الأربعاء، 19 سبتمبر 2012

حكي جرائد عنوان عمودي الاسبوعي

حكي جرايد " عنوان عمود أسبوعيّ أكتبه في جريدة طرابلسيّة منذ خمس سنوات. ولكن ليس هو مدار الحديث، إنّما عبارة "حكي جرايد".أحبّ الإشارة إلى ان هذه العبارة دخلت العربيّة مع دخول الصحيفة، وكانت عبارة عن عدم ثقة بالمطبوع لألفة المخطوط باليد.لكلّ جديد لذّة ترافقها ريبة!
ولكن لأروي الحكاية أوّلاً.

أعرف أديبا وشاعرا واستاذا في الثانويّ صار استاذا جامعيّا بلغ سنّ التقاعد. التقيت به بالأمس كما التقيت به منذ بدأت أكتب عمودي البسيط في جريدة الانشاء، انتقد اسم العمود، قائلا لي: "عيب تحط هيك عنوان" وأنت تعبت ورحت درست في السوربون لتعود وتضع هكذا عنوان لعمودك الأدبي؟ الطريف في الأمر، ان الدكتور المنتقد والمستهجن من عشاق الجرائد ويفرح كثيرا إذا نزل اسمه في جريدة، أو أجرى صحفي ما مقابلة صحفية معه أو تناول احد الصجفيين كتابا من كتبه. ألا يتناقض اعتراضه على العنوان مع سروره بادراج اسمه في جريدة تقوم على الحكي؟ ولكن اسباب اعتراضه افهمها فهو متخصّص في شعر عصر الانحطاط حيث كان الشعراء والأدباء يغلّبون اللفظ على المعنى. انا من أتباع الجاحظ الذي غلّب المعنى على اللفظ. .اللفظ جسد والمعنى هو ما يبث فيه الروح. ثم انّه من عشّاق نبش جثث الكلمات ونفخ روح مزيّفة فيها ثم ادراجها في شعره. فيشعر غير المتخصص بالشعر العربي ان عليه فتح قاموس لمعرفة دلالة الكلمات. انا افهم ان افتح قاموسا لمعرفة كلمات يستخدمها امرؤ القيس او المتنبي او ابو تمام في اشعارهم.أو أفتح المعجم لمجرّد المتعة في تتبّع سير حياة الكلمات ولكن لا افهم لماذا عليّ ان افتح قاموسا لأعرف كلمات شاعر من هذا العصر. وأكثر ما يثير حيرتي الشعراء الذين يستعملون كلمات ثم يقومون بشرحها او وضع مرادف لها في هامش القصيدة فيقطعون انسياب قراءتك للقصيدة.

الخلفيّة اللفظية للصديق المنتقد هي التي جعلته على نفار مع عنوان عمودي الأسبوعي. لا أحد ينكر ان "حكي الجرايد" هو الذي اعاد للغة شبابها وحطّم أغلال عصر الجمود الأدبي والسجع الثقيل والمفتعل. وان وجود الجريدة كانت نقلة نوعية في اساليب الكتاب وتليين لغتهم وفكّ أسر الأساليب.السرعة طبيعة الجريدة والسرعة تجتاج لما هو عمليّ، ترتاح مع بنطال الجيينز أكثر مما ترتاح طقم وربطة عنق. كما ان وجود الانترنت اليوم ووسائط التعبير الراهنة سوف يكون لها فضل كبير على استعادة اللغة طبيعتها الصوتية الأولى وتراكيبها المنسابة.

قد تمرّ اللغة، اليوم، في مخاضات وعذابات وترنحات وانعدام ثقة بالذات ( وهذا طبيعي ، اللغة لا تكذب، مرضنا الحضاري لا بد من أن يتجلى في علاقتنا المتوترة مع لغتنا) ولكنها مرحلة لا تختلف عن لون مياه الانهار المعتكرة الحمراء والموحلة حين تتدفق الأمطار. سوف يصحو جوّ اللغة وتشرق شمسها وتستعيد مياهها لونها البديع وخريرها الرقراق.

كلمة "حكي جرايد" هي اعتراف ضمني مني بفضل الجريدة عليّ وعلى كل من اعتاد قراءة الجرائد. الكتاب وحده لا يكفي. الحيوية بنت الجريدة. ليس للكتاب حيوية الجريدة، الكتاب معه وقت، الجريدة وقتها ضيّق لهذا اكتسبت الليونة. ( علماً أنّي من عشّاق الكتب ومطاردتها في المعارض ودور النشر وتكريس جزء من وقتي لمعاشرتها واستشارتها) ثم هل كان لكتاب "حديث الأربعاء" لعميد الأدب العربي وجود لو لم تستقبله الجرائد على صفحاتها؟ الجرائد كانت أرحاما وأحضاناً لكتب كثيرة لعبّاس محمود العقاد، وطه حسين، ونجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم وجردة الأسماء كبيرة!

انا مع"حكي جرايد" لا مع حكي يحتاج قارئه لمنجّم مغربي، ولا مع كلام يريد مني ان اعصر رأسي لأعصر منه، في الأخير، ما لا يروي غليل الروح ولا غليل القلب. الغموض ليس، دائما، ذكاء!

الأفكار التي لا يمكن توصيلها الى الناس العاديين والبسطاء ليست افكارا صالحة لأن تكون من هذا العالم. أنا افضّل شعر نزار قبّاني على شعر أدونيس، وشعر بول شاوول على سبيل المثال. ثمّة فرق بين التنفس الطبيعي والتنفس الاصطناعي!

انا مع البساطة، والبساطة ليست أمراً سهلاً. ثمّة عبارة يابانيّة تقول:" ليس سهلا أن تكون سهلا!"

انا مع "قرص الفلافل" لا مع بيض الـ"كافيار".

لكلّ هذه الأسباب لا أرى في "حكي جرايد" ما يعيب عمودي ولا وجودي. ولا "تتمعير"كلماتي من استخدام كلمات عاميّة فصيحها موجود في غرفة الإنعاش أو العناية الفائقة أو تعيش حالة موت سريريّ متل أرييل شارون - أمدّ الله في عمره-!



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق