الأحد، 25 نوفمبر 2018

ياسر عبد الهادي صاحب مطعم الدنون

ياسر عبد الهادي صاحب مطعم الدنون

مصير كتاب


مصير كلّ كتاب جيّد أن يتفتت إلى شذرات وشواهد واقتباسات.
تفتيت الكتاب عزّ له!
والأمثلة أكثر من أن تحصى، يمكن الحصول على الأمثلة من النصوص المقدسة: توراة، إنجيل، قرآن، كتاب الموتى، حوليات كونفوشيوس، تعاليم بوذا، ومن كتب الفلسفة، وكتب الطبّ( الشفاء لابن سينا)، ومن كتب النثر ( حيوان الجاحظ)، ومن الشعر ( الشواهد الشعرية)، ومن الأقوال المأثورة والأمثال السائرة، ومن الروايات والقصص والمسرحيات( أكون أو لا أكون مثلا شذرة من مسرحية شكسبيريّة).
النصوص الكبيرة يمدّها تشظّيها بالعمر الطويل، فقد يأخذك شاهد من عدّة كلمات إلى الاهتمام بأصل الشاهد وفصله وقراءة رواية كرمى لعبارة قصيرة.

كوب ماء


للمرء قدرة على أن يرى في الأشياء ما ليس فيها، ويولّد لها وظيفة لم تكن من صلب مهامّها.
وثمة مشهد لا يزال عالقا في ذاكرتي منذ ما يقرب من نصف قرن، كنت صغيرا دون العاشرة من العمر، وكنت مع عائلتي في البرّية ، فلفت نظري سلوك رجل مع اولاده الصغار حيث لم يكن الماء في متناول افواه الصغار ولم يكن معه لا كوب ولا اي وعاء لتوصيل المياه الى شفاههم العطشى. راحت عيناه تتجوّلان في الأشياء المحيطة به فعثر على ورقة، ولكنه لم يرها كما هي، رآها كوبا، تناولها وبلمح البصر حوّلها الى قمع وملأها بالماء وراح أبناؤه ينهلون فرحين بهذا الكوب الغريب الذي روى ظمأهم.
لم ير الورقة ورقة فصارت ما رآها ، شيئا مغايرا لوظيفتها.

السبت، 24 نوفمبر 2018

مقاطع من سيرة حياة أبي / #ياسر_عبد_الهادي

مقاطع من سيرة حياة أبي / #ياسر_عبد_الهادي





لا تربطني بأبي صلة القرابة وحدها. ثمّة شيء آخر، يجعله أكثر من أب، وهو بساطته، طيبته، ايمانه الرحيب، سخاؤه الكتوم، نظره الثاقب والبعيد، حدسه المرهف، ولعه بالحياة، ولعه بالأرض العطوف، حبّه لشجرة الزيتون المباركة، يؤلمه وجع غصن، أو تنهيدة حبّة مريضة. رغبته الفيّاضة بالمعرفة، نفوره العارم من إضاعة الوقت، براغماتيته الفطرية اللينة، والعفوية، تفاؤله البنّاء، طريقته المبتكرة في ايجاد حلول بسيطة وعملية لأمور معقدة، طموحه الفذّ الذي لا يحرمه من الشعور بالقناعة الخلاّقة، استغرق وقته في هوايات ليست عاقراً أو عقيماً، عزّة نفسه الخفيّة، عينه الشبعانة في حالتي فقره وغناه. تعامله النبيل والمرهف مع الطبيعة، تفانيه في ما يقوم به، طريقته في التجارة حيث يهتم بإتقانها أكثر مما يهتمّ بمردودها الماديّ، خجله الذي لا يكشفه من لا يعرفه.
اشياء كثيرة في ابي تدفعني الى أن أراه شيئا آخر غير الأب.
احيانا اسائل نفسي: هل حبي له هو حبّ أب لابنه أم حب ابن لأبيه؟
قلت له في رسالة، حين كنت مقيماً في فرنسا، : " يا والدي من فرط حبّي لك أظنّك ابني، بل ابني الوحيد"، الا يقال لا أحد يحبّ أحدا على ابنائه؟ أشعر انني اكسر القاعدة، أبي اوّلا وبعده الآخرون من ابناء وغير ابناء.
حياتك يا والدي نعمة في حياتي.
من فضائله ان عالمه عمله. وان عمله علّمه أشياء كثيرة هو الذي لم يعرف المدرسة استخرج من أفواه الناس ابجديّة العربية وراح يقرأ، بمفرده، وراح ينسخ بيده حكايات ومواضيع حتى يقبض على الحرف العصيّ، فصار قارئا أكثر من كثيرين يفخرون بشهادات ثمنها حفنة من المال المغسول. أبي يقرأ اكثر من كثيرين يعرفون القراءة ولكنّهم لا يعرفون بناء علاقة سوية ونقيّة مع الحرف.
عينه شبعانة منذ صغره هو الذي عانى في طفولته اليتم والحرمان من أمّ تعطف عليه، فأمّه ليست أكثرمن طيف في مخيّلة طفولته لأنها انتقلت إلى بارئها قبل أن يعرف فمه الصغير التلفّظ بكلمة " ماما"، وهي من الكلمات التي لم يعايشها، وإلى اليوم حين يسمع طفلا ينده لأمه " ماما " تمتلكه مشاعرالرحمة والحسرة والحنين إلى مفردة لم يعرفها فمه، ولم تعرف رنّتها الآسرة أذناه. حرمانه من أمّه جعل مشاعر الأمومة تفيض من روحه وسلوكه فتعرف من نظراته الحانية، الودود، ما معنى "الأب الرؤوم"، لكأنّه قرّر في طويّة روحه حين رحلت أن تستمرّ على قيد الحياة في لحمه ودمه وحنوّه الأخّاذ.
ليتني أب كأبي. و"ليت" تُدخل، أغلب الأحيان، الأشياء في حيّز المستحيل والامتناع.
أبي كتابي المفضّل، الكتاب البسيط، السهل الممتنع، الممتع الذي وانا اتصفحه أشعر اني اتصفح كتاب سرّ النجاح وسرّ الفرح.
أبي قدري الجميل، وقدري النبيل.
أحاول جاهداً، بكلّ طاقتي، أن أكون أحسن منك، يا حبيب القلب، فقط لأجلب إلى قلبك البهيّ المسرّة.الا يقال ان فرحة الأب لا تكتمل الا بتفوّق الابناء عليه، اليس هذا سرّ الحياة، وسنة الله في خلقه؟
مدّ الله في شيخوختك الجميلة، الوديعة، والممتلئة حكمة ونعمة، شيخوختك الفتيّة ليستمرّ، في الدنيا، سعدي.
لعلّ أجمل ما في حياتي أني عشت في زمن أبي.
أبي ليتني أنت.
**********

الموت حقّ مرّ يا حبيبي، وستبقى مرارته في روحي إلى أن أبلّ نظري برؤيتك في عليين.
إلى الملتقى يا عاشق العمل النبيل، والشغوف بالعمل النبيل.

مقاطع من سيرة حياة أبي ياسر عبد الهادي


أشياء تعلّمتها من والدي (تغمّده الله برحمته الواسعة)
كنت قد نشرتها قبل رحيله الجارح.

عشت طوال عمري خارج #الأحزاب، ولم يبقَ، بالتأكيد، من #العمر أكثر ممّا مضى، ولن ألوّث ما تبقّى من العمر بأيّ انتماء سياسيّ. انتمائي الوحيد هو للكتب. 
لإن تعلّمت من #والدي شيئاً فهو أن أحبّ مهنتي، وأقضي العمر في الاهتمام بمهنتي.
ومن حسنات #والدي الكبرى أنّه لم يدخل بيت زعيم أو نصف زعيم أو ثلث زعيم أو ربع زعيم ولم تُلوّث يداه بتصفيق لأيّ زعيم.
عاش - رحمه البارىء تعالى- لنا ولثلاث حبّات: حبّة #الحمّص، وحبّة #الفول، وحبّة #الزيتون.
وإن كنت أضع بين وقت وآخر صورة #الحمص والفول ، فذلك لأنّي أرى في كل حبّة #حمّص وجه أبي، وفي كل حبّة #فول إخلاص أبي لعمله.
حبّة حمّص واحدة تعادل عندي كلّ #زعماء هذا البلد، وأفضل أن أعيش في ظلالها على أن أتسكع في بلاط فلان أو علان.
ومع كلّ كلمة أكتبها أتذكّر فضل #الحمص والفول على كلماتي، وعلى أسلوبي في #الكتابة.
أحببت في والدي البساطة، والطيبة، وحبّ العمل بشغف.
أحببت في والدي علاقته مع شجرة الزيتون، ولم أر أحدا يتعامل مع شجرة الزيتون بحنان، وحبّ، ويتعامل معها كما لو أنها إنسان يحب، ويفرح، ويحزن!
وأحبّ والدي حبّة الزيتون كرمى لعيني الحمّص والفول، ومن أجل تأمين زيت زيتون ليكون جزءا لا يتجزّا من مذاق الحمّص والفول الذي كان يحضره بأناقة ومهارة وجمال. ولم يخطر بباله أن يحتقر طبق الحمص أو الفول ويشوّه مذاقه بزيت لم يخرج من أحشاء حبّة الزيتون كما يفعل كثيرون.
فكان يرافق حبّة الزيتون من الغصن إلى المعصرة.
رحلت يا حبيبي في موسم قطاف الزيتون، موسم كان يأخذ وقتك صباحاً في القطف، وليلاً في المعصرة لتتأمّل كيف ينسكب الذهب السائل من حبّات الزيتون.

أبجدية أبي ياسر عبد الهادي


كنت أكتب مقتطفات من حياة والدي تغمّده الله برحمته على شكل مقالات دون تصريح باسمه، ( الفتى في المقال كان أبي) إذ لم تكن الغاية الحديث عنه، وإنّما نشر فكرة فيها شيء من الحكمة.
وهذا المقال الذي نشرته ذات يوم تحت عنوان عين عنترة كان عن تعلّمه للقراءة والكتابة وهو في العشرين من عمره ، وكان لا يعرف إلاّ الألفباء.
كانت الألفباء لا غير هي زوّادته الثقافية إلى ذلك الحين.
ومن باب اسم عنترة بكلّ معنى الكلمة دخل إلى عالم القراءة ثمّ انفتن بها ، وصار يشتري مجلّة الصيّاد في أيّام عزّها، وكانت هي المجلّة الأولى التي تعرّفت عليها وأنا صغير.
كان جهاده في سبيل محو أمّيته بثمابة درس لمن وهن منه عزم أو خارت منه قوّة.

عشت في باريس حوالي اثنتي عشرة سنة، من حسنات هذه الأيّام أنّي ربحت رسائل كان يكتبها لي، ويحكي لي فيها بعض أحواله وأحلامه.
هذا نصّ المقال:

#عين_عنترة

للحكواتيّ، في غابر الأيام، مجد في أغلب الدول العربيّة. كان يجمع في مؤثّرات صوته وحركات شخصه السينما والتلفزيون والراديو والفيديو. لم يكن لمقهى الآنترنت، فيما مضى، وجود ولكنْ كان ثمّة مقهى الحكواتيّ، ينتظره الرجال في السهرات بعد أن ينفضوا أياديهم من الأعمال. ويتركون، حين يبدأ حكواتيّ السهرة بالكلام، العنان لآذانهم وخيالاتهم. كان الحكواتيّ يعرف كيف يوقف أنفاس المستمعين ويقعدهم على أعصابهم إذ يتوقّف تدفّق الأحداث من فمه في لحظة حرجة من القصّة كأنْ يكون عنترة في الأسر، ولا يفكّ الحكواتيّ عقدة لسانه وأغلال عنترة إلاّ في اليوم التالي تاركاً حسرة في آذان روّاد المقهى. وكان من جملة المستمعين شابّ في العشرين من عمره تقريباً لم تسمح له ظروف الجهل العائليّ أن يدخل المدرسة.

تيسّر للشابّ من جني أعماله المتفرّقة البسيطة أن يجمع شيئاً من المال ساعده في فتح محلّ سمانة. وفي هذه المهنة شيء من الدين، وليس للذاكرة أمان. وحتّى لا يضيع حقّه أو ينسى ما له وما عليه، قرّر أن يتعلم القراءة والكتابة. كان يعرف أشكال الحروف الحرّة. وفي العربية إتقان الأحرف يحتاج إلى بعض البراعة لأنّها ذات مزاج متقلّب، فالحرف تتعدّد صوره وفقاً لظروف الموضع الذي هو فيه، فصورة العين في أوّل الكلمة غير صورتها في وسط الكلمة وغيرها في آخر الكلمة. وبعض الحروف تتّصل مع حرف آخرَ من طرفيها (كالتاء) في حين أنّ بعضها الآخر لا يقبل الاتصّال إلاّ في أوّله(كالراء). ولا ريب في أنّ تعدّد الأشكال دالّ حضاريّ يستحقّ التدبّر إذ يُستشفّ من ورائه نمط من التفكير خاصّ.

كيف لهذا الشابّ أن يتعامل مع كلمات لم يعتد التعامل معها طوال عمره؟ والعلم في الكبر كالنقش في رمل البحر! ولكن الفتى اعتمد على ذاكرته السمعية (أستاذه الوحيد)، وعلى زوّادته من الأحرف وعلى "استراتيجية التخمين". كان من حسن حظّ الشابّ أنّ الحكواتيّ، حين تنفضّ السهرة، يبقي، بحكم الجيرة، الكتاب عنده لليوم التالي، فكان ينتهز أوقات فراغه، أو الفترة الفاصلة بين زبون وآخر، ليفتح الكتاب على الصفحة التي ابتدأ منها الحكواتيّ، ويروح يتحزّر الكلمات، كلّ كلمة تبدأ بحرف العين هي اسم عنترة حتى إشعار آخر، وكلّ شين هي شيبوب شقيق عنترة ومساعده في الأزمات .

من خلال هذه الكلمات الضئيلة كان يحاول ان يستعيد كلام الحكواتيّ المكتوب، يحاول ان يطابق ما بين محتويات ذاكرته وما هو مدرج في سطور السيرة، يعدّل اسماً هنا واسماً هناك. ومع الوقت، امتلك زمام القراءة عن طريق الأسماء التي تعجّ بها السيرة. والأسماء في العربيّة وسيلة ناجعة لتعلّم القراءة، بخلاف الأسماء الفرنسيّة مثلاً التي لا يتطابق دائماً صوت الاسم فيها مع حروفه.

وراح الشابّ لإتقان الكتابة، ومن ثمّ تيسير عمله، ينسخ الكلمات التي يقرأها. وهو لا يزال إلى اليوم يقرأ، بل ويكتب في دفتر يوميّاته طرائف الذكريات.

اشتغل عنده مرّة شخص أمّيّ، لا يعني له عالم القراءة والكتابة شيئاً على الإطلاق، وكان هذا العامل يسرّ جدّاً بأنّه يستعين، في الضرورات، ببصمة إبهامه. كانت فرحة هذا العامل بلطخة الحبر على إصبعه تعادل فرحة طفل بلعبة جديدة، يعتبرها إنجازاً خارقاً ليس في متناول أيّ إبهام. تأفف السمّان، من لطخة الحبر، وقرّر تعليم العامل توقيع اسمه، على الأقلّ، فكتبه له على ورقة ثمّ وضع فوقها أخرى شفّافة وطلب منه تمرير القلم وتحديق صورة الاسم إلاّ أنّ العامل خاف أنْ يخسر إبهامه دوره وقيمته في البصم. فكان يأخذ القلم شمالاً ويميناً، ويخربش كالدجاج، رافضاً تبيان ملامح اسمه. وتيقّن السمّان أنّ الجهل رغبة، وأنّ العلم رغبة، وما رمي أسباب الجهل على ظهر الظروف التي قد تكون بريئة أحياناً إلاّ من قبيل الافتراء الخبيث على الحياة.

#بلال_عبد_الهادي

شكر على تعزيز بوفاة والدي رحمه الله ياسر عبد الهادي


‎أشكر من أعماق قلبي وروحي كلّ من قدم لي ولعائلتي العزاء سواء كان ذلك بحضور شخصي او عبر مواقع التواصل الاجتماعي او عبر الاتصال الهاتفي بوفاة والدي الحبيب .
شكر الله سعيكم ، وإنّا لله وإنّا اليه راجعون.
سنّة الحياة لا تكتمل إلاّ بالموت الذي تنهزم اللذّة على يديه.
وما أوجع تلك العبارة التي كانت ترد في نهايات الحكايات القديمة، وهي:
( هادم اللذات ومفرّق الجماعات).
فسبحان الحيّ الذي لا يموت.

ولدي سدير مع والدي ياسر عبد الهادي



حماك الله يا ولدي، وفرحة لي أن تسير على خطى جدّك.
وأنت تعرف يا سدير انّ جدّك كان مدرسة في الكفاح والطموح ومكارم الأخلاق.

والكلمة أدناه هي الكلمة التي كتبها سدير.

You taught me that nothing is impossible. You can learn to write without going to school. You can start by selling streetfood, and end up founding one of the most delicious restaurants in town. You can be one the most loving beings, without having the opportunity to receive love from your mom for long. You can be successful and hardworking, and at the same time selfless, humble and caring. If I were to name a role model, you would definitely be mine.
I will miss you, and I will work hard to make you proud.

بحبك ⁦❤️⁩

#شجرة_وبال_فاضي // مقاطع من حياة ابي ياسر عبد الهادي


كنت أتلقّف الحكايات من بطون الكتب وأفواه الناس، كلّ الناس. لا يخلو فم من حكمة مخبّأة بين شفتيه.
كما كنت أتلقّف الحكايات من سلوك الناس، وأعمالهم. فالسلوك كلمات وجمل ونصوص.ولعلّ هذا ما كان يدفعني إلى الولع بكتب الأعلام وسير من تركوا أثراً جميلاً .
الكتابة شكل من أشكال الذكر، وهنا سأضع تلك الحكاية التي حدثت مع والدي وكان في العشرينيّات يوم طوفة النهر.
طوفة النهر تاريخ في طرابلس، تاريخ سيّال بالحزن والعبر.
والحكاية التي سأسردها هي حكاية نظرة أبي طريقة أبي في استخدام عينيه.
كنت قد كتبتها منسوبة إلى شخص مجهول، أمّا اليوم وبعد أن غادرنا إلى عالم الغيب، أعيد نسبتها إليه.
تغمّد الله روحك العالية والغالية بواسع رحمته يا أحبّ الناس إلى روحي.

#شجرة_وبال_فاضي

الحياة "وجهة" نظر.

إنّ وجهة النظر أو بالأحرى كيفيّة استخدام النظر تغيّر من معنى المنظور إليه، وتفصح في الوقت نفسه عن أعماق الناظر، " قل لي ماذا ترى أقل لك من أنت"، فالنظر يلعب دور هويّة المرء إذ يكشف لنا الاحتمالات المنتظرة ( والفعل، بدوره، مأخوذ من النظر)، والعرب القدامى كانوا، لدقّة ملاحظة عيونهم، يطلقون عبارة " أهل النظر" على العلماء وأهل الفكر و"الرأي".

من الناس من يجمّد الأشياء عن طريق حبسها في وجهة نظر واحدة، أي أنّه يمسخها ويقزّمها بسبب تقليص الوظائف المحتملة لهذا الشيء أو ذاك إلى الحدود الدنيا، ومنهم من يمنحها حيوية الأحياء، ويتركها تمارس احتمالاتها المفتوحة ليختار الاحتمال الأنقى والأبقى.

ولا ريب في أنّ تطلعات الإنسان تساهم في تشكيل نظرته إلى الأشياء وتحديد ملامح مصيره. فهويّة الإنسان العميقة تكتبها تطلّعاته التي تضطرب في تلافيف فكره وتضاعيف روحه.

تطلّعات اليوم هي، أغلب الأحيان، يوميّات الغد، والمقصود بالتطلعات أحلام المرء الذاتية، تلك التي لا تنكسر أو تيأس، ولا تقول إنّ الظروف لم تسمح لي بتحقيق أحلامي. إذ من خصائص التطلّعات الذكيّة أنها تمتلك حكمة النهر في تعامله مع مجراه. لا يقدر ظرف من الظروف على منع النهر من تحقيق وصاله مع البحر، لأنه يملك في مجراه ليونة الأفعى والتعرّج الدالّ والبراغماتيّ، ولأنّه يمارس سياسة اللين مع ظروفه ذات المزاج المتعدّد والمتقلّب، والمتغيّر كجلد الحرباء. كنت قد قرأت منذ فترة حكمة صينية عن الماء تقول: " الماء يستسلم للسكين ولكنّه يظلّ معصوماً عن الجروح" بسبب ما تمتلكه طبيعته من لين سيّال.

ولكن حكمة النهر وليونته لا تعني أنّه لا يغضب ولا تعني أنّه لا يجنّ جنونه، ويفقد السيطرة على أعصابه المائية في لحظة طيش أو نزق، ويتحوّل إلى طوفان كذلك الذي حصل، منذ أكثر من خمسين عاما، لنهر" أبو علي" الذي يبدو اليوم وديعاً كساقية مبحوحة الخرير.

ولنهر "أبو علي" قصة واقعيّة طريفة مع شجرة ليمون أيام الطوفة، تكشف عن أثر وجهة النظر في رسم واقع الأشخاص والمتوقّع منهم. وكبار السن أبناء السويقة وباب الحديد يعرفون غضبة "ابو علي"، ولا تزال، الى اليوم، ذكراه، في أي حال، على حيطان منطقة "المنكوبين" الرطبة التي أنجبها جنونه.

تعود القصة التي أودّ سردها إلى حوار جرى بين صديقين، وحّد بينهما الفقر، والجوع، والأميّة، وشيء من اليتم وما قد يستتبعه ذلك من تشرّد . تداعب كلاّ منهما أحلام لا تتعدى سنّ المراهقة، إلاّ أنّ مرمى أحلامهما لم يكن واحداً، واختلاف مرامي الأحلام يؤدّي إلى تمايز المصائر وتباينها، فالأوّل عثر على شجرة ليمون كان غضب النهر قد اقتلعها من تربتها وقذف بها إلى وسط المدينة، فاعتبرها من جملة النفع الذي يأتي به الضرر، غير أنّ ذلك الشخص لم ير في الشجرة إلاّ حطباً، علماً أنّ الشجرة ليست، بالضرورة، حطباً. فهي قابلة، كقلب شيخ الصوفيين ابن عربيّ، كلّ صورة. سأله صديقه وهو يراه يكابد بقامته الصغيرة في جرّها: إلى أين تذهب بها؟ أجاب: إلى الفرن. حاول صديقه إقناعه بتغيير وجهته فقط عن طريق تغيير وجهة النظر في شجرة الليمون، ولفت نظره إلى إمكانية الذهاب إلى المنشرة بدلاً من الفرن، لأنّ في تغيير الوجهة تحسيناً لقيمتها ولسعرها، فالفرن لا يحسن التعامل مع الخشب كما تحسنه المنشرة التي تقدّر إمكانيات الشجر، ولا تحبّ أن ترى الغنى رماداً، بالإمكان في المنشرة - قال الفتى- تحويلها إلى أجران متعدّدة الأحجام ومدقّات وأحجار "داما" لللاعبين، وراح ذلك الفتى يعدّد لصديقه الطاقات والاحتمالات العفيّة الكامنة في الخشب، لأنّ الشجرة في عين الفرن رماد، وفي عين المنشرة عجينة. فما كان من صاحب الشجرة إلاّ أنّ هزّ رأسه هازئاً من صديقه ومن " بالو الفاضي"، وتابع طريقه إلى الفرن. ومن الطريف اتهام من يفكّر، في بلادنا، بـ"فضاوة البال"! الحياة لا تتوقّف، والفَتَيانِ كبرا، نظرتهما للشجرة كانت نظرتهما للحياة نفسها. عرف الـ" بالو فاضي" كيف ينسلّ مع تطلّعاته من الفقر انسلال الشعرة من العجين، وأصبح عمله علامة تجاريّة، بينما صاحبه لا يزال يكتوي في شيخوخته بنار الفقر. واستطاع فتى المنشرة بـ"بالو الفاضي" بل بفضل "بالو الفاضي" أنْ يتعلّم فكّ الحرف وتركيبه بمجهوده الفرديّ رغم أنّه لم يعرف باب المدرسة في حين أنّ صاحبه بقي يشعر بغربة حارقة مع الحرف، ولا يحسن استخدام الحبر إلاّ لطبع بصماته.

وجهة النظر، لا غير، هي التي فرقت بين الطرفين، وجعلت الشجرة الواحدة شجرتين: شجرة قابلة للتصنيع، وأخرى مصيرها بيت النار.

تذكّرني شجرة الليمون بشجرة أرز فقدت روحها وكادت تفقد جثمانها العريق إلاّ أنّ الفنّان رودي رحمة لم يطاوعه قلبه في رؤية خشب الأرز حطباً أو خشباً بلا روح فعمد إلى تحويلها منحوتة شامخة وارفة الجمال والجلال تلفت نظر الصاعدين إلى قمم الأرز بروحها الفنية والفتية المتوثّبة.

للكاتب البريطانيّ الشهير برنارد شو عبارة ليست غريبة عن سياق المقال، يقول فيها:" اذكروا دائماً أنّ تصرفاتنا ومسالكنا في الحياة لا تتأثّر بالتجارب التي مررنا بها، وإنّما بالتطلّعات التي نصبو إليها".

ويفترض بالتطلعات، فيما أظن، أنّ تكون نظراً إلى الأعلى احتراماً، في الأقلّ، لدلالة جذرها السامي "ط. ل.ع." الذي خرجت من رحمه مفردة " التطلّعات"، ومفردة أخرى، لا نقيم لها، على ما يبدو، وزناً كبيراً، هي الـ"مطالعة".

#بلال_ياسر_عبد_الهادي

ورقة من روزنامة // مقاطع من سيرة أبي ياسر عبد الهادي





غريب أمر الدنيا، وغريب أمر المشاعر، وغريب توقيت المصادفات.
كنت أفتّش عن الأشياء التي أبقاها أبي، والأشياء قصص وحكايات وأفكار، فوقعت عيني على ورقة روزنامة مطويّة ويحتفظ أبي بها في درجه بجانب سريره، فكانت كلمة " الصبر المحمود" هي أوّل ما وقع عليه نظري، فظننت لوهلة أنّه احتفظ بها لكلامها على الصبر، وليس أي صبر ، بل ذلك الموصوف بالمحمود، واستوقفتني كلمة محمود لدلالتها المباشرة ولكن انتبهت إلى أنّه كتب بخطّ يده المبارك، خطّه المميّز الذي أعرفه من بين ملايين الخطوط ، هو الذي تعلّم الكتابة والقراءة دون مساعدة أحد إلاّ رغبته المنبثقة من نفسه.
كتب في أسفل الصفحة بالخطّ الأحمر : توفي أخي الجمعة ٢٣ تمّوز ١٩٩٩.
وفي الوجه الأوّل من الصفحة وضع ملاحظة من كلمتين :" كان الثالث".
فاكتسبت كلمة محمود معنى ثانياً، معنى روحيّاً وأخويّاً، إذ كان عمّي رحمه الله اسمه محمود، المعروف بالحاج #محمود_دنّون، وهو عمّي البكر، بينما أبي كان الأصغر بين أشقائه، وكان يكنّ لأخيه البكر محبّة خاصّة، فقد حضنه صغيراً، واهتمّ به صغيراً، ولعمّي حكايات مع والدي رحمهما الله، قد أروي فصولاً منها.
رحت أقرأ بتمهّل كلمات الروزنامة فوجدت في الكثير منها بعض صفات أبي.

#الصبر_المحمود

"ليس الصبر المحمود الممدوح أن يكون جلَد الإنسان وقاحاً على الضرب، أو رجله قويّة على المشي، أو بدنه قويّاً على العمل، فإنّ هذه الصفات تشترك بها جميع المخلوقات، ولكن أن يكون للنفس غلوبا، وللأمور محتملا، وفي الضرّاء متجمّلا، ولنفسه عند الحفاظ مرتبطا، وللحزم مؤثرا، وللهوى مجانبا، وللمشقة التي يرجو عاقبتها مستخفًا، وعلى مجاهدة الأهواء والشهوات مواظبا، ولبصيرته بعزمه منفذّاً".

ورقة روزنامة من أواخر القرن الماضي، بقيت في درج أبي حوالي عقدين من الزمن، عن الصبر المترفّع، والانسانيّ بامتياز.

كان أبي يستهويه ما يكتب على قفا صفحة الروزنامة من حكم أو معلومات، وفي جيبه كان يحتفظ بتلك التي تروق له.
ولكن هذه الورقة كانت أكثر من ورقة، كانت ذكرى ، وكانت برّاً، وكانت حكمة، وكانت تحكي عن الصبر الذي رافقه في أواخر أيامه.
رحمة الله عليك يا من كنت بمقام بؤبؤ العين، وعلى عمّي محمود، وعلى سائر إخوتك من صبيان : مصطفى وبشير ونظير ، ومن بنات: شهرزاد ويسرا، وأمدّ الله عمّتي الحبيبة رهيفة بالعافية ، وهي آخر عنقود العمّات والأعمام