الأربعاء، 6 مايو 2020

عبارة " #همزة_الوصل لا تلفظ " كذبة لا تنطلي على أذن!


عبارة " #همزة_الوصل لا تلفظ " كذبة لا تنطلي على أذن!
فلتجرّب شفتاك أن لا تلفظ همزة الوصل في أوّل الجملة.
لا أدّعي أنّي سيبويه في النحو، وأعرف أنّي لا أعرف الكثير من مسائل #النحو، رغم انّي قرأت كتاب سيبويه، كلمة كلمة، وأذكر أنّي قضيت ثلاثة أشهر في قراءة كتاب #سيبويه بتحقيق الدكتور المحقّق الكبير #عبد_السلام_هارون، وهو أفضل تحقيق لكتاب سيبويه.
وأعرف أنّ ما لا أعرفه من النحو أكثر بكثير ممّا أعرفه، ولكنّي ، في الوقت نفسه، من أنصار أبي العلاء #المعرّي ، وهو من هو علوّ كعب في اللغة والنحو والصرف والشعر والنثر إذ قال: يا نحو! حقّ لما كتب منك المحو، وأظنّ أنّ هذه العبارة وردت في #رسالة_الملائكة

الفكرة صيّاد ماه


تخطر ببالك فكرة، ولكن سرعان ما تكتشف أنّ هذه الفكرة قد أخذتك |إلى فكرة أخرى لم تكن ببالك، أو إلى طريقة في النظر إلى فكرتك لم تكن بواردك. كأن تقول لك فكرتك: تعال معي، سآخذك إلى مطلّ جديد عليّ. تسمع كلمة فكرتك، تنقاد لها، ثمّ تكتشف أن فكرتك قد عرفتك على نفسها من زاوية نظر جديدة. زاوية نظر جديدة تعني شيئا جديداً، قيمة مضافة، نكهة تغيّر طعم الموادّ الأوّلية لفكرتك.
الفكرة صيّاد ماهر، يرمي بشباكه في مياه لاوعيك العميقة ويستخرج من لاوعيك ما لم يكن يخطر ببالك أنّه في لاوعيك، الفكرة كما حبة الذرة التي تخرج من أحشائها الساخنة حبّة البوب كورن.

بين ابن زيدون والجاحظ


يمكن عقد مقارنة بين رسالة التربيع والتدوير للجاحظ والرسالة الهزلية لابن زيدون، والنظر إلى طرائق الاثنين في فنّ الهزل. فالمنطلقات ليست واحدة، والأدوات ليست واحدة.
فلم تكن رسالة #الجاحظ من قلب عاشق جريح بخلاف رسالة ابن زيدون التي أوقد نارها عشق صراح.
وكان #ابن_نباتة قد قام بشرح مفصّل للإحالات التي تضمّنتها رسالة ابن زيدون في كتابه #سرح_العيون في شرح رسالة #ابن_زيدون .
الجاحظ يلعب على المتناقضات بدءاً من عنوان الرسالة " #التربيع_والتدوير"، أمّا ابن زيدون فقد جيّش التراث في رسالته!
تضحك وأنت تقرأ رسالة الجاحظ وكأنّك تشاهد فيلماً هزليّاً!
أمّا ابن زيدون فقد خاط من الأقوال المأثورة والأبيات المشهورة ووقائع الدهور والأحداث شبكة معرفيّة ليصطاد بها خصمه العاطفي

التفكير بالمقلوب


#التفكير_بالمقلوب

أحبّ خلال مشاهداتي أو قراءاتي أن ألتقط ما يمكن أن أدرجه في حيّز #التفكير_بالمقلوب لتكثير الشواهد على هذا التفكير الذي يضحك من اسمه بعض الناس.
عمل الناس ليس عملاً وإنّما هو ترجمان عقلهم، وتجسدّات تفكيرهم.
العمل اليدويّ هو تفكير مرئيّ، حركات الإنسان وهو يعمل الأشياء أو يصنع الأشياء أشبه بصورة بالرنين المغناطيسيّ لحركات النيرونات في دماغ العامل اليدويّ، ويمتعني حدّاً مشهد التفكير اليدويّ!
كنت أقرأ عن #هنري_فورد، ( ومن لا يعرف تعبير ( فورد أبو دعسة؟) وكان يفكّر في طريقة تسرّع من إنتاج السيّارات، ويبدو لم يسعفه إلاّ التفكير بالمقلوب، وما كان ليخطر بباله لو لم ير في مصنعه مشهداً دفع بالتفكير بالمقلوب إلى ذهنه.
شاهد ذات يوم عماله وهم يتزاحمون حول منصة التجميع لتجميع سيارة لا تتحرّك على منصّة تجميع السيارة.
لم يركّز فكره خلال رؤيته على مشهد العمّال ولا على مشهد السيّارة، لم يفكّر بزيادة عدد العمال للإسراع في صنع السيارة، ولا إلى الأدوات التي تزيد في تعجيل صنع السيارة، راح ذهنه إلى مكان آخر.
لمعت في ذهنه الوقّاد فكرة هي نتاج التفكير بالمقلوب.
العمال متزاحمون أنتج التفكير بالمقلوب تفريق العمّال.
السيارة جامدة في أرضها لا تتحرّك، أنتج التفكير بالمقلوب تحريك السيارة.
ماذا فعل؟
اخترع العمل المتسلسل!
كان صنع سيارة يستغرق وفق طريقة العمل القديمة حوالي اثنتي عشرة ساعة، العمل بفضل تفرقة العمال على امتداد منصة التجميع صار لا يستغرق عمل سيارة أكثر من ساعة ونصف الساعة، وبفضل التفكير بالمقلوب صارت أجزاء السيارة تتحرّك فوق المنصة وتمرّ إلى ابعمال وصولاً إلى العامل الأخير وهي في كامل جهوزيتها .
بفضل التفكير بالمقلوب اختصر الوقت وزاد الانتاج 

أقول للموظّف في مطعم والدي:



كلّ عمل بسيط، الشيء الوحيد المطلوب هو حسن الإصغاء، ليس الإصغاء لي أو لغيري. الإصغاء لعينيك.
عينك تحكي، أحسن الإصغاء لما تقوله عينك، علّم عينيك فنّ البلاغة، ودرّب أذنيك على الإنصات المرهف لما تقوله عيناك وهي تتجوّل في المطعم!
عينك ترى، وتحكي، توجز وتطنب وتتغاضى.
كلّ الناس تسمع بتعبير " كلام العيون"، أو " لغة العيون"، وهذا يعني أنّ العين لا ترى فقط، وإنّما أيضاً تحكي، وبما أنّها تحكي، فذلك يعني أنّ من وظيفة أذنيك أن تصغي، وتتفاعل مع عينك!
العين ناطقة، بيانها دفّاق، فليكن أسلوبها في اللسان أسلوب عين الجاحظ في الكتابة.
أختصر له فكرتي بعبارة: إسمع كلمة عينيك

ثوم عمّي أبو حميد ( عبد العزيز الحسن)



ثوم عمّي أبو حميد ( عبد العزيز الحسن)

ما معنى أن لا تغيب عن ذاكرتك وعن عينيك وعن لسانك طعمة عمرها أكثر من أربعين عاما؟
كنّا في الآحاد ونحن صغار " نطلع ع المرجة" ، هكذا كنّا نقول. ولا  أعرف لماذا كنّا نستعمل فعل طلع؟ كنّا نذهب إلى بيت جدّي لأمّي صلاح إسماعيل الأيوبي ( أبو سالم)، فالأحد فسحة للعب في بساتين الليمون، وكنّا في أحيان كثيرة نتغدّى جملة أشياء، ولكن من جملتها الدجاج. كان جدّي يربّي الدجاج في بستانه، وكانت جدّي - رحمها الله - تقوم بمهمّة التقاط الفراريج المنذورة للغداء.
كان عمّي زوج خالتي سليمى ( أم حميد) يتولّى تحضير عمل الثوم ليرافق الفرايج المشويّة. كان الثوم اختصاصه. كنت أعجب بتحضيره للثوم، وبعد أن كبرت واطلعت على طقوس الشاي عند اليابانيين والصينيين تذكرته. لا يختلف تحضيره للثوم عن تحضير الشاب عند أوكاكورا كاكوزو، صاحب كتاب الشاي الشهير.
كان يبدأ بتحضير الثوم، ولا ينتهي من تحضيره إلاّ قبل الغداء معدودات؟
مكوّنات تبلة الثوم من ثوم وحامض وملح وزيت زيتون.
يدقّ الثوم إلى أن أن يصير كعجينة الخبز، ولولا رائحة الثوم لما خطر ببالك أنّ ما تراه هو ثوم مدقوق، يعركه مع الكمية المطلوبة من الملح، وبعد أن يصيرر كالجينة تبدأ لعنة الحامض والزيت، نقاط قليلة من الحامض، ثمّ يعاود العرك إلى أن يختفي أثر نقاط الحامض، يتسربّ الحامض إلى كلّ ذرّة من ذرّات الثوم، بعد ذلك يجيء دور قطرات زيت الزيتون، ويعاود العرك بهدوء ناسك صوفيّ، حتّى تكون هذه القطرات من الزيت قد تغلغلت في أحشاء ذرّات الثوم.
تبدأ القصّة من أولّها، قطرات من حامضة مقطوفة من بستان جدّي، ويظلّ يعركها بمدقّة الثوم حتى الفناء، ثمّ من بعدها قطرات من زيت الزيتون المقطوف من بستان جدّي، تذوب قطرات الزيت في قطرات الحامض في ذرّات الثوم وكأن الزيت والحامض والثوم انتابتهم حالة من الوجد الصوفي، أو كأنّهم من أنصار الحلولية بحسب أهل التصوّف!
لا أعرف كم من الوقت تستعرق عملية تحضير الثوم، ولكن ما أعرفه أنّها حين توضع على المائدة لا يبقى منها نقطة واحدة.
نسمع عن السيف الدمشقي المصقول، ثوم عمّي أبو حميد يمكن أن نستعير له كلمة مصقول.
لم أذق في حياتي أطيب من ثوم عمّي أبو حميد.
تحضيره يعلّمك الصبر، ويعلّمك اليوغا، هل أخذ طريقته في تحضير الثوم من مهنته.
فقد كان دركيّا، وقد يكون الانضباط العسكري جزءا من مكوّنات  الثوم!
رحمه الله!

الاثنين، 4 مايو 2020

#التفكير_بالمقلوب


#التفكير_بالمقلوب

يمكن أن يستخلص المرء من نوع من كتب التراث مفهوم : #التفكير_بالمقلوب، وهو تفكير، في أي حال، موجود في حياة الناس اليومية، ولكن بعض الأشياء لا نراها ليس بسبب ايابها وإنّما بسبب حضورها بشكل شبه طبيعيّ، الأشياء البديهيّة تملك سلاحاً فتّاكاً هو أنّها تتمترس خلف طبيعتها وتعيش بثبات ونبات إلى أن يأتي أحد ويقضّ مضجعها فتظهر خواءها أو صلابتها. كثير من التغيّرات التي تحدث في حياة الناس مردّه مساءلة البديهيّات، استجوابها، وضعها في خانة اليكّ، زعزعتها بسيل من الأسئلة، والتفكير بالنقلوب موجود في حياة الناس، كما حال اللغة، لغات كثيرة اليوم تعيش على راحتها الصوتيّة، وقد تبقى كذلك إلى أن يأتي ظرف ديني، أو سياسي، أو اجتماعي، فيرغب أحد ما تحويل الموطوق إلى مكتوب، واستخراج النحو غير المرئيّ في الكلام إلى قواعد، فقوالب الحمل العربيّة لم تكن موجودة في العصر الحاهلي كقوالب مرئيّة ولكن كلّ الكلام كان خاضعاً لهذه القوالب، اللامرئيّ هو الذي يتحكّم بكلّ ما هو مرئيّ ولعلّ فيروس كورونا قد ظهّر ذلك خير تظهير!
قلت : في تراثنا نمط من الكتب هو طريف ولكنّه غير متداول كثيراً وإن كان لامع الحضور، وهو الكتب التي يمكن إدراجها تحت باب : المحاسن والأضداد، ولعلّ أبرز هذه المتب هي كتاب البَيْهَقِيّ : المحاسن والمساوىء، يعرض أمامك حسنات الشيء الواحد ثمّ يثنّي إلى الحسنات، قد لا يخطر ببال إنسان أن يسأل: ما هي سيّئات الفضائل؟ أو ما هي حسنات الشيطان؟ ما هي حسنات الينم؟ ما هي مساوىء المغرفة؟ ما هي مساوىء الخير؟
أليست كلّها أسئلة تستخدم إن شئنا أدوات التفكير بالمقلوب؟
قد يكون في هذه العجالة، وفي تقديم الكتاب، ومقدمة الكتاب ما يجيب عن بعض ما يدور في خلد القراء من استفهامات، اخترت صورة الطبعة الأفضل لهذا الكتاب، وهي طبعة ذخائر العرب، السلسلة الرائعة التي أصدرتها دار المعارف في مصر بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم رحمه الله

أحبّ أن أقرأ ، أغلب الأحيان، لكتّاب آراؤهم على نقيض رأيي.


أحبّ أن أقرأ ، أغلب الأحيان، لكتّاب آراؤهم على نقيض رأيي. فهم يسمحون لي أن أرى رأيي من منظور آخر، وأن أرى عيوب رأيي التي تغيب عن عينيّ، وأنتبه إلى أماكن الضعف فيه المتوارية عن عينيّ.
ما قيمة أن أقرأ رأياً لا يختلف عن رأيي؟ كلّ ما يفعله كتاب لا يختلف رأيه عن رأيي هو أن يرسّخ رأيي، ولكن كيف أعرف صوابية فكرتي إن لم يأت أحد ويزعزعها؟
الآخر المختلف هو المختبر الفعليّ لآرائي، هو الذي يساهم في وصولها إلى سنّ الرشد، أمّا الآخر المؤتلف فهو مخدّر.
وفي أحيان كثيرة أقرأ أشياء لا تعنيني، وأقرأها تحديداً لأنّها لا تعنيني!
ففي ما تكره كثير ممّا تحبّ!
من يدغدغ مشاعرك يقتلها!

التفسير هو مشكلة العالم.


#التفسير هو مشكلة العالم.
والتفسير هو الحلول لمشاكل هذا العالم.
باسم #تفسير الأشياء نختلف حول طبيعة الأشياء، وحول دلالة الأشياء فتتغير طبيعة الأشياء وتتغير دلالات الأشياء.
والتأويل تحويل في دلالة الأشياء.
خذ أبسط الأشياء تجد أن لها تفسيرين كحد أدنى، تفسيرين متعارضين أحيانا، دلالتين على طرفي نقيض، رغم انبثاقهما من الكلمات نفسها، والتركيب نفسه، تجد ذلك في صلب #اللغة، #الكناية، #المجاز، #الاستعارة.
والأساليب البلاغية ليست حكرا على الأدباء والشعراء والخطباء ورجال السياسة.
إصغِ إلى كلمات الباعة الجوالين، أو أسماء بعض الأشياء، فالسلطان #إبراهيم ليس الا سمكة! وزنود الست ليست الا عجائن محشوة بالقشطة ومقلية ، وشقائق #النعمان لا يربطها نسب بالنعمان، وسيف الدولة الحمداني لا علاقة له بالسلاح والسيوف، ووووو
أجمل تعريف للكلمة هو ما قاله فيلسوف المعنى النمساوي #فيتغنشتاين: ليس للكلمة معنى، وانما لها استخدامات.
وهل من وظائف ثابتة أو استخدامات مرسومة بالمسطرة والقلم للاستخدامات أو الوظائف.
الدنيا مسرح خشبته كلمتان : حقيقة ومجاز، والممثلون يتبادلون الأدوار بين هاتين الكلمتين، ولبّ الدراما الإنسانية ان حقيقتي مجازك، ومجازك حقيقتي.
وبدلا من أن نتعامل مع المسرح كمسرح نتعامل معه وكأنّه حلبة مصارعة

في الشكل والمظهر



الشكل منافق كبير، مراوغ، ثعلب، ولا أعرف كيف تنطلي على الناس عبارة ( لنا الظاهر).
الظاهر عاهر، محتال، لعوب، يحبّ ذرّ الرماد في العيون. فقد يطعمك من يطعمك فتظنّ أنّه كريم، وهو، في العمق لا يطعمك، بقدر ما يعلفك. كلمة " طُعْم" تفي بالغرض، أطعمك ليلتهمك!
على المرء أن يحذر ما يرى، أن يضع ما يسمع في خانة الشكّ، أن لا يصدّق ما تقوله له حاسّة اللمس، أو حاسّة الشمّ، فلا يعرف المرء من أيّ حاسّة يتسلّل إليه مقتله!
يستهويني فنّ التصوير، بكلً صنوفه، وكنت أشتري عدّة مجلاّت فرنسية متخصصة في فنّ التصوير، وأقرأ المقابلات مع المصوّرين بشغف، وأقرأ التعليقات النقدية على الصور، ولعبة الألوان في الصور، وكنت أهتمّ بقراءة ما له علاقة بالخدع التصويريّة، وكيف تحضّر، وحين كنت أشتغل بمجلة كلّ العرب في باريس لفتني نظر الاستديو المخصوص لتصوير الدعايات، تفاحة، عبوة شامبو... وكنت أرى جزءا من عدّة الخداع، فالتفاحة مثلا من بلاستيك، يرشّ عليها بعض الماء لتبدو وكأنّها خارجة من البرّاد، ثمّ تسلّط عليها الأضواء بكيفيّة معيًنة، ثمّ أراها في المجلّة ولا يخطر ببال من يراها أنّها تفاحة لا تؤكل! كما يشدّني ما أراه من خدع تصويرية في الأفلام، وأشتري كتباً تشبه "نحو الخداع التصويري"! فللخداع نحوه وصرفه ومعجمه!
قال أحد فلاسفة اللغة: إنّ الإنسان لا يستعمل اللغة للإقناع بقدر ما يستعملها للخداع.
على صعيد اللغة، توقفت كثيراً عند عبارتين: خدعني، أو خدعتني، ضحك عليّ، أو ضحكت عليّ.
وهما، في العمل، يحملان المعنى نفسه!
الخدعة ضحكة، والضحكة خدعة!
الضحكة ليست دائماً وجها، قد تكون قناعاً وخداعاً.
ولمعرفة أنواع الضحك يكفي أن نجمّع الصفات التي تلحق بالضحك، فهي صفات كاشفات عن ألوان الضحك، ومنها اللون الأصفر شديد البروز! وكذلك علاقة الضحكة مع أنواع السموم، فقد تلعب الضحكة دور عضّة الأفعى التي تغرز سمّها في لحمك ثمّ تتركك إلى أن يأخذ السمّ مفعوله ثمّ تأتي إليك وقد تخدرت أعصابك لتلهمك دون عناء!
الخداع تراث عريق، وهو، في أي حال، كما كلّ شيء ، ذو وجهين على غرار المكر!
فهناك مكر خيّر، مكرٌ ضروريّ، وهناك مكر سيّئ. وفي الطبيعة، وسائل الدفاع عن النفس كثيرة، ومن الشيّق أن يتعرّف المرء على مختلف الوسائل التي تستخدمها كائنات الطبيعة من حيوانات وحشرات وأشجار ونباتات للدفاع عن نفسها، والخداع وسيلة من هذه الوسائل.
قرأت ذات يوم كتاباً عن الحيوانات اللاحمة ، أي النباتات آكلة اللحم!
وأدهشتني قدرتها على الافتراس، فالنبتة لا يمكنها أن تنقضّ على فريستها، فهي ثابتة في الأرض، ماذا تفعل؟ تصطاد فريستها بالرائحة، الرائحة شبكة صيد! تفرز رائحة معيّنة، رائحة تشبه رائحة أنثى حشرة ما فتثير لعاب الذكر، وشهوة الذكر، تخدّرة باللون، تسحبه من أنفه إلى حتفه، وأشكال النباتات المفترسة منها ما يشبه الزنبق ، ومنها ما يشبه الفكّين المسنّنين وكأنّه فكّ سمكة قرش! ولكن وسيلة الخداع هي نفسها وسيلة الدفاع عن النفس!
ثمّة زهرات يهجم عليها عدوّ يريد أن يفترس رحيقها أي أن يقطع نسلها فتستنجد بعدوّ عدوّها فتفرز رائحة تجذب عدوّ عدوّها وحين يأتي يهرب من وجهه عدوّها وتنجو بجلدها ورحيقها!
واللغة تنتمي إلى عالم الطبيعة وليس إلى عالم الصناعة، أيّ إنّها كأيّ كائن طبيعيّ يمتلك وسائل الدفاع عن نفسه!
ووسائل الدفاع ، في أيّ حال، لا تمنع عدم الانقراض، فكلّ شيء معرّض للانقراض، مهما بلغ حجمه، وانقراض الديناصور خير مثال على انقراض حتّى القويّ!
وأبحث أو أحاول أن أبحث في اللغة عن الوسائل التي تستخدمها اللغة للدفاع عن نفسها من الانقراض، ومن هذه الوسائل المترادفات، أنماط الجمل، الليونة، ليونة الأنماط، التعددية في الواحد، أو المشترك اللفظيّ بالمصطلح اللغوي: ف" ما" مثلاً لها وظائف عديدة: الكافّة، المبهمة، التعجبية، النافية، الاستفهامية، الشرطيّة.
فما ، هنا، لم تكتفِ بسيرة واحدة، تحمي ظهرها بتعدّدها! تستثمر ثروتها في عدّة مجالات! وتعيش أكثر من حياة!
بقدر ما يكون الكلام فخّاً وجسراً ومصعداً، كذلك الصمت، هناك صمت الصيّاد الذي لا يريد لفت سمع فريسته المرهف!
حين أريد أن أعرف معنى كلمة ما لا أذهب إلى معناها أو لا يكفيني معناها، وإنما أذهب إلى الصفات التي تصاحبها، فتجد أن الصفات التي ترافقها تنتمي إلى عالم يعجّ بالأضداد! بل أسعى إلى معرفة تفاصيل عنها ليست من عالم الواقع ، أستعين بمعحجم الأساطير فقد تقول الأساطير عن الأشياء ما لا تقوله الحقائق أو الوقائع، وأستأنس أيضاً بما يقوله ابن سيرين أو كتب الأحلام وتفسير المنامات!
المفردة لها ما للبشر، فما يقوله الوعي معناه في اللاوعي، وليس من باب الهراء اهتمام علماء النفس بالمنامات لمعالجة مرضاهم!
المنام طبيب نفسي ومحلّل نفسي