الخميس، 14 يونيو 2018

الجوع(è 饿 )

饿 è الجوع الصينيّ


الأحد، 10 يونيو 2018

من هو اللبنانيّ؟

- هل انت لبناني؟
- لبنان لا يسمح لك ان تنتمي الى لبنان. كل لبنانيّ هو ربع لبناني او نصف لبناني او تلت لبناني. لبناني لبناني ما في. ممنوع يكون فيه.
- ليش ممنوع؟
لأن اذا كنت لبناني لبناني بطفشوك. بدك تكون لبناني ايراني، أو لبناني روسي، او لبناني سعودي، او لبناني اميركي، او لبناني فرنسي، او لبناني تركي، او لبناني سوري، او لبناني اسرائيلي او لبناني قطري، او لبناني حريري، او لبناني عوني، او لبناني بري،  او لبناني حسنيّ او لبناني مبندق مانك معروف مع مين.

الإبداع أشكال ألوان.

الإبداع أشكال ألوان.
أقصد أن اللعب بالشكل أو باللون قد يكون سرّ إبداع لا ينتبه له الناس.
الرغيف، مثلاّ، مدوّر، جرّب أن تحرّره من التدوير وتدخله في عالم التربيع!
هل تبقى علاقتك مع الرغيف هي نفسها؟
قد تسوء علاقتك وقد تتحسّن.
قد يكتسب الرغيف المربّع طرافة يرغبها الفم!
قلت: قد.
وما أدراك ما " قدْ"؟
وضعت هذه الفكرة على صفحتي في الفايسبوك فجاء تعليق عليها من الدكتور منذر عياشي، اضعه هنا. لاعتزازي برأيه.

سيدي الفاضل ، هل يمكنني القول بناء على ما تفضلت به : الفن شكل ، هذا من جهة ، وأن تغير الشكل يفضي إلى تغير العلاقة به من جهة أخرى ؟ ماأجمل هذا التأسيس النظري الذي تتفضل به علينا .
فأجبته:

تسرّني عزيزي وأستاذي الدكتور منذر مشاركتك . ما كتبته انما هو من وحي ما أراه ورأيته في عالم الفنون وفي عالم حياتنا اليومي من ادوات فكرية او منزلية.
الشكل مضمون شأنه شأن المضمون.
مثلا أدهشني ذات يوم وجود جرن كبّة في صالون وليس في مطبخ.
قدّم استقالته من وظيفته الأولى وبدأ حياة أخرى لا علاقة لها بالأولى.
الوظيفة ديكور.
والإنسان يبني علاقة حميمة مع الألوان.
واللون وجه آخر من وجوه الشكل.
المرسيدس السوداء مرغوبة أكثر من غيرها.
اللون يعلي من شأن الأشياء.
تغيّر شكل وصول المعلومة.
وتغير شكل الكتابة مثلا.
صار القلم لوحة مفاتيح
تغيرت علاقة الاصابع مع الكتابة.
كانت الكتابة خطية، صارت شبكية.
ويقول علماء الدماغ ان كل هذه الامور تغير من مورفولوجيا الدماغ.
والله اعلم.
فكان ردّه:

ومرة أخرى أقول : إنك تلفتنا إلى معانٍ لا تلتقطها إلا عين فنان وذائقة عليا وقدرة فائقة على الإدراك والتأمل .
ثم علقت قائلا:

شكرا عزيزي الدكتور منذر. شهادتك أعتزّ بها جدّا.

الموت في حياة ستيف جوبز


الموت مستشار.
هل يمكن للمرء أن يتعامل مع الموت كما لو أنّه مستشار روحي، وفكري، ومادي؟
هذا ما فعله العبقري #ستيف_جوبز رحمه الله.
فلقد اقترح عليه الموت الفتاة التي تزوجها. هذا ما ورد في كتاب والتر ايزاغسون التي كتب سيرة حياتية مفصلة عن الراحل.
كيف كان يستعين بالموت لإخراجه من لحظة الشك او التردد. ولا أحد لا تأتيه هذه الحيرة في مسار حياته. كان يقول في حال لم يعد لي من الحياة الا عشرة دقائق فأين سأقضيها هنا ام هناك؟، مع هذا او مع ذاك؟.
كان الموت يحسم خياراته، ويرجّح كفّة على أخرى.
لم يكن يستشير الموت لأنّه يائس من حياته وإنما لأنه كان مفعما بحب الحياة.

الجمعة، 8 يونيو 2018

بين الذال والزاي تتحوّل صفحة الكتابة إلى حقل من الألغام .

بين الذال والزاي تتحوّل صفحة الكتابة إلى حقل من الألغام .

طالب جامعي



يضحكني طالب جامعي، لا يحبّ الدرس، ولا يحبّ سماع المحاضرات، ولا يحبّ القراءة، ولا تعنيه المعرفة ولكنه يموت في الحصول على شهادة تفضّل أن تنتحر على أن تقع بين يديه.
أذكر أن طالباً كتب في مسابقته أن سيبويه تأثّر بنظرية ده سوسير في اللغة، وآخر قال لي إنّ الجاحظ من شعراء الحداثة في لبنان، وأنّ سيبىويه أهم لغويّ أنتجته الأندلس ، وأنّ دور السينما انتشرت في عهد المأمون في بغداد، وأنّ الشعر أسبق من النثر....
ثمّ تفرّ من فم الطالب الراسب عبارة " الأستاذ ( سقّطَني)، ويبرّىء جهله الفاقع من سبب الرسوب.

عين عنترة


عين عنترة


للحكواتيّ، في غابر الأيام، مجد في أغلب الدول العربيّة. كان يجمع في مؤثّرات صوته وحركات شخصه السينما والتلفزيون والراديو والفيديو. لم يكن لمقهى الآنترنت، فيما مضى، وجود ولكنْ كان ثمّة مقهى الحكواتيّ، ينتظره الرجال في السهرات بعد أن ينفضوا أياديهم من الأعمال. ويتركون، حين يبدأ حكواتيّ السهرة بالكلام، العنان لآذانهم وخيالاتهم. كان الحكواتيّ يعرف كيف يوقف أنفاس المستمعين ويقعدهم على أعصابهم إذ يتوقّف تدفّق الأحداث من فمه في لحظة حرجة من القصّة كأنْ يكون عنترة في الأسر، ولا يفكّ الحكواتيّ عقدة لسانه وأغلال عنترة إلاّ في اليوم التالي تاركاً حسرة في آذان روّاد المقهى. وكان من جملة المستمعين شابّ في العشرين من عمره تقريباً لم تسمح له ظروف الجهل العائليّ أن يدخل المدرسة.

تيسّر للشابّ من جني أعماله المتفرّقة البسيطة أن يجمع شيئاً من المال ساعده في فتح محلّ سمانة. وفي هذه المهنة شيء من الدين، وليس للذاكرة أمان. وحتّى لا يضيع حقّه أو ينسى ما له وما عليه، قرّر أن يتعلم القراءة والكتابة. كان يعرف أشكال الحروف الحرّة. وفي العربية إتقان الأحرف يحتاج إلى بعض البراعة لأنّها ذات مزاج متقلّب، فالحرف تتعدّد صوره وفقاً لظروف الموضع الذي هو فيه، فصورة العين في أوّل الكلمة غير صورتها في وسط الكلمة وغيرها في آخر الكلمة. وبعض الحروف تتّصل مع حرف آخرَ من طرفيها (كالتاء) في حين أنّ بعضها الآخر لا يقبل الاتصّال إلاّ في أوّله(كالراء). ولا ريب في أنّ تعدّد الأشكال دالّ حضاريّ يستحقّ التدبّر إذ يُستشفّ من ورائه نمط من التفكير خاصّ.

كيف لهذا الشابّ أن يتعامل مع كلمات لم يعتد التعامل معها طوال عمره؟ والعلم في الكبر كالنقش في رمل البحر! ولكن الفتى اعتمد على ذاكرته السمعية (أستاذه الوحيد)، وعلى زوّادته من الأحرف وعلى "استراتيجية التخمين". كان من حسن حظّ الشابّ أنّ الحكواتيّ، حين تنفضّ السهرة، يبقي، بحكم الجيرة، الكتاب عنده لليوم التالي، فكان ينتهز أوقات فراغه، أو الفترة الفاصلة بين زبون وآخر، ليفتح الكتاب على الصفحة التي ابتدأ منها الحكواتيّ، ويروح يتحزّر الكلمات، كلّ كلمة تبدأ بحرف العين هي اسم عنترة حتى إشعار آخر، وكلّ شين هي شيبوب شقيق عنترة ومساعده في الأزمات.

 من خلال هذه الكلمات الضئيلة كان يحاول ان يستعيد كلام الحكواتيّ المكتوب، يحاول ان يطابق ما بين محتويات ذاكرته وما هو مدرج في سطور السيرة، يعدّل اسماً هنا واسماً هناك. ومع الوقت، امتلك زمام القراءة عن طريق الأسماء التي تعجّ بها السيرة. والأسماء في العربيّة وسيلة ناجعة لتعلّم القراءة، بخلاف الأسماء الفرنسيّة مثلاً التي لا يتطابق دائماً صوت الاسم فيها مع حروفه.

وراح الشابّ لإتقان الكتابة، ومن ثمّ تيسير عمله، ينسخ الكلمات التي يقرأها. وهو لا يزال إلى اليوم يقرأ، بل ويكتب في دفتر يوميّاته طرائف الذكريات.

اشتغل عنده مرّة شخص أمّيّ، لا يعني له عالم القراءة والكتابة شيئاً على الإطلاق، وكان هذا العامل يسرّ جدّاً بأنّه يستعين، في الضرورات، ببصمة إبهامه. كانت فرحة هذا العامل بلطخة الحبر على إصبعه تعادل فرحة طفل بلعبة جديدة، يعتبرها إنجازاً خارقاً ليس في متناول أيّ إبهام. تأفف السمّان، من لطخة الحبر، وقرّر تعليم العامل توقيع اسمه، على الأقلّ، فكتبه له على ورقة ثمّ وضع فوقها أخرى شفّافة وطلب منه تمرير القلم وتحديق صورة الاسم إلاّ أنّ العامل خاف أنْ يخسر إبهامه دوره وقيمته في البصم. فكان يأخذ القلم شمالاً ويميناً، ويخربش كالدجاج، رافضاً تبيان ملامح اسمه. وتيقّن السمّان أنّ الجهل رغبة، وأنّ العلم رغبة، وما رمي أسباب الجهل على ظهر الظروف التي قد تكون بريئة أحياناً إلاّ من قبيل الافتراء الخبيث على الحياة.


بلال عبد الهادي

الثلاثاء، 5 يونيو 2018

الرجل العنكبوت مامودو غاساما Mamoudou Gassama


الرجل العنكبوت

لا أحد يعرف من أين تأتيه الألقاب؟ ولا كيف تأتيه؟ كما لا يمكن لأحد أن يتنبّأ بما تخبئه له الأقدار. منطق الأقدار كمنطق الموت لا يمكن للعقل البشريّ أن يفقه سلوكه أو يرسم له خطّا بيانيا واضح المعالم.
كان أبو القاسم الحريريّ في مقاماته يتناول الأقدار التي تغيّر مصائر الناس ومصير بطل مقاماته أبي زيدِ السروجيّ بالتحديد، ويُدخل ذلك ضمن مصطلح " عجائب الاتفاق" الذي لا يقصد به غير الصدف التي تعترض حياة المرء في لحظة من لحظات العمر فتقلب حياته بشكل لا يتخيّله أو يتوقعه. فقانون الصدفة لا يعلمه إلاّ الله.
ما يغيّر حياتك قد يغيّر بالمعيّة حياة المحيطين بك وهذا ما يدخل في حيّز المتوقّع، ولكن ما لا يدخل ضمن المتوقّع هو أن تتغيّر حياة شخص آخر لا تعرفه ولا يعرفك. فالصدفة أشبه بأوتار آلة موسيقية لا يمكن بالسهولة حصر النغمات التي يمكن أن تخرج منها، أو تشبه أي ألفباء لا يمكن لأيّ امرىء أن يعرف ما يمكن أن يخرج من حروفها المحدودة من كلمات أو دلالات.
منذ عدّة أيام، طفل أنقذ من أنقذه. شاب من مالي اسمه مامادو غاساما وصل الى باريس منذ عدّة شهور بشكل غير قانونيّ هربا من فقر بلاده وبؤس بلاده. وكان مهددا بالطرد في أيّ لحظة. وفجأة وهو يعبر أحد الشوارع وجد طفلا في الرابعة من العمر متعلّقا بشرفة منزله، وهو على وشك السقوط. فقفز الشاب المالي من فوره وقام بتسلّق الشرفات وصولاً إلى الطفل . شاء حظّه أن ترصد عدسة الكاميرا حركاته المشوّقة كحركات البهلوان. كاميرا الهاتف الذكيّ تلقط أحيانا ما تعجز كاميرا مصوّر محترف على القيام به. والسبق الصحفيّ لم يعد حكرا على أهل الصحافة بعد أن صار الخبر والصورة في يد الهواة وغير الهواة على السواء. ومواقع التواصل الاجتماعيّ سمحت لأناس عاديين وبسطاء أن يتحوّلوا في غمضة عين إلى مراسلين سبّاقين أو نجوم غير عاديين.
كثيرون تابعوا على مواقع التواصل الاجتماعي عملية انقاذ الطفل على يد المهاجر غير القانونيّ. ومن مواقع التواصل قفزت عملية الإنقاذ إلى نشرات الأخبار الفرنسيّة والعربيّة والعالميّة. وراحت التعليقات الايجابيّة تتدفّق على المهاجر وتتعاطف معه وصولاً إلى تعاطف ماكرون رئيس فرنسا نفسه الذي دعاه إلى قصره لشكره على عمله الإنسانيّ الفذّ، كما قرّر منح المهاجر غير الشرعيّ الجنسية الفرنسيّة كمكافأة لسلوكه النبيل، وأمّن له فرصة عمل في فوج الإطفاء وهو عمل يتوافق مع قدراته الجسدية الفائقة. نسي المهاجر أمام مشهد الطفل المعرّض للخطر مأساته الشخصية وبؤسه الشخصي وفي خلال ثلاثين ثانية تسلّق عدّة طبقات من المبنى وأزال الخطر الداهم عن الولد، ولكن ، من حيث لا يدري، أزال الخطر عن نفسه، خطر الطرد الذي كان يلاحقه كالكابوس.
ربّما الطرافة ليست هنا، وإنّما في مكان آخر، فالمهاجر المالي لم ينقذ الطفل الفرنسي وحده، ولم ينقذ وضعه غير القانونيّ وحده، وإنّما أنقذ أيضا وبشكل غير مباشر شخصا تونسياً كان مهدّدا بالطرد لأنّه موجود بشكل غير شرعيّ في فرنسا.
القدر يؤمن بالمفعول الرجعيّ فيما يبدو. والإنسان يؤمن بقدرات غير المنظور. وثمّة تعبير كثيرا ما يستعمله المرء ولكن بمعناه السلبيّ وهو " مصاريف غير منظورة"، و" القرش الأبيض" في المثل المأثور ليس أكثر من وسيلة دفاعية ضدّ " المصاريف غير المنظورة" أو " التصاريف غير المنظورة" ، ولكن نادرا ما التفت المرء الى "المداخيل غير المنظورة" التي ترافقه في مراحل كثيرة من عمره.  ومن الممتع أن يقوم المرء بجردة حساب شخصية لمصاريفه غير المنظورة ومداخيله، أيضا، غير المنظورة، ثمّ يوسّع زاوية النظر الى المصادفات غير المنظورة التي غيّرت حياته. ولا تخلو حياة من مصادفات غير منظورة .
كيف أنقذ الشاب المالي المهاجر حياة التونسيّ الذي يقيم في فرنسا بصورة غير شرعية في اللحظة التي أنقذ فيها طفلا فرنسيا من خطر الموت؟
شاءت الأقدار أن تنقذ التونسي بمفعول رجعيّ . لقد أنقذ تونسيّ عائلة فرنسيّة في العام 2015 كانت مهددة بالحريق الذي شبّ في منزلها، ولكن عمله البطوليّ كان بعيداً عن أنظار الكاميرا. والكاميرا ثرثارة ومؤثّرة، لا تترك سترا مغطّى. تمّت عملية انقاذه للعائلة دون أن تعرف مواقع التواصل الاجتماعي بذلك، ودون أن يرى الناس عمله البطوليّ على شاشة اليوتيوب او تويتر أو الفايسبوك ولم تشفع له بطولته في تسوية وضعه. كان الطرد قدره المحتوم، وهو كاد أن يستسلم لقدره لو لم يطلّ عليه ذلك الشاب المالي المجهول من شاشات مواقع التواصل الاجتماعيّ. تحسّر على نفسه، وعلى سوء حظّه، وعلى هشاشة وضعه وهو يرى التكريم الذي حظي به صنوه في البطولة، ولكنّه لم ييأس، بل انتعش أمله الذابل بعد أن رأى اعتراف الرئيس الفرنسيّ بشجاعة الماليّ فقام بتقديم اعتراض على قرار المحافظ أمام المحكمة الإدارية في مدينة سيرجي-بونتواز.  وانتهزت محامية الشاب التونسي السيدة فيليبين باراستاتيس فرصة استقبال الرئيس الفرنسي للبطل المالي في قصر الإليزيه لتعيد قضية التونسي إلى الأضواء، وتطالب بعدم الكيل بمكيالين. فهل يختلف العمل البطولي للشاب التونسي الذي عرّض جسده للحرق عن العمل البطولي للشاب المالي؟ وهل يليق بفرنسا أن تعامل بطلا كما لو أنه ابن جارية وآخر كما لو أنّه ابن ستّ؟ ونقلت محامية أيمن معركتها إلى مواقع التواصل الاجتماعيّ  السحرية وإلى عالم الإعلام، وتعاطف الناس في فرنسا مع البطل التونسي المغمور، وأعيد النظر في قضيته وعلّق حكم طرده بانتظار تسوية وضعه على غرار ما حدث للشاب الماليّ الذي لقّب بالرجل العنكبوت.
ثمّة كلمة لجلال الدين الرومي يقول فيها: عندما يتراكم عليك كلّ شيء، وتصـل إلى نُقطة لا تتحمّل بعدها أيّ شيء، احذر أن تستسلم. ففي هذه النُقطة سيتمّ تغييـر قدرك إلى الأبد.
كان الطفل المعلّق على الشرفة هو النقطة أو اللقطة التصويريّة التي غيّرت مصير الشخصين وفتحت أمامها نافذة على مستقبل ميمون الطالع.  

بلال عبد الهادي


الثلاثاء، 8 مايو 2018

أصواط أو المماثلة الصوتية


أَصْواط ...

جاءت وسائل التواصل الاجتماعيّ فغيّرت أشياء كثيرة، وستغيّر أشياء كثيرة، فنحن اليوم لا نرى منها إلاّ رأس جبلها الجليديّ. الهاتف الذكيّ يشبه فانوس علاء الدين السحريّ! إلى حدّ ما، فوجوده جعل من الواقع الافتراضيّ واقعاً حقيقياً من لحم ودم وأعصاب.  ومن الأشياء التي غيّرها هذا الفانوس الرقميّ الذي يعتمد على حاسّة اللمس كما اعتمد سلفه الساحر، وفتح بابها على مصراعيه الكتابة وأيضاً القراءة. قد يقول قائل: إنّ نسبة القراءة انخفضت، وسوق الكتاب الكاسد أكبر برهان. هذا كلام يُرمى في نظري على عواهنه. سأدخل على عالم القراءة من خلال طرح السؤال التالي: هل زادت نسبة الكلمات التي يقرأها المرء يومياً أم انخفضت؟ من دون أن أقيّد السؤال بكتاب أو مجلّة أو جريدة. القراءة وجدت قبل الكتاب، وستبقى بعد الكتاب الورقي الذي اعتدنا عليه.  لننظر في أمر الوتسأب، والفايسبوك، وتويتر، وغيرهم من وسائل الاتصال، وننظر إلى عدد القرّاء والكتّاب أو " الكتبة"، ويمكن هنا اللعب على مستويات الجمع، فاللغة العربية أعطتنا فرصة تحويل صيغ الجمع إلى ملعب دلاليّ. وهذا ما نراه في حالات متعدّدة، فالسهم مثلاً جمعه سهام وأسهم، ولكننا، في الاستعمال - والاستعمال، من الوجهة اللغوية المحض هو المعيار والميزان - ميّزنا بين أسهم البورصة وسهام القوس، كما ميّزنا بين بيوت الناس وبيوتات الناس، صيغ الجموع تلوّن المعنى.
باب الكتابة مفتوح لكلّ الناس، ولم يعد التعبير عن الرأي حكراً على أهل الرأي. صارت الكتابة لمن يعرف أن يكتب ولمن لا يعرف أن يكتب. صارت الكتابة تشبه حقّ التصويت الانتخابيّ الذي لا يميّز بين من يعرف ومن لا يعرف. الصوت الانتخابي لا يعترف بطبقات ومستويات وأغنياء وفقراء، وهكذا الكتابة. جاءت وسائل التواصل على حين غرّة ، وفاجأت كثيرين كانوا قد نسوا الكتابة، ونفروا من القراءة، وجدوا أنفسهم بغتةً في خضمّ وسائل التواصل، فاستيقظت رغبات مكبوتة، أو نائمة أو غير مكتملة، رغبات في التعبير عن مكنون النفس أو عن أحداث الساعة، وأحداث الساعة جذّابة، تغري الأصابع بلمس أزرار لوحة المفاتيح، وتغري النفس بالمشاركة في التعليق على الأحداث، فصار من لا يحبّ أن يكتب يحبّ أن يكتب. والكتابة في العصر الرقميّ كالتثاؤب تعدي.
والناس هنا نوعان: نوع خجول، ونوع جريء، والكتابة في أي حال تتطلّب جرأة، ان لم تكن جرأة فكرية ففي الأقلّ جرأة لغوية. هناك من وجد في استخدام "لغة النتّ" ملاذا لغوياً آمناً، فلغة النتّ تستر عيوبا لغوية كثيرة وإن كانت نمّامة عن أمور كثيرة. اللغة أصوات، والحروف صور رمزيّة للأصوات، وحين انتقل من نظام الفبائي الى نظام الفبائي آخر أغيّب أخطاء، وأخدع عين القارىء، في أي حال، كنت قد كتبت اكثر من مرّة عن  ظاهرة "لغة النت"، وليس هنا مجال تفصيل هذه الظاهرة ذات الدلالات المتعددة والثريّة، وإنما عرضت لها لأنها تحجب خصيصة صوتية عربية هي التفخيم والترقيق. لا تخلو لغة من مجموعة من الثنائيات، كلّ لغة هي عبارة عن تناوب بين الصوامت والصوائت أو ما يسمى بالحروف والحركات، وكذلك ثنائية المهموس والمجهور، وهذا ما نراه بين " زار" و "سار" مثلا، وثنائية التفخيم والترقيق أيضاً من ظواهر اللغة العربية، فثمّة فرق بين " طين" و " تين"، وبين " سار" و " صار" . ولكن عالم الأصوات غير عالم الكتابة، نادراً ما تجد كتابة أمينة للصوت، وأذكر عبارة قالها اللغوي الفرنسي جوزيف فندريس " الكتابة الفرنسية كارثة وطنية" ويقصد بذلك أنّ الكتابة خيانة صوتية، فحرف “s”  ليس “s” دائما فهو يلفظ طورا “z”  كما في ”maison”  وطورا آخر  “t” كما في “nation” وطوراً تكتبه ولكن ممنوع عليك أن تلفظه،  والأمثلة في الانكليزية لا تقلّ كارثية. وما نراه في الفرنسية أو الانكليزية يمكن أن نراه في العربية، يكفي النظر الى الحروف الشمسية لنرى كيف تلعب بحرف اللام في "ال" التعريف ، نكتبها رغم غيابها صوتيا، بل والهزء ممّن يرتكب فمه اثم التلفّظ بها، ولننظر إلى ظاهرة التنوين، حيث تطلّ النون صوتيّاً برأسها من كلمات كثيرة ولكن ممنوع عليها أن تسفر عن وجهها المكتوب الذي يبدو إن ظهر كما لو أنّه عورة خطّيّة!، ولننظر إلى الأصوات المفخّمة والأصوات المرقّقة لنرى الفارق بين ما ينطق به الفم وبين ما تخطّه اليد.
أتوقف هنا عند الكلمة التي اخترتها عنوانا لهذا المقال، وهي كلمة " أصواط" . العين تندّد بها، ولكن هل هذا رأي الأذن؟ واللغة سماع. أين الصواب هنا؟ هل أسمع كلمة أذني؟ أم أسمع كلمة عيني؟ ولمن يخضع قلمي الحائر بين العين والأذن؟ هل يستجيب للمنطق الصوتي أم يستجيب للمنطق الإملائي؟ مشكلة من لم يتمرّس بالكتابة أو القراءة هي الارتباك، ترتبك الكلمات على طرف أصابعه، فكثيرون تواجههم صعوبات كتابية بين حرفَي الـ " ذ" والـ "ز"، وبين الـ " ت" والـ " ط". واليوم قرأت  عبارة " إطقان العمل" ولم تكن التاء هنا إلاّ ضحية " القاف" ، كما قرأت اليوم أيضا، وبمحض المصادفة كلمة " أصواط" حيث التاء هنا كانت ضحية حرف الصاد، وكثيرا ما تقع الحروف ضحيّة بعضها البعض في عالم الكتابة او في عالم النطق.  ومن طريف الأمور ان بعض المفردات كان حظّها يفلق الصخر واعتبرت صوابا رغم أنّها عند التدبّر لا بدّ من أن تكون جميعها صوراً لصوت واحد أو حرف واحد، وسأكتفي بمثال واحد هو الزعتر الذي يجوز أن تكتبه سعتر ويجوز أن تكتبه صعتر، لأنّ المعجم قد اعترف بالأشكال الثلاثة.
في اللغة العربية، وفي لغات كثيرة أخرى هناك قانون صوتيّ يسمّى " المماثلة الصوتية" أي ان يتخلى صوت ما عن خصائصه الصوتية كرمى لعيني حرف آخر. وفي عالم الأصوات كما في عالم الناس تنازلات! وسأعطي بعض الأمثلة التي على ضوئها يمكن أن نفهم ظاهرة الأخطاء الكتابية المتفشية على وسائل التواصل لدى من أجبرته " الظروف الرقمية" على الكتابة، فكلمة " أصوات " لا تختلف ، صوتيا، عن كلمة " صراط" التي تكتب أيضا " سراط"، ولكن الغلبة في الكتابة للصاد وليس للسين، فالتفخيم أقوى من الترقيق، والانتصار، أغلب الأحيان، للأقوى، لهذا انتصرت الصاد على السين في كلمة " صراط"، ومن يحسن الأصغاء لما تنبس به شفتاه يدرك أنّ التلفّظ بكلمة " أصوات" يميل إلى تفخيم " التاء" لتصير قريبة من نطق حرف الصاد، وهنا تكمن " قشرة الموزة"  التي تتعثّر بها أصابع من يكتب، فهو يثق بصوته، وصوته يميل إلى الصاد، ولكنه لا يعرف أنّ قوانين الكتابة لها مبّررات لغوية وغير لغوية عديدة تبيح لها أن لا تأخذ بعين الاعتبار ما يمليه صوتك.
قواعد الإملاء تثير غيظ الأصوات، ولكن الصوت عبد مأمور في بلاط جلالة المكتوب!
بلال عبد الهادي


الأربعاء، 11 أبريل 2018

بن اليقظة



للقهوة من حيث هي مفردة عربية حياتان: حياة أحاط بها التحريم، وحياة حضنها الحلال.
كانت كلمة " القهوة" في زمن #أبي_نواس وقبل أبي نواس تعني #الخمرة، أمّا اليوم فتوارى معنى الخمرة عن الأنظار والأسماع، والتداول، وصارت تعني " #البنّ".
ومنذ عدّة أيام قرأت تركيبا إضافيا ل #محمود_درويش هو " بنّ اليقظة"، تعبير واقعي وشاعريّ في آن، توصيف لمفعول أبطل المفعول السلبي لشرب القهوة التي تجلب الأرق في الليل. سحب الأرق ووضع مكانه يقظة تشبه الكشف الصوفي أو اليقظة البوذية " #الساتوري" بالتعبير اليابانيّ في #بوذية_الزنّ.