الثلاثاء، 28 أبريل 2015

الشيطان يعظ



عنوان المقالة استعارة من اسم رواية لنجيب محفوظ، ولكن لا صلة لها بروايته، وإنّما خطر ببالي عنوان هذه الرواية وأنا أقرأ مقطعاً من كتاب " فضل الكلاب على كثير ممّن لبس الثياب" لابن المرزبان المُتوفّى في مطلع القرن الرابع  للهجرة . يبدو لنا أنّ ابن المرزبان قد عاش تجربة مرّة مع بعض الناس، وهذا ما يظهر في مقدّمة كتابه التي يتناول فيها خيانة الإخوان حين ينقلب ظهر المجنّ مستشهداً بأحاديث نبوية وآيات قرآنية وأبيات حكمية وحكايات تتناول الجبلّة البشريّة المطويّة على الغيرة والغيبة والحسد. الطريف أنّ لابن المرزبان كتاباً آخر يحمل عنواناً دالاًّ هو "ذمّ الثقلاء". فذمّ الإنسان، في كلّ من الكتابَيْن، ظاهر. إنّ الإنسان بيّن في عنوان كتابه "فضل الكلاب على كثير ممّن لبس الثياب" وإنْ بشكل موارب في عبارة "من لبس الثياب". وتحضرني، هنا، عبارة تلائم المقام، وهي علاقة الإنسان باللباس، والعبارة للكاتب المصريّ عبّاس محمود العقّاد يعرّف بها الإنسان ليس بالنطق أو البيان، وإنّما باللباس فيقول:" الإنسان حيوان لابس". ولا أعرف لماذا يعترض بعض الناس على كلمة "حيوان" في تعريف الإنسان، واعتبار ذلك منقصة بحقّه رغم ورود التعريف في كتب عربيّة تراثيّة من بينها كتب في أصول الفقه ككتاب الإمام الآمديّ "الإحكام في أصول الأحكام"؟ ولكن هذه مسألة أخرى.

الحكاية التي يرويها ابن المرزبان لا تدخل العقل، وليس من وظائف الحكايات أن تكون صورة عن الواقع وإلاّ لانتفى مبرّر وجود حكايات كثيرة من العالم، منها "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعرّي مثلاً، ولعاش العالم في وحشة باردة، فالحكايات لا تختلف عن اللغة من حيث كونها مجازات بحسب ما يقول العالم اللغويّ ابن جنّي، والحكاية الخرافيّة تضيف نكهة زكيّة على المعنى المخبوء. الحكايات التي تُروى عن إبليس كثيرة، ومنها قصّة بديعة كتبها الأديب المصريّ توفيق الحكيم بعنوان "أرني الله" تروي حكاية إبليس الذي تعب من ممارسة الشرّ وإغواء الناس فذهب إلى الحاخام الأكبر للتوبة على يديه فرفض الحاخام قبول توبته النصوح، فما كان من إبليس إلاّ الذهاب إلى البابا عساه يرأف بحاله فلم يعره البابا أيّ انتباه فقصد إبليس شيخ الأزهر عساه يتوب على يديه، ولكنّ شيخ الأزهر، بدوره، صدّه لأنّ توبته ضدّ منطق الحياة وسوف يتغيّر على إثرها نظام الكون كلّه وتختلّ علاقة الناس مع الألفاظ ودلالاتها. وثمّة كتاب آخر صنّفه الإمام ابن الجوزيّ بعنوان" تلبيس إبليس" وهو، بدوره، لا يخلو من حكايات طريفة عن معاناة إبليس في الحياة وظلم الناس له، والاختباء وراء اسمه لارتكاب ما يحلو لهم من موبقات محمّلينه المسؤوليّة عن وزر أعمالهم وهو بريءٌ منها "براءة الذئب من دم ابن يعقوب"!

يروي المرزبان حكاية رجل اسمه عبد الله بن هلال الكوفيّ المجذوم، ولا أعرف إنْ كان الرجل من لحم ودم أم أنه رجل من مخترعات خيال ابن المرزبان، إلاّ أنّ الطريف، هنا، نسبته إلى مدينة الكوفة، وثمّة قول عن أهل الكوفة يقول:" الكوفي ما بيوفي" أي أنّ الوفاء ليس من شيم أهل الكوفة، ولا ريب أنّ كلّ تعميم افتراء، ولكنّ الأمثال شأنها شأن الناس ليس من طبيعتها أن تكون عادلة في كلّ حين. ويبدو من الحكاية أنّ عبد الله على علاقة شخصيّة طيّبة وحميمة مع إبليس لهذا قدم إليه جار له طالباً منه أن يكتب له رسالة توصية تسهّل له لقاء إبليس، فالوصول إليه يحتاج إلى وسيط أو وساطة. شعر ابن المرزبان أنّ القارىء قد يستسخفّ هذه الحكاية فقال مستدركاً:" إن كان العقل يدفع ذلك الخبر فهو مثل حسن يُعرف مثله في الناس"، وهكذا يتحوّل الخبر الغريب إلى "مثل حسن" له أشباه في دنيا الناس. فكتب الرجل لجاره الكتاب، وأكّده غاية التأكيد، ومضى وأوصل الكتاب إلى إبليس، ولا نعرف كيف وصل الرجل حامل الرسالة إلى الحضرة الإبليسيّة، وحين علم إبليس أنّ الرجل يحمل رسالة من طرف عبد الله كرّمه غاية التكريم، وعلاقة إبليس بعبد الله بن هلال الكوفيّ تفصح عنها طريقة إبليس في قراءة الرسالة، يقول ابن المرزبان:" فقرأ إبليس الكتاب، وقبّله، ووضعه على عينه، وقال: السمع والطاعة لأبي محمّد – إدراج الكنية بدلاً من الاسم تنمّ عن ودّ متين بين الطرفين: إبليس وعبد الله- فما حاجتك؟ وراح الرجل يروي مأساته التي لأجلها تكبّد عناء السفر إلى مكان إقامة إبليس قائلاً: لي جارٌ مكرّم، شديد الميل إليّ، شفوق عليّ وعلى أولادي. إن كانت لي حاجة قضاها أو احتجت إلى قرض أقرضني وأسعفني. وإن غبت خلفني في أهلي وولدي، يبرّهم بكلّ ما يجد إليه السبيل. وإبليس كلّما سمع منه، يقول: هذا حسن. فلمّا فرغ من وصفه قال: فما تحبّ أنْ أفعل به؟ قال: أريد أن تزيل نعمته وتفقره، فقد غاظني أمره وكثرة ماله وبقاؤه وطول سلامته. فصرخ إبليس صرخة لم يسمع مثلها منه قط، فهو قد سمع حكاية لم تخطر بخياله الوثّاب، فلقد صدمته رغبة الرجل المفعمة باللؤم والتجنّي في زوال نعمة جاره الذي لا تشوب أخلاقه شائبة. فاجتمع إليه عفاريته وجنده وقالوا: ما الخبر يا سيّدنا ومولانا؟ فقال لهم وقد أكلته الحيرة: هل تعلمون أنّ الله، عزّ وجلّ، خلق خلقاً هو شرّ منّي؟"

تنتهي الحكاية هنا، لا يزيد ابن المرزبان أيّ تفصيل على الحكاية، يتركها معلّقة في خيال القارىء دون نهاية مغلقة. هل لبّى إبليس طلبات الرجل؟ هل اعتبر إبليس رغبة هذا الرجل فرصة ذهبيّة لا يمكن أن تفوّت؟ إنّ استفهام إبليس الأخير في محضر عفاريته وجنده يشير إلى أنّه "رفع العشرة" كما يقال أمام هذا الإنسيّ الجهنّميّ معترفاً بأنّه- أي إبليس- ليس شرّ الخلق. فالاستفهام، كما يشير السياق، استفهام إنكاريّ. لقد اكتشف إبليس أنّه ليس، كما يزعم الناس، شرّ الخلق.

ينهي الكاتب حكايته، وهنا أشير إلى أنّ الحكاية وردت في مدخل كتاب ابن المرزبان عن فضل الكلاب، وهي حكاية كافية بنظره لأن يدير ظهره للخلق، إذ قال بعد سرْد الحكاية: " ولو فتّشت في دهرنا هذا لوجدت مثل صاحب الكتاب كثيراً ممّن تعاشره إذ لقيك رحّب بك، وإذا رغبت عنه أسرف في الغيبة، وتلقّاك بوجه المحبّة، ويضمر لك الغشّ والمسبّة. وقد علمت ما جاء في الغيبة، قال صلّى الله عليه وسلّم: من كان له وجهان في الدنيا كان له، يوم القيامة، لسانان من نار".

الجدير بالملاحظة أنّ للحكاية، أيضاً، وجهين: وجهاً ينتمي إلى عالم الشهادة، ووجهاً آخرَ ينتمي إلى عالم الغيب عالم إبليس وعفاريته!

بلال عبد الهادي

إنّ النفس لأمّارة بالشوبينغ

إنّ النفس لأمّارة بالشوبينغ

التشاغف

هناك كلمات لا حظّ لها. أو قل بشكل منطقي أكثر، وموضوعي أكثر، ان هناك كلمات لم يقم الحظّ بزيارتها.
ولعل كلمة تشاغف من هذه الكلمات.
قد تبدو الكلمة غريبة!
ولكنها ليست غريبة الا من حيث الظاهر، والظاهر محتال، مراوغ، يريك  "السراب"على هيئة الشراب!
الاستعانة بأصول العربية وصرفها، وصرفها هنا تحديدا يكشط الغرابة عن سطح الكلمة.
فالكلمة من وزن تفاعل، والتفاعل تبادل اي انه ليس من طرف واحد.
والغرابة يكشفها جذر الكلمة، وحين اعرف ان الكلمة من الشغف، ألمس طرف خيط المعنى.
وما أدراك ما الشغف!
وفعلا كثيرون يستعملون كلمة شغف ولكن لا يعرفون اصل دلالتها، وليس من الضرورة ان يعرف الانسان معنى الكلمة الاوّل ليحسن التعامل معها،  معنى الكلمة مثل الحية يتغيّر باستمرار، او قل ان لون معنى الكلمة مثل لون جلد الحرباء دائم التغير تغيره السياقات والاوقات والاستخدمات والذكريات!
يطيب لي بين وقت وآخر ان اتسكع في المعاجم، او اتنزّه، فأنا اعتبر المعجم مثل " مول كبير" أذهب اليه للشوبينغ.
إنّ النفس لأمّارة بالشوبينغ!
وهناك اعثر على ما لا يخطر لي ببال ! او ما لا يخطر على بال المعجم الذي اتصفحه.
ولكن نعرف ان المعجم لا يحوي كل الكلمات!
لا يمكن لمعجم عربي ان يدّعي انه احصى كل الكلمات!
فالخليل احصى الجذور لا الكلمات
والجذور ارحام الكلمات.
هل تملك امرأة في العالم ان تعرف عدد من سيخرج من رحمها؟
خطرت ببالي كلمة تشاغف ولم اكن قد قرأتها من قبل، وفتحت على غوغل فلم اجد لها الا 4 احالات عدا ونقدا بينما صفحات يحيل عليها الى كلمة شغف كانت 688 الف احالة.
فارق شاسع!
ولكن من يقول ان مصير " التشاغف " مغلق؟
وهو بكل بساطة دلالة على الشغف المتبادل، فبدلا من تعبير يحتاج الى كلمتين يمكن اختزاله بكلمة واحدة، وهي " التشاغف". ولن تجد لهذا الفعل مكانا في المعجم الوسيط مثلا او المنجد.
اما معنى الشغف المعجمي قبل اي يكتسب دلالات جديدة فهو من شَغاف القلب اي غلافه.




今夜想起你 كلمات أغنية صينية للراحلة تانغ لي دجون

今夜想起你歌词

 林煌坤 词 猪侯公章 曲
 邓丽君 演唱
 --------

月亮那样美丽
月亮不是你
照在我的身边
没有你的情意
你曾给过我欢乐
给过我甜蜜
时光一去不再回来
留下无限回忆
谁知道 谁知道
今夜你在哪里
谁知道今夜我在哪里
看见月亮
叫我想起

想起你的情意

鄧麗君Teresa Teng -- 月下送君

鄧麗君Teresa Teng -- 今夜想起你 )

خواطر لغوية عن كلمة بلوغ ومارسيل بروست وجنز وكنز وعن قلة أدب التراث


جنائز وكنوز

هل من فارق بين " الكنز" و " والجنازة" ؟ ما كان خطر ببالي أن أطرح هذا السؤال لو لم أقرأ ان فعل" كنز" وفعل" "جنز" هما في الأساس فعل واحد توارت أحاديته خلف ثنائية ظاهرة للعيان. والعيان يخدع العيون.
والإبدال الصوتيّ بين الحروف ليس حالة مستحيلة ولا نادرة، بل هي من صلب القوانين الصوتية. ومن يطالع كتب " الإبدال الصوتي" يكتشف خيرات كثيرة  وكنوزاً دلاليّة طريفة السيرة. فلكلّ كلمة سيرة ذاتية، وخبرة، وتجربة.
ومن ينصت بتمعن إلى ما يخرج من بين شفتيه وشفاه من يعرف ينتبه إلى أنّ ابدال صوت بصوت مسألة عادية في اللهجات، والإبدال الصوتيّ قد يكون بين حرف وحرف، أو حركة وحركة. حدّق مثلاً الى الفتحة والضمة والكسرة في عين فعل المضارع " ينزل"، وتأمّل كيف تسمعها من اصدقائك أو معارفك.
فشخص يقول: " بدّي انزَل ع البلد" بفتح حرف الزاي، او " انزُل ع البلد" بضمّ حرف الزاي، أو " انزِل ع البلد" بكسر حرف الزاي. فحركة عين فعل المضارع لا تضارعها حركة في النطنطة! وما تراه على مستوى الحركات تراه على مستوى الحروف. الكاف لها طرائق في النطق مختلفة من بلد الى بلد، والجيم له حالات نطق تقرب من الكاف، والأمر ليس بغريب.
والكنز جاء من الجنز. كيف؟ كلّكم تسمعون بلصوص القبور. ماذا يسرق انسان من قبر؟ هل يسرق هيكلا عظميا؟بالتأكيد لن يحسن استخدام الهياكل العظمية او بقايا ، وان كان للهياكل العظمية فوائد لا تنكر في قراءة التاريخ. فالعظام أرشيف اجتماعي وسياسي ودينيّ. وكنت قد قرأت ان العلماء الاجتماع يدرسون العظام القديمة لاستخراج انواع المآطل التي تؤكل.
كان بعض الناس يلبّسون أسنانهم بالذهب، فكان السارق ينكش القبر أو ينبشه القبر  ليسرق تلبيسة الذهب، أي أنّ الجنز يحمل الذهب.
والصلة بين الكنز والجنز هي ان كلاهما مطمور تحت الأرض، ومتوار عن الأنظار. فالكنز يحبّ السترة! والاختفاء صلة الوصل الدلالية بين الكلمتين.
الحفر للحصول على الكنز كحفر القبر للحصول على تلابيس الأسنان الذهبيّة. وانا هنا اختصرت المسألة بتلابيس الذهب، ولكن نعرف ان الميت، في المعتقدات القديمة، كان يأخذ معه أشياء كثيرة، وليس فقط اسنانه الذهبية. ولا تزال الى اليوم ، في اي حال، القبور كنوز!
وهل الأهرامات غير مدافن مليئة بالكنوز والأسرار والأفكار؟ بل لا تزال الى اليوم كما قلت تعتبر الهياكل العظمية أرشيفا قابلاً للدرس بغرض معرفة كيف كان يأكل الانسان وماذا كان يأكل؟ كما أني قرأت في كتاب عن تاريخ المجاعات  ان العلماء يدرسون عظام الموتى لاستخراج أسباب المجاعات ؟
لا أحد يستهين بالعظم! فالهيكل العظميّ، من الناحية المعجميّة، منجاب ولود. في لغتنا العربية نقول الملك " المفدّى" ولكن " المعظّم"!  وهل كان لهذه الكلمة وجود لولا العظام؟ وكيف لأمرئ أن " يستعظم" أمراً من الأمور لولا العظام؟ ومن هو الإنسان " العظيم" لو لم تتبرّع له " العظْمة" بشيء من " العظَمة"؟
مارسيل بروست

حين قام مارسيل بروست بترجمة بعض اعمال رسكين الأدبية  كان يذهب لرؤية الأماكن الموصوفة في الكتاب ليحسن ترجمتها .لقد تقمّص عينَي رسكين وهو يرى .لم يكتفِ بالجلوس على المنصدة والنظر في المكتوب .هكذا فعل أيضاً حين كتب رائعته الأدبية " البحث عن الزمن المفقود". كتابه سردٌ للذاكرة ولكنه لم يكن يكتفي بمخزون الذاكرة، فحين كان يريد ان يصف أحاسيس طفولته إزاء زهرة في البستان كان  يذهب إلى البستان مجدّدا ليتذّكر تلك الأحاسيس القديمة ويعيشها بكلّ ما فيها من فوح طازج!
 كانت الزهرة ، في عيني مارسيل بروست، محبرة يغرف منها أحاسيس الطفولة ليسكبها رحيقاً لغويّاً مصفّى في كراريس الكهولة.
مدونّة

كل انسان يدافع عن لغته بحسب استطاعته أو حسب رغبته أمام مدّ اللغة الانكليزية، وفرنسا تشعر أنها مستهدفة من قبل اللغة الانكليزية، وتحاول جهدها أن تنتصر ولو بالنقاط. ومن جملة ما قرأت اقتراح باستعمال فعل  carneter كبديل عن فعل bloguer  وهو ما يعني التدوين على المدونة او كتابة تدوينة في البلوغ blog ( كما تكتب "تغريدة" على "تويتر" مثلاً) وهي كلمة إنكليزية منحوتة من web log ، وطريقة نحتها طريفة فهي أخذت الحرف الأخير من كلمة web  ووضعته كبادئة لكلمة log  فولدت كلمة انكليزية جديدة هي blog. وهنا نلحظ كيف تتغير مصائر الحروف في الكلمات، فحرف "B " بين ليلة وضحاها تحوّل من حرف كان في المرتبة الأخيرة إلى حرف له حقّ الصدارة في كلمة لم يكن لها من قبل وجود!
 ولكن لا أحد يلعب دور الاستعمال، الاستعمال هو قضاء اللغة وقدرها. ولا يمكن لأحد أن يتنبّأ بمصير الكلمات. القدر اللغويّ لا يستشير أحدا، والاستعمال لا يستشير أحداً. والانتصار للاستعمال مهما حاول المتشدّقون والمتنطّعون والمُتفيهقون ان يقفوا في وجه السيل اللغويّ العرم. كلامي لا يعني ان نترك اللغة فوضى بلا رقيب أو حسيب. كلامي يعني ان نتفهم وجهة نظر اللغة، وللغة وجهة نظر شخصية حكيمة تفوق أحيانا حكمة لقمان الحكيم او سليمان الحكيم.
أشير الى ان الاقتراح  باستخدام فعل " carneter"  بدلا من فعل" bloguer   " جاء من مقاطعة كيبيك الفرنسية في كندا وليس من موطن اللغة الفرنسية الأم. وهذا بحد ذاته دالّ! فالفرنسية الكندية تعاني الأمرّين من الانكليزية التي تحاصرها من كلّ جانب.

قلة أدب التراث

الدين ليس معياراً في تقييم الأدب، هذا ما فهمه القاضي الجرجاني صاحب كتاب " الوساطة بين المتنبي وخصومه" وطبّقه في ممارسته للنقد الأدبيّ والتذوّق الأدبيّ . لنتخيّل اننا نريد حذف كلّ ما لا يلائم الدين من تراثنا الأدبي، وتطهيره من قلّة الأخلاق والبذاءة، ولو فعلنا ذلك لارتكبنا مجزرة بحقّ تراثنا الأدبيّ. كان امرؤ القيس وطرفة والفرزدق والأخطل وجرير في سطل الزبالة فلا يخلو شعرهم من الموبقات والإسفاف في التعابير الصادمة، وكذلك علينا أن نرمي بشعر عمر بن أبي ربيعة الفاسق، وبشعر ابن الروميّ الهجّاء المقذع، وبشعر دعبل الخزاعي طزدويل اللسان،  وكلّ من تلوّث فمه بالهجاء، ولكان مكان أبي نواس في خمّارة  أو ملهى ليليّ، وليس في كتب الأدب. اذا طبّقنا المعياري الديني في تقييم  الأدب أو تقويمه لضاع أكثر الأدب ولتبخّر كلّ الهجاء، وما أدراك ما الهجاء؟   ولكان علينا أن نحذف صفحات كثيرة من كتب الجاحظ وكتب ابي حيّان التوحيدي وكان علينا أن نغربل كتاب " يتيمة الدهر" للثعالبي من مباذله الكثيرة .  قلّة الأدب جزء من الأدب، هذا ما فهمه رجالات تراثنا الأجلاء، وهذا ما يقوله شعر أبي نوّاس وغير أبي نوّاس، وهذا ما تقوله ، أيضا، طرائف الجاحظ الإباحيّة جدّا في كتبه ورسائله.


بيت وسيارة مقال من كتاب لعنة بابل تأليف بلال عبد الهادي















نفتخر بأنّنا أعضاء في الفرنكوفونيّة، ونفتخر بأنّنا نحسن الإنجليزيّة، ويتباهى البعض منّا بأنّه لا يقرأ العربيّة، وإنّما يكتفي بالفرنسيّة أو الإنجليزية أو غيرهما من اللغات.
سأتناول وجهة نظر بسيطة وأستعيرها من "البيت والسيارة"، أقصد بالبيت "اللغة الأمّ" وبالسيارة لغة الآخر.
الإنسان لا يمكن له أن يعيش اليوم بلا سيّارة، حتّى ولو كانت سيّارة أجرة، كلّنا نستعمل السيارة، وكلّنا نسكن في بيوت حتّى ولو كانت كوخاً أو خيمة. ولا أعرف لماذا ربط العربيّ، قديماً، بين البيت والكلام، ليس أيّ نوع من الكلام وإنّما الشعر تحديداً، الذي كان "ديوان العرب"، والمقصود بذلك أنّه أكثر من شعر، فهو تاريخهم الحيّ، المنطوق والمعلّق، كما تقول بعض الروايات، على جدران الكعبة. لقد تمّ الربط من نواح كثيرة- وهو أمر يستحقّ أنْ يدرس اجتماعيّاً ونفسيّاً وحضاريّاً- بين الشعر/اللغة والمسكن. كان "بيت" الشعر "بيت" العرب، ونظرة بسيطة على مصطلحات "علم العروض" تكشف كيف أنّه استلّ أغلبها من خيطان خيمته. وللفيلسوف الألمانيّ هايدغر كلمة تصبّ في المصبّ نفسه وهي "أن اللغة الأمّ بيت الإنسان ومأواه".
فكيف نتعامل، راهناً، مع لغتنا؟ نعاملها باحتقار شديد، وكأنّها لغة لقيطة. اسمع الصغار الذين يقولون:" نحن لا نحبّ أن نقرأ بالعربيّ، نقرأ بالفرنسيّ أو الإنجليزيّ". وكأنّ القراءة بالعربيّة "دقّة قديمة" أو مسبّة أو معرّة، علماً أنّ الذي يحسن القراءة لا يقرأ إلاّ من طرف شفتيه أو عينيه فما بالك بمن لا يحسن القراءة أصلاً!
أعرف تماماً أنّه من الضرر الاكتفاء بلغتنا الأمّ، فنحن نحتاج إلى إتقان لغات الآخرين، لأنّها ضرورة حياتيّة وبراغماتية وحضاريّة ماسّة، ولكن كيف؟ إنّ أي علاقة مع أيّ لغة من اللغات إن لم يَحْدُها هدف وطنيّ تكون علاقة غير سويّة. وأنا أعرف أنّ علاقتنا غير سويّة مع كلّ اللغات بما في ذلك لغتنا الأمّ. إنّ من لا يرى قيمة في لغته، أياً كان واقع لغته اليوم، كمن يقول وهو يقف أمام المرآة: أنا إنسان لا قيمة لي. كلامي عن لغتي لا يمكن إلاّ أن يكون كلاماً عن نفسي. ومع هذا يمكن أن ترى من يقبّح من لسانه العربيّ وهو يعتقد أنّه ملك جمال الكون رغم أن ملامح وجهه لا تختلف عن ملامح وجه مايكل جاكسون التي شوهّتها "عمليات التجميل"!
من الضروريّ أن أعرف كيف أتعامل مع اللغات الأخرى. أعرف كيف استعملها كسيارة لتوصيلي إلى بيتي أي إلى لغتي، إنّ أيّ علاقة مع أيّ لغة أخرى غير لغتي على حساب لغتي هو خلل في ذاتي. إنّ من يفضّل لغة غيره على لغته كمن يفضّل أمّ غيره على أمّه الحقيقيّة، وهو، حكماً، ولدٌ عاقّ. والعقوق اللغويّ أحد أسباب ترقّق عظم الواقع العربيّ وفقر دمه.
إنّ تفضيل لغة غيري على لغتي مثير للشفقة، لأنّه شرخ في الروح يحتاج إلى علاج نفسيّ. وأنا أعرف تماماً أنّنا مجتمع غير متّزن أو متوازن، على أكثر من صعيد. نعيش في لحظة يختلط الوحل فيها بالماء الزلال. نعيش في لحظة حضاريّة عكرة، ملوّثة، وطائشة.
لا أعرف ما الوسيلة التي تحرّر ألسنتنا وعقولنا المعقدّة والمعقودة إلاّ الحلّ اللغويّ اليابانيّ، الذي جعل الأمّية في "خبر كان"، والثنائيّة اللغويّة من صميم الحياة اليوميّة ولكنْ بمهارة يابانيّة أرجو أن نكتسب سرّها. كلّ يابانيّ يتقن لغة أخرى، من غير أنْ يرطن بها، في الطالع والنازل، وليس بالضرورة أنْ تكون اللغة الإنجليزيّة، لأنّ النظام التعليميّ في اليابان يتيح للطالب اختيار لغته الثانية. وهذا جزء من استراتيجيّة اليابان البراغماتيّة الهادفة إلى تعدّد المصادر اللغويّة، وثمّة متخصّصون في كلّ اللغات، ينقلون منها إلى لغتهم نقلاً مباشراً أهمّ الثمرات الفكريّة والعلميّة. ولكنّ اليابانيّ لا يتبجّح بلغات غيره، وهو يتعلّمها لينهل منها ويصبّ ما فيها من علم في مجرى لغته الأمّ لإغنائها ثقافيّاً. ولا يتعامل مع لغته، كما يفعل البعض منّا، على أنها "بنت جارية"، ومع اللغة الإنجليزيّة مثلاً على أساس أنّها "بنت ست".
عرف اليابانيّ كيف يقيم توازناً خلاّقاً بين لغته الأمّ واللغات الأخرى. كلّ لغة أخرى هي بمثابة سيارة تقلّه إلى المكان الذي يحبّ، ولكنّه يعرف أنّه لن يتّخذ منها مأوى روحيّاً له. يسكن لغته ويرفض أنْ يقضي حياته في سيّارة. أمّا نحن فكم عدد الذين يسكنون في سيّارات الآخرين اللغويّة و"يشفّطون" بها "تشفيطاً" لغويّاً يؤذي الآذان والأذهان رغم وجود بيوت تنتظر حضورهم؟
سئل حكيم الصين كونفوشيوس من أين تبدأ الإصلاح السياسيّ؟ قال: من اللغة، ومن ضبط علاقة الأسماء بمسمّياتها. ولست أدري كم عدد الأسماء والكلمات المحروق سلاّف مسمّياتها في عالمنا العربيّ!
ولكن هل بمقدور لسان ملوّث أنْ ينتج غير أشلاء إنسان؟

الاثنين، 27 أبريل 2015

ورقة خرطوش جان بول سارتر



كان الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر يكتب في المقهى، كان المقهى امتدادا لمكتبه، ومن الطبيعي ان لا يستعمل الكاتب كل الكلمات التي يكتبها ولا كل الجمل التي يركّبها، ومن الطبيعي ان يجد ان فكرته خرجت في هذه الجملة ممسوخة او في  تلك الجملة  سقطا. ولم يشذّ سارتر عن قاعدة الكتابة. احمق من يتبنى كل الكلمات التي تخرج  من شق قلمه، ولم يكن سارتر أحمق في علاقته مع كلماته ،كانت تتراكم على طاولته الاوراق التي لا يريد استخدامها، كانت تنتقل بكل رضى إلى سلّة المهملات في ركن من أركان المقهى. ولكن نادلاً في المقهى قرّر ان لا يكون مصير هذه الاوراق سلة النفايات، كان يأخذها معه في ختام الدوام الى البيت، يحتفظ بفتات أفكار سارتر غير النضيج. كبر سارتر، صار احد اهم الشخصيات الفكرية في فرنسا. مات سارتر، وكثر دارسوه. تحولت، مع الوقت، اوراق النادل الى ثروة علمية لا تخلو من قيمة مادية. وجد الباحثون ان الورق المهمل يحمل بذور فكر سارتر. تشكّل جزءا مما يقال له "ما وراء السطور".

راح النادل يبيع اوراق سارتر، تحولت الاوراق الى فرصة حبرية من ذهب! فاق الخرطوش السارتريّ كل البخشيش الذي ناله من سارتر طوال حياته.

مسودة سارتر لم تكن في حياة النادل اوراقا سوداء.

عرفت اوراق سارتر المسودة كيف ترد الجميل لمن انقذها من سلال النفايات فصارت كالأوراق النقدية .ليس كلّ ما هو في سلة المهملات يستحق الفناء دائما، ثمّة نمط من الـ"ريسيكلاج" اختبره النادل بطريقة تفرح قلوب عشاق سارتر.

من لا مسودة له لا يمكن لك ان تعرف اسلوبه في الكتابة.

تؤدي المسودّة ، بشكل من الأشكال،   دور "كاتم أسرار" الفيلسوف المثير للجدل جان بول سارتر. ما لا قيمة له في نظري ثروة في نظر غيري .القيمة ليست دائما في ذات الشيء وانّما في عين الناظر.

السبت، 25 أبريل 2015

"ماكدونالدز" وأبو حنيفة "الخزّاز"













قرأت حكاية حصلت مع أبي حنيفة النّعمان فكانت دافعاً لي للتنقيب في سيرة حياته. أوّل ما لفت نظري في سيرته أنّه تاجر، تاجر بالمعنى النبيل للكلمة، فنحن نعرف أنّ خطّ التجارة متعرّج، قيعانه أكثر من قممه، وهذا ما برّر ولادة عبارة "التاجر فاجر" في لسان العرب. والتجارة الحنفيّة هي ما يبرّر دخول ماكدونالدز على عنوان المقال، ماكدونالدز وجهة نظر أميركية، يمكن أن نكشف عن السياسة الأميركية نفسها من خلال علاقة مطعم الوجبات السريعة مع الزبون، أو هذا ما أراه على الأقلّ. وهنا أريد الإشارة أنّ لكلّ حضارة حسنات وسيئات. ليس هناك حضارة نقيّة مائة في المائة، هذه سنّة الحضارات بما فيها حضارتنا الإسلامية نفسها إبّان زهْوها. شيء ما في سياسة ماكدونالدز لا يعجبني، وحين أقارنه بطريقة أبي حنيفة في التجارة سوف يظهر الأمر جليّاً. إليك الحكاية الأولى من أبي حنيفة التاجر. الطريف في تراثنا الإسلاميّ أنّ بعض الأدباء والعلماء كانوا يعملون في التجارة أو يمتهنون حرفة من الحرف طلباً للاستقلاليّة وليس بهدف "استغلال نفوذ". إنّ العمل خارج ميدان العلم لأجل العلم يحرّر العالم من الاعتبارات غير العلميّة، فلا يصير مضطرّاً لممارسة المدْح المداهن او الذمّ المشكوك في نواياه، أو تابعاً لهذا الفريق أو ذاك بغية الوصول إلى مآرب ومناصب لا علاقة لها من حيث العمق بالعلم المحض. يصير علمه لوجه العلم، نقيّاً، لا غبار عليه. ومن هنا نرى أنّ كثيراً من المؤلّفين العرب القدامى يحملون ألقاباً توحي بمصادر دخلهم كالخزّاز أو الزجّاج أو الثعالبيّ أي بائع فراء الثعالب كما نرى في كتاب "الطُّرْفة فيمن نسب من العلماء إلى مهنة أوحرفة" للباحث عبد الباسط الغريب.
كيف كانت تجارة أبي حنيفة؟ هذه الحكاية عيّنة عن طريقة ممارسة أبي حنيفة للتجارة. جاءته امرأة بثوب من الحرير تبيعه له، فقال: كم ثمنه؟ قالت: مائة، فقال: هو خير من مائة، فقالت: مائتان، فقال: هو خير من ذلك، حتى وصلت إلى أربعمائة فقال: هو خير من ذلك، قالت أتهزأ بي؟ فجاء برجل فاشتراه منها بخمسمائة. قد يرى البعض أنّ أبا حنيفة النعمان فوّت على نفسه فرصة الربح. ولكن هل بالربح السريع وحده يحيا الإنسان؟ قد يرى البعض أنّ أبا حنيفة لا يصلح للتجارة، ولكنّ أرباحه واستمرار نشاطه التجاريّ المزدهر إلى آخر حياته يفنّد قول من يراه لا يصلح للتجارة.
كيف يتصرّف مطعم ماكدونالدز؟ يمارس سياسة القنص والإحراج. والتاجر الذي يُحرج الزبون تاجر لا يعرف مصلحته بعيدة المدى. التاجر الشاطر، من وجهة نظري، هو الذي يخرج الزبون من عنده مرتاحاً، لا يشعر بأنه "انقنص"، وكلمة القنص يعرف صيّادو الطيور معناها جيّداً!. سياسة الإحراج والقنص سياسة بغيضة، فأنت حين تدخل لشراء صنف من الأصناف في ماكدونالدز يعرض عليك تكبير "علبة البطاطا" او تكبير "علبة العصير". طبعاً الحجم الكبير ليس مجانّاً عن روح الأخوين ريتشارد وموريس مكدونالد ( Richard et Maurice ) صاحبَي الفكرة الرائدة في عالم المآكل. البعض يُحرَج من العرض الخبيث فيقول: أوكي. ولكن هل وافق فعلاً؟ البعض يظنّ سحب المال من جيْب الزبون بأصابع الزبون نفسه مهارة ولكنّي أراها حماقة تجاريّة تشبه النَّشْل. أفضّل سياسة أبي حنيفة على سياسة مكدونالدز. هل تختلف سياسة أميركا عن سياسة القنص المَاكْدونالْدزيّ؟ لا أظنّ. وهي سياسة قصيرة النفَس حتى ولو بدا الظاهر الحاضر على خلاف ما أقول.
الغاية من المقدّمة هو الحكاية التالية التي تظهر حنكة أبي حنيفة ومهارته وسعة حيلته في الوصول إلى غاياته بطرق ليس بالضرورة أن تكون معبّدة بأقدام غيره؟ ومن الطريف مقاربة مذهب أبي حنيفة الفقهيّ من خلال طريقته في التجارة وطريقته في إيجاد الحلول المبتكرة.
ثمة تجّار فجّار ليس لتجارتهم سمات التّجارة المبرورة وإنّما سمات المكر الخبيث والدهاء الشيطانيّ بخلاف ما يقوله مظهرهم الوديع عنهم. بعض المظاهر تخرّجت على يد "مسيلمة الكذّاب"! وهؤلاء كان يعرف كيف يتعامل معهم أبو حنيفة رجل الفطنة والمكر ولكن الخيّر. وإليكم الحكاية، يروى" أنّ رجلاً كان يتجمّل بالستر الظاهر والسمت البيّن، وكان يلبس على ذلك، فقدم رجل فأودعه مالاً خطيراً وخرج حاجاً، فلما قضى نسكه عاد إلى صاحبه وطلب وديعته فجحده، فألحّ عليه فتمادى في الإنكار، وكاد صاحب الوديعة أن يجنّ، واستشار أحد أصحابه في أمر آكل الوديعة فقال له: كُفَّ عنه، وصِرْ إلى أبي حنيفة فدواؤك عنده، فانطلق الرجل إليه وخلا به، وأعلمه شأنه وشرح له قصّته، فقال له أبو حنيفة: لا تُعلِمْ بها أحداً، وامْضِ راشداً وعدْ إليّ غداً، فلما أمسى أبو حنيفة جلس كعادته واختلف الناس إليه، فجعل يتنفّس الصعداء كلّما سئل عن شيء، فقيل له في ذلك قال: إنّ هؤلاء - يعني السلطان - قد احتاجوا إلى رجل يبعثونه قاضياً إلى مكان، وقالوا لي: اخترْ من أحببت. ثم أسبل كمّه وخلا بصاحب الوديعة، وقال له: أترغب حتى أسمّيك؟ فذهب يتمنّع عليه، فقال له أبو حنيفة: اسكتْ فإنّي أبلّغك ما تحبّ، فانصرف الرجل مسروراً يظنّ الظنون بالجاه العريض والحال الحسنة، وصار ربّ المال إلي أبي حنيفة فقال له: امْضِ إلى صاحبك ولا تخبرْه بما بيننا، ولوّح بذكْري وكفاك، فمضى الرجل واقتضاه وقال له: اردد عليّ مالي وإلاّ شكوتك إلى أبي حنيفة. فلمّا سمع ذلك وفّاه المال. وصار الرجل إلى أبي حنيفة وأعلمه رجوع المال إليه فقال له: استره عليه. ولما غدا الرجل إلى أبي حنيفة طامعاً في القضاء نظر إليه أبو حنيفة وقال له: نظرت في أمرك فرفعت قدرك عن القضاء.
ارتفاع قدْر كان بعده سقوط من لا يعرف أنّ أبا حنيفة يعرف، سقوط ناعم الملمس ولكنّه كان كفيلاً بتهشيم رغبات الرجل الذي يسطو على الودائع من طريق اعتماد الستر الظاهر والسَّمْت البيّن.