجموعة الكاملة لطه حسين. بين ليلة وضحاها امتلأت غرفتي بالكتب. وكنت بدل ركوب السيارة من ابي سمراء صعودا ونزولا استعمل قدمي لتوفير ايجار الطريق ومن توفير ايجار الطريق اشتري الكتب، هكذا اشتريت اغلب كتب نجيب محموظ ويوسف السباعي، وكل الدواوين الشعرية الحديثة التي اصدرتها دار العودة، صلاح عبد الصبور، محمود درويش، ادونيس، السياب، البياتي. كنت اشعر انني لا اعرف شبئا وانه لا بد من القراءة لتعبئة فراغات روحي. كنت التمس طريقي بيدي، ولا اعرف ماذا اريد، واي طريق اختار، فلم تطاوعني يدي في كتابة الشعر، الذي كان يخرج من قلمي باردا، خاليا من الروح. ولم اكتب الرواية، ولا القصة، كنت اريد ان اعبر عن شيء في دخيلتي ولكن لا اعرف ما هو؟ شعرت اني اميل الى الكتابة على الكتابة، اي اقرا ثم اكتب انطباعاتي عن الكتابة. كان هناك مجلة بدأت بالصدور في طرابلس فاقترح عليّ استاذي خريستو نجم ان اكتب بها، وجدت فرصة للكتابة والنشر حتى قبل وصولي الى الجامعة، وكان المقال الاول عن "الملك لير". مسرحية قرأتها من اصدارات الكويت، وكنت من قبل قد نشرت وانا في صف الفلسفة مقالا هو الاول لي عن سميح القاسم الشاعر الفلسطيني، وهكذا شعرت انه صار بالامكان اطلاق كلماتي من من دفتي اوراقي. لعل الخجل الفطري فيّ هو ما دفعني الى النقد لا الى الكتابة الابداعية. النقد حجاب اما الكتابة الابداعية تعرية. وجدت اني ارتاح الى الكلام من وراء قناع. توقفت المجلة" نداء الشمال" عن الصدور فتوقفت عن الكتابة. وهذا خطأ ارتكبته بسبب خجلي اذ لم اكن املك الجرأة للذهاب الى مجلة او جريدة لأعرض عليهم الكتابة. القراءة تحثك على الكتابة. لا يمكن ان تكون قارئا ولا تكون كاتبا، يشعر القارىء الذي لا يكتب بالم في الروح، بحرقة في الروح لا اجد لها شبها الاّ "حرقة البول". كنت في هذا الوقت اشتري الكتب واقرأ بنهم، حين تسجلت في الجامعة اللبنانية قسم الأدب العربي، كانت مراجع السنوات الاربع في مكتبتي. السنة الاولى كانت الاتعب والاخصب. كنت اعمل في الصباح حتى الساعة الواحدة في المطعم، ثم اصعد الى البيت اغير ملابسي واتحول الى طالب، وما ان تنتهي الدروس حتى اعود الى المطعم، لاغلاقه، وانهاء التنظيفات وغيرها. ثم اصعد الى البيت، وادلف الى غرفتي حتى الحادية عشرة ليلا. اقرا واكتب، ثم انام للنهوض في اليوم التالي الساعة السادسة صباحا. لم يكن عندي اكثر من خمس ساعات يوميا للقراءة. وقت ضيق. خمس ساعات لا تكفي لاشباع عيني. كان نهار الجمعة وهو يوم عطلة اعتبره فرصة لتعويض نقص قراءات الايام السابقة. كان لي زيارة اسبوعية الى المكتبة للبحث عن الجديد في الادب. كانت اغلب قراءاتي في الادب والنقد. ولكن كنت اشعر في اعماقي اني لم اصل بعد الى ما اريد. ثمة نوع من المعرفة اريده ولكنه سديم لا اعرف له شكلا. الى ان اكتشفت بعد زمن اني أريد الفكر لا الأدب، ورحت أميل إلى الأدباء المفكرين وإلى علم النفس والعلوم الاجتماعيّة والانتروبولوجيّة والنقد الثقافيّ. لم يعد الأدب هو ما يثيرني، صارت أمور أخرى من قبيل الدراسات الدماغيّة، علوم التواصل البشريّ والحيوانيّ، كيفيّة انبثاق المعنى من الأشياء، الدراسات السيميائية من قبيل دراسات امبرتو ايكو، أو الدراسات التي تتناول الجانب الخفيّ من الثقافات كدراسات ادوارد هول، كما اهتمّ بالكتب التي تتناول رؤية الشعوب للعالم وكيف تشكل الثقافة نظرة الانسان للعالم. من هنا، صرت على يقين بأنّ كلّ ثقافة تدّعي انّها الأفضل او الأصدق أو الأقرب الى الحقيقة هي"ثقافة أنانيّة" وإقصائيّة وثقافة لا بد من محاربتها وتفنيد أضاليلها، وتفكيك أنانيتها.
ليس هناك شعب افضل من شعب، ولا امة افضل من امة، ولا دين افضل من دين، وكلّ المفاهيم المطلقة هي مفاهيم تقوم على أسس واهية، وعنجهيّة لا مبرّر لها. ولعل ما اوصلني الى هذا البرّ الآمن، هو عدم انغلاقي على منهج واحد من المناهج، ولا على ايديولوجيا واحدة دينية او غير دينية، ولا اجد نفسي في الصراعات الايديولوجية التي ترضّ لحم العالم ولحم عالمنا العربيّ.
ضالتي الفكرة التي تبعث الفرح في النفس قد أجدها في آية قرأنية أو انجيليّة أو توراتية أو بوذيّة أو كونفوشيّة أو لاوتزية. وقد أجدها في نصّ عن "تقنية النانو" كما قد أجدها في نصّ عن عين النحلة أو في كتاب عن عالم المنامات أو في قراءة لصورة فوتوغرافية. لم يعد يقيّد قراءتي شيء، أمارس القراءة كما تمارس النحلة صيد الرحيق. وأتجول في الكتب كما يتجوّل متسوّق في الأسواق بل اني اتعامل مع السوق كما اتعامل مع الكتاب، اراه جملا ونصوصا قابلة للقراءة كايّ نص. الناس كتب، الشوارع كتب، المحلات كتب، نقلة الاقدام على الأرصفة كتب. وصار العالم ابجديات متناثرة ليس عليّ الا تجميعها لإعادة تركيبها في شكل نصّ تتغير دلالته مع كل نظرة كما تتغيّر شكل غيمة في السماء، أو شكل ظلّ على الأرض….

6 تعليقات على “ شيء من الطفولة، وشيء من الكتب ”

  1. وصار العالم ابجديات متناثرة ليس عليّ الا تجميعها لإعادة تركيبها في شكل نصّ تتغير دلالته مع كل نظرة كما تتغيّر شكل غيمة في السماء، أو شكل ظلّ على الأرض….
                                     ***
    سعيدة جدا بهذا الجزء الذي تعرفت عليه اليوم
    امنياتي لك بكل التوفيق والنجاح
    تحياتي
  2. استاذي الفاضل
    اين ذهب التعليق
  3. اختي الكريمة ابتسام
    لم اعرف عن اي تعليق تتحدثين؟
    لك تحياتي
  4. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    اسأل الله الذي لن تطيب الدنيا إلا بذكره
    ولن تطيب الآخرة إلا بعفوه
    ولن تطيب الجنة إلا برؤيته
    أن يديم ثباتك ويقوي إيمانك وصحتك
    ويرفع قدرك ويشرح صدرك
    ويسهل خطاك لدروب الجنة
    وتقبل الله منا ومنكم صالح الاعمال
    وكل عام وانتم بخير
  5. استاذي الفاضل لم اعرف إلا اليوم حقيقة ولعك بالقراءة ولكن كان إحساسي دائما” يقول لي ان هناك قصة وقصة مؤثرة ايضا” لقد أدمعت عيناي(وانا عادة عصية الدمع) رحلة عمرك وتجربتك ولكني اتمنى ان تصل إلى أهدافك التي تتمناها فانت رجل بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى ولكم يحتاج عالمنا العربي إلى هواة للعلم في عصرنا هذا.
  6. اشكرك يا نرمين على التعليق حول ما كتبت من مقاطع عن علاقتي مع القراءة.
    شاء حظّي الجميل ان يكون الكتاب رفيقي الجليل.
    وشكرا على كلماتك الرقاق، واتمنى لك الخير العلمي العميم.
    شهادة طلابي بي شهادة اعتز بها.
    لك تحياتي

السبت، 16 مايو 2020

فتة فول




#فتّة_فول!!

لا أعرف إن كان أحد ما قد جرّب، من قبلُ، فتة الفول!
الاسم قد يثير الغرابة، ولكن ما هي قصّتها؟
الأكل مثل المسرح التجريبيّ!
يكفي أن يخطر ببال المرء ما هو أمام عينيه ولكن من منظور جديد.
نعرف أنّ كلمة فتّة أو تسقية حين تقال تذهب إلى الحمّص، وقد تذهب إلى الكراعين! ولكن أن تذهب إلى الفول فهذا ما لا يخطر بسهولة إلى البال، وإن كنّا نعرف في أغلبنا علاقة الفول مع اللبن.
من لا يعرف علاقة الفول باللبن؟
ستّات البيوت يعرفونها.
ولكن هل نعرف كلّ ما نعرف؟
علاقة الفول باللبن ظاهرة وخفيّة.
الشيء الواحد له عدّة حيوات.
ويمكن لنا أن نستعين بالقمح لنكتشف أشياء كثيرة، بل يمكن لنا أن نستعين باللغة لنعرف أشياء كثيرة من عالم الطعام.
اللغة العربية في جوهرها تقوم على الاشتقاق أي إنّها لغة اشتقاقيّة بخلاف اللغات الهندو - أوروبية القائمة على النحت في جوهرها.
ولكن لا تخلو اللغة الاشتقاقية من نحت، كما لا تخلو اللغة النحتية من اشتقاق.
هل تخلو حبّة القمح من الاشتقاقات؟
ألا نشتقّ من حبّة القمح البرغل؟
والبرغل مهنة دنّونية عتيقة. اشتغل بها جدّي واشتغل بها عمّي وعمّي، وتربّى بين حباتها ابي، وكان طحن البرغل جزءا من طفولتي في مطحنة عمّي " الحاج محمود الدنّون" التي كانت على ضفاف نهر أبو علي قبل أن تصير على شاطىء البحر.
أولاد عمّي أخبر منّي في حياة البرغل، وأودّ لو قام أحد منهم في الحديث عن صنع البرغل، فمعرفتهم بالبرغل قد تفوق معرفتي بالحمّص.
البرغل من مشتقّات القمح! واستخدامات البرغل غير استخدامات القمح.
المطبخ اللبناني بلا  البرغل يخسر كثيراً، بل وتتضعضع مكانة إهدن وزغرتا! لا سمح الله
ومن مشتقات القمح الفريكة!
والفريكة مفخرة من مفاخر مطبخ بعض المناطق اللبنانية.
وددت عبر هذه السياحة القصيرة الإطلالة على فتّة الفول.
ولعلّ غرابتها تتطلب دعما من مآكل أخرى، واستشهادا بمكونات مآكل أخرى.
هناك من صار يضحك منّي حين اشتغلت على هذا الطبق.
ولكن قلت إنّ هذا الطبق ليس من اختراعي!
كان مالارميه يقول عن نفسه : أنا كائن مركّب! je suis un homme syntaxique!
أي أنه كائن يقوم بتركيب الكلمات؟ أليست المآكل أيضاً كلمات، وفيها ما في الكلمات من التباسات وإضمار وتركيبات؟
التركيبات كما يقول جان ديديه فانسان في كتابه بيولوجيا الأهواء إنّ المذاقات بنت عوامل نفسيّة وليس مذاقية وحسب.
قلت نأكل في البيت فول باللبن؟
ولكن ناكل الفول الأخضر بالأرزّ المفلفل وإلى جانبه اللبن.
إذاً اللبن ليس غريباً عن الفول؟
علاقته مع الفول الأخضر عال العال!
لماذا لا تكون علاقة الفول اليابس مع اللبن أيضاً عال العال؟
ولكن هل علاقة الفول اليابس مع اللبن علاقة مقطوعة؟
أبدا، هي علاقة قائمة، ورأيتها بأمّ عيني!
أكثر من مرّة دخل إلى مطعم الدنّون زبائن من سوريا، كان طلبهم " فول باللبن"، بداية استغرب الشيف عندنا، واستغرب نادل الطاولة، ولكن مع الوقت اعتادوا على ذلك، وصرنا نقدّم لمن يرغب الفول باللبن. وكنت بيني وبين نفسي أسرّ بهذا الطلب، وأفرح كثيرا حين يأتي زبون ويطلب طلباً غريباً في نظر كثيرين. جاء زبون ذات يوم وطلب صحن حمّص على وجهه بيضتان مقليتان، رحبت به ترحيبا حاراً، وقمت بتلبية طلبه بيديّ، أعرف أنّ علاقة البيض المقليّ بالحمص الناعم علاقة طيبة المذاق!ولكنّها مجلولة لدى كثيرين!
قلت لأقم بمعادلة رياضية بسيطة حول الفول باللبن وفتّة الحمص.
ما هي فتة الحمص؟ حمص مسلوق ولبن وخبرر مفتوت.
ما ينقص  صحن الفول باللبن ليصير مثل رفيق عمره الحمص؟
ألخبز المفتوت.
وهكذا جاءتني فكرة عمل فتّة الفول باللبن.
ولا أنكر أن فتّة الفول لاقت اعتراضا من الشيف ومن العمّال.
كل جديد يلاقي اعتراضا، حتّى الانترنت له الى اليوم معارضون ، وكنت قد كتبت بحثا عن علاقة المثقفين او بعض المثقفين بالأنترنت، والفايسبوك، وتوتير، والواتسأب، ومنهم من اعتبر أن هذه الوسائل امتهان للثقافة، وراح الحنين إلى الأوراق والأقلام والكتب المطبوعة يتدفّق من أسنتهم أو كلماتهم.

الاثنين، 11 مايو 2020

#النصّ_المفتّت



ماذا تعني هذه الكلمات: اقتباسات، شواهد، استشهادات، بيت شعر؟
يمكن أن ننظر إلى المعنى من عدّة وجهات نظر. 
أريد أن أنظر إليها من ناحية قيمة النصّ.
هذه الكلمات تعني أنّي أجيء إلى نصّ ما وآخذ قطعة منه، أي "أنتش" من النصّ "شقفة" منه.أنتزع من جسد نصّ قطعة من لحمه، حين تنتزع قطعة من شيء فإّنك في مكان ما تشوّهه، يصير النص يشبه جبنة لاغرويير ، حين تتأمّلها تجدها " منَجْورة".
من أين تكتسب النصوص قيمتها؟
من يعطي هذه النصوص قيمتها؟
نأخذ عبارة من مسرحية، أو بيت شعر من قصيدة، أو شاهدا نثريا من رواية، أو جملة من كتاب في الفلسفة، أو آية من كتاب مقدّس، لنعزز موقفاً، أو لنزعزع موقفا.
ينتف النصّ، يمزّق النصّ، يشقّف النصّ. هذا التنتيف والتشقيف هو ما يعطي النصّ قوّته.
تفرّق النصّ في نصوص كثيرة، وكأن النصوص الكبرى تتبع استراتيجيّة تفرّق تسد، وهي استراتيجية مغايرة أو على نقيض استراتيجية فرّق تسد، وهذه الاستراتيجية  تجعل من النصّ حالة شبيهة بجسد عروة بن الورد حين قال:
أقسّم جسمي في جسوم كثيرة 
وأحسو قراح المء، والماء بارد.
كلّ النصوص الكبرى قدرها أن تتحوّل إلى نتف، إلى فتات!

#Temple_Grandin تمبل غراندن



امرأة تعاني من #التوحّد .
معاناتها دفعتها إلى عالم الحيوان، واكتشفت في عالم الحيوان أشياء كثيرة.
كانت تحضّر رسالة في علم النفس، ولكنّها غيّرت مسارها وراحت إلى تحضير رسالة دكتوراه في علم الحيوان، انغمست في عملها بحيث استطاعت الدخول إلى تفكير الحيوان، وصارت ترى العالم بعيون الحيوانات، كانت تحمل كاميرا وتصور العالم بالأبيض والأسود من وضعيات تشبه وضعيات الحيوانات ، وصارت مستشارة مرموقة للمزارع وحدائق الحيوان، درست بعمق مشاعر الحيوان، اكتشف ان مشاعر التوحّد تحرّك الأماكن نفسها في أدمغة الحيوانات الخائفة أو القلقة، لفتتها الظاهرة، او هذا التشابه العجيب، دمجت بين عالم التوحّد وعالم الحيوان وراحت إلى معالجة التوحّد من باب الحيوان وليس من باب الأنسان.
كانت في الوقت الذي تتعمّق فيه في علم الحيوان، ودراسة أحاسيسه ومشاعره كانت تتعمّق في دراسة التوحّد وعلم الأعصاب، فصارت أيضاً مثالا يحتذى للمصابين بالتوحّد .
أعطتهم درساً في الانتصار على التوحّد!
التوحّد ليس قدراً لا مهرب منه!
حياتها وانتصاراتها تعني أشياء كثيرة ، تعني أنّ علاج بعض أمراضنا قد يكون في سلوك حيوان، أو سلوك نبتة!
الطبيعة صندوق يحتوي على أجوبة أسئلتنا!
ولكن هناك من لا ينتبه إلى وجود الصندوق أو حتّى من يسخر من وجود هذا الصندوق!