الجمعة، 21 أغسطس 2015

مقاطع من سيرة حياة أبي / ياسر عبد الهادي

ملحوظة: هذا النصّ كتب من قبل الا اني اعدت هنا التعديل في بعض فقراته وعباراته.
لا تربطني بأبي صلة القرابة وحدها. ثمّة شيء آخر، يجعله أكثر من أب، وهو بساطته، طيبته، ايمانه الرحيب، سخاؤه الكتوم، نظره الثاقب والبعيد، حدسه المرهف، ولعه بالحياة، ولعه بالأرض العطوف، حبّه لشجرة الزيتون المباركة، يؤلمه وجع غصن، أو تنهيدة حبّة مريضة. رغبته الفيّاضة في المعرفة، نفوره العارم من إضاعة الوقت، براغماتيته الفطرية اللينة، والعفوية، تفاؤله البنّاء، طريقته المبتكرة في ايجاد حلول بسيطة وعملية لأمور معقدة، طموحه الفذّ الذي لا يحرمه من الشعور بالقناعة الخلاّقة، استغرق وقته في هوايات ليست عاقراً أو عقيماً، عزّة نفسه الخفيّة. تعامله النبيل والمرهف مع الطبيعة، تفانيه في ما يقوم به، طريقته في التجارة حيث يهتم بإتقانها أكثر مما يهتمّ بمردودها، خجله الذي لا يكشفه من لا يعرفه.
اشياء كثيرة في ابي تدفعني الى أن أراه شيئا آخر غير الأب.
احيانا اسائل نفسي: هل حبي له هو حبّ أب لابنه أم حبّ ابن لأبيه؟
قلت له في رسالة، حين كنت مقيماً في فرنسا، : " يا والدي من فرط حبّي لك أظنّك ابني، بل ابني الوحيد"، الا يقال لا أحد يحبّ أحدا على ابنائه؟ أشعر انني اكسر القاعدة، أبي اوّلا وبعده الآخرون من ابناء وغير ابناء.
حياتك يا والدي نعمة في حياتي.
من فضائله ان عالمه عمله. وان عمله علّمه أشياء كثيرة هو الذي لم يعرف المدرسة استخرج من أفواه الناس ابجديّة العربية وراح يقرأ، بمفرده، وراح ينسخ بيده حكايات ومواضيع حتى يقبض على الحرف العصيّ، فصار قارئا أكثر من كثيرين يفخرون بشهادات ثمنها حفنة من المال المغسول. أبي يقرأ اكثر من كثيرين يعرفون القراءة ولكنّهم لا يعر فون بناء علاقة سوية مع الحرف.
عينه شبعانة منذ صغره هو الذي عانى في طفولته الحرمان من أمّ تعطف عليه، فأمّه ليست أكثرمن طيف في مخيّلة طفولته لأنها انتقلت إلى بارئها قبل أن يعرف فمه الصغير التلفّظ بكلمة " ماما"، وهي من الكلمات التي لم يعايشها، وإلى اليوم حين يسمع طفلا ينده لأمه " ماما " تمتلكه مشاعرالرحمة والحسرة والحنين إلى مفردة لم يعرفها فمه، ولم تعرف رنّتها الآسرة أذناه. حرمانه من أمّه جعل مشاعر الأمومة تفيض من روحه وسلوكه فتعرف من نظراته الحانية، الودود، ما معنى "الأب الرؤوم"، لكأنّه قرّر في طويّة روحه حين رحلت أن تستمرّ على قيد الحياة في لحمه ودمه.
ليتني أب كأبي. و"ليت" تُدخل، أغلب الأحيان، الأشياء في حيّز المستحيل والامتناع.
أبي كتابي المفضّل، الكتاب البسيط، السهل الممتنع، الممتع الذي وانا اتصفحه أشعر اني اتصفح كتاب سرّ النجاح وسرّ الفرح.
أبي قدري الجميل، وقدري النبيل.
أحاول جاهداً، بكلّ طاقتي، أن أكون أحسن منك، يا حبيب القلب، فقط لأجلب إلى قلبك البهيّ المسرّة.الا يقال ان فرحة الأب لا تكتمل الا بتفوّق الابناء عليه، اليس هذا سرّ الحياة، وسنة الله في خلقه؟
مدّ الله في شيخوختك الجميلة، الوديعة، والممتلئة حكمة ونعمة، شيخوختك الفتيّة ليستمرّ، في الدنيا، سعدي.
لعلّ أجمل ما في حياتي أني عشت في زمن أبي.
أبي ليتني أنت.

تشونغ يان Cheung Yan وامبراطورية الورق


كان فرانسيس باكون Francis Bacon يقول :" المعرفة، بحدّ ذاتها، قوّة"، من غير تحديد لنوع المعرفة. والقوّة ثراء، ومع هذا فثمّة من هم أقوياء إلاّ أنّهم فقراء، وهناك أصحاب معرفة لا شكّ في غناها ومع هذا فهم فقراء وضعاف، هل هذا يعني أنّ الصواب لم يكن حليف باكون؟ القوة ليست في العضل فقط، رصاصة ذكية واحدة تلعب بالعضلات لعبة الهرّ بالفأر الصغير. لا أقصد بالمعرفة أن تكون ممّن يقضون عمرهم في قراءة الكتب، الكتاب قد يلهيك عن الحياة، وأحياناً، يلغيك. على المرء أن يتعامل مع الكتب بحذر، ويتعامل مع "الورق" بذكاء! وعلى المرء أن يقوم بتدريب عينيه لتكونا مثل " زوم" الكاميرا، تقرّب الأشياء وتبعدها، تحذف ما لا تريد ظهوره في الصورة لأنّه لا يخدم المشهد، وتضيف ما تريد لمآرب فنيّة أو غير فنيّة. فنّ الحذف وفنّ الإطناب ليسا فقط من الفنون البلاغية وإنّما هما أيضاً من الفنون التجارية والاقتصادية.

 درّ الحليب من الضرع الجافّ ليس من الأمور المستحيلة، وهنا أذكر حواراً بين شخصين، يشكو الأوّل بعد تخرجه من "عدم" وجود فرص عمل، فما كان من الثاني الاّ أن أجاب قائلاً:" العدم "فرصة" لخلق فرص عمل. وجهة نظر كلّ من الشخصين حول الوجود والعدم ليست واحدة، ولهذا لا يعيشان، أغلب الظنّ، مصيراً واحداً.

"خلق فرص عمل" عبارة مستعملة ومتداولة، وهي تعني أنّ عملاُ ما، في مكان ما، غير موجود فتقوم بخلق فرص عبر توليد أعمال ومشاريع تكون بمثابة رحم. والفرص كالمعاني، على قولة الجاحظ، مرميّة في الطريق، والجاحظ ليس خبيراً فقط بالأدب وإنما كان أيضاً خبيراً بالتجارة، وله تصنيف فيها طريف بعنوان " التبصرة بالتجارة" عن أشكال التجارة وأنواعها. وهناك أنماط من التجارات لا تخطر ببال، وبما أنّها لا تخطر ببال فهي كالكنز المدفون الذي لا يعلم بوجوده أحد. وثمّة أناس تخطر ببالهم افكار لا تخطر ببال غيرهم، ويحاولون الاستفادة من هذه الأفكار عن طريق معرفتهم بأمور تصبّ في خدمة أفكار بالهم النادر كتلك المرأة الصينية مدار حديث هذا المقال.

نعرف أنّ الصين أرض الحكمة، ولكنّها، أيضاً، أرض الدهاء. أليس الدهاء، في أيّ حال، من شروط الحكمة؟ والدهاء الحكيم موجود في كتاب صينيّ صغير الحجم، ولكنّه من اكثر الكتب تداولاً واستعمالاً في العالم، كتاب يقال إنه ساهم، إلى حدّ كبير، في نجاح ثورة ماو تسي تونغ في الصين. والكتاب هو "فنّ الحرب" لـ "سْوِنْ تْزِهْ"، وهو أول وأقدم كتاب في تاريخ البشرية عن فنّ الحرب ( القرن الخامس قبل الميلاد). الطريف في أمر هذا الكتاب انه خصب إلى حدّ إنّه فرض نفسه على كلّيات إدارة الأعمال في عقر الولايات المتحدة نفسها.

 حكاية المرأة الصينيّة قرأتها في كتاب فرنسيّ بعنوان: "سون تزه: دروس في الاستراتيجا التطبيقية" (Sun Tzu: leçons de stratégie appliquée)  من تأليف الكاتبة كارين مكريدي Karen McCreadie، والاستراتيجيا التطبيقية، هنا، في مجال التجارة والأعمال.

فمن هي هذه المرأة التي أنشأت امبراطورية مالية جعلتها المرأة الأغنى في العالم؟ هنا، أحبّ الإشارة إلى حكمة صينية قالها الحكيم الطاويّ "دْجْوانْغْ تْزِهْ" تقول: "لا يكفي أن تعرف منفعة ما ينفع، بل عليك أن تعرف منفعة ما لا ينفع". لقد اشتغلت هذه المرأة في "ما لا ينفع"، و"ما لا ينفع" على المستوى الشخصي لا يعني انه لا ينفع على المستوى العامّ، ويمكن بناء معادلة قد يراها القارىء سوريالية إلاّ أنّ السوريالية، هنا، هي عين الصواب ومفادها : "إنّ ما لا ينفع هو بمثابة كنز"! ولقد كان "ما لا ينفع" كنزاً يدرّ مليارات الدولارات، ولكن كيف؟

كانت تشونغ يان  Cheung Yanتعمل في شركة ثمّ وجدت نفسها بين ليلة وضحاها بلا عمل بعد أن أعلنت الشركة إفلاسها. أدركت المرأة، في منتصف الثمانينيّات، بحنكتها ومعرفتها بحال بلدها أنّ الصين مقبلة على نموّ اقتصادي، والنموّ الاقتصاديّ في الصين يعني الإنتاج العملاق، والمنتوجات كلّ المنتوجات كالناس تحتاج إلى لباس، لا تنتقل البضائع عارية، ولباس البضائع ورق وكرتون فقرّرت المرأة أن تعمل في تجارة كرتون التغليف، وحتّى تستطيع تصنيع الكرتون فهي مضطرة ان تتعامل مع الأشجار، وهذا يعني ارتكاب جريمة بحقّ الطبيعة وحقّ الأشجار، لقد قرّرت تشونغ ان تلعب اللعبة البيئية فقرّرت صناعة الكرتون من إعادة تدوير الورق  المستعمل أي تحويل القديم الى جديد، فراحت تشتري الورق المستعمل بكميات هائلة. هناك أناس لا يعرفون كيف يتخلّصون من الورق المستعمل، استثمرت تشونغ عبء الآخرين، كانت تشونغ يان تعرف ان الولايات المتحدة تنتج ، بحكم كونها دولة استهلاكية من الطراز الأوّل، كمّية هائلة من النفايات الورقيّة،  فما كان من تشونغ الا ان سافرت إلى أميركا، لشحن الورق الأميركيّ المستعمل الذي كان يعود بعد تدويره  إلى  أميركا على شكل كرتون تغليف للبضائع المشتراة من الصين. في الصين أزمة سببها النقص في انتاج الورق، وفي أميركا ازمة سببها الكمّ الهائل من الورق المستعمل الذي لا قيمة له. ربطت تشونغ بين الأزمتين وأنتجت من هذا الربط الولود ثروة جعلتها المرأة العصاميّة الأغنى في العالم عن طريق استخراج "النافع" من المهمل، النافع على المستوى الشخصيّ، والنافع على المستوى العام. ألم تساهم بتجارتها في حماية الغابات الصينيّة من شراهة المناشير؟

الثلاثاء، 18 أغسطس 2015

ما يطلبه جمهور الضفادع



كانت مجموعة من الضفادع تقفز مسافرة بين الغابات, وفجأة وقعت ضفدعتان في بئر عميق. تجمّع جمهور الضفادع حول البئر, ولما شاهدا مدى عمقه صاح الجمهور بالضفدعتين اللتين في الأسفل أن حالتهما ميئوس منها، وانّه لا فائدة من المحاولة، فالخلاص ليس في متناول قدرتهما.

تجاهلت الضفدعتان تلك التعليقات, وحاولتا الخروج من ذلك البئر بكلّ ما أوتيتا من قوّة وطاقة, فحبّ الحياة يولّد في النفس طاقة على مقاومة اليأس. واستمرّ جمهور الضفادع بالصياح بهما أن تتوقّفا عن المحاولة لأنهما ميتتان لا محالة. وأخيرا انصاعت إحدى الضفدعتين لما كان يقوله الجمهور اللجوج,  خارت قوى الضفدعة، وحلّ بها الإرهاق واعتراها اليأس, فسقطت إلى أسفل البئر ميتة. أما الضفدعة الأخرى فقد استمرّت في القفز بكلّ قوتها. واستمرّ جمهور الضفادع في الصياح بها طالبين منها أن تضع حدّا للألم والجهد الضائع، فلن يكون مصيرها في الأخير مختلفا عن مصير زميلتها، وراحوا يردّدون على مسامعها ان لا مفرّ من حكم القضاء المبرم، ولكنها أخذت تقفز بشكل أسرع وأقوى حتّى وصلت إلى الحافة ومنها إلى الخارج وسط دهشة الجميع.

عند ذلك سألها جمهور الضفادع: أتراك لم تكوني تسمعين صياحنا؟ شرحت لهم الضفدعة أنّها مصابة بصمم جزئيّ, لذلك كانت تظنّ وهي في البئر أنّهم يشجعونها على إنجاز المهمّة شبه المستحيلة طوال الوقت.

فمن قال أنْ ليس للأذن الصمّاء حسنات لا تفقهها كلّ الأفواه!

الاثنين، 17 أغسطس 2015

تسويق

التسويق تشويق.

التعددية سنّة لغويّة


أحب التعددية في الواحد، التعدّدية سنّة الواحد، وهذا درس يمكن أن يتعلمه المرء من لغته الأمّ، أيا كانت لغته، واللغات في هذا المجال سواسية كأسنان المشط!  وفعلا لا اتعامل مع اللغة الا على أساس انها شيخ عجوز يختزن الحكمة والحصافة والقدرة على حلّ مشاكل كثيرة قد لا يكون لها علاقة باللغة، وما أقصده عن التعددية أجده في  مفردات لغوية كثيرة، وسأعطي مثالا عن ذلك، حتّى لا يذهب كلامي مذهب كلام بعض شعراء الحداثة، فـ"ما" في عالم اللغة مثلا هي ما التعجبية، وما الاستفهامية، وما النافية، وما الشرطيّة ، و ما الموصوليّة. فهي من حيث الظاهر " ما" واحدة، ولكن حياتها حيوات! حياة واحدة تقضّ بدن حرفيها!
وما يقال عن "ما"  يمكن أن يقال عن " كم" الخبرية و"كم" الاستفهاميّة. ولمن تستهويه مسألة تعدّدية الواحد عليه بكتاب عن حروف الجرّ بعنوان "  الجنى الداني في حروف المعاني" حيث يكتشف ان الحرف الواحد، عمليّاً، حروف!

لآلىء لغوية أو طرائف الأخطاء


الأخطاء الطريفة التي ترد في مسابقات طلاّب البكالوريا اسمها في الفرنسيّ "perles"، وهي، فعلاً، لآلئ ." كبش المحرقة" في الفرنسية اسمه "  bouc émissaire" ولكن العبارة وصلت الى أذن الطالب الفرنسيّ ومن ثم الى قلمه وفق التالي " un bouc et mystère"، وقد يكون الطالب ظنّ ان الكبش سرّ من الأسرار!. تخطر بفضل هذه اللآلىء ببالك خواطر ما كان لها أن تولد. شكراً لكلّ طالب يمنحني لؤلؤة من هذه اللآلئ، وهنا أختار لؤلؤة من لآلىء الطلاب. ولقد فتحت ملفّا في حاسوبي ووضعت له عنوان" طرائف الامتحانات"، فالذاكرة خؤون ولا يمكن الاعتماد عليها، لهذا رحت احتفظ بالأجوبة الطريفة والغريبة التي تقع عليها عيني أثناء تصحيح المسابقات. فلا يعرف المرء من أين يأتي النفع؟
هناك مقرّر جميل ودسم أعلّمه في الجامعة بعنوان " الألسنية والنقد الأدبيّ" ، وهي مادّة تدمج بين علمين: علم النقد وعلم اللسان، والدمج ولود! ولا يمكن في أي حال، فصل اللغة عن الأدب، واعتبر اللغة هي الهيكل العظمي للأدب، وفي احدى المسابقات وردت العبارة التالية:    " لقد ألّف الجاحظ كتاب  "(S/Z) . وقد يسأل القارىء ، ومن حقّه أن يسأل، هل كان الجاحظ على اطلاع على لغات تكتب بالحرف اللاتيني؟ وقد يتوارد الى ذهن البعض ان الجاحظ كان يكتب بما يسمّى اليوم "لغة النت" التي تدرج على لوحات مفاتيح هواتف  وحواسيب الكثيرين.
 كتاب S/Z هو من تأليف الناقد الفرنسيّ الفذّ رولان بارت!
وكثيرا ما يكون اللعب بالزمن مثمراً أجوبة ترسم الابتسام على الوجوه!


تمرين لغويّ وعقليّ


تمرينٌ، عملياً، بسيط، ولكنّه يتطلّب التخلّي مؤقتا عن كلّ قناعاتك. والتدرّب على أن تكون غيرك. فلنفترض أنّك مع التيّار العونيّ، وانّك من عشّاق البرتقال والجنرال. ولكن عليك ان تتخلّى عن حبّك للتيّار العونيّ وتتخيّل نفسك مع القوّات اللبنانيّة وتعشق كلّ خطوة يخطوها جعجع، وتتمنّى من كلّ قلبك، خيالياً، وصول جعجع الى سدّة الرئاسة، وتقوم، فعلا لا مجازا، في كتابة مقال تتخيّل فيه الخيرات التي ستهبط على لبنان من جرّاء تطبيق الأفكار الجعجعيّة. ولكن اذا كنت من مؤيدي جعجع فعلا فعليك ان تتخيل انك ضدّه للعظم، وانك لا تطيق ان يأتي أحد على سيرته امام أذنيك، وتبدأ بسرد انجازات عون وعبقريته في اجتراح السلم الأهليّ والازدهار الاقتصادي. وقد تكون مع حسن نصر الله، ولكن تتخيّل انك ضدّه، وان سعد الحريري هو من يمثلّك خير تمثيل. فماذا تقول عن حسن نصر الله حين تتخلّى عن تأييدك المطلق له، مؤقتا؟ اعرف ان البعض لا يخطر بباله ان يكون ولو بالخيال ضدّ ما هو عليه وضدّ من هو معه. يخاف ان يمسّ شعرة من قناعاته، يمارس الوفاء حتّى الثمالة. ولكن ما اقوله انما هو لصالح الجميع انه أشبه ما يكون بتزييت محرّك " مكربج". يقال ان خلف الأحمر استعمل هذه التقنية، بشكل من الأشكال، مع " أبي نؤاس" قبل أن يمنحه اجازته الشعرية عبر الطلب منه إنشاء قصيدة رثاء في أستاذه الذي لا يزال حيّاً. ويمكن الاستمرار بهذه اللعبة اللغوية والدماغية بشكل عابر للأقطار العربية. كأن يكون من مؤيدي مرسي ويحبّ خطّه السياسيّ ولكن ينتفض خياليا على قناعاته، ويقوم بتبنّي دور آخر، ويقوم بتدبيج مقال عن السيسي وتبرير سلوكه وضرورة ما قام به . وكما يرى الصديق العزيز انها لعبة شيّقة ولكنها شاقّة على البعض. وأجمل ما فيها ان يقدم عليها ويقتحم اسوارها من يجدها من الاشغال الشاقة بل من التصوّرات المستحيلة. ما أعرفه هو ان الخيال لا يعرف المستحيل، فالمستحيل مفردة ، في نظر الخيال، ضرب من العبث. وفي اللغة العربيّة عدّة كتب تنحو هذا المنحى، منها كتاب " تحسين القبيح وتقبيح الحسن" للثعالبيّ، أو كتاب " المحاسن والمساوئ" للبَيْهَقِيّ. وهي كتب تحكي عن السيّئ في الحسن، وعن الحسن في السيّئ او القبيح، فترى القبح الكامن في الجمال، والجمال المتواري في القبح، وللمتنبي قول جاء فيه: وربّما صحتّ الأجسام بالعلل. أليس من المحتمل أن تكون العلّة دواء ناجعا؟ في أي حال، هل كان للغة العربيّة أن تعيش لولا الحروف التي اختار لها النحويّون مصطلحاً دالاّ وهو " أحرف العلّة"؟