الأحد، 28 أكتوبر 2018

طرابلس قوس قزح



لا أحبّ أبداً عبارة " طرابلس مدينة العلم والعلماء"، ليس لأنّي لا أحبّ مدينتي لا سمح الله، وأنا أعرف ان لحم كتفيّ من خيرها العميم، ولكن لا أحبّ هذه العبارة لأنّ الرسول عليه السلام أوصانا بعدم الكذب. وهذه العبارة تنتمي الى ماضٍ سحيق كان زاهراً ولا تنتمي الى حاضر جريح، طريح الفراش المذهبية والخرافيّة الدامية!

ولا احبّ الصفة التي تتصّف بها مدينتي طرابلس وهي صفة " الفيحاء " لأنّ الصفة بنت موصوف قضى نحبه في المدينة بسبب غباء مستعر. والصفة في غياب الموصوف شبح موصوف! الصفة بنت شجرة الليمون، ومنطقة الضمّ والفرز وغيرها من المناطق التهمت بِشره أحمقَ كلّ الشجرات التي كانت تمنح المدينة عطراً وأريجاً بهيجاً.

ولكني اعرف ان طرابلس لن تستعيد مستقبلها الاّ باستعادة هاتين العبارتين.

أعشق الرموز، فالانسان كائن رمزيّ حتّى قبل أن يكون كائناً ناطقاً. وعليه ان يتشبّث بالرموز ليس بالتشدّق اللفظيّ وانما بالفعل الخلاّق والمبتكر.

أحبّ مدينتي طرابلس وما قلته أعلاه هو ابن حبّي لمدينتي النازفة.

هناك من يعمل لتحويل طرابلس من عاصمة الشمال الى مدينة عادية على المتوسّط. المطلوب من عقلاء المدينة وحكمائها ان يعززوا حضورها المتنوّع، المتعدّد، طائفياً ومذهبيّاً وفكريّاً وروحيّاً.

 مدينة من لون مذهبيّ واحد مدينة كابية الألوان، وأحبّ أن تكون مدينتي على مثال قوس قزح الملوّن، فالألوان من آيات الرحمن.

بلال عبد الهادي

لآلىء الامتحانات



تسمّى الأخطاء الطريفة التي يرتكبها الطلاّب في امتحانات البكالوريا في فرنسا باللآلىء، وعادة ما تقوم بعض الصحف الفرنسية بنشر مختارات من هذه الطرائف، كما هناك مواقع على الانترنت مخصّصة بنشر وأرشفة هذه اللآلىء. وقبل البدء باللآلىء العربيّة سأذكر بعض اللآلىء الفرنسيّة، ومنها:
Deng Xiaoping a construit la grande muraille de Chine pour protéger l'économie chinoise des exportations étrangères.
"بنى دنغ شياو بينغ سورالصين لحماية الاقتصاد الصيني من الصادرات الأجنبية". وقارىء الجملة يمكن له أن يستنتج أنّ سور الصين سور حديث البناء نسبيا فدنغ شياو بينغ مهندس الإصلاح الصيني هو من مواليد القرن العشرين. وعليه فإنّ سور الصين، بناءً لكلام الطالب، تمّ بناؤه في القرن العشرين . ولؤلؤة أخرى تقول:
Un monde multipolaire est un monde où il fait très froid.
"عالم متعدّد الأقطاب هو عالم باردٌ جدّاً".( ذهب ذهن الطالب إلى القطب الجنوبيّ! ). الخطأ في الجملتين لا علاقة له بالنحو، فالنحو، هنا، لا غبار عليه، وإنّما الخطأ تسرّب من عالم المعنى. ولعلّ الأخطاء الدلالية أشدّ خطورة وفداحة من الأخطاء النحوية.
بالنسبة للآلىء العربيّة التي كنت أنشر مقتطفات منها على صفحتي في الفايسبوك فقد  أثارت استحسان البعض ولكن أثارت، في الوقت نفسه، امتعاض بعض طلاّب أو اعتراض بعض الزملاء أو بعض متابعي صفحتي إذ اعتبروا أنّي أنشر الغسيل اللغويّ الوسخ على الحبال وأسيء إلى سمعة الطلاّب، وإلى سمعة التعليم، وربّما إلى سمعة الزملاء أنفسهم.  ولقد ظهر الامتعاض عبر تعليقات مباشرة على مكنون اللآلىء أو من وراء الكواليس حتّى لا أقول من وراء ظهري. وكانت تصلني أصداء بعض ما يقال من نقد لطريقتي في نشر اللآلىء. ولعلّي كنت من المحبّذين في أن يحذو حذوي زملائي في الجامعة لمعالجة مسائل علميّة تتعدّى اللآلىء، فالأخطاء لم تكن لغوية فقط بل فكرية وزمنيّة ودينية، والتوقّف عند هذه الأخطاء .
 كنت من المرحّبين باعتراض المعترضين وتأييد المؤيدين على السواء. فمن طبعي احترام وجهات نظر المعارضين والممتضعين، كما أنّي أعرف بحسب قول مأثور ومشهور بأنّه "لا يرضي العباد إلاّ ربّ العباد".
ولكن هذه اللآلىء التي نشرتها تستحقّ التدبّر، فلست من المؤمنين بنظرية النعامة، هل ستر العيوب وسيلة ناجعة في معالجة العيوب؟ أليس ستر العيوب بيئة صالحة لرعرعة العيوب؟ كما أنّني لست من المؤمنين بنظرية المؤامرة " الخنفشاريّة" لأنّ عددا كبيراً من المؤمنين بنظرية المؤامرة إنّما يستعملونها كقميص عثمان أو حصان طروادة لتبرير أو تمرير كلّ أشكال التخلّف الذي يغلّف واقعنا العربيّ الراهن على مختلف الأصعدة الروحية والفكرية والدينية والأخلاقية واللغوية والسياسية والاجتماعية والعلمية. نفسنا الأمّارة بالسوء هي التي تحرس المؤامرة برموش عينيها، وتعزّز حضورها وتؤمّن لها المناخ  الملائم .
لا أطالب طالب قسم العربيّ أن يضع لغة المعلّقات في جعبته، أو كتب الجاحظ في جيبته، ولكني أطالبه بالحدّ اللغويّ الأدنى وهو أن يحسن قراءة الجريدة ( على بساطة أسلوبها) بشكل سليم، وقراءة المجلّة ( على سهولة تراكيبها) قراءة صحيحة من دون أن يحرق سلاّف النحو وسلاّف اللغة وسلاّف المعاني.
ثمّ إنّ خرّيج قسم اللغة العربيّة سيكون راعي أبنائنا، والمرشد الروحيّ لألسنتهم. هل نسلم لحّاناً فلذات أكبادنا ليجزّر بلغتهم، والتجزير اللغويّ هو، في الوقت نفسه، تجزير فكريّ؟. اللغة ليست مجرّد وسيلة تواصل، إنّها طريقة تفكير، وطريقة نظر. ولست مع الذين يردّدون عبارة فيها إهانة للغة، ونحن نظنّ أننا نمدحها ونعلي من مقامها، وهي : اللغة وعاء الفكر. اللغة ليست مجرّد وعاء، اللغة لُحمة الفكر وسَداه. وحين يكون لسان الإنسان مكسّراً، ومنخوراً، وأعوج، لا يمكننا إلاّ أن ننتج وطناً مكسّراً ومنخوراً وأعوج، ومفاهيم مكسّرة، ومنخورة، وذات عوج. وها اعوجاج حالنا أمامنا وعلى مرأى من أنظارنا إلاّ إذا كنّا مصابين بالصمم والعمى معاً أو من عشّاق سياسة النعامة.
لديّ قناعة راسخة بأنّ اصلاح الإنسان يبدأ من إصلاح اللسان، فهو أي اللسان بوّابة العبور إلى المفاهيم والأفكار والقيم. هل يعيش مفهوم ليس له معادل لغويّ، أو فكرة لا تترجمها لفظة أو قيمة لا تكون رافعتها كلمة؟
سأستعين بنصّ قصير من كتاب سيبويه، وأعرف أن اسم سيبويه يجلب الذعر في نفوس كثيرين، كما لا يعني اسمه شيئاً نسبة لكثيرين. ورغم ذلك فالنصّ المختار من كتاب سيبويه نصّ بسيط، سهل، يحاول فيه تصنيف أشكال الكلام، ويضع للنصّ عنواناً للتفريق بين المستقيم من الكلام والمحال، ويمكن على ضوء هذا التعريف لأنواع  الكلام قراءة اللآلىء التي قطفتها من مسابقات بعض الطلاب من مقرّرات مختلفة  تتناول مسائل لغوية أو حضارية . يقول سيبويه:
"هذا باب الاستقامة من الكلام والإحالة
- فمنه مستقيم حسن، ومحال، ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، وما هو محال كذب.
- فأما المستقيم الحسن فقولك: أتيتك أمس، وسآتيك غداً، وسآتيك أمس.
- وأما المستقيم الكذب فقولك: حملت الجبل، وشربت ماء البحر، ونحوه.
- وأما المستقيم القبيح فأن تضع اللفظ في غير موضعه نحو قولك: قد زيداً رأيت، وكي زيداً يأتيك ، وأشباه هذا.
- وأما المحال الكذب فأن تقول: سوف أشرب ماء البحر أمس."
سأكتفي ببعض اللآلىء، وأترك للقارىء قراءتها على ضوء ما قاله سيبويه:
" أما مصطلح السيمياء بالنسبة للجرجاني فقد عمل الجرجاني كثيرا لبلورة هذا المصطلح حتّى توصّل إلى عدّة مصطلحات كلها تدلّ على كلمة sémiautique هي sématics - sémantismes- sémiologie- sémasiologie- séméielogie كانت هذه من أهمّ المصطلحات التي توصّل إليها الجرجاني عن طريق السيمياء". ( نقلت الجملة كما وردت في مسابقة تتناول علم السيمياء).
"لا بدّ من إعطاء مثلاً عند الخنساء عندما رست أخاها"!
" من مؤشرات عجمة الكلمة اجتماع الجيم مع الصاض". ( يقصد حرف الصاد).
"سمع أحد من الانبياء وهو عمر بن الخطاّب صلى الله عليه وسلم أحدٌ ابن هشام يقرأ القرآن الكريم ولكنه وجد فيه خطأ كبير".
" ولقد تمّ التوصّل إلى رإيان..."
هناك كتاب فرنسي بعنوان (S/Z) للناقد رولان بارت، ولكن أحد الطلاب أحبّ أن ينسبه الى الجاحظ. وهكذا علمنا من مسابقة الطالب أنّ الجاحظ كان يتقن الفرنسيّة وله فيها مؤلّفات!
أكتفي بهذا القدر من اللآلىء تاركاً للقارىء العزيز مهمّة تصنيف " المحال" بحسب التعريف السيبويهيّ.
بلال عبد الهادي





السبت، 11 أغسطس 2018

سمرقتد والعسل



للناس فـي أُخراهُـمُ جنّـةٌ. وجنّـةُ الدنيـا سَمَـرقنـدُ.

يا مَن يُسـوّي أرضَ بَلْخٍ بها. هل يستوي الحنظلُ والقند؟

قلت: الغزال - في عين امّه - قرد.

الجنة في السماء ، وفي الأرض مدينتان: سودجو، وخانغ دجو.

هذا ما يقوله التعبير الصيني.

والتعبير الصيني هو الذي ذكرني بالبيتين في سمرقند، او في المفاضلة بين بلخ وسمرقند.

وهذان البيتان انظر اليهما من باب لغوي محض احيانا.

وهو عن طريقة استحضار الكلمات، وكيفية تركيبها في سياقات معينة. فالقند وهو من اسماء العسل الشهيرة والتي دخلت حتى الى اللغة الفرنسية. في صيغة "كاندي". ولكن هل كان للعسل حضور لولا اسم سمر قند، اي احتواء اسمها على العسل، المدينة المعسلة، واليس اسمها ايضا هو الذي استحضر نقيض مذاق العسل في الفم، وهو الحنظل الذي صار رمزا للمذاق المرّ.
ليس الكاتب من يكتب حين يكتب، هناك شريك له، شريك فاعل، وسليط، هو اللغة نفسها، في اللحظة التي يظنّ فيها الكاتب انها يلعب باللغة يكتشف انّه لعبة هشّة بين يدي او مخالب اللغة

الاثنين، 6 أغسطس 2018

عن حرف ال F

لا أحد يمكن له أن يتنبّأ بمصير الحروف فما بالك بمصير الكلمات؟
جاء الفايسبوك، مثلاً، فرفع من شأن حرف ال #F المكتوب، وانتبه الناس إلى قدرات في حرف ال F ما كان لها أن تظهر لولا الفايسبوك.
فصرت ترى لهذا الحرف رسومات وأشكال ليست من صلب حرف الF لكن من الآثار التي تركها الفايسبوك في حياة الناس، وهكذا صرت ترى الF على طرفي نقيض بحسب من ينظر إلى الفايسبوك سلبا أو إيجابا. صار حرفا له صور تروي دوراً، تحكي تغيرات أو تصدّعات ، وكنت قد نشرت عدة صور لحرف الF شعار #الفايسبوك.
وما أقوله عن حرف الF يمكن أن يقال عن حرف الW المثلّث #WWW الذي ساهم في تغيير العالم. 
هناك حروف لم تأخذ دورها بعد، ولا أحد يعرف متى يحين نهوضها الكاسح؟
يمكن هو ، في الأساس، رمز #لصوت، والصوت هو في الأساس رمز لصورة الصوت في الذهن، وكان #ابن_خلدون يعتبر الخرف رمز الرمز، أي رمز لمن هو أيضا رمز.
والإنسان يعيش في عالم من #الرموز، يحيط نفسه بالعلامات، ولا يمكن تصور حياة إنسان بلا رموز كان يسميها #رولان_بارت #أساطير: دينية، لغوية، اجتماعية، جنسية، فكرية.
كثيرا ما كانت #الحروف تزيد من قوتها عبر اصطياد دلالات جديدة تحت ضغط معيّن، والقرآن استثمر في فواتح بعض سوره بهذا المخزون الرمزي من قبيل: #ي #س، #أ #ل #م، #ك #ه #ي #ع #ص، #ط #ه، #ق، #ن. كما يمكن النظر إلى الحروف ومنها #الألف في الفكر الصوفي، أو رموز حساب الجمّل.
كان #ابن_عربي مثلا مذهلا في علاقته بالحروف، وله تعبير هو " تناكح الحروف"! أي أنّه جعل للحروف قدرة على التناسل، وتوليد دلالات لا تنتهي.

حياة قلم


كان القلم #حقيقة إلى أن جاء الكمبيوتر فصار القلم يترنّح بين الحقيقة والمجاز.
شخص ما يكتب نصّاً من دون أن تمسّ أنامله أي نوع من الأقلام ثمّ يقول: بقلمي.
القلم هنا لا علاقة له بحقيقة القلم.
حقائق كثيرة تتحوّل بفضل التكنولوجيا إلى مجازات.
ومن الطريف دراسة الكلمات التي تبخرّت دلالاتها الحقيقيّة لأسباب تكنولوجية أو علميّة، أو الكلمات التي كانت مجازية فأنزلتها التكنولوجيا عن عرشها المجازيّ

ما زال أمام الخطّ العربيّ قارّات لم يكتشفها بعد.


ماذا أقصد بكلامي؟
الألفبائيات تتلاقح، ومن تلاقحها تولد حروف جديدة، وأنماط جديدة، فالخطّ الفارسي مثلا له مكونّات الحضارة الفارسيّة، وهذه الحضارة أنتجت حرفا عربيا خاصّاً، كما أنتجت قباباً ومآذن خاصّة، والصين أنتجت حرفاً عربياً خاصا له ملامح صينيّة، وكما يستوحي المرء من حضارات الحاضر يمكن أن يستوحي من حضارات غابرة لم يسبق للعرب أن تعرّفوا عليها أو تعرّفوا عليها ولكنهم لم يفكّروا في توليد حرف عربيّ من وحيها، فالألفبائيات كثيرة وليست فقط لاتينية، والتثاقف بين الحروف يفجّر الطاقات الكامنة في بطن كل حرف، مثلا حرف عربيّ من وحي الأبجدية الجورجية أو الأرمنية أو الهندية أو المسماريّة.... فأمام الخطّاطين ومبدعي الديزاينات ما لا ينفد من قدرات وطرائق لم تسلك من قبل.
تحرير الحرف العربي من التقليد ، والسير في الدروب المطروقة، يفتح أمامه سوق عمل ، ويفتح أمامه فرص عمل، ويعيد الألفة بين الحرف العربيّ الجريح وابمواطن العربيّ المستلب، أو المبهور إلى درجة العمى بالحرف اللاتيني

#النبي_كيكي ورقصة الكيكي


عبارة #النبي_كيكي شائعة في #طرابلس - حتّى لا أعمّم - وإن كنت أعرف أنّ لهذا النبيّ حضورا في غير منطقة من لبنان أو سوريّا.
النبي #كيكي ، في المخيال الشعبيّ، ذو قدرات خارقة على إيجاد حلول للأمور العصيّة، وذلك بحسب السياقات التي ترد فيها هذه العبارة.
وما ذكّرني ، اليوم، بالنبي #كيكي هو رقصة كيكي #kiki التي انتشرت كالوباء الأصفر على مواقع التواصل ، وصارت استعارة، واتسع استعمالها، واستخدمت على المنابر ، فنحن ، اليوم، بحسب ما ورد على لسان شيخ معمّم "#أمّة_كيكي ، وخرجت من أفواه ساسة كالسيسي ، فانتشر بحكم الإيقاع #هاشتاغ ساخر #إرحل_يا_كيكي.
ما قصدته هو أنّ كلمة كيكي ليست غريبة على أسماع وأفواه شريحة كبيرة في عالمنا العربي.
وبالنسبة للنبي كيكي فهناك حوله حكايات وقصص كثيرة يمكن أن يجد المرء أطرافا منها عبر محرّك البحث #غوغل

التقديم والتأخير في اللغة العربية


المفردات في اللغة العربية تؤمن بالكرّ والفرّ ( التقديم والتأخير) وما يمنحها هذه القدرة الفائقة على الحركة هو الإعراب أي ( الحركات)، أو بدائل الحركات أي الإعراب بالحروف والحروف الإعرابية هي امتداد للحركات أي للفتحة والضمة والكسرة ( ا و ي).
وتسمية الحروف الصائتة بالحركات تسمية موفقة فهي التي تحرك الصوامت أي الحروف وتحرك الكلمات.
ولكن هذه الحركة تسبّب البلبلة لبعض الناس ، ويضيّعون البوصلة الإعرابية، وهذا ما نلحظه مثلا في اسم كان وخبرها، واسم ان وخبرها، فكان وإنّ من عشّاق تحريك الاسم والخبر تقديما وتأخيرا. ومن عشّاق اللعب بمستخدم اللغة العربية حيث لا ينتبه أحيانا الى هذه اللعبة فيضيع بين الضمّة والفتحة. 
ولغة الأعاريب صاحبة ألاعيب ! كما كل لغة ، ففي الصينية لعبة لغوية تقام لها حفلات تشبه حفلات الزجل في بلادنا ، وهي عبارة عن لعبة محورها الجناس

عن #القضامة_بالسكر وأشياء أخر



منذ ايام الفينيقيين ولبنان مسكون بالناس. الوطن طرس، والأطراس هي الجلود التي كان يكتب عليها ثم تغسل من الحبر وتعاود احتضان كلمات جديدة ونصوص جديدة. هذه الطريقة من الكتابة على الطرس اوحت للناقد الفرنسي الكبير جيرار جينيت Gérard Genette بنظرية ادبية جميلة فصّلها في كتابه البديع #Palimpsestes التي تعني أطراس جمع طرس. الفكرة على صلة، الى حدّ ما، بفكرة التناصّ #Intertextualité التي وضعت اركانها زميلته #جوليا_كريستيفا. ما قرأته عن الطروس ، وجدته ، ذات يوم، في متحف #فكتور\هيجو، في حيّ فوج في باريس. لا زال المتحف يحتفظ بمكتب فكتور هيجو الخشبي الذي كان يكتب عليه قسما من ابداعاته. حين تدنو من المكتب، ترى آثار حروف على المكتب، تماما كما تترك الورقة التي نكتب عليها اثرا على الورقة التي تحتها في الدفتر، وخصوصا اذا كان الذي يكتب يشدّ على القلم. مددت يدي لملامسة صفحة المكتب فشعرت اني الامس كلمات فيكتور هيجو الطازجة وبشرتها قبل ان تتكون ، هل للكلمات بشرة كبشرة الوجه؟ ففوق الكلمة كلمة ، وفوق الكلمة كلمة اخرى، وعلى طول الكتابة حتى صار على ظهر كلّ حرف كل الالفباء الفرنسية. هذه الطبقات هي التي حوّلها جينيت الى نظرية الأطراس في النقد الأدبي اي السعي الى كل النصوص التي ذابت في النص المنقود، والنصّ المنقود ليس نصا مقطوعا من شجرة انه ذوب نصوص مقروءة من قبل من يكتب النصّ. ان نظرية الأطراس اشبه بالتنقيب في اعماق النص لانتشال القابع في باطن النصّ من نصوص أخرى. بين نصوص كثيرة قنوات جوفية قد لا ينتبه لوجودها القارئ، بل قد ينكر وجودها القارئ العجول والكسول.
أعرف ان التعامل مع النصّ اي نصّ لا يشبه تعامل الشفتين الظامئتين مع #البيبسي او الخرنوب وانما تشبه تعامل شفتين يابانيتين مع الشاي بطقوسه الهادئة والخاشعة التي تعرف ان العجلة في قراءة نص من الشيطان. خطرت ببالي هذه الأفكار وأنا أتأمل وأمضغ بعض حبّات ( القضامة بالسكر). الفكرة التي خطرت ببالي من وراء حبة القضامة بالسكر هي التالية: #السياق يلعب بالنصّ ويلعب بالذاكرة ويجعل علاقتي بالنصّ غريبة رغم الفتي الشديدة له، ولكن الفكرة لن تكون واضحة الا حين احكي قصّة حبّة القضامة بالسكّر. والفكرة ليست بنت خيال وانما بنت قراءة ميدانية وأسئلة طرحتها على اناس في مكانين فاختلفت اجابة الناس بحسب المكانين، مكان يجعل الإجابة صعبة وخاطئة ومكان يزيح الصعوبة من امام شفتيّ المسؤول. غيّر مكان المعنى يتغيّر ليس المعنى وانما ذهن من يسمع المعنى. حين افصل حكاية حبة القضامة بالسكر سوف تبدو الأمور شديدة البساطة. حبّة القضامة بالسكر ملبّسة. واللباس يولّد الالتباس، ويولّد سرّاً لا يكشفه الاّ القاضم للحبّة. بعض النصوص تحتاج لقضم، وهل " التذوّق الأدبي" غير مجاز خفيّ لحاسة الذوق التي مقرّها اللسان؟ المشترك بين النص وحبة القضامة بالسكّر أنتجه تذوق القضامة باللسان وتذوق الأدب باللسان المجازيّ.
ولكن ماذا عن حكاية القضامة بالسكر؟ وما علاقتها بالتناص والأطراس؟
لوالدي مطعم للحمّص والفول، ومنذ طفولتي وأنا على علاقة طيبة مع حبتي الحمص والفول، فأغلب أوقات الفراغ، في الصيف وفي الفرص المدرسية كنت أقضيها في المطعم، وأعمل كأي عامل من العمّال الموجودين في المطعم. ومنذ بداية العقد الثاني من عمري بدأت علاقتي الحميمة مع الكتاب، وصارت أوقات فراغي يتوزّعها المطعم والكتاب.
ومن الدمج بين العملين ولدت هذه الخاطرة. وأنا لا أستهين بالأشياء الصغيرة، ربّما يعود ذلك الى مهنة أبي المتعلقة بحبتين صغيرتين من انواع الحبوب، ومن خير هاتين الحبتين أكلت وشربت وتعلمت، وسافرت الى فرنسا لإكمال دراستي في حقلل اللغة والأدب.
وأنا على يقين بأن العلاقة بين المجالين شديدة الحميمية. مؤمن بالعلاقة الحميمة بين الكلام والطعام، ولا أجد كبير فرق بين العالمين، وجزء من اهتمامي هو لملمة خيوط هذه العلاقة.
البعض يستغرب حين أقول له: الأكل مثل الحكي.
يظنّ اني أتفلسف، أو أحكي لمجرّد الحكي، وتعجبني كثيرا ردود فعل عيون الناس، حيث الاستغراب يلعب بحجم الحدقة.
ولكن أبدأ بتعليل هذه العلاقة من الفم.
فلولا الفم لمات الناس من الجوع، ولولا الفم لما نبس الانسان ببنت شفة.
فالفم معبر للطعام الداخل، والكلام الخارج.
ثمّ أقفز إلى مسألة أخرى، وهي السفرة ( السفرة، السفر بمعنى الرحلة والسِّفْر بمعنى الكتاب) العامرة باطايب الطعام تسمّى مأدبة، والكلام بعد ان يطيّب ويبهّر يسمى أدبا.
والأدب والمأدبة من رحم واحد. فكلاهما من جذر " أ.د.ب".
ومن حسن حظّ الإنسان انهما أي الطعام والكلام ليسا على غرار الإخوة الأعداء، فهما ليسا من عشّاق قطع الأرحام.
ولن أزيد أكثر عن العلاقة بينهما، ولكن اللغة العربية واللغات الأخرى لا يبخلون عليّ بالشواهد لترسيخ هذه العلاقة.
وعن وجه الشبه بين الاثنين ، وهو وجه شبه اغلب الاحيان ، محذوف، أو متوارٍ، أبحث، وأنا أقرأ في كتب #الطبخ أو كتب النقد على السواء