الاثنين، 6 أغسطس 2018

مطبخ الشاعر ابن الروميّ من مقالات كتاب لعنة بابل

اهداء بخط  يد عباس محمود العقاد لكتابه عن  ابن الرومي

دراسة المآكل وآداب الطعام عمل حضاريّ جادّ لا يجوز الاستخفاف به، هذا ما أدركه الباحث الكندي ديفيد وينز( David Waines) من خلال كتابه الصادرة ترجمته عن دار رياض الريّس بعنوان" في مطبخ الخليفة، العصر الذهبي للمائدة العربية"، وهو كتاب طريف جدا ليس بسبب المآكل التي يتضمنها وهي أطباق فاتحة، حكماً، للشهية، ولا سيما أنها أطباق ملوكية مرت على موائد هارون الرشيد والمأمون وغيرهما من الخلفاء وإنما بسبب الفكرة المبتكرة التي كانت وراء تأليفه هذا الكتاب الغنيّ والشهيّ . قرر ديفيد وينز أن يعيد المنقرض من المآكل العبّاسية، أو في الأقلّ المنقرض من أسماء المآكل، أي أنّ عمله يشبه عمل العلماء الذين يسعون إلى إعادة إحياء الديناصور من خلال بقاياه المتحجرة، لعلّ الأمر حلم! ولكن أليس الكثير من أحلام الأمس تحوّل إلى وقائع راهنة مرئيّة نابضة بالحياة؟. الكاتب قرر إعادة إحياء الأطباق التي كانت تؤكل في الزمن العباسي، ويظهر من عمله الجهد الكبير الذي قام به في التنقيب في تضاعيف كتب التاريخ والجغرافيا والرحلات والطبخ وآداب السلوك والملوك وغيرها من الكتب التراثيّة التي ساعدته في العثور على مكونات وتوابل تلك المآكل.

ولكن لا اعرف لماذا قفز إلى ذهني ديوان الشاعر العبّاسي ابن الرومي وأنا أتصفح كتاب:" في مطبخ الخليفة". كنت قد اقترحت، سابقاً، على أحد طلاّبي الباحثين عن موضوع للماجستير أن يكون "مطبخ ابن الرومي" محور دراسته. ومطبخ ابن الرومي كان قد لفت، من قبل، نظر الرحّالة والجغرافيّ المسعوديّ الذي كرس للشاعر صفحات طوالاً في كتابه الغنيّ "مروج الذهب ومعادن الجوهر".

قد يتساءل شخص ما، وهل تسدّ مائدة ابن الرومي نهم الدارس وجوعه؟ الإجابة من وجهة نظري بالإيجاب، فانا أرى انه من المهم لمعرفة أي حضارة معرفة راقية ودقيقة أن تدرس الأمور الصغيرة التي فيها، الأمور التي لا تملأ عين أحد. لماذا نرى الدول المتحضرة لا تترك شأنا مهما صغر أو حقر إلا وتتناوله تناولا جادا ورصينا، ويقوم بذلك علماء أجلاء من طراز  الفيلسوف الأنتروبولوجيّ "كلود ليفي استروس" الذي كرس أكثر من كتاب شيّق لدراسة أكل الناس وطرائق وضع الأطباق على الموائد واستخرج من ملاحظاته الثاقبة " المثلث الغذائي" الذي اعتبره العمدة في تباين الحضارات والثقافات. وهذا المثلث هو المعادل الغذائي لـ"مثلث الصوائت" أي الفتحة والضمة والكسرة، إذ كلّ الحركات الأخرى ليست إلا تنويعات صوتيّة( أو نكهات إضافيّة) على هذه الحركات الثلاث، ويقوم المثلث الغذائي على اعتبار أن كل ثقافة غذائية لشعب من الشعوب تتشكّل من النيئ (كالكبّة النيئة) والمطبوخ والمعفّن( كالجبنة المعفنّة)، ومن السهل الوصول إلى اختلاف الحضارات من خلال اختلاف نسب مكوّنات هذا المثلّث.

ديوان ابن الرومي ضخم جدا ولعلّه من أكثر الشعراء غزارة شعرية ولا اعرف شاعرا عربيا قديما يفوقه إنتاجا. وكان الناقد ابن رشيق قد أدرك مسألة التطويل في قصائده وردّ ذلك إلى مزاج ابن الرومي الولوع بالتفاصيل فيقول عنه في كتابه" العمدة" : "إنّه يقلب المعنى ظهرا لبطن فلا يترك زيادة لمستزيد"، أي انه إذا أردنا الاستعارة من الميدان الذي نحن فيه "كان يقحّط صحنه" على الأخير. حين بدأت تصفح ديوانه لأعرف بشكل تقريبي نسبة الأبيات الغذائيّة الدسمة ذات الصلة بالطعام وأسماء المآكل وأدوات الطبخ ، لاحظت أنّه يفتتح قصيدته الأولى ببيت يتحدّث فيه عن "فواكه أيلول"،  كنوع من المقبّلات الشعرية، فيقول:

لولا فواكه أيلول إذا اجتمعت  من كلّ نوع، ورقّ الجوُّ والماء...

ورأيت في هذا البيت فاتحة خير تبشّر بأطايب الطعام ضمن أجواء صافية برفقة الماء الرقراق! ولكن الأطرف من ذلك أن القصيدة الأخيرة في الجزء السابع والأخير من ديوانه ذات دلالة خاصّة فهي متينة الصلة،أيضاً، بالطعام. وهي قصيدة "مزدوجة" تتناول "مجمع اللذّات"، أي الطعام باعتباره نصّاً فنيّاً يجب إتقان كتابته ووضع النقاط والحركات ( أي الإعجام والشكْل كما ورد في قصيدته) على مفرداته. وهو يعترف بأن لا أحد يفوقه قدرة أو خبرة في الكلام عن  لذيذ الطعام فيقول:

يا سائلي عن مجْمع اللذّات        سألت عنه أنعت النعّات

وهي قصيدة ينهيها بهذا البيت الشيطانيّ من الشعر:

لهفي عليها وأنا الزعيم    لمعدة شيطانُها رجيم.

ويبدو أن شيطان معدته كان رجيماً عن حقّ وحقيق، لأن الموت كان له بالمرصاد في أحد الأطباق وفق ما يقوله الرواة، فلقد رأى الوزير القاسم بن عبد الله أن لسان ابن الرومي "أطول من عقله" لكثرة هجائه وبذاءته، فوضع له السمّ في طبق "لوزينجة" للتخلّص من سلاطة لسانه وحين أحسّ ابن الرومي بسريان السمّ في جسده وهو في مجلس الوزير همّ بالانصراف، فقال الوزير: إلى أين تذهب؟ قال: إلى الموضع الذي وجهتني إليه، قال الوزير: سلّم على والدي، فقال ابن الرومي: ليس طريقي على النار.( ويبدو أنّ ابن الروميّ تخلّى، من خلال جوابه، عن تطيّره المزمن في اللحظات الأخيرة!).

ولعلّ من مصادفات ترتيب الديوان الغريبة أن تكون "معدته" (بيت الداء والطعام) وشيطانها الرجيم  خاتمة ديوانه وأيّامه!

الجمعة، 3 أغسطس 2018

#‏وللمذاق_ذاكرة‬ قدسية الحمص من مطعم الدنون Dannoun

قدسية

تعجبني تسمية تستعمل في عمّان لصحن ‫#‏الحمص‬ الذي توضع فوقه حبّات الفول بدلا من حبات الحمص وهي " ‫#‏القدسيّة‬".
وسبب التسمية هو أن أهل ‫#‏القدس‬ هكذا يأكلون الحمص الناعم أو الحمص المدقوق، ومن اسم القدس اشتقت كلمة القدسية.
وحبات ‫#‏الفول‬ على وجه الحمّص تمنحه مذاقا مختلفا ومميزا وطيّبا، وهناك أناس يحبون مذاقه ، وأناس يجهلون حضوره بين الأطباق!
حبّة الفول سادة فيها شيء خفيف من المرارة، وهذه المرارة هي ما تمنح ‫#‏الفم‬ تجربة جديدة مع المذاقاتء حين ترافق الحمص الناعم

صحن فتة من مطعم الدنون لصاحبه ياسر عبد الهادي وأولادهم

مطعم الدنون طرابلس

الأحد، 29 يوليو 2018

الحمص والانسان العاقل / ‪#‎Homo_sapiens‬ ‪#‎Hummusapien‬ ‫#‏الإنسان_العاقل

‬


هناك موقع طريف على الفاسيبوك يختصّ بالطعام، اسمه عبارة عن لعبة لغوية ذات علاقة بالحمّص!
في علم الإنسان هناك تعبير شائع هو homo-sapien ويقصد به المرحلة الأخيرة التي وصل اليها الانسان ، كلمة homo لا تحتاج الا الى حرف s لتصير تلفظ حمص، ومن يطّلع على حركات بعض المفردات يعرف ان هناك كلمات تخترق حدود لغتها وبيئتها وتصير مفردة عابرة للقارات واللغات، تتغير بعض ملامحها الصوتية دون أن يتغير شيء من جوهرها او نكتها.
وهذا حال كلمة حمّص التي صارت مفردة من لغات كثيرة في العالم .
فالمعدة صلة رحم!
والمآكل جسور او جدران.
فالخنزير مثلا جدار من جهة، وجسر من جهة أخرى!
جسر بين طرفين يستسيغان أكل الخنزير.
المآكل قيم حضارية، وفي العالم يمكن ان تصنّف الحضارات والثقافات بناء لما يأكلون، فهناك ثقافة الارز وهناك ثقافة الذرة مثلا، وهناك ثقافة الأرز وهي غير ثقافة القمح الخ
لأعود الى اسم الموقع hummusapien ، وهو اسم يعلي كثيرا من شأن الحمص، وما يؤكد هذا الإعلاء، هو امكانية ابدال الانسان بالحمص، بل هو التشابه الصوتي هنا بين الانسان والحمّص، فضلا عما تحمله كلمة sapien من دلالات تشير الى الحكمة، ويمكن ترجمة الكلمة حرفيا هنا على الشكل التالي: الحمّص الحكيم!
أشير الى ان كلمة حمّص تغيرت معالمها الصوتية بسبب الحاء التي تتحول الى h في لغات لا يوجد فيها حرف الحاء، والصاد تحولت الى حرف s للسبب نفسه، بينما الميم بقيت حيث هي لم يزعزعها تبدل الالفبائيات من يوم ان وضع الفينيقيون حروف الابجدية فهي في كل اللغات في الترتيب الالفبائي او الابجدي حلفظت على موقعها بعد الكاف واللام ملحوقة بالنون ك ل م ن klmn. 
هل لأنها عنصر من جذر الكلمة؟
والفروقات بين الحركات تحصل في اللغة الواحدة فما بالك حين تختلف اللغات ؟
وعليه نجده في صيغ متعددة مع الحفاظ على hms، كما في ‪#‎hommos‬, ‪#‎homos‬ , ‪#‎humus‬, ‪#‎hummus‬ , ‪#‎houmous‬, ‪#‎hoummous‬# .اة!

السبت، 28 يوليو 2018

بلال في مطعم الدنون






قالت لي #سوسن رفيقة القلب والدرب والكلمة: أريد أن تحضر لي صحن حمّص ولكن من يديك، وهذا ما كان.
أحببت تسجيل هذه اللحظة.
لا أنكر أنّي أحبّ جدّاً أن أدقّ صحن الحمّص بيديّ، وأتأمّل تحوّل الحبّات إلى طحين معروك بالطحينة والحامض، وأتأمّل ميل لون الحمّص بفضل الطحينة إلى البياض مع كلّ رشّة حامض.
في الفيديو المرافق مقتطف من تحضير الصحن.
والبقيّة تأتي..

حارسُ المقبرة قصة للكاتب الصيني: لي جيان وو ترجمتها عن الصينية: يارا المصري




كان حارسُ المقبرة هذا مثل زهرةٍ صفراء أعلى القبر توغلت في حياتي بدون جهد، ونشرت عطرَها المثيرَ الفواح، وسلبت روحي المدينية. وفي هذا الربيع المزهر، كان هذا الشيخ القروي الأحمق وكأنه أذابَ نهراً جليدياً، مُبدداً كآبتي بخفة وسرعة، وبغموضٍ أيضاً. كان غريباً عني تماماً، لكن الأمر بدا وكأننا عملنا معاً منذ سنوات ولنا إيقاعٌ واحد.

 لم أقترب منه بل تفحصته بنظري وكأنني أتأملُ شجرةَ سرو، تأملتُ رفيقَ المقابر الذي يشبه شجرة السرو في تمايل عوده المستقيم، وكأنَّه لا يرى بعينيه، بل ينصتُ بقلبه، ينصتُ إليَّ أنا الذي أشبه عصفورَ صباحٍ هائم، يترك أنشودةً صامتةً في غابات الصنوبر والسرو. وهو، شجرة السرو العتيقة، قال بلا مبالاة وفتور، كما لو كان يستقبلُ زيارة العصفور كل صباح، وبحرارة ذلك، وكأنه يحيِّي سمساراً يرتاد القرية دوماً:
ــ صباح الخير!
 بدت تحيته وكأنها أطولُ فاصلةٍ في جُملةٍ في حياته، انسابت بلطفٍ من بين شفتيه. لم يكن في حاجة لأن أجيبه، ولم أجبه كذلك، بل أومأتُ إليه برأسي وتركته إلى حيث يقبع قبرٌ صغيرٌ لا تزال تربته مائلةً إلى الصُّفرِة، ثم انحنيت تجاه القبر متأملاً شاهده القصير، فقال لي الحارس هامساً:

ــ لقد نمت الحشائش ولم يُدفن إلَّا العام الماضي فحسب!
صبيٌّ عمره أربعة عشر عاماً، لم يُحفر على شاهدِ القبر غيرُ اسمه. مات في نضارةِ صباه ولم يتذوق طعمَ الحياة، لأنه ما أن بدأ يختبرها حتى وافته المنية، تاركاً خلفه بضع كلماتٍ ـــ بضعَ كلماتٍ مُعمَّمةٍ بعاطفةٍ إنسانية لا حدود لها، وحزن والديه، ودموع إخوته، إشارةٌ لتخميناتنا. ثم ما الأقل صلابة من شاهد القبر؟ ما الأقل خلوداً من الكلمات؟ ما الذكرى الأقل قسوة من الولع؟ “نمت حشائش!” هذه أخبارُ الحياةِ الوحيدة. وبعد أن تمر العديد من السنوات، سيتآكل شاهدُ القبر، وستفنى الكلمات، ويتبدد الولع، إلَّا العشب الأخضر لن يتوقف عن النمو، سينمو سنةً تلو الأخرى، إلى أن يحجب تآكلَ الشاهد، ويحلُّ محلَّ قوةِ الإنسان كلها.

لقد أطاح ذلك بقبعاتنا المختالة ذات الشُّرَّابةِ الحمراء، وكشفت عن كون الحياة شيئاً ما أجرد. وربما يُضيِّع المرءُ سنواته عبثاً في صخب الحياة، لكن حين تأتي ساعةُ الموت، يلومُ السماءَ والناسَ ويصبح كثيرَ التذمر، قائلاً إنَّه لم يحقق شيئاً في حياته، ومن ثم يسكب دموعاً مُرَّة. ثم ما أن يلفظ أنفاسَه الأخيرة ــــ ولذلك يُدفن هنا، يكون تلك المَرَّة وحيداً حقاً، ولكن قبل أن يمر عامٌ على موته، تغطى قبره الحشائش، وكأنها تخبرنا بدلاً عنه، أنَّ له أهميةً الآن. والطبيعة قادرة على فعل أي شيء، أي إنها قادرة أن تحول قبحها إلى لطفها، وتشكل وقاراً ذا منزلةٍ سامية. وفي سكينة لا يمكن وصفها، أحسستُ بسلام الطبيعة، وهدأت روحي وكأنني خرجت من حفلٍ موسيقي مهيب.
ثم هل ثمة ما يبعث على السكينة أكثر من هذا كله؟ هل ربما حارس المقبرة الغامض ذاك؟ الذي يحرس مقابر غيره وهو على وشك أن يتحول إلى كومة من تراب، وسيموت بهدوء كما عاش حياته. ولعله عديم فائدة، مثل شجر الصنوبر، وشواهد القبور، والعشب الأخضر، وضوء الشمس، تلك الأشياء التي تزين المقبرة الكئيبة. ربما عمل طوال حياته مثل الجاموس في الحقل إلى أن شاخ، ولم يتذكره أحد وكأنه صديق قديم مات منذ سنوات عديدة حقرناه ووضعناه في خانة الأموات. أما هو فقد تقبَّل حظَّه العاثر، ورضي بقدره، لأنه كان في البدء مثل الحيوان، أو، لا، مثل النباتات، تعيش فجأة، وتموت فجأة. ثم هل هناك مَن هو أقرب من الطبيعة منه؟ أليس هو الطبيعة بذاتها؟
هو ليس بحاجة إلى الحكمة، ولا إلى النتاج الثانوي التي تخلفه الحكمة ـــ الوجاهة الزائفة. وهو كمثل المخلوقات الأخرى، له القدرة على الاعتناء بنفسه، لكن القدرة والزمن يتلاشيان في الوقت ذاته، أو كمثل المخلوقات الأخرى أو الأمواج، تتبدد تدريجياً في تيار الطبيعة، تبدد في تيار الطبيعة الهادئ العظيم! هو ليس موجوداً، فالطبيعة تمثل وجوده. وإن عاش، فهو يمثل أعجوبة الطبيعة، وإن مات، فهو يُكمِلُ جمالها. وهو يقوم بمهامه مثل حركة الشمس والقمر والنجوم في مدارها، مثل تعاقب الليل والنهار، بدون أن يترك أي أثرٍ في العالم.
لهذا تقدمتُ نحوه وجلست على المذبح إلى جانبه، وشرعت أتفحص وجهه الأسمر وكأنني أتفحص كائناً غريباً. لم يكن ثمة شيء ما مثير في ملامحه، كان مثل غيره من كبار السن الكادحين في الريف؛ وجهه مسكون بالتجاعيد العميقة، له عينان حزينتان ذات نظرةٍ لا مبالية، ووجه نحيل ذو ملامح حادة. ماذا يمكنني أن أستشف من هذه الملامح الفجة؟ هل يخبئ حزن رجل وحيد مثلي أنا القادم من المدينة؟ نبهتني حركته أنه أكثر من تجسيد للطبيعة، أنَّ له خبرةً روحية، وأنني وهو نملكُ درجةَ تَقَبُّلِ الفرح والألم ذاتها، لهذا لم أتمالك نفسي وسألته:
ـ أين تعيش؟
نظرت إلى جهة الغرب حيث أشارت يده، إلى قطعة أرض قريبة من المقبرة، بها كوخ من القش مربع بعض الشيء، وثمة سور منخفض من أعواد الذرة الرفيعة والذرة يحيط به.
ــ هل تعيش بمفردك؟
تردد برهة، من ثم حكّ رأسه وأشار إلى رسمة بقرة وغمغم قائلاً:” أعيش معهما.”
كان ثمة بقرة صفراء عجفاء تسحب جرافة عريضة وتُقلِّب تربة الشتاء المتجمدة، وصبيٌّ عمره ثلاثة أو أربعة عشر عاماً يتبعها.
ــ أليس هذا ابنك؟
ــ ليس لدي أبناء.
ومن نبرته الجافة أدركت أنني كنتُ متطفلاً، وجرحت إحساسه الذي جاهد في كتمانه قدر ما استطاع، لذا لزمنا الصمت، وكأن كلَّاً منا يضمرُ عداوةً للآخر، متربصاً بالفرصة ليظهر انتصاره على الآخر. وشيئاً فشيئاً شعرت بالتعاطف يغمرني ، ولم أشأ أن أُظهره، بل التفتُ وتأملتُ الكوخ قبالتي المُعرض للتهدم في أي وقت.
يا له من انسجام! حيث كل شيء خلاب ونابض بالحياة. لكن حزن المرء لا يمتدُ إلى إشقاء نفسه فحسب، بل يمتزج حزنه بالطبيعة ويخلق  حزناً باهتاً مُكتملاً. لم أجرؤ على سؤاله مرة أخرى، فقد كنت أعلم على كل حال أنَّ الروح ستظل هائمةً أبداً، والجسد الذي تكمن فيه الروح سيظل جميلاً أبداً، مثل الطبيعة ستكون في انسجام أبداً. أما الإنسان، هذا الذي يهيم وحيداً في الكون وسط غيره، فليس ثمة فرق بينه وبينهم. وإذ أغادر حارس المقبرة الخرف، شعرتُ أنني انتكهت خصوصيته، أنا الغريب الذي أنتمي إلى عالم آخر.

العرب وعصر المعلومات



ليست القوة اليوم في العالم لمن يملك أكثر، وإنما لمن يعرف أكثر. ومن الأمور اللافتة للنظر ان أثرى أثرياء العالم اليوم هم من أولئك الذين يعملون في ميدان البرمجيات وعلى رأسهم بيل غيتس رئيس شركة ميكروسوفت. وهذه القوة يفتقدها العالم العربي بل بيننا وبينها فجوات كثيرة لا بدّ من ردمها للقبض على "قوّة العصر"و"روح العصر". هذا ما يصرح به كتاب "الفجوة الرقمية، رؤية عربية لمجتمع المعرفة" الصادر عن سلسلة "عالم المعرفة" في الكويت، للدكتور نبيل علي والدكتورة ناديا حجازي.
الكتاب شامل وعميق وغني بالمعلومات والإحصاءات والرسومات البيانية التي تظهر مدى الوهن في الجسد العربي. يرى البعض ان انتقاد الذات هو بمثابة جلد لها في حين يرى الكاتبان ان عدم نقد الذات هو أشبه بدفن الرؤوس في الرمال، وابقاء الحال على ما هو عليه. والمعركة الأهم اليوم التي يجب ان يخوضها العرب هي المعركة الرقمية، فثمة تعاون بين الموساد ووكالة الاستخبارات الأمريكية لتفخيخ معدات تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات ببرامج التلصص الالكتروني التي يتم تصديرها للمنطقة العربية، مما يعني ضرورة التخلص من التبعية الرقمية. ويشير الكاتبان إلى تخلّفنا الرقمي الشديد بالنسبة لإسرائيل التي تأتي بالمرتبة الأولى في العالم من حيث نسبة حجم الإنفاق على البحوث العلمية وتطوير التقنيات الرقمية، وفي المرتبة الثانية في عدد المهندسين بالنسبة إلى عدد السكان بعد ألمانيا والمرتبة الأولى في تطوير نظم حماية امن البيانات وتحصين مواقع الانترنت ضد الاختراق، وفيما يخص النشر العلمي فان إسرائيل تنشر ما يعادل 12 بحثا لكلّ عشرة آلاف شخص بينما يبلغ هذا المعدل ثلث بحث لا أكثر لكل عشرة آلاف شخص في العالم العربي. وعلى صعيد الترجمة، وهي من الأسلحة الضرورية لردم الفجوات المعرفية والرقمية، فان عدد الكتب المترجمة لكل مليون شخص يبلغ 100 كتاب في إسرائيل بينما ينحدر هذا الرقم إلى ثلاثة كتب مترجمة لكل مليون شخص في العالم العربي. كما ان إسرائيل اليوم من أوائل الدول في استغلال الانترنت معرفيا واقتصاديا وإعلاميا.
وبالنسبة لهجرة العقول العربية أو نزيف الأذهان العربية، يشير المؤلفان إلى الفارق الجوهريّ بين إسرائيل والعرب من حيثُ استثمار رأس المال البشريّ المدرّب الخلاّق القادر على توليد المعرفة، وعدم تركه لمغريات الهجرة. ورغم ان إسرائيل تعاني اليوم من تخمة العناصر البشرية ذات المهارات العالية إلا أنها لا تفرط فيهم على شاكلة الدول العربية، بل تحتفظ بهم كرصيد استراتيجي عملا بقول حاييم وايزمان:"ان العلم هو سلاحنا، ومصدر قوتنا ودرعنا " بانتظار ان تنجح في اختراق مؤسسات البحوث والتطوير العربية، بينما بعض الدول العربية تغري على هجرة الرؤوس لتمويل الخزينة بالعملة الصعبة متجاهلة ما يستتبع ذلك من "فقر دم" فكريّ.
كما انها أدخلت تعليم الكمبيوتر على كلّ مراحل التعليم الرسميّ من الحضانة انتهاء بالجامعة، وإدخال مفهوم التعليم المستمر، على امتداد مراحل العمر من خلال التعلّم عن بعد والبثّ الإذاعيّ والتلفزيونيّ.كما ان إسرائيل التفتت إلى المعلّم وشجعته على مواصلة التعليم وفتحتْ أمامه الطريق ويسرت له السبل للحصول على أعلى الدرجات العلمية حتى درجة الدكتوراه،بخلاف ما نرى في بلادنا من تقليص العلم إلى شهادة ضامرة تطلب لغايات وظيفية أكثر مما تطلب لغايات علمية، مع ما ينتجه ذلك من ضرر فادح من خلال ما يسمى بالأمية الوظيفية.
ويشير الكاتبان إلى تجارب بعض الدول النامية التي لم تكن إلى زمن قريب أفضل حالا منا إلا أنها صنعت المعجزات في فترة زمنية قصيرة كالهند ويذكر الكاتبان مشروعها الطريف والذكي وهو ما يسمى ب "ثقب في الجدار" الذي يقوم على نشر مجموعة من الكمبيوترات في القرى النائية تثبت في الجدران وتزود بعصا تحكم شبيهة بتلك المستخدمة في برامج الألعاب لكسر الرهاب من الكمبيوتر لدى البسطاء والأطفال والتعلّم بالاكتشاف من خلال التجربة والخطأ وفي غضون ساعات قليلة كان أطفال القرى المتحمسون يتصفحون الانترنت، ويبحرون في فضاء العصر.
ويستعرض الكاتبان تجربة ماليزيا التي انتقلت من تصدير المطاط إلى تصدير منتجات التكنولوجيا المتقدمة، من خلال اتباع سياسة حكيمة ومبتدعة حيث اعتمدت على المحلي والعولمي بشكل متكامل، وربطت بين الحضري والريفي، وبيت الاقتصادي والثقافي، مع إعطاء عناية فائقة للعنصر البشري من خلال التعليم والتدريب، في حين ان الفجوة التعليمية التي يعاني منها العالم العربي بسبب سياسة التلقين والتدجين المعرفي واستراتيجية التعليم القائم على التسلسل الخطي بدلا من ان يكون شبكة مفتوحة من مسارات التعلم وتداخلها، بعد ان ظهر مجددا التخصص البينيّ الذي هو على نقيض التخصص الضيق والبربريّ كما يسميه المؤلفان. والكاتبان يريان ان بناء جدار عازل بين العلوم الإنسانية والعلوم المحضة ما هو إلا من قبيل بناء جدار بين شقي الدماغ البشري في حين أننا نحتاج إلى علماء جدد في العلوم الإنسانية ذوي ميول علمية والى علماء ومهندسين وبيولوجيين ذوي صلة بالعلوم الإنسانية، بعد ان أضحى الفصل بين الاثنين مضرّا بالطرفين معا.
ويتوقف أيضا عند المعلم الذي لا بد من ان يغير استراتيجية التعامل مع الطلاب من خلال حثه على التعلم الذاتي المستدام، لا ان ينغلق في كتب التعليم، يقول بصوت عال ما يقوله الكتاب بصوت خفيض، وبإكساب مهنته طابعا بحثيا، وان لا نعطيه منهجا سابق التجهيز ومنهجيات صارمة لا تسمح بالتفلت منها.فالمدرسة بعقليتها الراهنة هي بنت العصر الصناعيّ،ولا بد من تغيير استراتيجياتها لتلائم العصر الرقمي حيث المعلومة متحركة ومتجددة باستمرار. ويتوقف الكاتبان عند استثمار التعلّم العرضي وهو غير متوفر بشكل سليم في بلادنا كالمتاحف والمكتبات والمعارض. ومن مساوىء التعليم عندنا عدم التنسيق والتكامل بين أدوات المعرفة في المجتمع كالأداة الإعلامية والثقافية، وعدم الاهتمام بتعريب التعليم، والاهتمام بمحو الأمية الأبجدية دون الالتفات إلى محو الأمية الوظيفية مع ما يسببه ذلك من خسائر مادية لا يستهان بها.
كما ان الكتاب يتناول فجوة العقل الرازح تحت تبعية مزدوجة: تبعية للماضي أو للغربيّ. فالعقل العربي اليوم إما انه صنيعة السلف وإما انه صنيعة الغربي. فالعقل العربي أوكل مشاريع تنميته إلى مقاولي الخارج، كما أوكل تعريب نظم معلوماته إلى الشركات المتعددة الجنسيات مما يعنى ازدياد الفجوة الرقمية اتساعا، واعتمد إلى خبراء أجانب لإيجاد حلول له مع جهلهم للواقع العربي الثقافي والانتروبولوجي مما يجعل اقتراحاتهم غير قابلة للتحقق، كما انفصلت نخبه عن عامته تاركة إياها لقمة سائغة للقوى الرمزية الضارية، وللإيمان بحلول خرافية، أو للاستكانة والرضوخ للفكر الغيبي، وتظهر العمليات الإحصائية لقياس فجوة العقل ان العربي دون المعدل الوسطي العالمي. ويعتبر المؤلفان ان اغلب الفجوات التي يعانيها الإنسان العربي نتيجة واقع لغوي أيضا، والإنسان هو الذي يقرر تحويل لغته إلى حصن أو إلى سجن. ويبدو ان العالم العربي لم يستطع إلى اليوم تحويل لغته إلى حصن علمي. وان كان التعليم هو المنطلق لرأب الفجوة الرقمية، فلا بدّ من أن يكون التعليم باللغة الأم بخلاف ما عليه الحال في أغلب الدول العربية حيث الجفوة بين العربيّ ولغته تعمق من الفجوة العلمية. ويعتبر المؤلفان ان التعليم باللغات الأجنبية للمواد العلمية لا ينم عن ذكاء بقدر ما ينم عن جهل بأهمية اللغة الأم. والمجتمع العربي بنخبه التربوية والفكرية والسياسية منقسم على نفسه حول هذه القضية انقساما ندفع ثمنه علميّا. فالبعض يرى ان العربية قاصرة عن تعريب المواد العلمية (وكأنّ العجز في اللغة وليس في مستعمل اللغة)، أو ان تعريب التعليم سوف يفصل بين العربي ومراكز التطور العلمي، إلا ان ما ورد في تقرير التنمية الإنسانية لعام 2004 يظهر بالأرقام ان الإنتاج العلمي ممثلا بعدد براءات الاختراع لكل مليون فرد يزيد في الدول التي تعلم بلغاتها القومية عن تلك التي تعلم باللغات الأجنبية، ويؤكد الكاتبان ذلك بالإشارة إلى تقارير عن تفوق الأطباء السوريين في امتحانات التأهل في الجامعات الأوروبية والأمريكية على أقرانهم العرب ممن تلقوا الطب باللغات الأجنبية. قد يفترض القارىء ان الكاتبين يخففان من دور اللغة الأجنبية وهما يتكلمان عن التعريب الا أنهما يردفان كلامهما عن فجوة الترجمة بل يقترح الكاتبان بأن تقوم الجامعات العربية بتكليف طلاب الدراسات العليا، ترجمة كتاب إلى العربية كلّ في مجال تخصّصه، ويرى المؤلفان ان توطين المعرفة في العالم العربي لا يمكن تحققه إلا بالاهتمام الكثيف بالترجمة, وهي لا تزال ضامرة إلى اليوم، حيث ان ما يترجمه العالم العربي من كتب قد لا يزيد على خمس ما تترجمه دولة أوروبية صغيرة مثل اليونان التي يقلّ عدد سكانها عن 5% من سكان الوطن العربي.
قد يظنّ القارىء ان الكاتبين متشائمان بسبب تسليط الأضواء على الخلل المعرفي العارم، إلا انه سرعان ما يلحظ ان أغلب العلاجات التي يقترحانها هي اقتراحات ليست عصية ولكنها تحتاج إلى إرادة واعية كفيلة بتغيير ملامح الوجه الباهت للراهن العربي، إذا كنا لا نريد ان نبقى مجرد رقم مبهم وغفل في هذا الزمن الرقميّ.

الملاك والشيطان

قرأت ما يلي:
يــحكى أن حاكم ايطالي دعا فنانا ً تشكيليا شهيرا و أمره برسم صورتين
مختلفتين و متناقضتين عند باب اكبر مركز روحي ف ي البلاد
امره أن يرسم صوره ملاك و يرسم مقابلها صوره الشيطان

لرصد الاختلاف بين الفضيله و الرذيله...


و قام الرسام بالبحث عن مصدر يستوحي منه الصور ..وعثر على طفل بريء وجميل

تطل السكينة من وجهه الأبيض المستدير وتغرق عيناه في بحر من السعادة

ذهب معه الى أهله و استأذنهم في استلهام صوره الملاك من خلال جلوس الطفل أمامه كل يوم حتى ينهي ذلك الرسم مقابل مبلغ مالي
و بعد شهر أصبح الرسم جاهزا و مبهرا للناس

و كان نسخه من وجه الطفل
و لم ترسم لوحه أروع منها في ذلك الزمان

و بدأ الرسام في البحث عن شخص يستوحي منه وجه صوره الشيطان

و كان الرجل جادا في الموضوع

لذا بحث كثيراً
و طال بحثه لأكثر من اربعين عاما
و أصبح الحاكم يخشى ان يموت الرسام قبل ان يستكمل التحفه التاريخية

لذلك أعلن عن جائزة كبرى ستمنح لأكثر الوجوه إثارة للرعب

و قد زار الفنان السجون و العيادات النفسية و الحانات .و أماكن المجرمين

لكنهم جميعا ً كانوا بشرا ًو ليسوا شياطين

و ذات مره
عثر الفنان فجاه على(الشيطان!)

و كان عبارة عن رجل سيء يبتلع زجاجه خمر في زاوية ضيقه داخل حانه قذرة

اقترب منه الرسام وحدثه حول الموضوع ..و وعد بإعطائه مبلغ هائل من المال .. فوافق الرجل
و كان قبيح المنظر ..كريه الرائحة ..أصلع وله شعرات تنبت في وسط رأسه كأنها رؤوس الشياطين!
و كان عديم الروح و لا يأبه بشيء ويتكلم بصوت عال ٍو فمه خال ٍمن الأسنان

فرح به الحاكم لان العثور عليه سيتيح استكمال تحفته الفنية الغالية
جلس الرسام أمام الرجل و بدأ برسم ملامحه مضيفاً إليها ملامح ( الشيطان !)

و ذات يوم
التفت الفنان الى الشيطان الجالس أمامه و إذا بدمعه تنزل على خده
فاستغرب الموضوع

و سأله إذا كان يريد ان يدخن أو يحتسي الخمر!
فأجابه بصوت اقرب الى البكاء المختنق

(أنت يا سيدي زرتني منذ أكثر من اربعين عاما حين كنت طفلا صغيرا

و استلهمت من وجهي صوره الملائكة وأنت اليوم تستلهم مني صوره الشيطان

لقد غيرتني الأيام و الليالي حتى أصبحت نقيض ذاتي! بسبب أفعالي ..
و انفجرت الدموع من عينيه و ارتمى على كتف الفنان
و جلسا معا يبكيان أمام صوره الملاك

*