الاثنين، 23 يوليو 2018

#الإنجاب



هناك كلمات لفرط استعمالها ننسى ماذا تعنيه. وكلمة #إنجاب تخفي وراءها أمنيات وأحلاما وتطلّعات.
لا يمكن حين نحفر عميقاً في دلالة الكلمة الأولى الا العثور على معنى متوار، غطّاه غبار الاستعمال.
والاستعمال لا ينفض الغبرة عن المستعمل بل يزيد من كثافته.
الإنسان كائن يتخيّل ولأنّه يتخيّل يتوهّم. ومع الوقت يعتاد ما يتوهمه حتى يصير يقينا لا تزعزعه أعتى الحقائق المعارضة. ولعلّ الموت هي المياه التي تسقي نبات أوهامه .
الوهم رحم ولود.
لماذا أدخلت الأمنيات والتطلعات على مفردة بيولوجية فيما يعتقد كثير من الناس.
الإنسان يتأمّل، وأحلام كل الناس لا يمكن فصلها عن الأرحام.
النجابة هي أصل معنى الإنجاب، هنا النظرة الى عقل الجنين لا الى جسده، تحلم الأم بأن تكون لثمرة بطنها حياة مليئة بالنجابة والعزّة والنجاح وكل الصفات الحميدة والانجازات العظيمة.
وهكذا مع كلمة انجاب صار كل حمل مشروع تغيير مصير نحو الأحسن.
للأسف الانجاب لا يحقق أحلام كل الأرحام!
كم من رحم عاش خيبة أمل!
وكم من رحم شعر بالندم!
وكم من رحم كانت ثماره مهلكته!
طبعا، المعنى الراهن للإنجاب هو الولادة، فأنجبت المرأة تعني وضعت حملها.
ولكن الكلمة في أساس معناها تخفي أملا.

الواقعية


#الواقعية

مفردات كثيرة في بلادنا نلعب بمعناها، كلام نحرفه عن معناه السليم والقويم.
كل كلمة مفردة ذات وجهين على الأقلّ، وتخفي في قبعتها ما طاب لها من أقنعة. ولكن الكلمة كالظلّ أو كالغيمة لا تتوقف عن التشكّل، وما يحدد معناها في لحظة راهنة هو الاستعمال والسباقات التي تضع لها أطراً، وترسم لها حدودا.
ما أشعره وأنا أقرأ هذه الكلمة في استعمالاتها أنّها كلمة مريبة، تسعي إلى تحويل الأسد العائش في البراري إلى أسد يعيش في السيرك، حيوان، مروّض، تعيس، يتصرّف وفق مشيئة المروّض.
الواقعية ، في الاستعمال العربي، ترويض للناس، تدجين للأحلام، قبول بالرضوخ، بل الإقلال عليه. الواقعية في الحقيقة هي مغامرة، تدرّب على ركوب الأمواج، أي انقلاب للأدوار من أن تكون مروِّضا بدلا من أن تكون مروَّضا.
ما هي الواقعية العربية اليوم؟
كيف يعيشها المواطن العربي العادي، البسيط؟
كلمة الواقعية، اليوم، تستعمل لغسل الأدمغة بل مسحها أو طمسها!
ما علاقة الواقعية بهذا الكمّ المرعب من اليأس، واللامبالاة، والاستهتار، والانكباب على العبث؟
الواقعية الجميلة هي الواقعية التي تكون منصة اقلاع إلى عزلم أفضل وأجمل!
هل هذه هي الواقعية التي يعيشها العربيّ؟
هل الواقعية التي تفتح شهيتك على فيزا هجرة هي واقعية حميدة؟
هل الواقعية التي تخلخل كل المعايير هي معايير تعمل لواقع منتظر أفضل؟
الواقعية المشغول عليها اليوم هي واقعية تسحب منك كل أسلحتك الروحية والفكرية ، واقعية تريد منك أن تستسلم لقدرٍ مزيّف، كتبه أوغاد، ويريدون محو أميتك المفترضة عن طريق تحفيظك الفبائيته الرعناء، ونصوصه القامعة

التناقض الصيني


التناقض مفهوم متغيّر تبعا للثقافات، فما يعنيه التناقض في الغرب ليس هو نفسه الذي يعنيه في الصين.
وماو تسي تونغ الماركسي له كرّاس عن التناقض يدرك القارىء من خلاله كيف ان تفسير #ماو_تسي_تونغ للتناقض مغاير في مطارح كثيرة للتفسير الماركسي وذلك لأنّ ماو تسي تونغ نظر إليه أي إلى التناقض نظرة صينية، براغماتية!
ولا يزال قول ماو تسي تونغ قادرا على تفسير السياسة الصينية الراهنة التي تثير حيرة الكثير من الدول، وكنت قد قرأت منذ فترة عبارة للفيلسوف الصيني #لين_يوتانغ الذي عاش الحضارتين الغربية والصينية يقول فيها: التناقض أمر عاديّ لدى الصيني

#الفكر_اليدوي


كثيرون لا ينظرون إلى الصناعات نظرة فكرية، وهذه كانت نظرة العرب القدامى. تأمّل كلمة #مهنة!
وانظر إلى نظرة العرب الراهنة الى المهن، هل اختلفت عن نظرة العرب القدامى؟
الكلمات المستعملة هي وجهات أنظار.
من أين جاءت كلمة مهنة؟
ماذا يقول عنها المعجم؟
إنّها ولدت من رحم عاق؟
هناك أرحام لغوية عاقّة، ومن الطريف العمل عليها، واكتناه دلالاتها.
فبين المهنة و #المهانة في العربية صلة قرابة!
والعرب سلبوا المهنة حقوقها، وابعدوها عن مملكة الفكر، ولهذا لم ينظروا الى الصناعات نظرة راقية.
#المهنيّة متروكة لمن نعتقد انهم غير قادرين على التفكير، ولهذا لا يرغب الأهل أن يسلك أبناؤهم دروب المعاهد المهنية، والمهنة ضحية تدفع من لحم اسمها مواقف الناس منها.

تحولاّت كلمة 禅 زنّ.


الكلمات تسافر، وكما يغير الناس ملابسهم بسبب صعوبة تغيير جلودهم كذلك تغير الكلمات ملابسها الصوتية.
كثيرون حين ينتقلون من محل إلى آخر يغيّرون أسماءهم!
يمكن النظر الى تغيير الاسم كالنظر الى تغيير الجلد، هناك أماكن يجبر المرء فيها على تغيير اسمه ليحفي نفسه من الطرد أو القتل.
الاسم أيديولوجيا، ومن هنا، يقع كثير من الظلم على الناس بسبب الاسم، كما يقع الظلم على بعض آخر بسبب لون الجلد!
ولننظر الى تعريف الأعراق أحيانا من منطلق لون الجلد: أصفر، أبيض، أسود، أحمر...
عودة إلى كلمة زن التي اشتهرت بهذه التسمية في أنحاء المعمور من اللغات.
من أين جاءت هذه التسمية؟
الكلمة جزء من طقوس العبادات في البوذية التي صارت بوذيّات. أخذها الغرب من اليابان رغم انها ليست كلمة يابانية. فاليابان أخذتها من الصين، ولكن الكلمة ليست صينية وإنّما ذات جذور سنسكريتية، ولكن اليابان هي التي قامت بنشرها في العالم. اليابانية تعتمد على مجموعة من الرموز الصينية في كتابتها، حوالي ألفي رمز صيني يعيشون في نظام الكتابة الياباني المتعدد تحت اسم كانجي والكلمة تعني حرفيا رموز الهان أو الخان تزه أي رموز العرق الصيني الغالب، وانتقالها الى الياباني غيّرها صوتيا كما تغيرت أصوات رمز الزن الياياني الذي يلفظ تْشْهان 禅 المأهوذة من دهيانا السنسكريتية.
وكان مو حظّ هذه الكلمة أن تعيش في ملابسها اليابانية وليس الصينية.
وكلمات كثيرة في كلّ اللغات لا يختلف مصيرها عن مصير كلمة الزن

#الواشي و #الوشاة


الواشي مزوّر ومزوّق، ومن التزويق جاءت التسمية، فالوشي نعرفه في اللباس. والشيء الموشّى هو الذي تداخله زركشات وتطريزات.
من هنا فإنّ الواشي يزخرف الخبر، يزركشه، يحلّيه في عين السامع لتمريره.
ثمّ انفصل معنى الواشي عن مصدره.
واللباس منبع لكثير من المفردات التي استقلّت عنه، وغاب عن الناس صلة هذه المفردات باللباس!
أكتفي عنا بكلمة #التباس!
والالتباس وسواس خنّاس يلعب في أفكار الناس، يبلبل العيون! 
وكذلك بشاعرنا العربيّ القديم #المهلهل، وصلة لقبه باللباس المهلهل

مخطوطة


الماضي مخطوطة تحتاج إلى تحقيق،بعض حروفها مطموس، بعض صفحاتها نخرتها الأَرَضَة، وبعض الصفحات نالت منها الرطوبة، وبعضٌ من صفحاتها سقطت وضاعت. الماضي مخطوطة تتطلّب جهدا بشريّا جبّارا. أحياناً بالمصادفة السرنديبيّة ( وفي المصادفات خيرٌ كثير، فربّ صدفة خير من ميعاد كما يقال في الأمثال) نكتشف ورقات من هذه المخطوطة مطمورة تحت الرمال. فالقشرة الأرضيّة أرشيف وأسرار تشبه الوصايا التي لا تزال مغلقة. متحجرة هنا تكون بمثابة شمعة في ليل المخطوطة الطويل، قطعة من عظم تكون بمثابة اعتراف بين يدي كاهن، قرأت ان المجاعات التي عصفت بأناس كثيرين في ما مضى من زمان، وأمراض كثيرة وأوبئة نالت من البشرية في العهود القديمة وأنواع الطعام التي كان يأكلها الناس في غابر الأوقات قد تفصح عنها جميعا قطعة من هيكل عظميّ، وهكذا يكون اكتشاف عظمة مثلا كشفا عن سرّ كان مكنونا. كم سنة ظلّت الكتابة الهيروغولفية سرّا من الأسرار وهي في متناول الأنظار؟ أو كم سنة بقيت اللغة السومرية طلّسما من الطلسمات حتى جاء العصر الحديث وكشف لنا حياة غابرة كانت في طيّ الكتمان فقلبت معالم التاريخ وملامح الأخبار وأعادت #جلجامش الى حيّز الوجود بعد عدم دام لقرون؟ أحيانا السرّ يتوارى في المرئيّ، فما بالك باللامرئيّ؟
#بلال_عبد_الهادي

ابو حيّان التوحيدي ومقاطع من " الإشارات الإلهية"


المنطق اللعوب

قراءة كتاب " الإشارات الإلهيّة" لأبي حيّان التوحيديّ متعة للروح والقلب والعقل. فهو من " مرقصات" التوحيديّ، و" مسكراته". وفي العربية كتاب بعنوان "المرقصات والمطربات" لابن سعيد الأندلسيّ  وهو عبارة عن مختارات من تراث العرب تسكر قارئها بخمر لا غول فيها تشبه خمر ابن الفارض!

ومن حسن حظّ الأدب العربيّ والفكر الإسلاميّ أنّ رغبة أبي حيّان التوحيديّ لم تتحقق من وراء حرقه لكتبه إذ إنّه قام بحرقها ضنّاً بها على من لا يعرف قدرها، ولكنّه قد أحرق النسخ التي لديه غير أنّ ما فرّ من يديه قد سلم بحمدالله من عبث النار الأكول.

وفي كلّ كتب أبي حيّان متعة كاملة الدسم، بدءا بـ" الإمتاع والمؤانسة" مروراً بـ "المقابسات"، و"البصائر والذخائر" فـ"الصداقة والصديق" و"الهوامل والشوامل" ( بالشراكة مع مسكويه)، و"أخلاق الوزيرين". ولكن سأقتبس، في هذا المقال، فقرة غير قصيرة من كتابه البديع "الإشارات الإلهيّة" بغية الكلام على شيء آخر هو أشبه بتفصيل لما تناوله التوحيديّ. وما سأتكلّم عنه وارد في كتاب فرنسيّ طريف بعنوان "الاستراتيجيّات العبثية Les stratégies absurdes" للكاتبة مايا بوفاليه Maya BEAUVALLET. وأرجو أن يُقرأ ما سأحكيه عن عبثية الاستراتيجيّات على ضوء كلمات التوحيديّ، فهي، في ظنّي، حفر وتنزيل. إليك عزيزي القارىء، بداية، نصّ التوحيديّ، وهو نصّ يُرتشف ويُمزمز:

" أيّها السامع الحبيب! ليس كلّ من رقد حلم بما يريد. ولا كلّ من مدّ يده نال ما طلب، ولا كلّ من ادعى سُلّم له دعواه.  ولا كلّ من دعا أُجيب. ولا كلّ من قرع الباب دخل. ولا كلّ من استعُفيَ أُعفي. ولا كلّ من قال: بدا لي تُركَ. ولا كلّ من استرحم رُحم. ولا كلّ من تعرّض استُخدم. ولا كلّ من وصل ودّ. ولا كلّ من سأل حُرم. ولا كلّ من ألحف أُعطي. ولا كلّ من بكى أُرضي. ولا كلّ من خطب زُوّج. ولا كلّ من ملك تُوّج. ولا كلّ من رجا أدرك. ولا كلّ من مُنِع  خاب. ولا كلّ من قُدِّمَ  فقد أُكرم. ولا كلّ من أُخِّرَ فقد أُهين. ولا كلّ من سبح غرق.  ولا كلّ من خُوِّفَ  فرِق. ولا كلّ من توسّل قُبل، ولا كلّ من التمس نُوّل. فلا العلم باختلاف الأحوال نافع، ولا الجهل به ضارّ، بل ربّما ضرّ العلم، وربّما نفع الجهل، وربّما بعد الداني، وربّما قرب النائي. فليس لشيء ممّا تراه عينك منهاج، ولا لذي لبّ به سرور ابتهاج. وهذا كله لقدرة صادرة عن غيبِ مشيئةٍ، ولمشيئة نافذة واردة عن شهادة قدرة، ولحكمة خافية في آفاق المملكة، وأحكام جارية على اصناف الخليقة، واسرار مجهولة عند البحث والحقيقة. والأقوال في وصف تشاكلها وتباينها مختلفة. فلا جرم، لا سرّ الاّ وهو متّهم، ولا قائل إلاّ وهو متوهّم ]...[ ولا عالم إلاّ وهو جاهل، ولا عاقل إلاّ وهو ذاهل، ولا آمن إلاّ وهو واهل".

متأمّل النصّ يجده يعطيك عكس ما تتوقّع، فـ" الفرحات مطوية في الترحات، والترحات مبنيّة على الفرحات" كما يرد في مكان آخر. الحياة تهزأ بالمنطق، وتسخر، أحياناً من الخطط المحكمة. وقد تحمل لك العلل العاتية صحّة نائية، كما قد يُؤتى الحذر من مأمنه، وللمتنبيّ في أحد أبياته ما يصبّ في هذا الغرض إذ يقول:

لعلّ عتْبك محمود عواقبه   وربّما صحّت الأجسام بالعلل

أعود الى مايا بوفاليه التي تنقل لنا أخباراً عن أمور كثيرة تخيّب ظنّ الاستراتيجيّين رغم ان الظاهر يدعو للتفاؤل أو وقطف الثمرات المتوخّاة. تقول مايا بوفاليه ان البروفسير في الاقتصاد ريتشارد تيتموسRichard TITMUSS  قارن بين نظام التبرع بالدم في اميركا وفي بريطانيا، الملاحظة الأولى هي ان التبرع بالدم، أغلب الاحيان، في اميركا، كان مقابل مكافأة مادية، بينما التبرع بالدم في بريطانيا كان مجانيا، ومع هذا فإنّ اميركا كانت تشكو من نقصان الدم باستمرار بخلاف بريطانيا. قد يظنّ البعض أنّ المال يغري بالتبرّع، إلاّ أنّ الحقيقة بخلاف ذلك، فحين تعطي بدلاً مادياً للتبرّع بالدم، فإن التبرع يتقلّص. الانسان تدفعه انسانيته، أخلاقه، تضحياته، تعاطفه إلى التبرّع بالدم ولكن حين تعطيه بدلاً فأنت بذلك تحرمه من ممارسه هذه الرغبة الإنسانية المكنونة في كثير من الناس. فالحبّ سخاء، والتبرّع بالدم نوع من الحبّ الإنسانيّ. إنّما نتبرّع ، يقول لسان حال المتبرّع، لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً. الجزاء يهدم، لهذا وجدت اميركا ان سحب البدل المادي هو الحلّ لعدم نقصان الدم.

وتنقل الكاتبة حكاية ثانية عن مركز حضانة كان يعاني موظفوه من تأخر الأهل في استحضار ابنائهم، لذا قرّرت الإدارة وضع عقوبة مالية على كلّ عشرة دقائق تأخير لحثّ الأهل على الوصول في الوقت الموعود لأخذ ابنائهم، الاّ انّ النتيجة كانت خلاف المتوقّع، لاحظت الإدارة زيادة عدد من يتأخّر من الأهل. النتيجة كانت عكسيّة تماماً، والسبب المشاعر. لا أحد يمكن أن يتنبّأ بشكل آلي ومنطقيّ بردود أفعال المشاعر. كان باسكال يقول: للقلب منطق لا يعرفه منطق العقل، اي ان المنطق، عملياً، منطقان بل قد يكون أكثر من ذلك، فللمزاج أيضا منطق خاص به، منطق متلوّن، متغيّر خاضع للسياقات والأوقات. كان الأهل يأتون مسرعين معتذرين للتأخر، تغير حالهم، صاروا يأتون متأخرين من غير حاجة للاعتذار او شعور بتأنيب الضمير في تأخير الموظفين، فالتأخير له ثمن، وهذا الثمن أراح الأهل بدلا من أن يزعهجم صاروا يتأـخرون على راحتهم ما دام الأجر مدفوعاً. لقد وقعت ادارة المدرسة في ما هربت منه. انتبهت الإدارة الى ما ارتكبته من خطأ في التقدير فعادت سيرتها الأولى إلا أنّ الأهل لم يعودوا سيرتهم الأولى، اعتادوا التأخير ولكن هذه المرّة من دون شعور بالإحراج!

وتروي الكاتبة حكاية مدير شركة قرّر تحسين عمله فقام بتنظيم منافسة بين موظفيه ومنح الفائز في المنافسة مكافأة. كانت النتيجة ان الشركة بدأت بالتعثّر والسبب ان بعض الموظفين صاروا يضعون عصيّاً في دواليب الموظفين المرجّح فوزهم بالمنافسة. ان الفوز في سباق ركض، مثلاً، متعدّد الطرق، فقد تفوز بطريقة مشروعة وهي ان تكون أسرع من غيرك، ولكن هذا وحده لا يكفي، فقد يفوز عليك من ينصب أمام قدميك الفخاخ الخفيّة.

كثيرا ما يحدث ما هو غير متوقّع فيقلب الأمور ظهراً لبطن. لم يكن أحد يتوقّع غرق التايتانيك ولكنّها غرقت، وكذلك لم يخطر ببال أحد أن تغرق البارجة الحربية " فازا" التي أمر ببنائها عام 1628 ملك السويد غوستاف الثاني، وكانت أعظم ما شيّد من بوارج حربية في ذلك الوقت. وقد استغرق العمل عليها ستّ سنوات من الجهد المتواصل، ولكنّها ما إن وضعت في الماء حتّى لعبت بأشرعتها الرياح وأغرقتها، وبقيت تحت الماء في مرفأ استوكهولم حوالي أربعمائة سنة. الحياة لها منطق يثير غيظ المنطق الأرسطيّ " فليس لشيء ممّا تراه عينُك منهاج" كما ورد على لسان أبي حيّان!

بلال عبد الهادي

الأحد، 22 يوليو 2018

سوء تفاهم



قد يولد نصّ ما من مشهد عاديّ، بسيط، مؤلم أو مفرح، كما نصّ نجيب محفوظ القصير هذا، لمّا رأى طفلاً يبيع الحلوى عند إشارة المرور، فبكى ثمّ كتب :
"وأحلامُ الأطفالِ قطعة حلوى، وهذا طفلٌ يبيع حُلمه!"
نجيب محفوظ بارع في التقاط لحظات مرئيّة من هذا القبيل، وإدراجها في نصوصه الكبرى، أو إبقائها منفردةً كخواطر عوابر تشبه تلك التي كان يلتقطها المصوّر الفرنسيّ ( روبير دوانو Robert Doisneau ) من وراء عدسته البسيطة والأخّاذة.
كان الجاحظ يقول: " المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجميّ والعربيّ والبدويّ والقرويّ، وإنّما الشأن في إقامة الوزن، وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحّة الطبع، وجودة السبك. فإنّما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير". وكلام الجاحظ، هنا، يسمح لي أن أجمع بين الكاتب والمصوّر، بين نجيب محفوظ الذي صوّر القاهرة وعوالمها بقلمه، وبين دوانو الذي صوّرعوالم باريس بعدسته المبدعة. فالجاحظ لم يغب عن باله (التصوير) وهو يحكي عن المعاني والكتابة وصياغة الشعر. ولا ننسى عبارة ( "الصورة" الشعريّة).  
قد يكون خبر صغير من عدّة سطور في جريدة ضمن زاوية أخبار متفرقة كنزاً تقع عليه عين أديب متمّكن فيصير رواية.  ويقال إنّ غوستاف فلوبير استوحى من خبر في جريدة قصّة مدام بوفاري. وكثير من الكتّاب عبر مقابلات معهم يروون  فضل الأخبار المتفرقة على إبداعاتهم وتدفّق خواطرهم.  وقد تقع عين مخرج حصيف على هذه الرواية الخارجة من وحي الخبر فتصير فيلماً أو مسلسلا تلفزيونيا طويلا عريضا، أو تلفت نظر مخرج مسرحيّ فتصير حياة نابضة تمشي على خشبة مسرح، بل قد لا يكون نواة قصّة ما غير منام خارق رآه الكاتب في نومه. من أشياء صغيرة تنبثق أحياناً الأعمال الكبيرة. والكتابة لا تختلف، في أحيان كثيرة، عن بناء مدينة قرطاجة بحسب ما تقوله الأساطير!
ومن طرائف الأخبار المتفرّقة ما كتبه ألبير كامو في روايته "الغريب" عن قصاصة من جريدة، صارت فقرة من الرواية،  سردها  ألبير كامو على لسان بطل الرواية مرسو. وهي الفقرة التالية: " الواقع أنّي عثرت، ما بين فراشي من القشّ وخشب السرير، على قصاصة جريدة قديمة ملصقة تقريباً بالقماش، وقد اصفرّ لونها وشفّت. وكانت تسرد حادثاً كانت بدايته ناقصة، ولكن لا بدّ أنّه جرى في تشيكوسلوفاكيا. إنها قصة رجل غادر قرية تشيكية سعيا وراء الثروة. وبعد خمس وعشرين سنة عاد غنيا بصحبة زوجة وابن. وكانت أمه تدير فندقا مع اختها في مسقط رأسه، ولكي يفاجئهما. فإنه ترك زوجته وابنه في مؤسسة أخرى، وقصد أمّه التي لم تستطع أن تتعرف عليه حين دخل عليها. وعلى سبيل المزاح، خطر له أن يأخذ غرفة في الفندق، فأراها ماله. في الليل قتلته أمّه وأختها بمطرقة حديدية لتسرقاه، ورمتا بجسمه في النهر. في الصباح ، أقبلت الزوجة، وكشفت ، من غير أن تعرف بالحادث، عن هوية المسافر، فشنقت الأم نفسها، وألقت الأخت بنفسها في بئر. كان لا بدّ لي من أن أقرأ هذه القصة آلاف المرّات. لقد كانت، من جهة غير محتملة الوقوع، وكانت من جهة أخرى طبيعية. وأياً ما كان، فقد كنت أجد أنّ المسافر قد استحقّ ما أصابه بعض الاستحقاق، وأنّ على المرء ألا يمثّل أبدا". ( الغريب، ترجمة عايدة مطرجي إدريس ، دار الآداب، ص ١٠٠-١٠١).
لم يكتف ألبير كامو بما ورد على لسان مرسو. ظلّ ذلك الخبر الفاجع يراوده ويقضّ مضجع أفكاره إذ وجد فيه ضالّته العبثية المنشودة، فلقد قرأ القصّة آلاف المرّات كما ورد في نصّ "الغريب". كان كامو يعيش في أجواء الحرب العالمية الثانية، ومن عبث الحرب الحارق نبتت وترعرعت فكرة العبث التي تناولها في ثلاثيّته ( الغريب، سوء تفاهم، وغاليغولا). وكانت مسرحيته "سوء تفاهم" هي الامتداد للخبر الذي التقفه من الجريدة، موسّعا فيه، وواضعاً فيه جوهر فلسفته العبثية الدامية. وصارت هذه المسرحية حمّالة دلالات وأفكار على غرار الأساطير التي عاشت في كنف التحليل النفسيّ والأدب من قبيل أسطورة نرجس، أو أسطورة عوليس ( أوليس/ Ulysse)، أو أسطورة أوديب، أو أسطورة بروميثيوس، أو أسطورة سيزيف الذي كرّس ألبير كامو له كتابا في فلسفة العبث. فـ"سوء تفاهم" صارت بمثابة صورة عن القدر الأرعن والعابث الذي لا يمكن إيقافه أو تعديل وجهة سيره. وهناك من يقول ، ربّما، لتبرئة اميركا إن إلقاءها للقنبلة النووية على اليابان كان وليد "سوء تفاهم" ظهر من سوء فهم في الترجمة. وهنا أتوقف قليلاً عند كلمة سوء تفاهم الفرنسية malentendu  التي يمكن أن نلعب بمعناها ونحولّها إلى كلمتين بمعنى مختلف mal entendu  ، وكلمة mal  الفرنسية تحمل من جملة ما تحمل معنى الشرّ، وعليه يمكن أن نضمر معنى " الشرّ المسموع (الكلمة)" في تضاعيف معنى سوء التفاهم!. وفي رقبة "سوء التفاهم" الكثير من الدم بحيث يمكن أن يكتب المرء " تاريخ سوء التفاهم الدامي" عبر الأزمنة والأمكنة المختلفة وما خلّفه من منعطفات تاريخيّة حادّة. والقدر يستخدم " سوء التفاهم" كمحبرة يغمس ريشته في حبرها الأحمر ليكتب سيناريوهات المصائر القانية.
ولقد تلقّفت مسرحية " سوء تفاهم " السينما العربية أيضاً، فظهر فيلم "المجهول" الذي مثّلته نجلاء فتحي  مع عزّت العلايلي  وسناء جميل  وعادل أدهم في العام 1884.
 ولم تنته قصّة تلك القصاصة التي التقطها ألبير كامو من خبر عابر في جريدة، وجعلها علامة على عبث الأقدار والأعمار. فمن يدري ما هو عدد الأفلام والنظريّات التي قد تخرج من رحمها المنجاب.

بلال عبد الهادي


وما أدري وسوف إخال أدري أقومٌ آلُ حصنٍ أم نساء؟




هذا بيت شعر عربيّ قديم ينسب للشاعر الحكيم زهير بن أبي سلمى. ولقد اخترته لاستخدامه كشاهد على عبارة" يا قوم"، وهي عبارة شائعة منها ولد مفهوم "القومية" كما في " القومية العربية"  مثلاً. ما لفت نظري في التعبير انه يعني الرجال لا النساء. فالمرأة ليست جزءاً من القوم. والكلمة كانت تعني الرجال، والدليل كما في البيت هو وضع كلمة "قوم" على تضاد مع كلمة "النساء"، و"القوامة" كمصطلح ديني هي ايضا من الكلمات التي ترتبط والقوم بالجذر نفسه.

القيام من الجذر نفسه ايضا، وعكسه القعود، اي ان القعود من سمات المرأة وليس الرجل. في الشعر العربي القديم كان الرجل الذي يقلّد النساء يسمّى بالقعَدة، اي ان الرجل القاعد لا القائم لا ينتسب الا مجازا الى عالم الرجولة، وارتبط القعود بالمرأة لا بالرجل، هذا ما يقوله فعل عامّي، خرج من طبيعته الدلاليّة الأولى ودخل في حيّز المجازات. واليوم، ايضا، حين نريد ان نتكلم على رجل قاعد في البيت نستعمل عبارة لا تخلو، بدورها، من طرافة. نقول انّه " رجل متْسَتِّتْ" اي رجل "قاعد مثل "الستّات" في البيوت. هنا فعل" تستّت" خارج من رحم المرأة،/الستّ، القاعدة.

وعليه، لا تخلو كلمة قوميّة من "نكهة ذكوريّة" وتمييز عنصريّ، في الأصل" القوم" تمييز عنصري بين المرأة والرجل، بين الأنا والآخر، ومن باب القومية دلف الكثير من الايديولوجيات العنصرية، مثل النازية او الصهيونية التي لا يريد الغرب ان يرى وجه الشبه بينها وبين النازيّة!

الطريف بالأمر " ان القعود سمة مشتركة للنظرة العربية والنظرة الصينية للمرأة. فرمز المرأة يشير الى امرأة قاعدة، بينما رمز الرجل الى "رجلين".

الرجل من الرجلين. فالفرق بين الرَجُل والرِجْل فرق في الحركات‍! في العربية والصينية، والمرأة، في الحضارتين الشرقيتين، من القعود.

وقوف المرأة على رجليها يخيف الرجل. يبدو أنّ "قوام " المرأة الممشوق يزعزع "قوامة" الرجل، ويبدو أنّ الأمر باق على ما هو عليه الى يوم " القيامة".