السبت، 4 يناير 2020

ما هو الرمز الصيني؟

اللغة الصينيّة عاشت بعيداً عن الألفباء آلاف السنوات، ورافق الرمز الصيني الحضارة الصينيّة من يوم نشأتها إلى اليوم.
فكّرت الصين في لحظة من تاريخها الحديث أن تتخلّى عن رمزها وتستبدله بالحرف اللاتيني.
الشعوب المتخلّفة عندها مشكلة مع كتابتها، ومشكلة مع لغتها، هكذا فكّرت اليابان في زمن تخلّفها، وهذا ما خطر ببال روّاد نهضة في الصين، وهكذا ما فعله أتاتورك حين تخلّى عن الحرف العربيّ لصالح الحرف اللاتينيّ.
ولكن واجهت الحرف اللاتيني صعاب لا يسهل تجاوزها في الصين. فالألفباء لا تناسب اللغة الصينيّة، فالكتابة الألفبائيّة لا يمكنها استيعاب اللغة الصينيّة.
كل أشكال الألفبائيات لا يمكنها إلا أن تكون عكاكيز لا غير ولا يمكنها أن تقوم مقام الأقدام.
رمز الرمز تقع العين عليه في بداية تعلّم المرء لهذه اللغة، وهو 字。
لم يخطر لي أن أنظر إليه نظرة تفكيكية من قبل، فهو بسيط التركيب لا يجهد الذاكرة كثيرا، ولكن اليوم لا أعرف لماذا انتبهت إلى نقطة طريفة في تكوينه .
ثمّة علاقة بيولوجيّة على سبيل المجاز مع اللغة، فلغتك التي تبدأ باكتسابها وأنت في رحم أمّك، وهناك دراسات جديدة عديدة عن تلقي الجنين في وحم أمّه لصوتها واهتزازت جسدها وهي تحكي، فالجنين يسبح في المياه الأمينيّة ويسبح أيصاً في صوت أمّه، قلت علاقة بيولوجيّة على سبيل المجاز، لأنّ لغتك تسمّى اللغة الأمّ، والعلاقة مع الأمّ علاقة فريدة لا يمكن ضبط كلّ أبعادها على صعيد النفس والروح والمشاعر والأهواء، ولكن كيف ينظر الصينيّ إلى الرمز الصينيّ؟
هل من علاقة بين الرمز الصيني والطفولة؟
هل الرمز طفل صيني؟
ربّما صلابة الرمز الصيني تأتيه من شكله، فأنت كي تكتب رمز " رمز/ الكتابة الصينية"، تضع طفلاً 子 تحت سقف宀، والسقف في الكتابة الصينية رمز للحماية، رمز للبيت في أمكنة كثيرة، وعليه فإنّ الرمز الصيني في نظر الصينيّ طفل غضّ ، محميّ .
ويمكن للمرء أن يتصوّر هذه العلاقة الفريدة إذا عرف علاقة الصينيّ بالخطّ، والمقام السامي الذي يحتلّه الخطّاط في الثقافة الصينية، وهو مقام لم يصل إليه الخطاط العربي رغم ما هوقداسة الحرف العربيّ.

حوار حول اللغة والشعارات أجراه معي بهاء إيعالي


قد نجدُ اليوم أنّ الباحثين في علوم اللغة والدارسين لها هم قلّة بعددهم، غير أنّ الحكم على فكرة الأقلّية بالضعف هو حتى في المجالات الأكاديميّة حكم جائر، فلطالما كان لهذا المصطلح صولاته في إبراز قوّة خاصة لهذه الفئة، قوّة تتميّز عن قوّة الأكثرية بالكيف.
ويعدّ الدكتور بلال عبد الهادي واحداً من الأقليّة التي كان لها شغلها في هذا المضمار الواسع، فأستاذ الألسنية في الجامعة اللبنانية له أبحاث رائدة حول مسائل اللسان ومقارناتها بشؤون الحياة العامة واليوميّة، بالإضافة إلى اهتمامه بالثقافة الصينية وبحثه الطويل فيها، ولعلّ هذه الأبحاث لها شأنها في المشاريع الضخمة اليوم القائمة على إحياء طريق الحرير بين الشرق الأوسط والشرق الأقصى، عدا عن عمله في الصحافة العربية والفرنسية فترة التسعينيات ومطلع الألفية الحالية.
هنا حوار مع عبد الهادي يتطرّق فيه، من ضمن أمور أخرى، إلى الانتفاضة الشعبية في لبنان عبر المقاربة اللغوية فيؤكد أن اللغة في الثورات هي مكوّن من مكوّنات سيمائيّة عديدة: الألوان، الملابس، القبضات، الخيم، وأنه حين تقرأ الشعارات إنّما تقرأ أحلام الناس، انكساراتهم، وسخريتهم. فالإنسان يحارب بالضحكة كما يحارب بالصرخة، ويحارب بالكلمة كما يحارب بالصورة والكاريكاتور.

‎1- بدايةً ينبغي التطرّق إلى اختيارك
‎لعلم اللغة الحديث في دراستك الجامعية بادئ الأمر، وفي بحوثك وعملك في الصحافة فيما بعد، ما الدافع الأساسي لاختيار هذا المضمار عن غيره؟
‎لعلّ الجراحة هي ما أخذني إلى اللغة. كنت أودّ أن أدرس الجراحة، فجاءت الحرب الأهلية، واختلت الحياة والمسارات والأحلام والمشاريع إلى أن حطّ بي الترحال في عالم الأدب، أو عالم القراءة، ولكن لم أنس رغبتي الأولى في دراسة الجراحة، لولع بما لا تراه عيني، فالجراحة علاقة مع الأحشاء، ووجدت أن علم اللغة شكل من أشكال الجراحة اللغويّة ، شقّ اللفظ بمبضع لغويّ للوصول إلى المعنى، المعنى أحشاء اللفظ.
‎2- من الواضح أنّك تهتمّ باللسان اليومي من خلال مقاربتك للكلام المحكيّ اليومي بالألسنية، وكأنّك تكرس صفة القناص للباحث اللغوي الهاوي لصيد عبارات هي مرآة المجتمع. كيف تفسّر الصلة بين اللسان الناطق وتطوّر اللغات والألسن؟
‎تفتنني العبارات الشائعة في لغة ما، العبارات التي نكتبها أو نحكيها، العبارات الشائعة تحكي، تروي لنا سيرة شعب أو سيرة شخص، والعبارات الشائعة لها خطّ بياني يرافق المجتمع صعودا وهبوطا، هي إلى حدّ ما تشبه الموضة، فالموضة لا تؤمن بالثابت، ولا بالتواري ، فما يتوارى اليوم قد يعود إلى الظهور في فترة ثانية، وطريف مطاردة العبارة، واستخدام الكاميرا الخفية في تصوير سيرها، ألا نقول: الأمثال السائرة؟ كلمة " السائرة" هنا بحرفيتها فتحت لي درباً لغوياً محبّبا إلى قلبي، فلقد قرأت مثلا عبارة " نعود بعد قليل" التي يعلقها البعض على باب محلّه، كلمة بسيطة ولكنّها حمالة دلالات على طريقة استخدامنا للوقت. وكلمة " ما بأثّر" التي تطفر من الأفواه في لحظات تواصلية وسياقية متعددة. ماذا يفعل بنا هذا التعبير؟ إلى أي مكان يأخذنا؟ ما الدور الذي تؤدّيه هذه العبارة في اضطهاد الإتقان مثلا. أنظر إلى هذه التعابير نظرتي إلى ال ADN ، فهذه التعابير هي ADN الشعوب والأرواح والمجتمعات.
‎أما بالنسبة للسان الناطق فهو اللسان الحيّ، الكلام سيّال كما الأنهار ، ومن الطبيعي أن يتغيّر، فاللعة الواحدة كما الشخص الواحد على مستوى الشكل وعلى مستوى المضمون. وجهي اليوم ليس هو وجهي قبل ثلاثين عاما، بشرة وجهي تغيّرت، وبشرة اللغة كبشرة الوجه، هل ألوم بشرتي لأنّها تغيّرت؟ وهل ألوم طريقتي في التفكير اليوم لأنّها اختلفت عن طريقتي في التفكير السابقة؟ أتعامل مع اللغة كما أتعامل مع جسدي، وأتعامل مع لغتي كما أتعامل مع أفكاري. وكلّ إنسان يلحظ تطوّر اللغة الواحدة في بيته نفسه، فلهجتي في الكلام غير لهجة ابني ، ولهجة ابني بخلاف لهجة ابنتي، هذا طبيعيّ . ومن اللاطبيعيّ التعامل مع اللغة كما كان يتعامل المجتمع الصيني مع أقدام المرأة!
‎3- في مقالك "الفراهيدي والقرصان الرقمي" تحدّثت عن تدوير المصطلحات عبر الزمن من خلال تحوّل مصطلحٍ مهمل في "كتاب العين" إلى مستعملٍ وبالعكس، ما هي المعايير التي يمكن وضعها لدراسة المصطلحات من خلال اهمالها واستعمالها؟
‎المعيار الأوّل هو الاستعمال، ولكن علينا عدم ترك الاستعمال على حلّ شعره، علينا أن نراقب حركة الاستعمال، وحركة الاستعمال حركات، فحركة استعمال مفردة في لبنان هو غير حركتها في المغرب أو مصر أو الأردن. ودراسة الاستعمال يحتاج إلى جهود جبّارة ورصد يوميّ، وهذا لا يمكن أن تقوم به مجموعة صغيرة أو فرد بعينه. هناك دول كثيرة تهتمّ بالتخطيط اللغويّ كالصين واليابان وإسرائيل وغيرهم من بلدان، فالصين مثلا تقوم سنويّا بما يمكن أن أسمّيه دراسة حركة البورصة اللغوية. فالكلمة لا تغرّد خارج السرب، ولا تعيش في عزلة، يدرسون أسباب ارتفاع أسهم كلمة أو انخفاض أسهم تعبير، وهذا يساهم في تكوين الشبكة اللغوية التي تحيط بالمجتمع. فكل مجتمع هو شبكة لغويّة. المجتمع ليس أخرس. والمفردة الواحدة قد تنام دهراً من الزمان كنومة أهل الكهف أو كنومة الأميرة التي أيقظتها قبلة أمير، وقد يجيء ظرف يشبه قبلة الأمير فيوقظ كلمة ويسند إليها مهامّ جديدة، ودلالات جديدة. قوّة أيّ مفردة تكون في قدرتها الخارقة على حمل أكثر من بطيخة دلالية في يد واحدة. وعلى اللغويّ أو يكون براغماتيا في علاقته مع اللغة وليس دكتاتوراً، ولعلّ كتب " قل ولا تقل" هي شكل من أشكال الدكتاتورية اللغوية، فاللغة كالمدن. هل وجدت مدناً بلا مقابر؟ ولكن الفرق بين المقبرة اللغوية والمقبرة البشريّة هو أن لا أحد يعرف متى تنفض مفردة الرفات عن روحها وتعود لممارسة حياة طبيعية ومعاصرة وحيوية. مصير المفردة عن عين الراصد مغيّب!
‎٤- تتنوّع مصادرُ بحثك بين المصادر اللغوية التراثية (إبن منظور، ابن جني...) والمراجع الحديثة العربية والأجنبية (عبد السلام المسدي، فرديناند لوسوسير...). ما هي الأسس التي تبني عليها قراءاتك بشكلٍ عام؟
‎قرّرت أن أستوحي طريقتي في القراءة من جملة أمور نلحظها في الحياة:
‎طريقة النحل في صيد الرحيق.
‎طريقة الناس في الأكل.
‎طريقة النهر في تعامله مع الروافد الوافدة إليه.
‎الطبيعة درس محنّك في الحكمة، ولعلّ من شروط الحكمة البراغماتيّة وامتلاكها ليونة تشبه ليونة جسد هرّ. وهنا يحضرني نصّ لابن المقفّع عن طريقة تعلمّه حتّى ممّا لا يخطر لنا أحيانا أن نتّخذه أستاذا لنا، يقول:
‎"أخذت من كلّ شيء أحسن ما فيه حتّى من الخنزير والكلب والهرّة، أخذت من الخنزير حرصه على ما يصلحه وبُكورَهُ في حوائجه، ومن الكلب نصحه لأهله وحسن محافظته على أوامر صاحبه، ومن الهرّة لطف نغمتها وحسن مسألتها، وانتهازها الفرصة في صيدها".

‎وهكذا تعلّمت من النحلة التي لا تكتفي بنوع واحد من الزهور لاصطياد الرحيق، فقلت عليّ أن لا أحبس نفسي في تخصّصي. الانحباس في تخصّص واحد يلوّث أوكسجين الفكر. فتعدّدت قراءاتي ولكن كنت أتعامل مع ما أقرأه من منظور لغويّ، أي كنت حتّى ولو كنت أقرأ كتاباً عن التواصل بين الأشجار في الغابات أبحث عن وجه الشبه بين الشجرة واللسان. وإن كنت أقرأ كتاباً عن ثقافة الطعام في حضارة ما أبحث عن وجه الشبه بين الطعام والكلام، وإن كنت أقرأ كتاباً في إدارة الأعمال كنت أعقد مقارنة بين إدارة الأعمال وإدارة الكلام، وهكذا، فوجدت أنّه انفتح أمامي باب يشبه باب خزانة أليس في بلاد العجائب، واللغة عجيبة ، بل آية إلهيّة . كلّ الكتب بشتّى تخصصاتها تأخذك إلى مكان يشبه شبكة، فكتاب في البيولوجيا هو خيط من شبكة المعرفة الكبرى، كل كتاب فراشة. وتعرف المصطلح الذي يرفرف بأجنحة الفراشة وهو " أثر الفراشة". وفي كتابي " الكتابة على جلدة الرأس" عدّة مقالات عن دور البيولوجيا في توليد نظرية فلاديمير بروب في السرد، أو دور علم الاجتماع في توليد نظرية دوسوسير، وعن الرياضيات في توليد معجم العين للفراهيدي. الاكتفاء بتخصص واحد واحد يسبب الترهل الفكري والجسدي والروحي. الاكتفاء بتخصص واحد يشبه نوع واحد من الطعام بشكل يومي في الوجبات الثلاث. ويعجبني اللون الداخل في الطعام، فنحن نقول ألوان الطعام، ولا يصبر الواحد منّا مهما كان متقشّفاً على لون واحد من الطعام. التنوّع علامة من علامات الصحة، وهذا أحد أسباب قراءتي صباحاً للجاحظ، ومساء لرولان بارت مثلا، وقراءة كونفوشيوس ظهرا. ولعل أفضل ما يترجم طريقتي في القراءة، هو ما قالته لي ذات يوم ابنتي حين كانت تتجوّل في مكتبتي:
‎"يا بابا يللي بفوت ع مكتبتك ما بيعرف شو دارس أو شو تخصّصك".
‎اكتشفت ان من يدخل عالم اللغة يدخل عالم الأشياء كلّها، فالدنيا نصّ مديد، وارف الأغصان، نصّ نظلّ في بداياته.
‎ويمكن القول إنّ طريقتي في القراءة هي نفسها طريقتي في الكتابة.

‎٥- تعودُ إلى التراث العربي من خلال الحكاية والنادرة، كما في مقاليك "خرافة العذري" و"كلب الشاعر ابن جهم" على سبيل المثال. أمن الضروري اليوم، من وجهة نظرك الخاصة، استعادة التراث العربي القديم؟ كيف؟
‎التراث جزء من حاضرنا، لا يمكن لأيّ زمن أن يعيش كغصن مقطوع من شجرة. التراث ضرورة. التراث تاريخ، هل نلغي دراسة التاريخ، الجغرافيا من يشكّلها؟ أليس الزمن الماضي يعيش بين ظهرانينا ؟ التراث لا مفرّ منه. مشكلتنا ليست مع التراث وإنّما في طريقة نظرتنا للتراث. الحاضر نظرة. والنظرة ليست مسألة بيولوجية وإنّما في جزء كبير منها نظرة ثقافيّة. البيولوجيا أداة ثقافيّة. الانحباس في الحاضر احتضار، الانحباس في الماضي احتضار، العيش في المستقبل احتضار، الإنسان الطبيعيّ جوّال في الأزمنة. فكلّ إنسان هو إبن لأب ، وأب لإبن. أنت ككائن حيّ همزة وصل أو جسر بين أب وحفيد. إدارة الظهر للأب عقوق، وإدارة الظهر للماضي عقوق. ولا تخلو أحوال بعض الناس من عقوق ، كما لا تخلو الدنيا من عزّاب، ولكنّها حالات استثنائية. الزواج حالة طبيعية، والتزاوج بين الأزمنة حالة طبيعيّة. الصين اليوم بعد أن استعادت زمام نفسها استعادت تاريخها، فاختارت لمعهادها في تسويق لغتها وثقافتها حكيمها العريق كونفوشيوس وليس ماو تسي تونغ. في حين أنها في فترة الخلل قامت بتحطيم ما أسمته دكاكين كونفوشيوس. انظر إلى اليابان هل تخلّت عن ماضيها وأساطيرها المؤسسة؟ أبدا! اعتبرت ماضيها منصّة إقلاع إلى المستقبل. الأزمنة الثلاثة أشبه بمكوّنات طبخة. ماذا تفعل إذا كنت تملك كلّ مكوّنات الطبخة ولكنّك لست طبّخاً؟ ستنتج طبقاً لا يؤكل. فلا بدّ من الأزمنة الثلاثة ولكن ذلك يتطلّب أن تحسن فنّ الطبخ الحضاري. مشكلة العربيّ اليوم أنّه لا يحسن الطبخ.
‎لست على خصام مع الماضي. ولكن لا أريد حبس الماضي في الماضي. الماضي متحرّك، وكثيرا ما أستلهمه في تناولي لأشياء حديثة. أوديب شخصيّة خرافية قديمة، ولكن هل حبسها فرويد في ماضيها أم أحضرها إلى علم النفس الحديث. لعبة الأقنعة لا تنتهي! والماضي قناع. أليس هذا ما فعله صلاح عبد الصبور في الحلاّج أو أدونيس في أغاني مهيار الدمشقيّ. التعصب بحدّيه الماضويّ والحداثويّ مضرّ بعافية اللغة، وعافية الفكر، وعافية الحاضر. ما أكتبه عن الماضي لا يزال حاضراً وفاعلاً في حاضرنا، فالإنسان واحدٌ مهما تقلّبت الدنيا. على سبيل المثال ، الإسكندر كان لا يستغني عن ملحمة الإلياذة في حلّه وترحاله، كانت الإلياذة كتاب وسادته كما لو أنّ التاريخ هو قوقعة السلحفاة التي تحميك وتنير لك الطريق، ولكن في الوقت نفسه علينا أن نتعامل مع الماضي كما لو كان كتاباً مفتوحاً على التحولات والتغيرات والتأويلات. التاريخ ليس نصا حجريا، وليس نصاً نهائيا. طريقتنا في قراءة التاريخ قد تجعله أجنحة ولكن قد تجعله أصفادا.

‎٦- تشدّد على ضرورة التمسكّ باللغة العربية ناسفاً بالمقولة الشائعة عن صعوبتها، وتقول بتساوي اللغات مستنداً لعبارة ابن حزم الأندلسي "العربية ليست أفضل اللغات" في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام". أيمكن أن نضع هذه المقاربة في خانة العولمة اليوم؟

‎يقال " اللغة الأمّ" ، آخذ هذه العبارة بمعناها الحرفيّ، ومنها انطلق إلى بناء علاقتي مع اللغة العربيّة. لا أطيق العقوق، من الطبيعيّ أن يحبّ الانسان أمّه، وعليه من الطبيعيّ أن يحبّ لغته. حين تجد شخصاً لا يحبّ أمّه تتساءل، تستغرب، تدين، تتهّم. وتعرف أنّ ثمّة مشكلة ما، مشكلة نفسية عاتية، أزمة معيّنة. الصعوبة مسألة نسبيّة كما كلّ شيء. كل طفل أيّا كانت لغته يكتسبها في وقت قياسي ويتقنها في وقت قياسي. الصعوبة في نظري ليست بنت اللغة وإنّما بنت تعليم اللغة. على سبيل المثال ، عندي موقف سلبيّ من الشواهد النحويّة، وهي شواهد شعريّة، لا نزال نكررها هي نفسها في المقررات النحوية في الجامعة. سؤالي : هل اللغة شعر أم نثر؟ في نظري الشعر هو استثناء لغوي ، فهل ننطلق من الاستثناء في تعليم لغة ما أم ممّا هو عام، شائع، مألوف. نرهق الطالب بالاستثناءات. صعوبة العربية آتٍ من مناهج تعليم اللغة. وإلا ما معنى أن يقضي الإنسان عدّة سنوات في تعلّم النحو والقراءة ثمّ تراه يرتكب الأخطاء المتعددة حين يقرأ نصّاً عربيّاً بسيطاً في جريدة أو مجلّة؟ لا يمكنني إحالة الأمر إلاّ على خلل منهجيّ في تعليم اللغة.
‎اللغة العربيّة على ضعفنا لا تزال لغة مطلوبة في العالم، وهذه فرصة ذهبيّة لا تصحّ لأيّ لغة. فاللغة العربيّة، اليوم، تأتيها قوّتها من عنصرين: ديني واقتصادي أي من عنصرين قديم وحديث. القديم دينيّ، والحديث نفطيّ. الطاقة رافعة لغوية، والدين رافعة لغوية. النفط مسوّق لغويّ بامتياز، وكذلك الإسلام. ما عدد الذين تربطهم بالعربية علاقة روحية وحميمة؟ كل مسلم هو طالب بالقوّة للغة العربيّة، فتخيّل السوق اللغويّ الكبير للغة العربيّة. ولكن ماذا نفعل؟ كيف ندير هذه الفرص؟ للأسف، العربيّ يعيش في زمن إضاعة الفرص، ويعيش في زمن الاستهلاك اللغويّ والفكري والاقتصادي والصناعي والتكنولوجي. ولكن رغم كلّ هذه الإعاقات لا تزال العربيّة قادرة على التأقلم مع الأزمات، ولعلّ ذلك بفضل الثورة المعرفيّة في هذا الزمن المعولم. ولي كل الثقة بالهاتف الذكي الذي لا يزال في مطلع شبابه، وسيكون له من التأثير على مختلف المستويات أكثر بكثير ممّا كان عليه تأثير الورق والطباعة على صعيد الأفكار وإنتاج التغيّرات الاجتماعيّة والسياسيّة والروحيّة. العولمة هاتف ذكيّ بين يديك، أنت لست حيث أنت وإنّما حيث تحبّ أن تكون. بلمسة زرّ تنتقل من قارّة إلى أخرى، ومن زمن إلى آخر، ومن لغة إلى أخرى. يقع على عاتق الهاتف مهمّة وهي محو الأمّية. هل زاد أم نقص عدد القراء بوجود الهاتف الذكي؟

‎٧- بالحديث عن العولمة لك مقولة مهمّة في هذا المضمار "غوغل سلطانٌ لغوي"، وكأنّك بشكل أو بآخر تقوم بتصويب أدوار وسائل التواصل والبحث العنكبوتية وتنادي بإحسان استخدامها في البحث والدراسة والعمل. ترى كيف تجد علاقة العربي بهذه الوسائل، هل ثمّة تطوّر في هذه العلاقة أم جمود؟
‎لغوغل سلطان لغويّ لا يستهان به، وسلطان غير لغويّ أيضا. غوغل يضع العالم بين يديك لكأنّه فانوس علاء الدين السحريّ. نحن، اليوم، على علاقة لمسيّة مع العالم. ألم تكن علاقة علاء الدين ، في أيّ حال، مع الفانوس علاقة لمسيّة؟ غوغل مسرح يعجّ بالحياة والأحداث اللغوية وغير اللغويّة. ومن الأشياء المهمّة في غوغل أنّه ليس دكتاتوراً لغويّاً، ولا يقمع أصابع أحد، يستقبل كلّ شيء، ويترك للاستعمال مهمّة الغربال. والاستعمال غربال فطنّ ومتحرّك ، عقليته ليست متحجّرة، عقليته تشبه عقلية اللغة نفسها، عقلية براغماتية، ولكن العقليّة البراغماتية لا ترضي كلّ الناس، لأنّها عقليّة غير ثابتة، يقينيّاتها محلّ تساؤل، وثمّة أناس يعتبرون اليقينيّات فراشاً وثيراً، وهؤلاء يعتبرون غوغل " مشاغباً لغويّاً"، و " مهرطقاً لغوياً". أنظر إلى غوغل نظرتي إلى البورصة، فهو يخبرني عن ارتفاع أسهم مفردة أو انخفاض أسهم مفردة، يحدّثني عن شعبيّة هذه المفردة أو شعبية تلك العبارة، يرسم لي الخطّ البياني بكلّ تشعباته للحراك اللغويّ في الشبكة اللغويّة، وهو في نظري يقوم بما عجزت عن القيام به مجامع اللغة العربيّة، المجامع تسير سير السلحفاة، وغوغل يقفز قفز الأرانب. ونحن، اليوم، في زمن السرعة. وأحبّ عقد مقارنة بسيطة بين العربية في زمن الجريدة الورقية، والعربية قبل زمن الجريدة الورقية، والعربية في ظلّ الجريدة الرقمية، انتقلت العربية في زمن الجريدة الورقية من الجمود إلى الحيويّة، الجريدة حرّرت العربيّة من الألاعيب اللفظيّة إلى حدّ بعيد، والجريدة الرقميّة حرّرت العربيّة من الورق وربطتها بالضوء، والضوء يلائم عصر السرعة. لا نزال في بداية التغيرات العاصفة والجذريّة التي أدخلها العصر الرقميّ إلى عالم اللغة، وهو تغيّر يعمل في نظري لصالح اللغة. ووسائل التواصل الحديثة أعادت عددا كبيراً ممّن غادروا عالم القراءة والكتابة إلى عالم القراءة والكتابة. للورقة هيبة لا تعرفها شاشة الهاتف، والهيبة ليست دائماً شيئاً إيجابيّاً. ولهذا نرى انبثاق الجرأة من كثير ممّن يكتبون بأصابعهم على خلاف الكتابة بالأقلام.
‎أليس الكتاب الورقيّ اليوم هو نسخة من الكتاب الرقميّ؟
‎انقلبت الآية كما يقال ولكن لصالح حيويّة اللغة لا لصالح جمودها.

‎٨- تتحدّث أحياناً كمن يبدو منبهراً بالثقافات الأجنبية وتبعاتها وآثارها على شعوبها كافة، فيما تشجع طالب العلم والدارس لتعلم لغاتٍ غير لغته الأم لما فيها من فوائد على اللغة الأم نفسها. هل تحاول إرساء دعوة لاقتداء الثقافة العربية بتلك الثقافات؟ ما هي النقاط التي ينبغي على الأولى العمل عليها لأجل ذلك؟

‎يقول العالم اللغويّ الشهير بلومفيلد صاحب المدرسة السلوكيّة في اللغة أنّ أحد أسباب ولادة الفلسفة في اليونان هو أنّ الشعب اليونانيّ كان يتميّز بالاندهاش، والاندهاش هو اعتراف بالجهل. هل رأيت طفلا لا يندهش؟ ولكن الاندهاش - وأفضّل كلمة الاندهاش على كلمة الانبهار- يجب أن يكون مقترناً بالفضول. هل رأيت طفلاً لا يتمتّع بالفضول؟ الفضول فضيلة، الفضول أمرٌ فطريّ، وكان الخليل بن أحمد يعطي تعريفاً طفولياً جميلاً للإنسان، فيقول: الإنسان سؤول عقول. والطفل يولد وفي عينيه دهشة، وما إن يبدأ بالكلام حتّى تقفز على شفتيه الأسئلة عبر أداتي استفهام " كيف"، و " لماذا" ( كيف وليش)، هل رأيت طفلاً لا يسأل؟ العالم لا يتخلّى عن طفولته، ولهذا تراه يستغرق في مسألة علمية بالطريقة نفسها التي يستغرق فيها طفل باكتشاف لعبة جديدة. العالَم في نظر العالم لعبة.
‎ولهذا السبب أحبّ الاطلاع على ما لا أعرف لتسمرّ دهشتي، الحياة بلا دهشة تضرّ بالعافية، حتّى العمل الروتيني يمكن أن يمارسه المرء بطريقة غير روتينية. الإنسان يعيش في عالم مليء بما هو مدهش. واللغة شيء مدهش، واطلاعي على لغات الآخرين يمنح لغتي الأمّ مناعة معيّنة، ويسمح لي الاطّلاع على لغتي الأمّ من منظور مختلف. علم اللغة الحديث هو ابن شرعيّ للغات الآخرين، قاضٍ انكليزيّ هو وليم جونز تستهويه اللغات تعرّف خلال إقامته في الهند على اللغة السنسكريتية فانكشفت له قرابة لغوية وصلة رحم بين الإنكليزية والهندية واللاتينية وغيرهم من اللغات . الآخر ليس جحيماً، الآخر هو النعيم بخلاف ما يقوله الفيلسوف الفرنسيّ جان بول سارتر. اللغة المختلفة عن لغتك تضيء لغتك من زوايا لا تخطر ببالك، وعليه اطلاعي على لغات الآخرين هو في جزء منه تعميق علاقتي بلغتي الأم. وأعطي دائماً مثالاً بسيطاً، معرفتي بالفرنسيّة زوّدني بالقدرة على قراءة عشرات الكتب باللغة الفرنسيّة التي تتناول الحضارة العربيّة أو اللغة العربيّة فازدادت معرفتي بلغتي وحضارتي لأنّ العين الأجنبيّة ترى ما لا أراه فتريني ما لا أراه. وعلى المرء أن لا يقع في فخّ الاستلاب. لأنّ الاستلاب جذّاب ولكنّه مدمّر للإنسان من الداخل. الانبهار يعمي الأبصار بخلاف الاندهاش الذي يفتّح العيون على أسئلة بديعة. وحين أدعو إلى تعلّم اللغات أدعو في الوقت نفسه إلى علاقة حميمة وسويّة مع اللغة الأم. ما قيمة المرء إذا ربح لغات العالم وخسر لغة نفسه؟ أحبّ السياحة في لغات الآخرين ولكن لا أحبّ الإقامة إلاّ في لغتي الأم.


‎٩- تبدي مؤخراً اهتماماً عميقاً باللغة والثقافة الصينية، في وقت تُلحظُ حركة نشطة لبعض العرب من باحثين لكتّاب لفنانين بالعملِ على دراسة الثقافات الأخرى ولغاتها. هل تعدّ هذه الحركة موازية لحركة الاستشراق الأوروبي التي حصلت بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؟ كيف؟

‎اهتمامي باللغة أخذني إلى لغات الشرق الأقصى، واللغة الصينيّة بالتحديد. واختصاصي بعلم اللغة الحديث جعلني سائحاً في لغات العالم. يبدو أنّ اللغة لا تكتفي بنفسها، والدرس اللغويّ يغريك بالبحث فيما هو غير لغويّ. وبما أنّ اختصاصي في الأساس هو اللغة العربيّة، وجدت أنّه من الضروريّ أن أبحث عن تلك الشعوب الشبيهة لنا والتي نظرت إلى لغتها في مرحلة ما نظرة دونيّة. فمن يقرأ في أسباب ضعف العرب الراهن يجد أنّ عددا من المفكرين العرب وجدوا أنّ مشكلة العرب هي لغتهم العربية الفصحى. الضعيف الذي لا يريد الاعتراف بضعفه يحيل أسباب ضعفه إلى عوامل ليست من نفسه. فالعربي يضع الحقّ في تقهقره على الاستعمار طورا، وعلى المؤامرة طوراً آخر، وعلى لغته طوراً ثالثاً. ولا يتفرّد العربيّ بهذه النقيصة، قل إنّها نقيصة كل من لا يريد أن يعترف أن تقهقهره هو من صنع يديه. هذا ما فعلته اليابان في زمن ضعفها، وهذا ما فعلته الصين في زمن ضعفها. لكلّ أمّة ضعيفة سعيد عقل، فهناك سعيد عقل صيني، وسعيد عقل كوري، وسعيد عقل ياباني. فبعض المفكرين الصينيين مثلا اعتبروا أنّ سبب تخلف الصين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين هو طريقة الصينيين في الكتابة، أي الرمز الصيني، ولكن حين تطوّروا استعادوا اعتزازهم بلغتهم، واعتزازهم برموزهم المكتوبة. وشيئاً فشيئاً وجدتني أنجذب إلى اللغة الصينية والفكر الصينيّ وما جذبني أكثر فأكثر هو غياب الصين في تراثنا العربي وتاريخنا العربيّ، فنحن ترجمنا عن السريانية واليونانية والهندية والفارسيّة ولكننا لم نترجم شيئاً عن التراث الصيني رغم ثراء الصين المدهش في مجال التأليف، بقيت علاقتنا بها علاقة تجارية ولم ترق إلى مستوى العلاقة الفكريّة، ولم يبدأ إلاّ حديثاً اهتمامنا بحضارات الشرق الأقصى ومنها الصين طبعا. ولا أنكر أنّ علاقني باللغة الصينية أعطاني فرصة لأطلّ على لغتي من منظور آخر وطريف، فصرت أنتبه لأمور ما كان يخطر ببالي أن أتعامل معها، علاقتي مع الصينية حررني من علاقتي البديهيّة مع لغتي الأم، كما زوّدني بموادّ دسمة أستثمرها في مقرّر أعلمه في الجامعة هو اللغة والحضارة، وكيف تلعب اللغة دوراً عظيما في تشكيل الحضارات. فاللغة، بكل معنى الكلمة، وجهة نظر أي طريقة خاصّة في النظر إلى العالم. الحضارة أشبه بعجينة في يد اللغة التي تشكّل الحضارة أي تعطيها شكلاً. فهي على صعيد الكتابة تمتاز بأنّها تتعامل مع المعنى وليس مع الصوت على غرار اللغات الأخرى.


‎١٠- تظهرُ اهتماماً بثقافة الطعام (تحديداً بالحمص والفول) ومآثر الطعام وقصصه مع الشعوب المختلفة، في وقت يظهر بعض المثقفين نفوراً من تخصيص حقلٍ خاص لهذا المجال بل يحاولون استيعابه عبر بوابة الأنثروبولوجيا بدهاليزها العديدة. ما هي الأسباب لهذا النفور؟ أتعتقد أنّه نوعٌ من "الانهزام الثقافي"؟

‎لا أعرف لماذا نحتقر أو نستهين بثقافة الطعام؟ فالمداخل إلى الحضارات تكون إمّا من باب اللغة وإما من باب الدين وإمّا من باب الطعام وإمّا من باب الهندام. وكان دافعي إلى النظر في الطعام دافعاً لغويّاً، فكلمة أدب لا تنكر علاقتها الحميمة مع المأدبة، فالكلمة الطيّبة ما جاءتها طيبتها إلاّ من حاسة الذوق، وخلال تحضيري للدكتوراه في المجال الألسنيّ في باريس ، رحت أقرأ في المراجع الألسنيّة واستوقفني نصّ عند العالم اللغوي الكبير رومان ياكبسون عن زميله الانتروبولوجيّ كلود ليفي استراوس الذي استوحى نظريته الانتروبولوجيّة حول الطعام تحت مسمّى المثلّث الغذائيّ من جانب لغويّ وهو الحركات أي الفتحة والضمّة والكسرة، دهشت في بادىء الأمر ولكن سرعان ما جذبني إلى وجه الشبه المديد بين الطعام والكلام، ورحت أتخيّل الكتابة وكأنّها تحضير طبخة مكوّناتها حروف الأبجدية، وعلى ضوء كتابات استراوس حول الطعام رحت اكتشف كيف يمكنك دراسة الدخيل في الغذاء على غرار الدخيل في الكلمات. وتوسّع اهتمامي في هذا المجال ورحت أدرس الطعام على ضوء علم السيمياء، فالطعام علامة، ولغة، ويمكن دراسة ألف ليلة وليلة مثلا من خلال الموائد والأطباق، ورحت أدرس المآكل ووظيفتها في السرد الروائيّ.
‎على سبيل المثال هناك كتاب عن مآكل رواية الزمن المفقود لبروست، وهي دراسة تتيح لك الدخول إلى السرد البروستيّ من مدخل شهيّ. للأسف الكتب التي تتناول الطعام من منظور اجتماعيّ أو فنّي أو أدبي في العربيّة شديد الندرة. لا أنكر أن مكتبتنا العربية من هذه الناحية تعاني ، للأسف، من جوع وسوء تغذية. وكأنّ الكلام على الطعام حرف ناقص!

‎١١- تشهد الساحة اللبنانية مؤخراً حراكاً ثورياً شاملاً كان لمدينتك "طرابلس" حصة الأسد منه، وقد كان لك مواقف داعمة لهذه الثورة ومن خلالها استحضرت مقاربات لغويّة جميلة من خلال الشعارات المرفوعة فيها. تاريخياً كيف للّغات أن تصنع الثورات وبالعكس؟

‎لا يوجد ثورة خرساء. فم الثورة أفواه الناس ، وشعارات الناس، وهتافات الناس، ولا شكّ في أنّ كلّ ثورة تبتكر خطابها. ومن الأمور التي تثير اهتمامي اللغويّ العبارات التي تكتب على الحيطان وزجاجات السيارات واليافطات. اللغة في الثورات هي مكوّن من مكوّنات سيمائيّة عديدة: الألوان، الملابس، القبضات، الخيم. حين تقرأ الشعارات إنّما تقرأ أحلام الناس، انكسارات الناس، وسخريّة الناس. الإنسان يحارب بالضحكة كما يحارب بالصرخة، ويحارب بالكلمة كما يحارب بالصورة، والكاريكاتور. ولعلّ ما ساهمت فيه الشعارات المكتوبة والمنطوقة هي كسر المحرّمات، وكسر الهيبة التي كان يتوارى خلفها رجل السياسة كما يتوارى خلف زجاج سيارته المعتم. تهشّمت هيبته كما يتهشّم الزجاج. كما نلحظ التفاعل بين الأحداث والشعارات، فهناك شعارات ترافق الحدث، وشعارات عابرة للحدث تتلوّن بتلوّناته فعبارة " هيلا هيلا هو.." أصبحت تلعب دور المبتدأ في جملة اسميّة خبرها متغيّر، متنقّل من مدح إلى هجاء، إلى سخرية، إلى تحبّب. وهناك شعارات ظرفيّة، قصيرة العمر، وشعارات كقطرة الماء اللحوح التي تحفر في الصخر.

‎١٢- إلام تتّجه مؤخراً في عملك؟ وما الجديد الذي تنوي الشغل فيه؟
‎أشتغل حاليّاً على كتابين: كتاب عن الفكر الصينيّ من خلال بعض الأشياء التي يتميّز بها الصيني، وكيف أنّ فكره يشبه لغته من ناحية الليونة، فاللغة الصينية شديدة اللين إلى حدّ أنّ الكلمة الواحدة قد تكون اسما أو فعلا أو حرفاً، فالحدود بين الأسماء والحروف والأسماء صارمة في كثير من اللغات، من شكل الكلمة تعرف إن كانت اسما أم فعلا أم حرفا بينما في الصينية الحدود غير واضحة بل في أحيان كثيرة غير موجودة، أو قل متحركة لا يحدد هويتها ويعطيها ملامحها إلا مكانها في السياق اللغويّ. لغة سياقية بامتياز، والسياق براغماتيّ ليّن يشبه جسد التنّين الرمز الجامع الذي نرى سور الصين بتعرجاته وكأنّه ظلّ أرضيّ للتنّين السماويّ.
‎والكتاب الثاني كتاب في التحفيز، وهو عبارة عن حكايات واقعية لشخصيّات مكافحة ، بدأت من الصفر، لا تعرف اليأس ولا الاستسلام، ولا حدود لطموحها وأحلامها، وأظنّ هذا الكتاب أشبه بحبّة بروزاك لمن تعتعه اليأس أو ضعضعه الفقر، حكايات ناس تقول لك إنّ الانتصار قدرك حين تتأبّط الإصرار والحنكة والحكمة، وهي شخصيات متنوعة عربية وغربية وصينية ويابانيّة تختصرها ربّما عبارة: حياتك فكرة، ابحث عنها.
https://www.alaraby.co.uk/diffah/interviews/2019/12/20/%D8%A8%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D8%B4%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%83%D8%B3%D8%B1%D8%AA-%D9%87%D9%8A%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%B3%D8%A9?fbclid=IwAR1YNRezyYsN1tksX_wQjiu0WW1WLzRyBG4D81FPst-4p_7LkttydxOhZd4



الخميس، 12 ديسمبر 2019

تقرير عن رسالة نسرين شلهوب عن شعر جوزيف حرب



ظلّت دراسة الخطاب بعيدة عن متناول الدرس إلاّ في حالات شديدة الندرة على امتداد فترات طويلة من عمر الخطاب إلى أن جاءت الألسنية بعتادها ومدارسها وتياراتها، ونظرت إلى النصّ باعتباره كتلة واحدة، أو جملة واحدة .  كانت ثمة دراسات طفيفة حاولت النظر إلى النصّ باعتباره كياناً واحداً شديد التماسك والتفاعل ، كالمحاولة التي قام بها الباقلاّني في كتابه "إعجاز القرآن"  حين درس معلّقة امرىء القيس ولكن، للأسف، بهدف تفنيدها لا بهدف إعلاء شأنها، بخلاف ما كان عليه الحال مع المحاولة الفذّة التي  قدّمها ابن حازم القرطاجنّي في كتابه "منهاج البلغاء وسراج الأدباء" حين تناول بائية المتنبي في كافور الإخشيدي " أغالب فيك الشوق، والشوق أغلب". كانت الدراسات اللغوية والنقدية تعمد الى تمزيق النصّ وتقطيع أوصاله، بينما الدراسات الحديثة عمدت الى ترتيق النصّ ولمّ شمله إذا صح التعبير، أي إعادة اللحمة بين عناصر النصّ الواحد أو أعضاء النصّ الواحد. فخرجت من مفهوم الجملة الى مفهوم النص او من مفهوم الجملة إلى مفهوم "الملفوظ".
وهذا من فضائل الألسنية التي لا يمكن نكران حسناتها الفكرية والأدبية والجمالية لأيّ دارس مهما حاول التفلّت من الرؤية الألسنية للنصّ.
وانتهى المطاف بالألسنية الى التعامل مع النصوص تعاملاً براغمياتيا، وخيرا فعلت. فالبراغماتية هي النظر إلى اللغة في حياتها اليومية، أو في حياة الناس اليومية أي ربط الكلام بالقائل والمتلقّي والزمن والمكان ، وهنا أشير إلى مسألة شديدة الخصوبة في الدراسات القرآنية، والتي تسمى بأسباب النزول في علوم القرآن، وأحيل هنا إلى ما ورد في كتاب السيوطيّ " الإتقان في علوم القرآن"، وهناك دارسون جادّون يحاولون استلهام ما ورد من أسباب النزول  كما فعل على سبيل المثال محمد الخطّابي في كتابه "لسانيّات الخطاب"، وتبني فكرة أسباب النزول كأدوات عمل وتشريح لتلك العلاقات التي تربط بين أعضاء النصّ والإحالات إلى ما هو من خارج النصّ. لكأنّ المعنى نكرة لا يأخذ ال تعريفه إلاّ من أمور ليست منه. فما هو غير لغويّ طريقك الى ما هو لغويّ.
كانت قراءتي للرسالة حول شعر جوزيف حرب التي تقدمها الطالبة نسرين، اليوم، ممتعة. قراءة شعر جوزيف حرب بحد ذاتها نعمة فنية، عينه عدسة مصوّر محترف ومقتدر وأنيق. حتى أن الأناقة التي يتمتع بها ديوانه على مستوى الشكل، من حيث نوع الورقة ولون الورقة، وجلدة الغلاف ورسمة الغلاف كأنها كلّها  ليست إلاّ مؤشّرات على مضامين قصائده وأناقتها الدلالية وهي من منظور جيرار جينيت عتبات وارفة الدلالة . قرأت رسالتك بمتعة، ولم تخل قراءتي لرسالتك من بعض التعب الذي فرضته على نفسي، في الوقت نفسه، خصوصا في الفصلين الأولين اللذين يتناولان مطولات جوزيف حرب ، ولكنه تعب حلو. في الفصلين الأولين كان الكر والفرّ في رسالتك  دائمين بين ما تقولينه عن القصائد الطويلة حين تعالجين مسائل جزئية أو مقاطع شعريّة والعودة الى ملاحق القصائد لتتضّح صورة هذه الجزئية ضمن اللوحة الفنية الكاملة للقصيدة، دنوّ وابتعاد مستمران بغية التقاط شبكة القصيدة بكامل خيوطها.
مقدّمة الطالبة مقدّمة ضافية، واضحة، تعرض فيها المنهج الذي اختارته ، وتعرض لأعمال كبار في هذا الاختصاص الذين وضعوا أسس لسانيات الخطاب، كما قامت بعرض للمصطلحات التي كانت أدواتها في تشريح النصوص وهي مصطلحات براغماتية أو سيميائية، والمصطلحات أشبه بخارطة طريق إلى النصّ.  ولعلّ من أشق ما يعترض أيّ باحث في بدء مسيرته البحثية هو هضم المصطلحات،  والتمرّن على استعمالها، فالمصطلحات خطيرة خطورة سكّين بيد صغير، يحتاج ترويضها إلى وقت وجهد وصبر ، ويبدو أنّ الطالبة أعطت الوقت والجهد  والصبر حقّهم. ولا أظنّ أحدا منّا لم يعان أو لم يتصارع مع المصطلحات وهو صراع لا ينتهي فيما أعتقد . وهذا ما نلحظه في أي حال في قاعات المحاضرات ونحن ندرّس الموادّ الألسنية أو النقديّة على وجوه الطلاّب حيث تكون بعض المصطلحات كالضباب الذي يشوّش النظر؟
وإن كنت لا اوافق الطالبة في بعض حالات التعميم كعبارتها مثلا " وللبراغماتية مفاهيم أساسية كانت قد تجاهلتها كلّ من فلسفة الكلام والألسنيّة"( ص 8)، فلا أظنّ أنّ فلسفة الكلام قد تجاهلت البراغماتيّة، ولا أظنّ أنّ الألسنية قد تجاهلت أيضاً البراغماتية، فبذور البراغماتيّة يمكن ان نراها في فلسفة الكلام وفي الألسنية، وفي ما قبل الألسنية كشذراتـ وأقول كشذرات، وهنا أتوقف عند عبارة وردت في كتاب الخصائص لابن جنّيّ  عن لغويّ وردت وردت على لسانه الجملة التالية: "أنا لا أحسن أن أكلّم الناس في الظلمة" فالظلمة تمحو بعض دلالات القول، أو بعض سياقات القول. عبارة بسيطة ولكنّها مكتنزة بالدلالات وخصوصاً أنّ من استشهد بها شخص عالي الكعب في المجال اللغويّ.
ومشكورة الطالبة في وقوفها عند مفاهيم كثيرة، معتمدة في تفسيرها وتوضيحها على مراجع حديثة ، فالعلوم اللغوية تشبه في تسارعها الى حد ما التطوّر التكنولوجيذ السريع بحيث إنّ العالم اللغويّ يشعر أنّه ملحوق دائماً، وأنّه يحتاح إلى تحديث معلوماته. واختيار الطالبة للبراغماتية والسيميائية كمدخل إلى بهو جوزيف حرب الشعريّ هو اختيار حيويّ يخصّب المقروء ويجمع الخيوط العديدة التي تشكّل الشبكة الدلاليّة الغنية والعفيّة لشعر جوزيف حرب، فالبراغماتية تتعامل مع اللغة بليونة خارقة تشبه ليونة اللغة نفسها.
كان المدخل الذي قدمته الطالبة غنيّا ومكثّفاَ، ولم يبق في الإطار النظريّ المحض بل عمدت الطالبة الى توضيحه بالأمثال والشواهد والحجج كما فعلت على سبيل المثال حين تناولها لمفهوم "الملفوظة الإنجازية" أو الدلالات الإنجازيّة".
ومن الأمور التي تستحقّ التنويه في عملها هو وضع المصطلح الذي تستعمله مع مقابله الفرنسيّ. فالمصطلحات الحديثة المنقولة عن لغات أجنبية يبقى بعضها كالطلاسم في حال لم نعرف مقابله الغربيّ، رغم بساطته، وهكذا صار بإمكان القارىء للمصطلح في تركيبته العربية أن يفقه بلا مشقّات أو تخمينات الدلالات التي يحيل إليها المصطلح. وأزمة المصطلحات العلمية في عالمنا العربيّ أزمة دالة على ما يعيشه عالمنا العربي على الصعيد العلميّ والفكريّ والاجتماعيّ.
ويتمتّع المدخل الذي كتبته الطالبة بكثافة في المعلومات، ولكنّها كثافة دسمة وغنيّة بالمعلومات النظرية البراغماتية لدى أقطاب هذا العلم ، ولن أذكر أسماء كلّ الأعلام الذين وردوا في هذا المدخل ، وأكتفي بما عرضته من أفكار غريس البسيطة والعميقة في آن واحد، بسيطة بحيث لم يخطر لكثيرين تبيان دورها الفعّال في عملية التواصل، وكثيراً ما تكون البديهيّات ضحيّة اسمها. كتحديده للفوارق بين الجملة والملفوظة والتضمين بأنواعه وتبسيط مفاهيمه عبر ترسيمات وأمثلة، وتناوزلها لمبدأ التعاون ومبادىء التبادل وآلية الاستدلال.
الفصل الاول
اشكال الخطابات النمطية وتضافرها في قصائد حرب.
كان المبحث النظريّ  في فاتحة الفصل الأوّل  مفيدا لمعرفة الطريقة التي ستعتمدها الطالبة في قراءة مطولة جوزيف حرب : لتوضيح معنى التماسك أو الاتساق، ولعبة الضمائر في تمتين روابط النصّ، وأسماء الإشارة، والمقارنة، من استبدال وحذف، وأظن ان المحذوف قد يكون هو الحاضر الأبرز، فالغياب مثير ودال ومبهج في أحيان كثيرة،  وأستعير كلمة " مبهج" من عبارة قالها الزمخشريّ هي "بهجة الحذف". كما شرحت دور الوصل في عملية لم شمل أوصال النصّ بأشكاله المختلفة من وصل إضافي أو عكسيّ أو سببيّ،  ، والتكرار عبر اختلافاته،  فالتكرار قد يكون عبر الترادف أي عبر التكرار المعنوي لا التكرار اللفظي مع ما لهذا من مكتسبات على الصعيد الدلاليّ أو الجماليّ كما تكراتر كلمة الأم مثلا في قصيدة " مدرستي الأولى"( 195)، ولفتت إلى الدور الذي يؤدّيه تكرار البنية  أو التكرار المتوازي، ومفهوم التضامّ في تعزيز صلابة النصّ، والحقل المعجميّ، الانسجام والترابط،
لقد كانت كل هذه الادوات كفيلة بالشروع في المبحث التطبيقي في دراسة المطولة التي شرعت الطالبة في تشريحها وتبيان دلالاتها الوارفة، وكنت اتخيل وأنا أقرأ هذه الفصل انني امام شجرة تنمو في اصيص من زجاج فجذورها الخفية لم تعد خفية وكنت ترى كيف قام الشاعر بكتابتها وتفريخ أغصانها وأوراقها وثمارها.
وفي الفصل الثاني، تتعمل الطالبة مع مسألة شديدة الحداثة والثقل، وهي الدور الذي يوديه الايقاع في تمتين أواصر الدلالة، فالايقاع جزء من المعنى، بل ترجمان له عند الشاعر المقتدر، فالايقاع يستعين بكل ما هو صوتي وزمني ، من تنسيق صوتي وهندسة موسيقية من توازن وتواز وتكرار، كما تستعين بالمستوى الاسلوبي الذي توخاه الشاعر جوزف حرب في التشكل الابداعي للنماذج الذهنية والحدثية عبر استخدام الرموز والانزياحات والتضمينات.
اما الفصل الثالث فهو اقل الفصول ارهاقا في القراءة ربما لأنه لم يعتمد الى دراسة المطولات الشعرية ، وهو الفصل الموسوم بعنوان الخطاب الدرامي في شعر حرب، حيث تبدأه الطالبة بمبحث نظري لمفردات هذا الغرض ومكوناته من فعل وصراع وحوار ومن ما هو مأساويّ وهزلي، والهزلي كما يبدو في شعر حرب هو هزل جارح، سخرية موجعة تثير الضحك بمقدار ما تفتق من جروح مبعثها التضاد كما فعلت الطالبة في قراءتها للمثقف العربي في الزمن الراهن، كما تبدى ايضا في عبارة " درامية الهزلي في شعر حرب"  حيث درست الطالبة قصيدة المثقف
" مثقف
له رأس كيقطين يعلقه بمطبخه
كبير القوم.
وريشة حبره بيضاء فوق بياض صفحته
تكفّر عن خطاياها بطول الصوم.
ويمضي اليوم
بعد اليوم.
ويبقى مثل مسمار على حائط
قديم، موحش، ساقط،
تعلق فيه أفكار ممزّقة، قبيل النوم".
ولا أعرف لماذا خطر ببال الطالبة وهي تدرس هذه القصيدة قصيدة ابن الرومي في هجاء لحية. ص 427.
وهل هناك ما يبرر فكرة التناص؟ أترك مهمة ذلك للطالبة.
وفي الختام، لا انكر أنني تمتعت بقراءة هذه الرسالة عن شاعر يستحق شعره أكثر من دراسة وأطروحة.  فهو شاعر يتمتع بشخصية شعرية خاصّة، على المستويين الفصحى والعامية الراقية والباذخة وشاهدي على ذلك اختيارات فيروز لعدد من  كلمات قصائده كإسوارة العروس:
اسوارة العروس مشغولي بالدهب
و انت مشغول بقلوب يا تراب الجنوب
و
حبيتك تنسيت النوم يا خوفي تنساني
حابسني براة النوم و تاركني سهراني


الأحد، 24 نوفمبر 2019

من أين يأتي المعنى؟


تسمع عبارة ، أيا كانت هذه العبارة، فتظن أنّك فهمت معناها. وشيء من الظن في فهم المعنى إثم.
والسبب في ذلك أنّ المعنى ليس ابن الكلمات التي تسمعها وإنّما ابن أشياء أخرى غير لغوية، اللغة تفهمني شيئا من المعنى ولكن لا تيسّر لي فهم معنى المعنى بالتأكيد.
الإشكال لا يأتي من الكلمات.
فالكلمات قد تكون بسيطة ، شديدة البساطة، والجملة قد تكون واضحة كل الوضوح. ومع هذا تبقى عصية على المعنى، يتفلّت منك المعنى كما يتفلّت الزئبق.
والسبب في ذلك ان المعنى لا يرتبط بالكلمات، ولا تكنّه الجملة.
وسآخذ جملة بسيطة، شديدة البساطة، لا أظنّ انها نجت من فم لبنانيّ، وهي:
كلّن يعني كلّن.
هل كلّن يعني كلّن تعني كلّن يعني كلّن؟
هل هناك ابسط من هذه الجملة ؟
هل هناك، في الوقت نفسه، أعقد من معنى هذه الجملة المراوغة؟
جملة نكرة، معناها في أل تعريف متوارية.

كلمة بالصوت والصورة


استشارات نيابيّة


ثمّة شيء مضحك .
الثوّار يطالبون باستشارات نيابيّة، ولكن في الوقت نفسه يعتبر الثوار ان هذا البرلمان لا يمثلهم، فقد أسقطت صلاحيته الثورة .
فكيف أطلب ممّن لا يمثّلني أن يمثّلني.
وكيف أطلب ممّن فقد الشرعيّة أن يأتي بالشرعيّة؟
هل اللاشرعية هي الطريق الوحيد للوصول إلى الشرعيّة؟

حكومة تكنوقراط!


أوّل شروط حكومة تكنوقراط أن يكون رئيسها تكنوقراطيّا.
الحلال لي حلال لغيري، والحرام عليّ حرام على غيري.
ثمّة حلقة مفرغة يدور حولها الثوّار وأهل السلطة،

من خواطر بلال عبد الهادي



1.  كان لأنفه قدرة على شمّ الأشياء التى يرى أسماءها. يكفي أن يكتب كلمة " زنبق" حتى يعبق المكان برائحة الزنبق.

ويكفي أن تعبر خاطره ذكرى على صلة بوردة حتى يفوح عطرها وكأنّها وردة حقيقية لا تنتمي الى عالم الذكريات.
كان يعتبر حبره صيّاد عطور، وذاكرته قارورة طيب أو مخزن عطّار!

2.  العصافير تمرّن أجنحتها في الأعشاش قبل أن تطير.


3.  وحشيّة الانسان لا تأتيه من طرف غرائزه بقدر ما تأتيه من طرف عقله.

فالحيوانات ليس متوحشة بخلاف البشر.
لم أسمع عن مجزرة ارتكبت في عالم الحيوان!
أمّا المجازر التي ارتكبها البشر بحقّ البشر وحقّ الشجر وحقّ الحيوان فحدّث ولا حرج.

4.  إنّو شو إلها طعمة واحد يسمّي حالو " بروفيسور"؟

ما بيكون عم بطقٌ حنك ؟
وما بيكون عم بيكتّر من استعمال الشراطيط؟

5.  من المفردات الجميلة في اللغة العربية كلمة " مطالعة".

حين نردّها الى جذرها الثلاثيّ نكتشف علاقتها مع العلوّ.
المطالعة تعني ان تطلع،، لكأنّ المطالعة سلّم !
والمكان العالي يمنحك مدى أرحب ويسمح للعين أن تتحوّل الى عين نسر.

6.  ما بحبّ شغلتو بس كمان ما بيعرف يشتغل بالشي يللي بحبّو.


7.  أسمك الشي واحد بيعرفك بس بيعمل حالو ما بيعرفك وبس يصير بدّو منك شي بيصير بيعرف إنّو بيعرفك وبيعرف إنّك بتعرفو بس ما بيعرف إنّك ما عدت تعرف إنّك بتعرفو.


8.  في كتير ناس قد مانن اذكيا صاروا اغبيا.

الذكاء ذو دهاء، سيف ذو حدّين .
على الذكيّ أن لا يتكّل كثيراً على ذكائه.
عليه أن لا يمحضه ثقة عمياء.
ثمّة أناس كثيرون كان ذكاؤهم سبب مآسيهم.
الذكاء يحتاج الى دهاء معاوية!

9.  للموتى سلطان يفتقده الأحياء.

التاريخ مليء بمعارك يخوضها أموات ضدّ أحياء، ويكون ختامها انتصار الموتى.
الحيّ يخاف على حياته من الموت ، اما الميت فحياته لا تعنيه.

10.            Ani...mots = طرائف عن الحيوانات

قرأتها اليوم في كتاب بعنوان:
L'officiel de l'humour
لا تختلف الكلمة صوتيا عن كلمة الحيوانات باللغة الفرنسية

11.            ليس هناك أسهل من أن تستفزّ من يستفزّك وهو أن لا تُستفزّ .

يتحوّل استفزازه الى استفزاز مضادّ.
تعلم من الثلج البارد جدّا فنّ الإحراق.

12.            ثمّة أناس خيالهم مثل كافور الإخشيديّ.


13.            اغتصبها ، أثمر اغتصابه لها طفلا غير شرعيّ.

وبعد الانجاب عقد قرانه عليها - على سنّة الله ورسوله - واعترف بالمولود.فصار ابن الحرام حلالاً.
هكذا هي علاقة السلطان مع السلطة في بلادنا.
يلفّق لها الحلال تلفيقاً.
هكذا كان الحال مع الخلافة الأمويّة، فالعباسية، فالعثمانيّة.
الحرام ، مع الوقت، يصير حلالاً مرغوبا ومطلوبا.
ما هو عدد الانقلابات المشرعنة؟
ولكن أغلب الانقلابات غير الشرعية هي على أنظمة غير شرعيّة.
حرام يطيح بحرام.
وكلّ حرام يسعى إلى تبييض حرام على طريقة تبييض الأموال.
السلطة البيضاء كالاموال البيضاء.

14.            كل انسان " يطبخ" حياته على ذوقه.

والمشكلة ان بعض الناس لا يستهويهم فنّ الطبخ.

15.            ليس من اهداف الصين الدخول في حروب ولكنها تعمل الى ايجاد بيئة تنتهي بمن يريد محاربتها الى الانهزام قبل خوض المعركة.

وهذه الاستراتيجية واحدة من الاستراتيجيات التي تظّر لها سون تزه منذ اكثر من الفين وخمسمائة عام في كتابه في الحرب.
وعلى اساس هذه الفكرة تقوم لعبة الشطرنج الصينية .

16.            قراءة ما لا تحبّ مدخل جميل الى ما تحبّ، مثلا: اسأل نفسك: ما الذي لا أحبّه من المواضيع، وقد يكون جوابك لا احبّ القراءة عن الحيوانات، فتنزل الى مكتبة وتشتري كتابا عن الحيوانات، كأن يكون كتاب بعنوان: كيف تدافع البرغشة عن نفسها، او كتاب " حياة الحيوان الكبرى" للدميريّ وهو من كتب التراث العربيّ، سوف تكتشف في داخل الكتاب امورا كثيرة ما كان يخطر ببالك انك تحبّها.

من يعرف ماذا يحبّ وماذا يكره؟
من يعرف اذا كان يحب ما يحبّ ويكره ما يكره؟

17.            حين لا تقرأ الاّ ما تحبّ سيصيبك ما لا تحبّ بما لا تحبّ.


18.            ليس لك أي فضل إذا كنت تفكّر بالطريقة التي يفكّر بها غيرك. ولو أراد الله ان تكون نسخة عن غيرك لما كان ميّزك ببصمة مختلفة عن غيرك، بصمة خاصّة بك.

فليكن فكرك على شاكلة بصمات أصابعك.
التقليد مضيعة للوقت وهدر لنعم الله عليك.
بين الأبيض والأسود ملايين الألوان!

19.            تحرير الجامعة اللبنانيّة من السلطة السياسيّة مطلب أكاديميّ.

ولكن المشكلة ان عددا لا بأس به من أساتذة الجامعة اللبنانية ينظرون الى المسائل الأكاديميّة نظرة سياسيّة ويقبلون أن يكونوا أبواقا لرجالات السياسة.
قد أتفهّم نقطة ضعف المتعاقد، ولكن ما مبرّر من هو في الملاك وما سبب رغبته الرعناء في أن " يتزلّم" لهذا السياسيّ أو ذاك؟
الأستاذ الجامعيّ الحقّ هو الذي يعتبر الطالب أهم من كلّ رجالات السياسة.

20.            اذا كان الدين معاملة فهذا يعني اننا سنكون في الدرك الأسفل من النار.


21.            إيقاف النهب المنظّم والمدروس في الدوائر العقاريّة، وإيقاف اختلاسات المتعهّدين التي تتقنّع بقناع التلزيمات كفيلان بتمويل سلسلة الرتب والرواتب.

المشكلة أنّ محمد شكري يقول في روايته البديعة (الخبز الحافي) :" سرقة ابناء الحرام حلال!"

22.            للشمس وظائف كثيرة منها تحلية مياه البحار.


23.            روى لي شيخ جليل حكاية من طفولته، قال:

كنت طفلاً صغيراً، فعثرت على صرّة مليئة بالنقود. خفت أن ألمسها فتضيع منّي، فلبطتها بقدمي لبطة بعثرت ما فيها ( التفريق) وقعدت في الأرض ورحت أبكي، زاعما انّها سقطت مني وتبعثرت. فجاء الناس الكبار وراحوا يلملمون ما تفرّق وأعادوه إليّ.
تأبطّتها وتابعت طريقي وأنا أحبس فرحا ليس هنا مكان فكّ أسره.

24.            على الفايسبوك ، ضع الغرابة خلف ظهرك قبل الدخول الى بهوه.

فلا تستغرب رجلا له وجه امرأة ولا تستغرب امرأة لها وجه رجل او زهرة او ما يخطر ببالك.
تتوه في كتاب الوجوه من لعبة الوجوه!
ولا تستغرب عجوزا فتيا او فتيا عجوزا، ولا تستغرب سمراء شقراء، او عجوزا في سنّ المراهقة.
وكل هذه الأمور تمتح الفايسبوك جاذبية خاصة.

25.            اذا سألني أحدهم، ما سبب حبك لستيف جوبز؟ لأجبت: هوسه بأمرين: البساطة والإتقان.


26.            اذا سألت شخصا يكره النحو عن سبب كرهه للنحو لقال لك في أغلب الأوقات : استاذ النحو.

اصلاح النحو يبدأ بإصلاح استاذ النحو، وحين أقول استاذ النحو أقول في الوقت نفسه كتاب النحو، فكتاب النحو لم يضعه استاذ جغرافيا او استاذ ريّاضة.

27.            تدهشني عبارة الجاحظ رضوان الله عليه الذي كان يقول: المعاني مرمية في الطريق.

ما على المرء الا أن يمشي في الطرق ويروح يُلَقوِط المعاني بأطراف الاصابع او اطراف العيون.
وحين يقول المرء ان المعاني في الطريق فهذا يعني ايضا ان الأفكار مرمية في الطريق.
واذكر اني قبل زمن الهواتف المحمولة كنت احمل دفترا صغيرا اضعه في جيبي وسميته: أفكار الطريق.

28.            رجل متزوّج من أربع نساء له من الأبناء ثلاثون وعينه على الزوجة الخامسة لو سمح له الشرع، ولكن الشرع يسمح له بالخامسة في حال استغنى عن خدمات واحدة من الأربع.

وحالته المادية على قدّه، اظن ان العقوبة الناجعة لأمثاله هي الخصاء لا الفياغرا.
والله أعلم!

29.            مالك بن نبي كاتب اسلاميّ متنوّر ومميّز يروي انه كان يرتاد مكتبة ويستعير منها كتبا. وتصدف انه حين كان يطلب كتابا للإعارة يجده معارا من قبل سيّدة.

أثار الأمر فضوله فأحبّ ان يعرف من هي تلك التي يوافق مزاجها القرائي مزاجه القرائيّ
هذه المرأة صارت بعد ذلك زوجته.

30.            يفترض وضع قانون يمنع من يحمل جنسية غير جنسية بلده العمل في السياسة.

تخيّل وزيرا او نائبا او رئيسا لبلد ولاؤه لبلدين!
السياسة تضحية، ومن اراد ان يشتغل في السياسة عليه أن يضحّي ويتنازل عن الجنسية الأخرى.

الأحد، 13 أكتوبر 2019

الكلمات قيود وأجنحة



#اللغة التي نستعملها تفصح عن طريقتنا في التعامل مع الحياة ومع ذواتنا. في اللغة أدوات كثيرة: أل #التعريف، #الضمائر، #الصفات، #المترادفات ...الخ. وكل كلمة يستعملها المرء تشير الى حالة ما من حالاته #النفسية أو #الشخصيّة. في العربية عبارتان تشيران الى ذلك، وهما: " اذا فتحت فاك عرفناك "، و" ما فيك يظهر على فيك". الكلام #حجاب شفّاف وإنْ ظنّه البعض معتماً أو صفيقاً. لنفترض أنّ شخصاً يقول: " حياتي #جحيم"، وآخر يقول : " الحياة جحيم"، فهل يحملان المعنى نفسه، وهل يدلاّن دلالة واحدة على حالة الشخص الذي ينطق بهذه العبارة او تلك؟
يقول #Dave_Logan وهو متخصّص في فنّ #الإدارة : ان العبارة التي تحتوي على ضمير المتكلم أخف وطأة من تلك التي تحمل أداة التعريف، أي ثمّة ما هو عام وما هو خاصّ. ومن ينظر الى العبارتين من باب التشاؤم يدرك ان شكل التشاؤم ليس واحدا، ضمير المتكلم في "حياتي جحيم" ، على حلكة #حياة الناطق بها، يترك مجالاً للتغيير والتحسّن بخلاف " الحياة جحيم"، ال التعريف هنا تغرق انماط #الحياة كلها بالجحيم.
ويعمل علم اللغة النفسي بمعونة علم #الأسلوب على مطاردة هذه التفاصيل الصغيرة التي يمكن من خلال تغيير استعمالها الى تغيير سلوك المرء سلبا أو ايجابا. فالإنسان، بشكل من الأشكال، اسير الكلمات التي يتفوّه بها، وبمقدورها أن تلعب في حياته دور #الأجنحة الجامحة كما يمكنها أن تقوم بدور الأغلال الكابحة.
استوقفني ذات مرّة #اسلوب شخص في استعمال عبارة بسيطة، ولكن تنمّ عن طريق ذلك الشخص في العيش. حين يريد ان يغادر المكان الذي هو فيه وقد يكون عند صديق له يختار عبارة من احتمالات ومترادفات كثيرة، #عبارة تشير الى علاقته المقيّدة مع نفسه: لا يقول: " صار لازم روح"، مثلاً أو " بدّي روح" او "استأذن"، أو أيّ عبارة أخرى تحمل هذه المضمون، وانّما يختار عبارة : "اتركني روح". العبارة المختارة تدلّ على قيد خفيّ، هذا القيد اللغويّ البسيط تجد له مترادفات في سلوك ذلك الشخص، وهذا النمط من التراكيب نعرف انّه يكثر في #لغة #الأطفال الواقعين تحت #سلطان #الأهل والكبار أكثر ممّا هو موجود في تراكيب البالغين.


الأحد، 6 أكتوبر 2019

لغتنا العربيّة الجميلة إلى أين؟ دراسة لكتاب "لعنة بابل" للدكتور بلال عبد الهادي بقلم الدكتورة هلا الحلبي


                    
لعتة بابل


من نِعَمِ الله علينا أن جعل لنا لسانًا وميّزنا به عن غيرنا من الكائنات، نعبّر به عن ذاتنا وننقل علومنا وفنوننا لتعمر البسيطة بنا، فنكون خليفة الله على الأرض مثلما وُعد جدّنا آدم عليه السلام عندما علّم الأسماء كلّها. ولعلّ اللغة العربيّة خير ما يميّزنا نحن العرب دون سائر أبناء المعمورة، وقد جاوز عدد الناطقين بها سبع مئة مليون نسمة. أولسنا أمّة لسان، والشعر ديواننا؟ ولكن يبدو وقد أصبح العرب يتمنطقون بغيرها من لغات لحضارات مهيمنة، وكأنّ لعنةً قد حلّت بأهل هذه اللغة على قداستها، فهل هي لحظات لا حضاريّة عكرة وطائشة تمرّ بها لغة الضاد؟ ليأتي ناقد لغويٌّ في كتابه " لعنة بابل" الصادر عن دار الإنشاء في طرابلس عام ٢٠١٣، ويكشف عن هذه المشكلة ويسجّل دويّ لعنةٍ أصابت أمّتنا وجعلتنا نستحي بلغتنا؟
ستون مقالًا منشورًا في كتاب، جمعت لتظهر مدى حرص الكاتب على هذه اللغة العبقريّة وخوفه من أن نصحو يومًا على وقع اندثار لغة الضاد بعدما استبدّ بها الطغيان حتّى كادت تفرّ إلى غير رجعة، ولعلّه يجد نفسه وهو الأستاذ اللغويّ في الجامعة اللبنانيّة في كلّيّة الآداب الفرع الثالث في طرابلس مسؤولًا في هذه المعمعة اللغويّة الحاصلة. لذا ركّز في تجواله اللغويّ في لعنة بابل على أربع نقاط، وهي:
أوّلًا: جمال اللغة العربيّة: أضاء الكاتب على جمال اللغة العربيّة كإرثٍ وطنيٍّ علينا أن تعتزّ به، فكان بحثه الحصيف عن الجذر اللغويّ لها وربطه بالماء وهو أصل كلّ شيءٍ حيٍّ، فهي المورد والمنهل والبحر والمحيط الذي ينهل منه الإنسان لتنطق بلسان حاله. وهو يثمّن اللغة لكي نتمسّك بها ويضرب مثل الكلمة: فقد تحمل برمزيّتها الموت أو الحياة، وقد تحيي الموتى رمزيًّا (١٦٢) وهي غيمة تتشكّل في السماء باستمرار ولا تهدأ على شكل (١٣٥) وقد ينتقل المهمل منها إلى حيّز الاستعمال بطرفة عينٍ، لذلك فهي تفرّ من أي قوانين قد توضع لها وترفض بمعانيها الزئبقيّة أن تكون أسيرة في القواميس البكماء (٥٩) ولا تتحمّل صرامة القوانين الوضعيّة (١٨٤). إنّها مرآة للناطقين بها، لذلك أتى الكاتب بأمثلة مستحدثة طريفة مثل" أرني لغتك أقل لك من أنت" على شاكلة قل لي من تعاشر أقل لك من أنت.
والكاتب إذ يحترم مسيرة الكلمة على مرّ التاريخ ويرى في تقلّبات معانيها مع تغيّر ترتيب الحروف فيها لعبةً آسرة، حتّى إنّه يجد في قراءة سيرة الكلمات إمتاعًا لا يختلف عن قراءة سير الناس (٥٩) وكأنّنا في حضرة الكلمة وسيرتها نكون في حضرة روائيّة للتاريخ البشريّ وطريقة تفكير الأقدمين وتطوّر نظرتهم في الأمور، إذ تنطلق الكلمة من مهد معناها الحقيقيّ نحو معانيها المجازيّة (٢٠٢) لذلك علينا تتبّع مسيرتها، مسجّلًا الكاتب لشهرزاد سابقة فتح شبابيك اللغة على هواء الحياة اليوميّة (٧٩).
ومع إيمان الدكتور بلال الظاهر باللغة العربيّة إلّا أنّه لا يجد غضاضة من الاعتراف بجمال غيرها من اللغات عبر استعراض بعض كشوفاته اللغويّة فيما يتعلّق باللغة الصينيّة المعجب بها كما يبدو، ومنها التفريق بين اسم الأخ الأكبر والأصغر، مثلما هو العم في اللغة العربيّة يختلف عن الخال، في حين هو ذاته في اللغة الفرنسيّة مثلًا. فلم يكن متعصّبًا للعربيّة قطّ بل ثمّن لغات العالم داحضًا مقولات كثيرة ومنها أنّ العربيّة هي اللغة الأفضل، رافضًا أن تتّهم أيضًا بالصعوبة، مفرّقًا بين المحبّة والتطرّف غير المبرّر، مطبّقَا مقولة: "من مدحك بما ليس فيك فقد ذمّك". فالمديح الزائد ذمٌّ لا ضرورة له. محذّرًا من مغبّة أن تقتلنا الكلمات مثلما قتلت ابن المقفّع بأفكاره الثوريّة، نظرًا لما قد تحمله العبارات من بيانات إنقلابيّة خطيرة (١٨٣). ولقد كان رؤوفًا باللغة ومجازاتها، فاعتبر البلاغة صديقًا نلجأ إليه وقت الضيق، مركّزًا على حاجتنا إلى لغاتٍ أخرى شبّهها بالسيّارات، رافضًا الدونيّة اللغويّة المنسحبة من العربيّ إلى لغته ومحذّرًا من التخلّي عن اللغة الأصيلة التي اعتبرها بمنزلة البيت الآمن.
 ثانيًا: العربيّ ولغته: اهتم الكاتب بتحليل شخصيّة العربيّ ولم يخفِ إعجابه بالحذق الذي أخرج لغةً مميّزة بالضمائر التي حرمت منها لغاتٌ أخرى، إلا أنّه مع إيمانه بقيمة اللغة العربيّة يجدها غير محظوظة بأبنائها، معترفًا بمعادلة أنّ الإنسان مزيج رهيبٌ من العوالم المكانية والزمانيّة والجغرافيّة (١٨١) التي تترك أثرًا كبيرًا على القيم التي تشرّبها عبر الأجيال (١٢٥) حتّى إنّها قد تصبح صورة عن مستقبله (١٤٠).
وهنا يبرز السؤال: هل بانفتاح المرء على غير لغته يعتبر خائنًا للغته؟ أو أن نطقه بلغةٍ جديدةٍ، يتقمّص روح شعبها ويعيش ماضيه ويلبس حضارته، ويشرئبّ لمستقبلٍ يطمح إليه؟ وقد يتخلّص من لعنةٍ واقعٍ وجد فيه ويريد التحرّر منه؟، لا ينفي الكاتب الحاجة الشديدة إلى ترجماتٍ تعرض أفكار الآخرين وتعتصر تجاربهم الفلسفيّة والنفسيّة والاجتماعيّة، ليستفيد منها الشرقيّ الذي شغل ربّما عنها بحاجاتٍ معيشيّةٍ أكثر إلحاحًا.
والدكتور بلال في بحثه عن العربيّ أدخلنا عالم الأذكياء والأغبياء مع ابن قيّم الجوزيّ، كما أدخلنا مقامات الحريريّ فكانت بالنسبة له سجّادة فاخرة حريريّة متقنة الصنع (١٢٠) وجذبنا إلى خرسان وانصت للأقدمين برهافةٍ ومتعة، واستطاع بمهارةٍ أن يربط القديم بالجديد، فكان عالم نفسٍ يتوغّل في الأحلام ويقف عند رموزها الدلاليّة المرتبطة بأصول الكلمة، ويسوق في ذلك أمثلةً كثيرةً محاولًا ولوج هذا العالم الساحر، عبر التأويل اللغويّ ( من١٨٩ حتى ١٩٢). كما بحث في لغة الجسد: اليدين والشفتين والعينين والرأس، وبحث في لغة الصمت: فكان مع الخرسان في إيمائهم وإنصاتهم، كما نفى عنهم صفة حوار الطرشان السائدة في عالم الناطقين، عكس الأخرس الذي ينصت بكلّ جوارحه كيلا تفوته إشارة. ولقد سجّل الدكتور موقفًا واضحًا من السرقات العلنيّة التي يلجأ إليها بعض المتطفّلين أو اللصوص كما سمّاهم، لذلك كان موقفه واضحًا ضدّ للسطو على نصوص الآخرين، كما فرّق بين العلم والمعرفة رافضًا اللهاث وراء السعي المادّيّ الرخيص والتشرّد اللغويّ في غياهب الآخر الأكثر تقدّمًا (١٧٧).
ثالثًا: الخطر المهدّد: يجد الكاتب أنّ حال اللغة العربيّة يعكس حال الناطقين بها، حتّى إنّ العربيّ قد يتحاشى التحدّث باللغة الأمّ مخافة أن تحمل ما وضع على وزره من أعباء التراجع الحضاريّ، وفي هذه النقطة توغّلٌ في علم النفس، فالكاتب  يذكّر أنّه من لا يحترم لغة أجداده "لا يمكن أن يُحترم"(ص٣٣) ولا نهضة لشعبٍ باستعارة ألسنة الآخرين، فاللغة تحمل روح الشعب الناطق بها وتعكس رمزيّة كياناته الناطقة. ولقد ربط بين تخلّفنا وتعاملنا مع لغتنا، إذ يفسّر سبب رغبتنا عن لغتنا ويردّها إلى التخلّف الذي يحتّم انهزاميّة الموقف وقلّة الثقّة بالموروث اللغويّ، فهو يجد أنّ الآخر المهيمن حضاريًّا يستحوذ علينا ويدفع بنا إلى ركوب موجه من غير غضاضة. وبناءً عليه فهو يرى بأنّ العربيّ مأزوم حتّى النخاع الشوكيّ (٢٧) وما هربه من لغته سوى صورة تململه من التخلّف اللصيق به.
ويجد الخطر كامنًا في أذهان بعض المتشدّدين لذلك لا يخفي الكاتب خوفه من أن يتحوّل اللغويّ إلى حارس مقابر من غير اهتمامٍ بالمستجدّات وتصبح اللغة العربيّة الفصحى قريبة من اللغة اللاتينية المندثرة والمتحلّلة في اللغات الأوروبيّة الحديثة.
رابعًا: الحلول: قد يكون من السهل أن نرثي اللغة العربيّة في وضعها الراهن الذي لا تحسد عليه، من أن نخطو خطوةً واحدة باتّجاه تحريرها من انحدار نحو الهاويةٍ، ولم يقتصر عمل الدكتور عبد الهادي على عرض الأزمة اللغويّة وإطلاق صرخة التحذير، بل حاول إرساء هيولى حلولٍ مناسبة لنجدتها، وأولى الخطوات كانت بدفعنا نحو حافّة القرار: هل نعلن خبر نعي لغتنا؟ أو نسعى للعبّ من جمالها واستدراك هذا الإرث العظيم؟ كما أوضح أنّنا لن نستعيد ثقتنا بأبجديّتنا إلّا عندما نستعيد ثقتنا بذاتنا المشروخة والمسحوقة في ذوات الأخرين الأكثر تحضّرًا. لذلك لا بدّ من أن نتخلّص من فتنة الغرب وسلطانه على أذهاننا. مع العلم إلى أنّه لا يرى خطورةً في غوغل بل يجده عاملًا مساعدًا للعربيّة، إذ لا يتعارض مع عشقنا للغتنا، فالقارئ بانفتاحه على الانترنيت مستعدٌّ لأن يُشبع أيّ نهمٍ لغويٍّ من غير تقليبه بين صفحات القواميس فليس فيه كبير عناءٍ. وهذه نظرة منفتحة للعالم الحديث الذي لا يجده معاديًا للغة العربيّة بل على العكس يجده عاملًا مساعدًا وداعمًا لما قد يوفّر عليه الوقت والمال ويركّز اهتمامه على ما قد يجهله من لغتنا. ويحذر الدكتور بلال أيضًا من الوقوع في شرك البداهة التي لا تكترث بطرح الأسئلة الضروريّة للكشف عن الحقيقة والتوغّل في جذر المعاني المتقلّبة مع تقلّب الزمن وتطوّر الحضارات، لا التركيز فقط على المعاجم البكماء (٥٩) وذلك من أجل أن نعي قيمة لغتنا الجميلة، التي تميّز حضورنا الكونيّ.
مع هذه النقاط الأساسيّة التي ترافقنا في لعنة بابل لن تطلّ علينا اللغة العربيّة وكأنّها كابوسٌ رابضٌ على الصدور، بل يدخل المرء في حضرتها مزهوًّا بها وبجمالها غير عابئٍ بما قد ينثره هنا هناك لغويٌّ من سمومٍ تودي بالأصيل وتترك الحديقة الغنّاء وقد أكلها الهشيم وأصبح جمالها أثرًا بعد عين. لقد صحبنا بلال في لعنة بابل ليكشف بحنكة الرائي عن غور الأزمة التي تمر بها اللغة العربيّة ويدوّن رؤيا ثوريّة للكائن العربيّ ولغته التي خصّه بها الله لتكون لغة الجنّة ويدقّ ناقوس الخطر، رفضًا وبالفم الملآن أن تكون لغتنا العربيّة لعنةً يفرّ منها أبناؤها: نطقًا وعلمًا فيلجأون إلى لغاتٍ أخرى أكثر سهولةً وديناميكيّة، وقد اكتظّت الحياة بمفردات الحضارة الغربيّة حتّى كادت تغرّبنهم عن لغتهم الأم، ويضع مخطّطًا مبدئيًّا لكي نسترجع قامتنا الحضاريّة وحضورنا اللغويّ.
وما علينا سوى أن نصعد برج بابل اليوم مع بلال عبد الهادي لنهدأ نفسًا ونقرّ عينًا بلقاء لغويّ يكشف عن جمال اللغة العربيّة من غير تعصّبٍ، ونرى كم هي لغةٌ أصيلة، وإلّا فالويل من أن نصحو يومًا فنجدنا وقد وضعنا لغتنا جانبًا وتخلينا عن هذا الإرث العظيم.
في لعنة بابل تطلّ علينا اللغة الربيّة حبيبة صديقة وحيّة بشخوص ناطقيها وحاجتهم المستجدّة، ومع هذه الإطلالة المريحة يمكننا قراءة اللغة من شرفة الحياة الواسعة المعطاء والمتجدّدة من غير تنكّرٍ  للقديم ، ولكنّها تأبى أن تُحفظ في قوارير وتوضع أسيرةً في خزانات الكتب العتيقة لتكون شاهدًا حيًّا متغيّرًا ومتجدّدًا لا تزمّت يحكمها ويسدّ عليها المنافذ ولا من يحزنون، فهل تطلع لغتنا بكتابات الدكتور بلال عبد الهادي من هذه المعمعة وبلبلة اللغات الأخرى المهيمنة، وتثب إلى برّ الأمان؟         
                                                         طرابلس الخميس ٣ أيلول ٢٠١٩