الثلاثاء، 19 يونيو 2018

مقدمة كتاب الفرج بعد الشدّة

بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب
 الحمد لله الذي جعل بعد الشدة فرجا، ومن الضيق سعة ومخرجا، ولم يخل محنة من منحة، ولا نقمة من نعمة، ولا نكبة ورزية، من موهبة وعطية، وصلى الله على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
(أما بعد): فانى لما رأيت أبناء الدنيا متقلبين فيها بين خير وشر، ونفع وضر، ولم يكن لهم في أيام الرخاء، أنفع من الشكر والثناء، ولا في أيام البلاء، أنجع من الصبر والدعاء، لان من جعل الله عمره أطول من محنته، فإنه سيكشفها عنه بطوله ورأفته، فيصير ما هو فيه من الأذى، كما قال بعض من مضى، ويروى للأغلب العجلي أو غيره:
الغمرات ثم ينجلينا * ثمت يذهبن فلا يجينا وطوبى لمن وفق في الحالين، للقيام بالواجبين. وجدت من أقوى ما يفزع إليه، من أناخ الدهر بمكروهه عليه، قراءة الاخبار التي تنبئ عن تفضل الله عز وجل على من حصل قبله في محصله، ونزل به مثل بلائه ومعضله، بما أتاحه الله تعالى له من صنيع أسهل به الأرزاق، ومعونة حل بها الخناق، ولفظ غريب نجاه، وفرج عجيب أنقذه وتلافاه، وإن خفيت من ذلك الأسباب، ولم يبلغ ما حدث منه الفكر والحساب، فان في معرفة الممتحن بذلك تشحيذ بصيرته للصبر، وتقوية عزيمته على التسليم لله مالك كل أمر، وتصويب رأيه في الاخلاص، والتفويض إلى من بيده ملك النواص، وكثيرا إذا علم الله تعالى من وليه وعبده، انقطاع آماله إلا من عنده، لم يكله إلى سعيه وجهده، ولم يرض له باحتماله وطوقه، ولم يخله من عنياته ورفقه، وأنا بمشيئة الله تعالى جامع في هذا الكتاب، أخبارا من هذا الجنس والباب، أرجو به انشراح صدور ذوي الألباب، عندما يدهمهم من شدة ومصاب، إذ كنت قد قاسيت من ذلك في محن دفعت إليها ما يحنو بي على الممتحنين، ويحدو بي على بذل الجهد في تفريج غموم المكروبين، وكنت قد وقفت في بعض محنى على خمس أو ست أوراق جمعها أبو الحسن علي بن محمد المدايني، وسماها: " كتاب الفرج بعد الشدة والضيق " وذكر فيها أخبارا تدخل جميعها في هذا المعنى فوجدتها حسنة ولكنها لقلتها نموذج صغير، ولم يأت بها مؤتلفة، ولا سلك بها سبيل الكتب المصنفة، ولا الأبواب الواسعة المؤلفة، مع اقتداره على ذلك، ولا أعلم غرضه في التقصير، ولعله أراد أن ينهج طريق هذا الفن من الاخبار، ويسبق إلى فتح الباب فيه بذلك المقدار، وينقل جميع ما عنده فيه من الآثار.
ووقع إليّ كتاب لأبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا قد سمّاه:
" كتاب الفرج بعد الشدة ". في نحو عشرين ورقة والغالب فيه أحاديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأخبار عن الصحابة والتابعين رحمهم الله تعالى يدخل بعضها في معنى طلبته، ولا يخرج عن قصده وبغيته وباقيها أحاديث وأخبار في الدعاء والصبر، والأرزاق، والتوكل، والتعرض، للشدائد بذكر الموت، وما يجرى مجرى التعازي ويتسلى به عن طوارق الهموم، ونوازل الاحداث والغموم، ويستحق عليها من الثواب في الأخرى، مع التمسك بالحزم في الأولى. وهو عندي خال من ذكر فرج بعد شدة، غير مستحق أن يدخل في كتاب مقصور على هذا الفن، وضمن الكتاب نبذا قليلة من الشعر، وروى فيه شيئا يسيرا جدا مما ذكره المدايني، إلا أنه جاء به بلا اسناده له الا عن المدايني.
وقرأت أيضا كتابا للقاضي أبى لحسين عمر بن القاضي أبى عمرو محمد بن يوسف القاضي رحمهم الله في مقدار خمسين ورقة قد سماه: " كتاب الفرج بعد الشدة ". أودعه أكثر ما رواه المدايني وجمعه وأضاف إليه أخبارا أخر أكثرها حسنة وفيها ما هو غير مماثل عندي لما عناه، ولا مشاكل لما نحاه، وأتى في أثنائها بأبيات شعر يسيرة، من معادن لا مثالها جمة كثيرة، ولم يلم بما أورده ابن أبي الدنيا، ولا أعلم تعمد ذلك أم لم يقف على الكتاب؟! ووجدت أبا بكر ابن أبي الدنيا والقاضي أبا الحسين لم يذكرا للمدايني كتابا في هذا المعنى، فإن لم يكونا عرفا هذا فهو طريف، وان كانا تعمدا ترك ذكره تثقيفا لكتابيهما وتغطية على كتاب الرجل فهو أطرف، ووجدتهما قد استحسنا استعارة لقب كتاب المدايني على اختلافهما في الاستعارة، وحيدهما عن أن يأتيا بجميع العبارة، فتوهمت أن كل واحد منهما لما زاد على قدر ما أخرجه المدايني اعتقد أنه أولى منه بلقب كتابه، فإن كان هذا الحكم ماضيا، والصواب به قاضيا، فيجب أن يكون من زاد عليهما أيضا فيما جمعاه أولى منهما بما تعبا في تصنيفه ووضعاه، فكان هذا من أسباب نشاطي لتأليف كتاب يحتوي من هذا الفن على أكثر مما جمعه القوم، وأبين للمعنى، واكشف وأوضح وان خالف مذهبهم في التصنيف، وعدل عن طريقهم في الجمع والتأليف، فإنهم نسقوا ما أوعدوه كتبهم جملة واحدة، وربما صادقت مللا من سامعها، أو وافقت سآمة من الناظرين فيها، فرأيت أن أنوع الاخبار واجعلها أبوابا، ليزداد من يقف على الكتب الأربعة بكتابي من بينها اعجابا، وأن أضع ما في الكتب الثلاثة في مواضعه من أبواب هذا الكتاب، إلا ما اعتقد أنه يجب ان لا يدخل فيه، وأن تركه وتعديه أصوب وأولى. والتشاغل بذكر غيره مما هو أدخل في هذا المعنى ولم يذكره القوم أليق وأحرى، وأن أعزو ما أخرجه مما في الكتب الثلاثة إلى مؤلفيها تأدية للأمانة، واستيثاقا في الرواية، وتبيينا لما آتي به من الزيادة، وتنبيها على موضع الإفادة، فاستخرت الله عز وجل ذكره، وبدأت بذلك في هذا الكتاب ولقبته بكتاب: " الفرج بعد الشدة ".
تيمنا لقارئه بهذا المقال، وليستسعد في ابتدائه بهذا الفال، ولم أستبشع إعادة هذا اللقب، ولم احتشم تكريره على ظهور الكتب، لأنه قد صار جاريا مجرى تسمية رجل ابنه محمدا أو محمودا، أو سعدا، أو مسعودا، وليس لقائل مع التداول لهذين الاسمين أن يقول لمن سمى بهما الآن: انك انتحلت هذا الاسم أو سرقته. ووجدتني متى أعطيت كتابي هذا حقه من الاستقصاء، وبلغت به حده في الاستيفاء، جاء في ألوف أرواق لطول ما مضى من الزمان وان الله سبحانه وتعالى بحكمته أجرى فيه أمور عباده منذ خلقهم، وإلى أن يقبضهم على التقلب بين شدة ورخاء، ورغد وبلاء، وأخذ وعطاء، ومنع وصنع وضيق ورحب، وفرج وكرب، علما منه تعالى بعواقب الأمور، ومصلحة الكافة والجمهور، فأخبار ذلك كثيرة المقدار، عظيمة الترداد والتكرار، وليست كلها بمستحسنة ولا مستفادة، ولا مستطابة الذكر والإعادة، فاقتصرت على أحسن ما رويته من هذه الأخبار، وأصح ما بلغني في معانيها من الآثار، واملح ما وجدت في فنونها من الاشعار، وجعلت قصدي إلى الايجاز والاختصار، واسقاط الحشو وترك الاكثار وإن كان المجتمع من ذلك جملة يستطيلها الملول، ولا يتفرغ لقراءتها المشغول، وأنا راغب إلى من يصل كتابي هذا إليه، وينشط للوقوف عليه، أن يصفح عما يعثر به من زلل، ويصلح ما يجد فيه من خطأ أو خلل، والله اسأل السلامة من المعاب، والتوفيق لبلوغ المحاب والارشاد إلى الصواب، ويفعل الله ذلك بكرمه انه جواد وهاّب.

الخميس، 14 يونيو 2018

عشْ بسيطاً تعش مبسوطاً


كتبها بلال عبد الهادي
يفصح عنوان كتاب المؤلفة الفرنسيّة "دومينيك لورو" " فنّ البساطة" الصادر حديثاً عن دار" روبير لافون"، في باريس، عن مكنونه. كتبته المؤلفة بأسلوب بسيط، وسلس، وجذّاب، وهو يتناول مختلف وجوه الحياة اليوميّة: اللبس، الأكل، السكن، السفر، العمل، التسلية. لم تترك الكاتبة تفصيلاً من تفاصيل الحياة إلا وسلّطت عليه الأضواء، لأن أيّ شيء، مهما كان ضئيلاً، قادرٌ أن يكون قذى أو ذرّة غبرة تعقّد أيّامك.
علاقة الإنسان مع الأشياء مهما كانت غير ذات قيمة، للوهلة الأولى، هي عند إمعان النظر على قدر كبير من الأهميّة، لأنّ هذه الفتافيت قد تكون، من غير أن تدري، وراء شعورك بأنّك لست على بعضك، وتعديل طفيف أحياناً، وطفيف جدّاً في أماكن الأشياء قد يغيّر من نفسيّتك. إنّ زهرة منفردة ووحيدة في مزهريّة موضوعة في مدخل البيت، تستقبلك بمنظرها وعطرها قد تزيل عنك لا شعوريّاً إرهاق عمل النهار.
قد يشعر المرء، وهو يتصفّح العنوان، إنّ الكتاب يتناول المواضيع اليوميّة باستخفاف لكنّ المتعمّق في تركيب العنوان يدرك تماماً أنّ إدخال عنصر الفنّ يعني حكماً أنّ الإنسان لا يصل ببساطة إلى البساطة، فهي تحتاج إلى مران، وإلى قراءة متأنيّة وثاقبة لكلّ فلذة من فلذات السلوك. وقد يظنّ القارىء وهو يقلّب صفحات الكتاب أن مكوّناته ومكنوناته قد تزيد حياته تعقيداً على تعقيد! ولكن مع الوقت، وحين يلمس استراتيجية الكاتبة يدرك أن في طوايا الصفحات نظرات عميقة قادرة على إضفاء مسحة من الفرح والراحة، ومنح الشعور بأنّ الإنسان يمكن له أن يعيش بامتلاء إلى آخر لحظة من العمر.
لم تتوصّل الكاتبة إلى وضع كتابها إلا بعد تجربة غنيّة ومتنوّعة، وتقلّب في عدد من البلدان، فالكاتبة فرنسيّة عاشت شطراً من عمرها في بريطانيا وآخر في أميركا قبل أن يستقرّ بها الترحال في اليابان. وهناك، في جزر الشمس المشرقة تفتّحت أفكار الكتاب بتأثير من "فلسفة الزنّ" التي تغذّيها روح البساطة والتناغم والانسجام بين مكوّنات النفس وعناصر الطبيعة.
تشير "دومينيك لورو" في مفتتح كتابها إلى أنّ وسائل الإعلام تنتهك فكرة البساطة نفسها حين تستدرج الإنسان إلى الاقتناع بأنّ الانتماء إلى العصر يعني التنعّم بالاستهلاك، والركض خلف آخر صرعات الموضة والعصر. ولا تنكر مهارة الإعلان في الإيهام وتحسين القبيح، واللعب بحواسّ الإنسان وخيالاته. ولكن كم شخص انتابتْ روحه عذابات كثيرة لأنّه يلهث خلف فكرة الاستهلاك التي تنتهك سعادته وهو لا يدري؟ من هنا تعترف الكاتبة أن ممارسة البساطة ليس بالأمر السهل، لأنّها تحتاج إلى نوع من التمرّد والمقاومة والنحت المستمرّ والحصيف للذات.
الكاتبة تروي لنا ما يعانيه الإنسان الغربي من ضيق وتبرّم رغم كلّ التسهيلات التكنولوجية والرقمية، والسبب في ذلك هو انه يبحث عن السعادة في الأمكنة الخطأ، ويذهب إليها عبر الدروب الضالّة، والمعايير البرّاقة لكن الخاوية. فهو يظنّ أنّ الامتلاك معيار السعادة فيشتري ويكدّس الممتلكات التي تغزل كثرتُها شرنقةً خانقة حوله وهو لا يراها.
البساطة تقول الكاتبة أن تحرّر ذهنك من الأفكار المسبقة والأفكار السوداء، وتحرّر بيتك من الحشو، وجسدك من كلّ لباس يظلم جسدك. فكم من جسد يتشاجر مع لباسه، ويترك هذا الشجار توتّرات خفيّة في النفس. وتقول الكاتبة إنّ البساطة كأي نصّ مكتوب يحتاج إلى حذف وتقديم وتأخير وتعديل وتنقيح. إنّ البساطة لا تعني رمي هموم الدنيا وراء ظهرك، وإنّما مواجهتها باستراتيجية فاعلة وسيّالة كالماء. ليس من السهل تغيير العادات، وتشير المؤلفة إلى مقولة يبدو أنها متداولة في أكثر من حضارة وهي أن تغيير العادة تقليل للسعادة. ولكن - تتساءل المؤلّفة- أيّ خسران يجنيه الإنسان في الإصرار على التقيّد بحرفيّة العادات ومسارها؟ أليس "التقيّد" بالعادات، أيّاً كانت، هي (وضع قيود) وإصرار مضمر على تجميد العين على مشهد واحد، وعليه خسارة لمشاهد مستجدّة؟ وتقول الكاتبة ان الفترة الزمنية المطلوبة لتغيير عادة مستحكمة أو اكتساب عادة جديدة لا تزيد عن الشهر. أليس من المستحبّ تحمل مرارة شهر من أجل اكتساب مذاقات أطيب وأحلى؟ والكاتبة ترصد كلّ شؤون الحياة الإنسانية من روحية وفكرية وجسدية. أي أنها سلطت الضوء على جزئيات بسيطة في الحياة، قد لا يلتفت إليها المرء أو يعيرها أيّ اهتمام بسبب سلطان البداهة القاتلة ولكن الانتباه إليها يجلب الراحة النفسية، تخيّل ما تفعله بأعصابك أمور بسيطة وآليّة ربما، كتقشير تفّاحة بسكين غير مسنونة جيّداً!
تشير الكاتبة إلى ضرورة عدم التعلّق بالأشياء، أن لا نسقط في فخّ الذاكرة ولا في أحابيل الذكريات، وخصوصاً الحزين منها. يقال إنّ الأسى لا يُنسى، بينما الكاتبة تلحّ على ضرورة نسيان الأسى لأنّه يرخي بظلاله السوداء على المتبقّي من العمر، ويعكّر صفو اللحظة التي أنت فيها. وتروي كيف أنّ بعض الناس في لحظة حزن مثلاً يميلون إلى مشاهدة أفلام تؤجّج أحزانهم بدلاً من مشاهدة أفلام تريح أعصابهم، فيقدمون لأرواحهم عن غير وعي منهم طبقاً مسموماً.
تعتبر الكاتبة أنّ على المرء أن يتقن ممارسة أسلوب الإيجاز غير المخلّ، وكما أن الإيجاز مهارة لغويّة فهو أيضاً مهارة حياتية، والإيجاز يتبدّى في عناصر البيت بحجراته وأثاثه وألوان حيطانه وخزائن الثياب. تتكلّم على "البيت السيّال"، المنساب. وكلمة السيولة من المصطلحات الكثيرة التداول في الفكر اليابانيّ، وهي المستلّة من طبيعة الماء، السيّالة، المرنة، المتحرّكة باستمرار. وكثرة الاستعارات المائيّة في التعابير اليابانيّة لا تخلو دلالاتها من صبغة روحيّة.
وللكاتبة ميل نحو اختزال الألوان المستعملة، حيث تشرح انعكاس الألوان على أحاسيس المرء وكيف أنّ اكتظاظها يشعر بالصخب. إن الألوان تجتاحنا في الشوارع، وهي ألوان صاخبة صارخة تعتدي على العين، فتدعو إلى إقامة التوازن عبر تخفيفها في البيت وفي اللباس أيضاً وتشير إلى غلبة اللونين الأبيض والأسود في الرسومات اليابانيّة. اختر اللون الأسود مع الأبيض والرمادي فهي ألوان، بحسب المؤلّفة، تريح النظر لأنها غياب وحضور، في آن، لكل الألوان. وبدلاً من أن يركض الإنسان وراء الموضة عليه أن يسعى لبناء أسلوب ذاتي له. اللباس قصيدة تخنقها الزخرفة اللفظيّة. وتقول الكاتبة لاعبة بالكلام إن استخدام الأبيض والأسود والرمادي يجعل حياة الإنسان ملونة. وتقتبس من كلام مصمّم الأزياء اليابانيّ "يوجي ياماموتو" رأيه بالألوان حيث يقول:" إن إعجابه باللون الأسود والأبيض لا حدّ له، إن الألوان التي تجعل من جسد المرآة شجرة ميلاد تزعج العين وتخطف النظر وتغتال جمال المرأة لأنها لا تسمح للون الشعر والبشرة والعينين والمجوهرات بتبيان دلالاتها". وتشير الكاتبة إلى أن المرأة عليها الالتفات إلى بناء أسلوب في اللباس بدلا من طمر شخصيتها في خليط الألوان، فالألوان الكثيفة تعيق التواصل لأنها تشتت الذهن وتبلبل النظر، فالإنسان يعرف من هندامه كما يعرف من كلامه والألوان الكثيرة أشبه بالثرثرة.إن الكلام الذي لا يقول أفكارك، ونظرتك للحياة، لباس مخادع. وكم من كآبة مصدرها الشرخ العميق بين الشخص ولباسه!
وتخصّص المؤلفة فقرات طوالاً عن مفهوم "الفراغ"، أو فلسفة "الخلاء" وهي من لبّ "الزنّ"، والفكر "التاويّ" كما يتجلّى في كتاب الحكيم الصينيّ "لاو تسو". وللتحكّم بالخلاء في اليابان ثمّة جدران داخليّة متحرّكة، تؤمن للمرء حاجته من الفراغ. فأي قيمة لمنفضة كبيرة الحجم وثقيلة من أجل سيجارة؟ ألا يسرق حجمها من مساحة الطاولة؟ لا تستهين الكاتبة حتى بالملليمترات الضائعة، المثقلة بأشياء تقضم من فضاء البيت. إن الإحساس بفراغ المكان يمنح الساكن شعوراً بأنّه سيّد البيت.وليزيد المرء من إحساسه بالفضاء الرحب في المجال الضيق يلتفت إلى معالجة أمور صغيرة قد لا ينتبه إلى ما تسببه له من توتر، وتعتبر الكاتبة إننا في عصر يسمح لنا باستعمال "المنمنمات التكنولوجية"، كما تشير إلى أن إخفاء أسلاك الهاتف والكمبيوتر والمصابيح عبر تمريرها تحت البُسُط تحررنا من وجودها الضاغط على الأعصاب، وتعتبر الكاتبة أن اليابان يمكن أن تمدنا بعون كبير في استغلال الأمكنة الضيقة والإيحاء برحابتها من خلال خبرتها التراثية.
وتخصّص الكاتبة فصلا لدراسة الوقت، وكيفية التعامل معه. إن الإنسان لا يملك الماضي فهو امتلاك افتراضيّ، والآتي ليس ملكاً لنا. تتساءل: كم عدد الذين يفرّ يومهم من يدهم وهم يسعون إلى الغد أو يسترجعون عبر ذكرياتهم الأيام الآفلة؟ واهتمامها بإدارة الوقت لا يمنعها من النظر إلى فوائد "الكسل" عبر وظيفة الاسترخاء الذي يمكن أن يوظفه المرء في التأمل، وتوليد الأمل، وعشر دقائق من الاسترخاء تعادل، بحسب ما تقول المؤلفة، ستّ ساعات نوم.
وأنت تقرأ كتاب "فنّ البساطة" يتولّد لديك شعور فاتن بأنّ الفرح يمكن أن يكون سنّة الحياة رغم كلّ مغريات الحزن، لأنّ الحزن والكآبة والقنوط، في نظر الكاتبة، دلائل على أنّك لا تحسن التعامل مع خيالك، فالحزن والتعقيد هو بكل بساطة سوء استخدام لملكات العقل ومهارات الخيال، لأن كلّ لحظة من العمر رحم حاضنة لاحتمالات جميلة كثيرة، وبذرة تنطوي على طاقات متعددة عليك أن تحسن زرعها وقطاف ثمراتها.
نشرت في جريدة الشرق الأوسط تجدها على هذا الرابط

تراث لامادي من الأجوبة المسكتة//أبو بكر العيادي كاتب تونسي

من الصفات التي تحفل بها كتب التراث نعت المرء بأنه حاضر البديهة، فهي دليل النباهة والفطنة، وسلاح يجعل المرء قادرًا على الخروج من المواقف ظافرا، أو سالما من سهام الخصوم.
 وكان العرب يسمّون ذلك برشَقات اللسان، أو الأجوبة المُسكِتة.
ومن الأمثِلة ما رواهُ الأبشيهي في “المستَطرَف”عن رجل دخَلَ مرّةً على معاوية، فقال له معاوية: إنك لَدَميم والجميلُ خيرٌ من الدّميم، وإنك لَشَريك وما للهِ مِن شَريك، وإنّ أباكَ لأعور والصحيحُ خيرٌ من الأعور، فكيفَ سُدْتَ قَومَك؟ فقال له الرجل: إنّكَ معاوية، وما معاوية إلا كلبةٌ عَوَتْ فاستَعْوَتِ الكلاب، وإنك لابنُ صخْر، والسهْلُ خيرٌ من الصخر، وإنك لابنُ حَرْب، والسّلمُ خيرٌ من الْحَرب، وإنّكَ لابنُ أميّة، وما أميّةُ إلا أمَةٌ صغيرة، فكيف صِرْتَ أميرَ الْمُؤمنين؟ أكَفاكَ أم أزيدُك؟ فقال معاوية: لا أكثرَ اللهُ في الناسِ مثلَك! فقال له الرجل: قُلْ معروفًا، فإنّ شَرَّ الدعاءِ مُحيطٌ بأهلِه.
تلك الأجوبة المفحمة التي تصدر فورا في نبرة مشوبة بالسخرية المبطنة، لا تعدمها ثقافة، إذ نجدها في أدبيات الشعوب قديمها وحديثها، يتناقل الناس شذراتها تناقلهم للحكم والأمثال، كدليل على ذكاء الإنسان، حيثما كان. ففي سويسرا مثلا، قال أحد المعجبين لموزارت “أريد أن أكتب سيمفونية. هل لك أن تقترح عليّ الطريقة التي أتوخاها؟” فقال له موزارت “السيمفونية شكل موسيقي بالغ التعقيد. من الأفضل في رأيي أن تبدأ بـأغنية شعبية قبل المرور إلى السيمفونية”. فقال له المعجب “ولكنك ألّفت سيمفونيات وأنت في الثامنة!” فرد عليه موزارت “صحيح، ولكن دون أن أسأل أحدا كيف أفعل”.
وفي إنكلترا، يروى أن الفيلسوف جورج برنارد شو قال لونستون تشرشل “احتفظت لك بتذكرتين للعرض الأول من مسرحيتي. يمكنك أن تجيء بصديق… إن كان لديك صديق”. فرد عليه تشرشل “لن أستطيع حضور العرض الأول. سآتي للعرض الثاني… إن كان ثمة عرض ثانٍ”.
وفي فرنسا، وقف أوتو أبيتز، سفير ألمانيا النازية أمام لوحة “غرنيكا” خلال المعرض العالمي الذي أقيم في باريس عام 1937، وقال لبيكاسو: “أنت الذي اقترفت هذه الفظاعة؟” فرد عليه بيكاسو: “كلا، بل أنتم”. ولعل أشهر الأجوبة المسكتة عبر التاريخ ما قاله الإسبرطيون لفيليب الثاني ملك مقدونيا حين هددهم قائلا: “لو أنتصر في هذه الحرب فسوف تصيرون عبيدي”، إذ قالوا له “لَوْ”.
حبّذا لو ينهض من بيننا من يعنى بجمع الأجوبة المسكتة في أوساطنا الثقافية والفنية والسياسية، بوصفها من التراث اللامادي، فقد يفيد المهتمين بها.

محمّد رجب السامرّائي//الأجوبة المُسْكِتَة ·· إجَابَاتٌ بليغةٌ وأقوالٌ مُحْكَمَةٌ السَبْك


الجواب المُسْكِتُ فنّ من الفنون فأكثر ما ينطلق كالسهم النافد على القائل المُخطئ الذي لا يُقدِّر الرجال فيخطئ عليهم فيأتيه بجواب سريع يلقمه حجراً كما يقول العرب، وهو خيرٌ من السكوت لأنّه يُلقِّن المازح والمتماجِنَ درساً ويجعله عبرةً للغير، وللجواب المُسكِت قيمته في بديهته وسرعة جوابه لكونه يأتي عفوياً ناقداً وعلى السليقة دون تكلّف أو تجميع أفكار.

فقد ازدهر التأليف الموسوعي عند المُصنفين العرب إبّان القرن الثالث الهجريّ، حين عَمَد مؤلفوها إلى الأخذ من كلِّ شيءٍ بطرفٍ. وقد أختار المؤلفون العرب مادة مُصنفاتهم الموسوعيّة تلك من مصادر مكتوبة أو من سماعهم، ثم قاموا بعد ذلك بترتيب تلك المواد المجموعة لديهم وتبويبها بحيث تتفق والخطّ الثقافيّ والفكريّ الذي تبنوه، وهناك من الموسوعيين الذين وجهوا كتبهم وجهة دينية كابن أبي الدنيا البغدادي في كتابيه ''مكارم الأخلاق'' و''ذمّ الدنيا''، أو اتجه صوب الأدب نحو المُبَرِّد في مُصنّفه المعروف الكامل في اللّغة والأدب، أو مِن اتجه نحو تناول موضوعات مختلفة في الاجتماع والسياسة والأخبار كما فعلها الأديب البصريّ الجاحِظ في البيان والتبيين، أو ابن قتيبة في عيون الأخبار.

الحياة الفكريّة



وهناك ثمة مؤلفات جامعة للأجوبة قبل كتاب ابن أبي عون الموسوم بـ''الأجوبة المُسْكِتَة'' ولكنّها لم تصل إلينا، وتأتي أهمية الكتاب كونه أقدم كتاب جامع لهذا اللون الأدبي، ولأنّه حفظ لنا عدداً من النصوص والأقوال ترد فيه لأول مرة، خاصة في نقوله من الكتب المترجمة عن اليونانية والفارسية والهندية، وعن كتاب أبي عون هذا نقل من جاء بعده شذرات مُتفرقة من هذه الأجوبة مثل ما ورد في أمالي أبي علي القاليّ والأغانيّ للأصفهانيّ وغيرهم. وتظهر أهمية الأجوبة المُسْكِتَة من كونهِ يمثل مظهراً من مظاهر الحياة الفكريّة في عصره، فقد جاء الاهتمام بالأجوبة المُسْكِتَة المُفحمة مُتوازياً مع نشاط علم الجدلّ والكلام، وكان مظهراً من مظاهر احتفال العرب بقدرتهم البلاغيّة وفصاحتهم على البديهة وسرعة الجواب المُرتجل المُفْحِم المصيب والجميل في الوقت نفسه.
كتاب ابن أبي عون

ويأتي كتاب الأجوبة المُسْكِتَة لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن أبي عون (ت 322هـ)، ليضُمّ مادّة متنوعة غنيّة من أجوبة بليغة وأقوال مُحكمة لعدد من الحكماء والزهاد والأعراب والنساء والفقهاء والفلاسفة من يونانيين وفرس، مع أجوبة لعدد من أصحاب الظرف والدعابة. وقد جاءت أجوبة الكتاب في معرض سرد لبعض الأخبار والقصص والنوادر والأمثال العربيّة الشائقة مُتعددة الألوان والأغراض والتي تمتاز بظرفها وخِفّة روايتها وأدبها وبرشاقة أسلوبها ونصاعة لغتها.

ويتألف الكتاب من أبواب عدّة يحمل كل واحد منها عنواناً خاصّاً يُستدلّ منه على فحواه، وأوّل موضوعاته: فِقَر مِن جوابات الفلاسفة والحكماء والزُّهاد، ومِن أمثال اليونانيين، ومِن جوابات الزُّهاد، ومِن جوابات المُتكلمين، ومِن أجوبة الأعراب، ومِن جوابات النساء، ومِن جوابات المدينيين والمُخنثين، ومِن الجوابات الهزليّة. كما ويشمل الكتاب على طائفة من القصص التي تتضمنُ أخباراً وأحاديث ونوادر معروضة في شكل أجوبة ذكية، كلّ جواب منها يحتوي على معلومة تُفيد خبراً أو تحمل إشارات إخباريّة، ويمكن تصنيف القصصّ الإخباريّ في كتاب ''الأجوبة المُسْكِتَة'' إلى أنواع منها: القصصّ الإخباريّ السياسيّ والثقافيّ والأدبيّ والدينيّ الوعظيّ، ومنها القصص الإخباريّ الفُكاهيّ المُسلِّيّ الذي يُطلَق عليه اصطلاحاً ''النَادِرَة'' وهي نوادر سياسيّة وتاريخيّة ولُغويّة.

ومن الأجوبة المُسْكِتَة في كتاب ابن أبي عون ما جاء من جوابات الفلاسفة، الذي يُعَدُّ من أهم أبوابهِ كونه مِن أوائل المصادر العربيّة التي كان لها دور كبير في نقلِ جزء مهم مِن التراث الفلسفيّ اليونانيّ الذي وصل إلينا. وأوّل الأجوبة فيه أنّه قيل لفيلسوف: لا تنظر فغمضّ عينيهِ، وقيل لهُ: لا تسمع فسدَّ أُذنيهِ، وقيل له: لا تتكلّم فوضع يدهُ على فمِهِ، وقيل لهُ: لا تعلم، قال: لا أقْدِر. وقيل لفيلسوف: أتموتُ في أرض الغُرْبَة ؟ فقالَ: ليس بين الموت في الغُرْبَةِ والوطنِ فضلٌّ، لأنّ الأخذ إلى الآخرة مِن جميع المواضِعِ واحدٌ. وسُئِلَ حكيم: ما الشيء الذّي لا يُحْسِن أن يُقال وإن كانَ حقّاً؟ قال: مدح الإنسانِ نفسه.



مع الزُّهاد والأعراب
وفي باب جوابات الزُّهاد ذكر المؤلف أجوبة مُسكتة عديدة منها: أنّهُ قيل لعابد: فلانٌ رجع عن القراءة؟ فقال: دعُوهُ فإنّهُ لا يرجع إلى شيءٍ أحلى مِن طاعةِ الله. وقال سليمان بن عبدالملك لأبي حازم: ما بالنا نكره الموت؟ قال: لأنّكم أخربتُم آخرتكم وعمّرتُم دُنياكُم فكَرِهْتُم أن تنتقلُوا مِن العمران إلى الخراب. ومن الجوابات الأخرى أنّه دخل رجل على النبيّ داود عليه السلام وهو يأكل خبزاً يابساً قد بَلّهُ في الماء بملحِ جريش ـ خشن ـ فقال لهُ: كيف تشتهي هذا؟ قال: أدعهُ حتّى أشتهيه. وقيل للحسن: ما بالُ المُجتهدينَ أحسن وجوهاً؟ قال: لأنّهم خَلوا بربِّهم فكَسَاهُم مِن نُورِهِ. وهاكم من جوابات الأعراب عند ابن أبي عون حيث قيل لأعرابيّ: أنتَ راعي هذه الإبل؟ فقالَ: الله راعيها وأنا مُرْعِيْها. وقد خطب أعرابيّ إلى قوم، فقال لهُ أهلها: إنّ لها مِن المال والأثاث والماشيّة كذا وكذا فما مَالُكَ؟ قال: إن كان كلّ ما ذكرتُم لها يكفيني وإيّاها ما بقينا، فما حاجتكم إلى مالِي. وقيل لأعرابي آخر: إنّك لتُكثر لبسَ العمامة؟ فقال: إنّ شيئاً فيه السّمع والبصر لجديرٌ أن يُصان مِن الحرِّ والقَرِّ.

الجوابات الهزليّة

أما من الجوابات الهزليّة في الأجوبة المُسْكِتَة فهو باب جدير بالوقف عند جواباته السريعة ودونكم بعضها: قيل للجاحِظ: لِمَ هربتَ في نكبة ابن الزيّات؟ قال: خِفْتُ أن اكونَ ثاني اثنين إذ هُما في التنُّورِ! وقد صلّى رجل صلاةً خفيفة وقال: اللّهُمّ زوجنِّي الحُور العِيْن؟ فقال لهُ رجل: أسأت النقد، وأعظمتَ الخطبة. وقيل لبعض الفقراء وقد مرض: عليك بالحِمْيَة. فقال هي دائي! وقيل للجمل الشاعر: لِمَ تُقصِّر شِعْرُكَ؟ قال: أو ليسَ قليلٌ ما أجيء بهِ كثيرٌ في جنبِ ما يعطون. ووقف رجلٌ على جماعة فسأل عن رجلٍ فقيل لهُ: ليس هو هاهُنا، فقال: ولو كان هاهُنا ما كان ها هُنا!

لِمَ لا تَنَام؟

وقد حشّد المؤلف في باب ''من جوابات الزُهاد'' من الأقوال والأفعال الوعظيّة التي تدعو إلى الإيمان والإعْرَاضِ عن الدُّنيا الزائلةِ الفانيّةِ والاهتمامِ بالحيّاة الآخرة لأنّها خيرٌ وأبقى، وذلك على لسان كِبار الزُهاد المسلمين نحو: سفيان الثوري، ومالك بن دينار، والحسن بن يسار، وطاووس بن كَيسان الخولانيّ، ومُطْرِف بن عبدالله. ومن أجوبة الزُهاد الواردة في هذا الباب، قال سليمان بن عبدالملك لأبي حازم: مالنا نكرَهُ الموت؟ قال: لأنّكم أخربتُم آخرتكُم وعَمّرتُم دُنياكُم، فكَرِهْتُم أن تنتقلُوا مِنَ العُمرانِ إلى الخَرَابِ؟ وقيل لزَاهدٍ: كيفَ سَنَحَت نفسُكَ أن تترُكَ الدّنيا؟ قال: أيقنتُ أنّي أخرُجُ منها كارِهَاً فأحببْتُ أن أخرُجَ منها طائِعَاً، وقيل لعُمر بن عبدالعزيز: لِمَ لا تَنَام؟ قالَ: إن نِمْتُ ليلي ضيّعتُ نفسي، وإنْ نِمْتُ نهاري ضيّعتُ الرّعيّة؟

يلقاكَ إلاّ في زورق

وهناك العديد من الأبواب الأخرى لا يتسع المقام لذكرها، ولكن نقف عند الباب الأخير لكتاب ابن أبي عون وهو ''الجوابات الهزليّة'' ويتألف من 276 نادرة وطُرْفَة هزليّة منها ما يرجع إلى القرون الثلاثة الأوّلى الهجريّة، ولكنّ أغلبها تعود إلى الثالث الهجري قرن المؤلف. ومنها ما قاله رجل أعمى: ما أشد ذهاب البصر. فقال له رجل أعور: عندي نصف الخبر؟ وقال رجل لغلام: بكم تعمل معي؟ قال: بطعامي، قال: فأحسن قليلاً: قالَ: فأصوم أثنين وخميس؟ ولقي رجل رجُلاً، فقال: ما اسمُك؟ قال: بحر، قال: أبو مَن؟ قال: أبو الغيض، قال: ابنُ مَن؟ قال: ابن الفُرات، قال: ما ينبغي لصديقك أن يلقاكَ إلاّ في زورق!!

الأجوبة المُسْكِتَة للتوحيدي

الذكاء موهبة يمنحها تعالى لخلقهِ وهو: ''تمامّ الشيء، ومنه الذكاء في السّنّ وهو تمام السِّنِّ، ومنه الذكاء في الفهمّ، وهو أن يكون فهماً تاماً سريع القبول عند ابن الجوزيّ في أخبار الأذكياء. وهناك حدّة للذهنِّ في النفس المُهيأة لاكتساب الآراء، لأنّ الذكي يعي معنى القول عند سماعه، وقد قيل عن حدِّ الفهمّ كما ذكره أبو حيّان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة: ''العلم بمعنى القول عند سماعه''. وقال بعضهم: ''حدّ الذكاء سرعة الفهم وحدته''.

وقد توزعت تلك النوادر في كتاب ''الإمتاع والمؤانسة'' لأبي حيّان التوحيديّ فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة وأعظم كُتّاب النثر العربيّ بعد الجاحِظ في الليلة الثامنة عشرة إلى تسع نوادر، وقد امتازت بإيجازها ودقة الإجابة فيها، لأنّ قائليها يتّصفون بحّدة الذكاء والفطنة وسرعة البديهة، كقول جحظة: حضرت مجلساً فيه جماعة من وجوه الكتّاب، وعندنا قَيّنة مُحْسِنة حاضرة النادرة، فقال لها بعضهم: بحياتي غنِّي لي:

لستَ مِنِّي ولستُ منك فَدَعْني

وامضِ عَنِّي مُصَاحَباً بِسَلامِ

فقالت: أهكذا كان أبوك يغنِّيك؟

ومن النوادر التي تفصح على توقد الذهنِّ والإجابة الحاضرة المُسْكِتَة ما حدث للمدينيّ عندما اشترى رُطباً، فلما أراد البائع أن يكيل بكيلجته الصغيرة نظر المدينيّ اليها وقد استصغرها لقلّة ما يحصل عليه من رطب فيها، فما كان منه إلاّ أنْ خاطَب البائع قائلاً: ''واللّه لو كِلتَ بها حَسنات ما قَبِلتُها''.

جواب حاضر

وأجاب التوحيدي الوزير ابن سعدان في ''الإمتاع والمُؤانسة'' على طلبه: ''حدّثنيَ بشيءٍ فيه جواب حاضر، وللبديهة فيه توقُّدَ ظاهر''، فلّبى أبو حيّان ذلك الطلب في الليلة الرابعة والثلاثين، وأتى بجملة من تلكم النوادر المطلوبة، أوّلها عن رجل قدم إلى الُزّهْرِيّ ليحدثه ويروي لهُ، فلما امتنع، قال الرجل لهُ: ''إنّ اللّه لم يأخذ الميثاق على الجُهّال أنْ يتعلَّموا حتى أخذ الميثاق على العلماء أنْ يُعلِّمُوا؛ فقال: صدقت، وحدَّثَه. فأجابه الرجل الذي يريد طلب العلم للزُّهري العالم قد أفحمته واسكتت لسانه لأنّه يعرف نفسه إنّه صاحب رسالة في إفشاء العلم: ''لأنّ العلماء ورثة الأنبياء''، كما جاء في حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وهكذا رضخ العَالِم للُمتعلم وقبل أن يُحدِّثه إثر ما أسكته جوابه.

وذكر التوحيدي نادرة مُماثلة عن قاضٍ تصادف مع رجل في جامع البصرة، ومن الأجوبة المُسْكِتَة التي عدّها أبو حيّان تحزّ الكبد وتنقب الفؤاد ما حدث بين اثنين. إذ مدحه بصفة الذم والاستهزاء فقال: ''أنت واللّه شمامةُ ولكنّها مسمومة. فقال الثاني: على النَّفَس لكنّك أيّها الشريف شمامة مشمومة، عطرت الأرضُ بها، وسارت البُرُدُ بذكرها''.

وكانت كلتا الإجابتين مُسكتة، فقد مدح الأول ووصفه بأنّه شمامة ذات رائحة لكنّها مسمومة لا يستطيع أحد أكلها، ثم مدحه وذمه في الوقت نفسه، فردّ الثاني على إجابته بذكاء مُسكت بأنّه شمامة مشمومة فغيّر مسمومة إلى مشمومة، بتغيير حرف السين فقط، فصارت بموضع المدح. وإذا كانت مشمومة فإنّ رائحتها وعطرها يضوع في الآفاق فتسير البُرُد ـ البريد ـ بها ليتنسمها الجميع في كل مكان!

ومن الأجوبة المُسْكِتَة الأخرى التي ساقها التوحيديّ ما رُوي في الليلة التاسعة والثلاثين، عن امرأة من قبيلة نمير كانت قد مرّت على مجلسهم فتعرّض لها رجل من قومها مُستهزئاً بجسمها فأجابته بجواب مُسكت بآية كريمة وبيت شعر كي يغضّ بصره عن النظر إلى المحارم فتعرض الرجل للمرأة قائلاً: ''أيتّها الرسحاء، فقالت المرأة: يا بني نُمير، واللّه ما أطعتم اللّه، ولا الشاعر، قال اللّه عزّ وجل: ''قل للمؤمنين يغضُوا من أبصارهم'' *، وقال الشاعر:

فغضّ الطرفَ إنّكَ من نُميرٍ

فلا كَعباً بلغتَ ولا كِلَابا

كذلك كانت إجابة بثينة صاحبة الشاعر جميل بن مَعْمَر مُسكتة للخليفة عبدالملك بن مروان عندما شاهدها وهي داخلة عليه أدماء طويلة وقد كبرت، فقال لها: ''ويحك ما رَجا فيَك جميل؟ قالت: الذي رجت منك الأُمة حين ولَّتْـكَ أمرها''! هكذا طرح أبو حيّان هذهِ النادرة في مجلس الوزير مُعرضاً بالحاكمين مثلما أسكتت بثينة الخليفة الذي استهزأ بمنظر إحدى رعاياه، لكنّ جوابها المُسكت لم يَحِر الخليفة جواباً عليه! ثم ساقَ أبو حيّان نادرة عن غياب مولىً للزبير بن العوّام رضيّ الله عنهُ عن المدينة لفترة وأخرى عن الشاعر الأمويّ جرير بن عطية، الذي مرّ على الشاعر الأحوص وهو راكب على بغلٍ، فأدلى البغل وخاطب جرير يريد التعريض به لكِبَر سِنّه فقال: ''بَغْلُك يا أبا حَرْزة على خمس قوائم? قال جرير: والخامسة أحبُّ إليك''!

الأبشيهي وخشب السقف؟

''المستطرف في كل فنّ مستظرف'' من مشاهير كتب الرقائق والأدب استظرفته العامة والخاصة وحذا حذوه كبار الأدباء من بعده وهو يشتمل على كل فنّ ظريف وفيه الاستدلال بآيات من القرآن وأحاديث شريفة وحكايات حسنة عن الأخيار وفيه لطائف عديدة من منتخبات الكتب المفيدة

وأودعه من الأمثال والنوادر الهزلية والغرائب والدقائق والأشعار والرقائق وجعله مشتملاً على أبواب عدتها أربعة وثمانون.

وقد روى الأبشيهي في الباب الثامن من كتابه ''في الأجوبة المُسْكِتَة والمُستحسنّة ورشقات اللسان وما جرى مجرى ذلك''، طائفة من تلكم الجوابات المُسكتات بدأها بأنّ معن بن زائدة قد دخل ذات يوم على الخليفة أبي جعفر المنصور مؤسس مدينة بغداد فقال له: هيه يامعن تعطي مروان بن أبي حفصّة مائة ألف على قوله:

معن بن زائدة الذي زادت به

شرفاً على شرفٍ بنُو شيبان

فقال: كلا يا أمير المؤمنين إنّما أعطيه على قوله:

مَازلتُ يومَ الهاشميّة مُعلناً

بالسيفِّ دونَ خليفةِ الرّحمنِ

فَمنعتُ حوزتَهُ وكنت وقاءَهُ

مِن وقْعِ كُلِّ مُهنّدٍ وسِنَانِ

فقال المنصور: أحسنتَ واللهِ يا معن، وأمر له بالجوائز والخُلَعِ.


وممّا رواه صاحب المُستطرف مِن كلّ فنٍّ مُستظرف، أنّ رجلاً قال لصاحب منزل: أصلِح خشب هذا السقف فإنّهُ يُقرقِع؟ قال: لا تَخَف فإنّهُ يُسَبِّحُ. فقال لهُ: إنِّي أخافُ أن تُدْرِكُهُ رِقّة فيَسْجدُ! وقال الخليفة المعتصم بالله العباسي مؤسس مدينة سرّ مَن رأى ـ سامرّاء اليوم شمال بغداد ـ للفتح بن خاقان وهو صبيّ صغير: أرأيت يا فتحُ أحسن مِن هذا الفُصِّ، لفُصٍّ كان في يدِّهِ. قال: نعم يا أمير المؤمنين اليدُّ التي فيها أحسنُ مِنْهُ. فأعجبهُ جوابُه وأمرَ لهُ بِصِلّةٍ وكِسْوَةٍ. ونختم أجوبة الأبشيهي بذكر هذا الجواب المُسكت حين سأل رجُل العباس رضيّ الله عنهما عمّ النبي الأكرم صلّى الله عليه وسلّم: أأنتَ أكبر أم رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقال: رسول الله صلّى اللهُ عليه وسلّم أكبرُ وأنا وُلِدْتُ قَبْلَهُ!

كتاب الأنكيدو اللغوي

https://books.google.com.lb/books?id=I8LRCwAAQBAJ&pg=PT26&lpg=PT26&dq=%D8%B9%D9%86+%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AC%D9%88%D8%A8%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%83%D8%AA%D8%A9&source=bl&ots=gEe2_bmLCu&sig=vD4Zv0SH6TKiTnjuM_9en-Og29E&hl=fr&sa=X&ved=0ahUKEwjM-dvDvNPbAhWkQJoKHd5tAlI4PBDoAQhLMAU#v=onepage&q=%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AC%D9%88%D8%A8%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%83%D8%AA%D8%A9&f=false

أمّية ابي العلاء المنقريّ واميّة الرسول


الاجوبة المسكتة ..


الإجَابَات المُسْكِتَة مَظهر مِن مَظاهر بَرَاعة اللُّغَة، وإشرَاقة العَقْل، وغرُوب الغَبَاء، 
لأنَّ تِلك الإجَابَات تَقتَرن دَائمًا بسُرعة البَديهَة، وسُرعة البَديهَة تُعتبر نِعمة مِن 
أقوَى النِّعَم؛ التي امتنّ الله بِهَا عَلَى عِبَاده..!

وحتَّى لَا نُطيل في التَّنظير، إليكُم بَعض الأمثِلَة، التي تُعطي الأجوبة المُسكتة شَيئًا 
مِن الجَمَال والتَّقدير:


ولَعلَّ أوّل مِثَال للأجوبة المُسْكِتَة؛ مَا جَاء عَلى لِسَان الأديب الإنجليزي السَّاخِر 
«جورج برنارد شو»، حِين سَأله رَجُل قَائلاً: (يَا جورج، أليسَ الطبَّاخ أنفَع للأُمَّة 
مِن الشَّاعِر أو الأديب)؟ فقَال «برنارد شو»: (الكِلَاب تَعتقد ذَلك )


ومِن الإجَابَات المُسْكِتَة التي تَدلُّ عَلى بَرَاعة اللُّغَة -حِين تُستخدم في الخَوف مِن 
أصحَاب السُّلْطَة- مَا جَاء في القصّة التي تَقول: إنَّ «الحَجّاج» ذَات يَوم سَأل رَجُلاً 
قَائلاً لَه: (مَن أَطْوَل؛ أنَا أم أَنت)؟ فقَال الرَّجُل: (أنتَ أطوَل عَقلاً، وأنَا أبسَط قَامَة).. 
وكُلّنا يَعرف أنَّ «الحجّاج بن يوسف» كَان قَصير القَامَة بشَكلٍ لَافِت، لذَلك قَالَت 
العَرَب: (اتّقِ شَرّ مَن يَدنو مِن الأرض)..!


وإذَا عُدنا إلَى الأجوبة المُسْكِتَة في اللُّغَة الإنجليزيّة، سنَجد تِلك القصّة التي تَقول: 
كَان «لويد جورج» يَخطب في البرلمَان عَن حُريّة المَرأة، والقَوانين الخَاصَّة 
بالنِّسَاء، فشَنَّ عَلى المَرأة حَملةً شَعوَاء، فصَاحت إحدَى الحَاضِرَات قَائلة: 
(لَو كُنتَ زَوجي لسَممتك)، فأجَابها فَورًا قَائلاً: (لَو كُنتِ زَوجتي لشَرَبْت أنَا السّم)..!


ومِن الإجابَات الظَّريفة التي تُضْحِك كُلّ مَن يَقرأها، تِلك القصّة الشَّهيرَة التي تَقول: 
ذَهَب كَاتِب شَاب إلَى الرِّوَائي الفرنسي المَشهور «إسكندر ديماس»، وعَرَض عَليه 
أن يَتعاونا مَعًا في كِتَابة إحدَى القصَص التَّاريخيّة، وفي الحَال أجَابَه «ديماس» في 
سُخرية وكبريَاء قَائلاً: (كَيف يُمكن أنْ يَتعاون حصَان وحمَار في جَرِّ عَرَبَة وَاحِدَة)؟ 
وعَلى الفَور رَدَّ عَليه الشَّاب قَائلاً: (هَذه إهَانَة يَا سيّدي.. كَيف تَسمَح لنَفسك أنْ 
تُصنّفني بأنَّني حصَان)؟!

معاوية

دخل شريك بن الأعور على معاوية ، وهو يختال في مشيته ، وكان شجاعاً مع دمامة (1).
فداعبه معاوية قائلاً : ويلك أنت شريك وما لله شريك ، وأبوك أعور والصحيح خير من الأعور ، وأنت دميم والوسيم خير من الدميم.
فلمَ سوّدك قومك عليهم؟!
فقال شريك : وأنت أيضاً معاوية ، وما معاوية إلا كلبة عَوَت فاستعوت فسميت مُعاوية ، وأبوك حرب والسلم خير من الحرب ، وجدك صخر والسهل خير من الصخر ، وإنك ابن امية ، ما امية إلا أمَة صغرت فسميت أمية.
فبم صرت أمير المؤمنين؟!.
فتبسم معاوية غيظا وقال : أقسمت عليك إلا خرجت عني.
فخرج وهو يقول :
أيشتمني معاويةُ بن حرب            وسيفي قاطع ومعي لساني
وحولي من ذرى يمن ليوث          ضراغمة تهش الى الطعان

الأجـوبـة الـمـسـكـتـة، فـن الإقـنـاع و الإمـتـاع، و فـيـه، تـعـريـفـهـا - مـوضـوعـاتـهـا - مـصـنـفـاتـهـا - خـصـائـصـهـا - قـيـمـهـا - بـلاغـتـهـا

https://www.arabicbookshop.net/main/details.asp?id=248-208

كتاب في الأجوبة المسكتة

http://ia800408.us.archive.org/31/items/abualialkurdy_gmail_20160528_1705/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AC%D9%88%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%83%D8%AA%D8%A9-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D8%B3%D8%B9%D9%8A%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%86%D9%8A.pdf