الثلاثاء، 27 فبراير 2024

وزير الثقافة القاضي محمد وسام المرتضى زار الدكتور بلال عبد الهادي: يبسط أمام روّاد مؤسسته مائدتان من طعام وأدب.




 المرتضى زار الدكتور بلال عبد الهادي: يبسط أمام روّاد مؤسسته مائدتان من طعام وأدب.

في اطار الجولات التي يقوم 

بها وزير الثقافة القاضي محمد وسام المرتضى في مدينة الفيحاء بمناسبة   طرابلس عاصمة للثقافة العربية للعام 2024 حل ضيفًا على مطعم الدنون وكان في استقباله الدكتور بلال عبد الهادي صاحب مبادرة "استحلي وخود" التي أطلقها قبل ثلاثة أعوام، ووزع خلالها أكثر من خمسة آلاف كتاب بالمجان من مكتبته الشخصية.

وقد توقفت المبادرة لفترة ويتم الاستعداد لإعادة إطلاقها من جديد.

وبعد اللقاء كتب الدكتور بلال عبد الهادي :"هذا أوّل لقاء  شخصيّ لي مع معالي وزير الثقافة القاضي محمد وسام المرتضى...

كان اللقاء الأوًل معه  منذ  سنتين تقريباً.. 

كان لقاء صوتيّاً  ، مباغتاً، ومفاجئاً وجميلاً... أثناء  مبادرتي #استحلي_وخود  في توزيع الكتب مجّاناً في مطعم والدي رحمه الله، أقصد مطعم الدنّون الذي أسّسه والدي في العام ١٩٤٩ على جسر السويقة في طرابلس العتيقة.. قبل أن ينتقل إلى منطقة التلّ في شارع جبران خليل جبران في العام الذي ولدت فيه أي في العام ١٩٥٩.. 




كنت في المطعم، فرنّ الهاتف  ، وإذا بصوت أنثويّ  يقول لي بعد التسليم: معالي وزير الثقافة  القاضي محمّد وسام المرتضى يريد التحدّث معك، تفاجأت حقيقة، كانت مفاجأة لا أفقه لها معنى..

ماذا يريد منّي وزير الثقافة ولم تكن تربطني به أي سابق معرفة،  أو لقاء،  أو اتصال...لحظات الانتظار كانت لحظات.. ولكنها لحظات تشبه اللحظات المناميّة.. اللحظة المناميّة لحظة مكثّفة،   وموجزة،  قد يعرض  المنام   أمام ناظريك  شريطاً  يمتدّ إلى عشرات السنوات في لحظات.. وكأنّ المنام مركبة الزمان التي ابتكرها  ويلز..  أو كأنّ المنام هو البعد الثالث الذي تحذّث عنه أينشتاين في مفهومه عن النسبيّة...

جاءني صوت الوزير  لطيفاً، مهذّباً، هادئاً، شاكراً  لي مبادرتي في توزيع الكتب  ،  ثمّ قال لي: باب مكتبي مفتوح لك في أيّ ساعة تريد حين تكون في بيروت...

وانتهى الحديث الذي لم يستغرق إلاّ دقائق معدودات... كانت لذيذة الوقع على نفسي،   وكانت كاملة الدسم،  ودعوته إلى زيارة مطعم الدنّون ووعدني بزيارة خاصّة لي إلى المطعم،  ولقد أنجز الوعد اليوم إنجازاً جميلاً... 

جاء برفقة  عقيلته السيّدة القاضية مايا كنعان، والأستاذ المهندس سعيد الحلاّب الذي أعرفه منذ أيّام طفولتي، فأغلب آل الحلاّب الأفاضل كانوا من سكّان التلّة  الجميلة المشرفة على مدينة طرابلس من علُ وقصدت أبو سمراء... وبرفقتهم صديقي  العزيز الدكتور باسم  بخّاش الذي تتوطّد علاقتي به يوماً بعد يوم.. وهو ناشط اجتماعيّ متفانٍ في ميادين شتّى علميّة وأدبيّة.. واجتماعيّة ، وخدماتيّة ، وهو الذي بثّ  في نشاطات قصر نوفل  الخامل روحاً ثقافيّة عالية فدبّت في شرايينه حيويّة باذخة...

كانت جلسة تعارف ممتعة  تعدّت النصف ساعة تخلّلتها أحاديث ثقافيّة ، واجتماعيّة،  وإنمائيّة، كما تناول الحديث الصراع   الدائر حول   نسب صحن الحمّص، وآمل أن يحرج لبنان من حرب الحمّص منتصراً ، مظفًرا، واستشهد معالي الوزير بالمؤرّخ الألمعيّ شارل حايك الذي استفاض في الحديث والدفاع عن انتماء الحمّص إلى ابعرب وليس إلى لصوص الأراضي والرموز أبناء النجمة الزرقاء.

ولقد وعدني معالي الوزير الجنتلمان بزيارة ثانية ، تكون زيارة طعام وكلام ، وأنتظر زيارته الثانية في صحبة عقيلته القاضية مايا كنعان ، وسأعمد إلى تحضير كلّ الأطباق  بيديّ...

لم يكن اليوم بيننا « خبز وملح »، ولكن كان بيننا « كوكيز الحمّص، والحمّص بالشوكولا»، كما كان لي ، في ختام اللقاء الدسم والجميل، شرف تقديم  نسخة  من كتابي الجديد #من_الصفر، ونسخة من الكتابين السابقين: لعنة بابل، والكتابة على جلدة الرأس.

أتيت أهلاً، ونزلت سهلاً حضرة معالي وزير الثقافة القاضي محمّد وسام المرتضى..

وإلى الملتقى بإذن الله




فأعرف أنّ زياراتك في هذا العام بسبب اختيار طرابلس عاصمة الثقافة العربيّة كثيرة لإنجاح   عاصمة الشمال  في مهامّها الثقافيَة..."

بالمقابل كتب المرتضى على حسابه على مواقع التواصل:" الدكتور عبد الهادي أستاذ جامعي ومربٍّ وكاتب... كلها صفات تصدق فيه. لكن أفضلَ أمره أنه حالة ثقافية مميزة على صعيد لبنان، بل العالم العربي كله، لا بالتعليم والكتابة فحسب، بل بجعله من المطعم الذي أسّسه والده في طرابلس محطةً لنشر الثقافة عبر مبادرة "استحلي وخود" التي كان من خلالها يوزع الكتب مجانًا على قاصديه لتناول صحن حمص أو فول. "



واضاف المرتضى:"وها هو اليوم يبتكر مبادرة جديدة: أوراق السندويش في مطعم الدنون أصبح مطبوعًا عليها نصوص لجبران خليل جبران. هكذا تنبسط في وقت واحد أمام كلّ زبون مائدتان من طعام وأدب تقدَّمان معًا."

مداخلة الدكتور محمود درنيقة عن كتاب من الصفر تأليف بلال عبد الهادي

 حين أسندَ إليَّ رئيس رابطة الجامعيين في الشمال الأستاذ Ghassan Houssami مهمّةَ تقديم كلمة تحليليّة نقديّة حول كتاب أستاذي الدكتور بلال عبد الهادي (من الصفر) شعرْتُ بلذّة العودةِ إلى البدايات.. واسترجعتُ مشاهد امتزج فيها الوعي بالوجدان..



أدركتُ نشوة قطرة المطر التي تعود إلى غيمةٍ فارقتها منذ ما يربو على عقدين من الزمن.. قطرة جازَت أشواطًا مِن دَورة الحياة، ثمّ عادَت لتوظّف حصيلةَ ما عرفَتْهُ في استحضارِ لحظات تشكُّلِها.. فكانت بوّابةَ عبورٍ إلى ما كنتُ أراه صفرًا.. وبِتُّ أراه اليوم أصلًا لكلّ تحصيل، ومنطلَقًا لأيّ نماء..

شكرًا حضرة الرئيس على ثقتك ومودّتك التي لم أشكّ بها يومًا.

شكرّا دكتور بلال على ما نقَشتَه في الذاكرة مِن لمَسات جمالٍ، ومساحات إدراك، واسمح لي أن أنشر هنا ما جاء في الكلمة:

منذ اثنين وعشرين عامًا أو يزيد.. دخل عليّ في قاعة الجامعة معلّمي الشابّ متأبّطًا محفظته الجلدية البنية الأنيقة، وحدّثنا يومها عن سيّدة صادفها في الحافلة في فرنسا، كانت بارعة في التنقيب في منجم الصفر، تستخرج الإنجازات وفرص تطوير الذات، وكانت في طريقها إلى العمل، وهو وقت صفريّ ضائع، تمارس ثلاث هوايات؛ تقرأ كتابًا، وتصغي بالسماعات إلى الموسيقى، وتشغّل يديها بصنارتين تخيط بهما أوتوماتيكيًّا.

قلت في نفسي يومها: يا لخسران من لا يجيد استثمار أصفاره!!

وكان معلّمي لمّاحًا، واسع الأفق، بارعًا في الإحاطة بالأسطح، وموهوبَا في الغوص إلى الأعماق، طلب إلينا ذات يوم في نهاية إحدى المحاضرات أن نعدّ بحثًا نصف فيه واقعًا افتراضيًّا لصفر لغويّ ما، فكلّفنا تصوُّر عالم لا حروف فيه.. وكم كانت رحلة فكرية ممتعة ومذهلة تجرَّدنا فيها من كلّ ما نعرف،  وانغمسنا في عالم كان علينا أن ننطلق فيه من صفر كتابيّ لنمثّل واقعًا حياتيًّا في ظلاله.

وكان معلّمي أيضًا متعدّد الملكات، متنوع المهارات، كلّما عاد إلى صفر نفسه وجدها صالحة للاستصلاح  في ميدان جديد، وكان يؤكّد لنا في كلّ مرّة أنّ الذات ( الصفر) هي التي تعطي قيمةً لأعداد الإنجازات والاختصاصات.

ولا أنسى يوم أخرج من جعبته الخفيّة صورة تحتمل التأويل ، وطلب إلينا العودة إلى صفر التأمّل، وتوقُّع ما فيها،  تواترت الإجابات التي رأت فيها ظهر امرأة ممشوقة، ليوّكّد لنا أخيرًا أنّها صورة التقطها بنفسه (وهنا الشاهد) لقطعة (فليفلة خضراء) توحي للناظرين بخلاف ما هي عليه.

وها هو اليوم  معلّمي نفسه يعود بكلّ مَن هم داخل هذه القاعة إلى صفر الوعي، وصفر الإدراك، نعم أيّها الأفاضل .. إنّه معلّمي بلال عبد الهادي الذي آثر حتّى على غلاف كتابه أن يعود إلى صفر  الهوية متحرّرًا من رتبته التي أصرّت عليه والدته - أطال الله عمرها - إثباتها لكونه تعِب بها، فأكّد لها في حوار لطيف أنّه هو من صنع الرتبة، وليست هي من صنعته.

نعم،  إنّه معلّمي الذي عاد إلى صفر مهنةٍ أحسن بعثها على غير مثال سابق، فأعاد طبق الحمّص إلى صفره أي إلى حبّة الحمّص التي يصرّ على وصفها  بالمباركة، لينطلق منها إلى ابتكار كوكيز الحمّص التي لا تعدّ تغييرًا للمسار.. وانّما هي مؤشّر ابتكار لمسارات أخرى.

وكيف لي بعد كلّ ما أخبرتكم به عن معلّمي أن أعيا في فهم أبعاد عنوانه  وهو  البارع عموما في قنص ما يتردّد على ألسنة الناس، ويشيع بينهم ليعود به إلى صفر الدلالة، ويهبه معاني أبعد وأعمق وأغنى وأمتع.. فكيف به وقد وافقَت هذه (العبارة - العنوان) ما يتردد في أصداء  نفسه من توق شديد الى تذوّق لذّة الاكتشاف البكر، وهو المُفتَتن بشهود لحظات الاقتران الأولى بين اللفظ والدلالة، بل بين المعنى  ومعنى المعنى.

بين دفتي هذا الكتاب الأنيق تسعٌ وخمسون لوحةً، قبل أن تصبح إحدى وستّين في النسخة المعدّلة التي تكرّم المؤلّف بتزويدي بها، بعد حذف قصّة مكرّرة، وزيادة ثلاث جديدة.

لوحات تتقصّى أبعاد النجاح، وتتتبّع القواسم المشتركة بين الناجحين، عكفت على قراءتها بنهم في ركن أثيرٍ لديّ في مقهى يونس (مكان ماكدونالد القديم) وكنت كأنّني أجالس شخصيّاتها على المقعد المقابل. سررت كثيرًا بمجالسة ابن الأثير،  وابن سينا ، وابن الجوزي، وأبي حنيفة من أعلام الشرق، وأيزنهاور وبيزوس وجان بول سارتر وهنري فورد.. وصعقت حين حضرت روحا ريتشارد وموريس ماكدونالد صاحبَي فكرة المطعم الشهير.. ظننت أنّهما عادا لاسترجاع المقهى، فذريعة الأحقيّة التاريخيّة انتقائية عند جماعتهم.

ثمّ طالعتني لوحات لا تمس الشخصيات بعينها وإنّما تمسّ مناهج اعتمدوها، وسبلاً سلكوها، وإشارات رصدوها.

بين تفكير مقلوب، وتفكير دامج، ورحلة من  الحاشية إلى المتن.

ذكرّني التفكير بالمقلوب بقصّة شاعر أقسم الخليفة أن تفرش له الأرض ذهباً إلى بيته وأوحت بأنّها قد تكون علّة ابتكار فكرة النعل أو الحذاء.

ذكّرتني دلالة الأسماء لدى الصينيين ب (ال) التي لِلَمْح الأصل.. ودخولها على الأعلام، لا لتعريفها، فهي معرّفة بالعلَميّة، وإنما للَحظِ دلالاتها.

ذكّرَتني (واو العطف) ب (من) الجرّ التي استهل بها الكاتب عنوانه، فالصفر هو الطاقة الكامنة، و(من) هي خطّ الإنتاج..

وفتحت لنا أفق التساؤل عن رحلة معاكسة، تكلِّفنا عناء  تبديل "من" ب "إلى" لنكتشف أصفار ذواتنا سعيًا إلى تفجير مكامن الإنتاج فيها.

فحبّذا لو يستجيب لي معلّمي مرّة أُخرى، ويُهدي إلى قرّائه كتاباً بعنوان  « إلى الصفر ».

كتاب جديد بعنوان من الصفر كتبه بلال عبد الهادي

 


الخميس، 24 نوفمبر 2022

كيف تتعامل مع الروتين؟

 


الحياة أحداث. حياتك الشخصية مجموعة من الأحداث  الصغيرة التي تتراكم مع مرور الوقت.

والأحداث متعددة، متنوعة، لا تعرف الرتابة، حتّى في الأعمال الرتيبة. 

"العمل الروتيني" عبارة مخادعة، وفصيحة، وتملك موهبة الإقناع ، لهذا يقتنع بها كثيرون،  ولكن عند التعمق في ما نسمّيه " العمل الروتيني" نكتشف أنّها عبارة مخادعة، تضحك علينا فتستسلم لها، واللحظة التي تستسلم  فيها  نفقد متعة الحياة، فنرى الدنيا بعيون   تعوّدت على المشهد الواحد.

فكّر في أي عمل روتيني  تجده غير روتيني، لأنّ الحدث لا يتكرّر مرّتين، تظلّ هناك علامات فارقة بين المتشابهات، والعلامات الفارقة هي التي تصنع الفرق بين من يعيش في الروتين، وبين من يلعب بالروتين!

الأحداث التي أتحدث عنها تشبه أحجار لعبة الليغو، أشكال لا حصر لها تولد من   قطع الليغو، ودلالات لا حصر لها تولد من الأحداث التي تمرّ معك كل يوم.

حتّى اللاحدث حدث.  

يمتعني تأمّل المتحوّلات،  شكل غيمة في الجوّ لا تكفّ عن التغيّر، مرور نسمة على أوراق شجرة،  يجعل الشجرة في كلّ لحظة تعيش حياة جديدة، فمسارب الريح  تداعب في كل لحظة الورقة بطريقة مختلفة.

الأحداث المفككة التي لا رابط فيما بينها تحتاج إلى خيط ينظم حباتها، هذا الخيط هو تعليقك أنت على الأحداث.

المعنى ليس في الحدث بقدر ما هو في التعليق على الحدث. 

التعليق على الحدث هو الذي يميّز إنسانا من آخر، موقفك من الحدث هو الذي  يمنح الحدث المعنى الذي نراه.

وليس لأي حدث معنى واحد!

الحدث كأي كلمة تحمل دلالات كثيرة بحسب السياقات التي تدرج فيها:

اليأس، الفرح، النجاح، الفشل،  القبح الجمال،  تتشابه، ما يعطيها الفروقات هو الموقف منها:  القبح فرصة مثلما الجمال فرصة!

النجاح فرصة، وقد يكون الفشل فرصة أكبر.

كيف نتعامل مع الأحداث هو الذي بصنع الفروقات البشرية.

مثلا التعليق على من يفشل  في أميركا يسمّى : جريء، بينما في فرنسا: مذنب.

الجرأة ليست ذنباً.

انتبه لطريقتك في التعليق على الأحداث، تعليقاتك هي أنت، سيرتك الذاتية، قدرك الذي ليس أكثر من تعليقاتك على ما يحدث معك.

الحدث نهر، تعليقك مجرى النه

مايسترو الأقدار

 


الحياة وجهة نظر بكلّ معنى الكلمة.

ومن يقلّب النظر في مفردات النظر ومترادفاتها واشتقاقاتها يلحظ الغنى الذي يرافقها.

فالرأي أي ما هو مسألة فكرية مضمّخة أغلب الأحيان بالعاطفة أو أشياء أخر هو ابن العين، ابن شرعيّ للعين،  فالرأي من الرؤية.

سكنت في بداية إقامتي  في باريس في استديو مؤلّف من غرفة ومطبخ صغير وحمّام صغير. زارني والدي مع والدتي خلال إقامتي في الاستديو، حين خرج من الحمّام علّق على حجمه بالعبارة التالية:

والله حلو هالحمّام، أكبر  وأوسع من حمّام الطائرة.

رغم أنّ الحمّام صغير جدّاً، إلا أنّه استعمل أفضل التفضيل " أكبر"، و" أوسع"، وتوارت كلمة " ضيّق" أو " صغير" أو " أصغر" ، أو " أضيق" عن الاستعمال.

الغياب، هنا، دالّ على نمط في التفكير.

هذا ما قصدته بأنّ الحياة وجهة نظر.

كان ينظر رحمه الله إلى الناحيّة الإيجابية في الأشياء، حتى في النواحي السلبيّة كان يستخرج منها حسناتها وفوائدها، لم يقارن بين حمّام الاستديو وحمّام بيت وإنّما بين حمّام الاستديو وحمّام الطائرة.

تعجبني تلك النظرة الرحبة التي يمكنها أن تسلّط الضوء على جمال العالم لا على قبحه، على حسنات الحياة لا على سيئاتها.

وكم تعجبني العبارة المأثورة: تفاءلوا بالخير تجدوه.

ما تجده هو ما تبحث عنه ، بوعيك أو بلا وعيك ، في الأخير، وما تعيشه هو ما تتمنّاه حتى ولو أنكرت ذلك.

فكلمات المرء هي، عند التعمّق، مايسترو العمر.


الأربعاء، 5 أكتوبر 2022

احوال الحروف

 


أحاول  أن أتعلّم  من الحروف فنّ التعامل مع الآخر ومع الذات...

الحروف أستاذ محنّك، ولا تخلو حنكة من حكمة... وإذا عاشرتها، وعشت معها، وراقبت سلوكها في عالم الأصوات وعالم المعاني اكتشفت أنّها أكثر الموجودات قرابة من الماء...

أين تكمن الطبيعة المائيّة في الحرف؟

يمكنك الانطلاق من أي لغة تتقنها  لتلحظ هذا الشبه الفريد مع الماء... والأمر ليس حكراً على  حروف اللغة العربية... تجد سمة المائيّة في اللغة الفرنسيّة كما تجدها في اللغة الإنكليزيّة،  وتجدها في الرموز الصينيّة كما تجدها في الحروف الروسيّة، وكما تجدها في الحروف العبريّة...

تحت فكرة المائيّة يمكنك أن تجد ما يسمّى بالإبدال الصوتيّ..  والإبدال الصوتي لا تخلو منه لغة...

ومن الدالّ أن يحمل الإبدال جزءا ممّا  أتصوّره عن طبيعة الحرف... 

وفي عالم المعاني   تتسرّب  السيولة إلى شرايين الحرف من باب السياق.. 

السياق سقاية وساقية ...

فالسياق يحرّر الكلمة من معناها الحرفي ويطلق لها العنان  للجري في مجرى المعنى جريان السواقي في مجاريها...

يشبه الحرف الندرج في كلمة طريقة النهر في اكتساب قوّته وتدفقه.. فلكل نهر روافد تصبّ فيه روحه، ولكلّ نهر تشعبّات  تولّد في  مجراه جزراً .. كما حال نهر النيل... 

الحرف كما النهر لا يسير ولق خط مرسوم ومستقيم... فمن لوازم النهر  من منبعه إلى مصبّه أن يكون متعرّج الخطى بناء لتضاريس  مجراه...

وكثير من علماء الأصوات  يشبهون الجهار الصوتي بمجرى مائيّ يسبّب صفات الأصوات من همس وجهر، ولين... فطوراً ترى  خرير الماء صاخباً كما في أحوال الشلاّلات... وطوراً تراه صوتاً وديعاً كحمل وديع...  والسبب طبيعة الجغرافيا...

واللهجات بحسب علماء كثيرين تلوّنها الجغرافيا... من هنا عندوا إلى تآليف تحت مسمّى أطالس لغويّة.. وهدفها ترسيم حدود اللهجات للغة الواحدة...

سبق لي أن كتبت عن حرف التاء، وحرف الجيم، وحرف الحاء، وحرف الهمزة...

وآمل أن يسنح لي الوقت لرصد كلّ حرف ، والحديث عن حكمته في التعامل مع غيره من الحروف.. 

ومن ملاحظاتي أنّ كلّ حرف يتعامل مع كلّ الحروف  حتّى التي في الظاهر لا يتعامل معها...   والظاهر -  كالببديهيات - خدّاع... يريك السراب شراباً...

تحدثت عن الإبدال.. ولكن هناك أشكال أخرى من الإبدال كالإدغام وهو شكلٌ من أشكال الإبدال المحصور في شريحة بسيطة...

فلنأخذ لام التعريف، هل هي لام؟

الكتابة غرّارة...

كيف تخرج لام التعريف من الفم في كلمة الشمس؟

وكيف تخرج لام التعريف من الفم في كلمة القمر؟

الشمس  تخرج من الفم  ( أشْشَمْس)؟بينما القمر تبقى لامه على حالها  ألْقَمَر.

هل ال التعريف في الشمس هي أش التعريف؟

مجرّد سؤال ساذج...

الحرف الشمسيّ حرف يربك أفواه الراغبين في تعلّم العربيّة...


الأحد، 27 مارس 2022

وصار للياسريّة فانزاتها....!!!

 



وصار  للياسريّة فانزاتها....!!!

هل من علاقة بين الفانزات والياسريّة؟

ما كان ليخطر لي ببال أن أستعمل كلمة fan  أو  fans  أو فان أو  فانزات...

دفعتني اليوم الياسريّة    إلى البحث عن كلمة fan  لأعرف دلالاتها ... 

فليس للكلمة دلالة واحدة...

الكلمة مثل القطّة بسبعة أرواح.. ولا يستهويها أن تضع دلالتها في سلّة واحدة...

فتعرّفت اليوم إلى ما خفي من حروفها ودلالتها...

فهي  في الأساس fanatic   أسقط آخرها .. كما يحدث لكلمات كثيرة...

الاختصار قدر كلمات كثيرة..

انظر إلى كلمة سينما أو سيلما كما تستعمل في بعض الأفواه.. 

التبادل بين اللام والنون كثيرٌ...

الليرة كنت أسمعها من بعض الأفواه نيرة... وتفاجأت ذات يوم من كلمة علوان الفصيحة والمهجورة والتي تعني ما تعنيه كلمة عنوان... 

واسم إسماعيل الذي نسمعه في بعض اللهجات إسماعين... وجبريل وجبرين...

لا أعرف لماذا اذكّرت الكاتب الرهيب أحمد فارس الشدياق في كتابه الساق على الساق فيما هو الفارياق... وكيف كان يضع بين فكرة وفكرة فاصلاً معجميا أو لغويّاً... ويمرّر بين الجدّ والجدّ الكثير من الهزل... أو بين الهزل والهزل شيء من الجدّ على سنّة الناثر العربي الكبير الجاحظ...

عودة إلى الياسريّة..

وهذا النصّ  من وحي ما سمعته اليوم على لسان  إحداهنّ بعد أن تناولت صحن ياسريّة، إذ قالت لي: أنا من فانزات الياسريّة...

أعرف أنّ كلمة فانزات تستعمل في سبيل الكلام على أتباع فنّان أو فنّانة..   أمّا أن تأتي الكلمة مقرونة بالياسريّة فهذا استعمال نادر...   ومحبّب... وهي المرّة الأولى التي تحظى الياسريّة بهذا التكريم  اللغويّ الحلو...

كان يمكن لي أن أعرّج على مسائل لغويّة أخرى هي بنت خيال الفراهيديّ المجنّح وقصدت التقليبات الصوتية... للجذر المؤلف من ثلاثة حروف:  

أحببت أن أعرف إن كان لجذر فنز وجود عربي... فلم أعثر إلى الآن عن معنى راسخ...

فنز، فزن، نفز، نزف، زنف، زفن...

من هذه الجذور الستّة، هناك جذر واحد نازف... وهو نزف... أمّا الجذور الأخرى فيحتاج الذهن إلى تجوال أعمق في خبايا الذاكرة أو   دهالير الذاكرة للعثور على معنى أو ظلّ معنى

الجمعة، 25 مارس 2022

نظرية الفستق 2 بين المتنبي وأبي تمّام

 ورد في كتاب نظرية الفستق 2 في هامش الصفحة  141 ما يلي:


هذا القول أتى على سبيل التضمين لبيت المتنبي المشهور:

السيف أصق إنباء من الكتب

في حده الحد بين الجد واللعب

ولكن هذا البيت المشهور هو لأبي تمام وليس للمتنبي

حمّص مدقوق ومخفوق بالطحينة...

 



حمّص  مدقوق ومخفوق بالطحينة...

اللون طبيعيّ دون أي إض


افة...

ولكن من أين أتى هذا اللون الأبنوسيّ.. فاقع السواد؟

من مكوّنين.. من الحمّص الأسود ومن الطحينة..

الطحينة السوداء موجودة ..  فحبّة السمسم منها نوع لونه أسود.. 

الاعتياد يبلبل النظر حين يواجه بما لم  يألفه..

وحبّة السمسم السوداء تشبه إلى حدّ بعيد حبّة البركة... حجما ولوناً...

ومنها تصنع الطحينة فيصير عندك طحينة شديدة السواد.. وطحنها مع الحمّص الأسود يعطيها هذا اللون...

عالم الطعام مفتوح على اختمالات لا يحصرها خيال أو مذاق...

الطاقات الكامنة في الأشياء كثيرة تماما كما الطاقات الكامنة في    الإنسان... 

كل ما تتطلّبه تحفيزها... 

وطاقات الإنسان تفوق طاقات الأشياء الكامنة في حبّة أرزّ أو حبّة فول أو حبّة سمسم...

الخميس، 24 مارس 2022

Restaurant Dannoun مطعم النون لصاحبه ياسر عبد الهادي وأولاده

 


على المرء أن يكون لديه ذهن يشبه ليونة جسد الهرّ

 

على المرء أن يكون لديه ذهن يشبه ليونة جسد الهرّ في هذا الزمن الذي نحن فيه، الزمن اللبناني أوّلا، والزمن الدولي ثانيا...

في لبنان عليك أن تجد لنفسك قاعدة في بلد يخلو من كل قاعدة... قاعدة تكثّر من استثناءاتها حتى لا تقضي عليها...

تكتشف في لبنان أنّك هشّ، ولكن عليك أن تمنح هشاشتك قدرات خارقة ترفع عنها هشاشتها الظاهرة...

كل مما حولك يغريك بالقرف، ولكنّك تقاوم... بكلّ ما اوتيت من عبث...

هل يمكن للعبث أن يكون منقذا للمرء من العبث..

هل يكون عبثك على غرار عبث المعرّي وهو يملي كتابه عبث الوليد... فكانه عبثه شيء كالجد، فيه الكثير من الرصانة الفكرية؟

واقع يشبه الضباب... 

كيف يمكن لك أن تجعل من الضباب بوصلة تخرجك من الضباب؟

لبنان على شاكلة أطلال... ولكن الأطلال كانت فواتح القصائد والمعلقّات...


الثلاثاء، 22 مارس 2022

طريقتك في الأكل هي طريقتك في التفكير...

 


طريقتك في الأكل هي طريقتك في التفكير...

هناك أناس لا تحب المخاطرة ولا المغامرة، ويظهر ذلك من نفورهم من تجريب مآكل جديدة، لا يحبّون تعكير مزاج ذائقتهم، وإذا تتبعّت طريقتهم في الأكل يمكنك أن تتوصّل إلى طريقتهم في التفكير..  

عدّة طرق يمكننا أن نسلكها للوصول إلى مكان واحد،  وأعطي مثالا بسيطا من عالم الطرقات، فإن كنت في منطقة التلّ في طرابلس ، وتريد الذهاب إلى الميناء يمكنك الذهاب من شارع المائتين، أو شارع عزمي، أو طريق الميناء، أو طريق رأس الصخر، أو الذهاب من المنطقة الصناعية، المنافذ إلى الهدف ليست واحدة، دائما هناك خيارات، وكذلك أمر النفس، فإنّه يمكنك أن تعرفها من طرائق شتّى، ماذا تأكل خبر، وكيف تأكل خبر آخر، ماذا تلبس خبر، كيف تلبس خبر،  ماذا تقرأ خبر، كيف تقرأ خبر، كلّها أشياء تخبر عنك، قصّة شعرك خبر، أشير هنا إلى احتمال خبر مزيّف يشبه الشائعة، أو خبر هو لجسّ النبض.

كل شيء يحكي، كل سلوك هو نصّ يتطلّبه ما يتطلبه تحليل نص من أدوات كثيرة، أدوات لغوية، ونفسية ، واجتماعية، وشعورية، واقتصاديّة...

ردّ فعلك هو سلوك يشبه تعليق على نصّ...

لكل سلوك معجمه الخاص، وصرفه ونحوه، ولكن له ما للقواعد من استثناءات تثبت القاعدة أو تبفي القاعدة....

كل ما تراه عينك هو مجموعة جمل من نص مديد، 

وكل ما يدور في ذهنك هو مجموعة جمل من نصّ مديد، نصّ متين ورخو كشبكة الصيد أو شبكة مرمة الكرة. 

رخاوة النصّ سرّ متانته... واهتزازات النصّ هي ما تمنحه قوّة الامتصاص...

من حسنات علم السيمياء أنّه يعلّم المرء كيف يرى؟ 

السيمياء أشبه برياضة روحية لشبكة العين... 

علم يرميك في عالم الأسئلة...

يقول لك: خذ الشبكة وتعلّم فنّ الصيد... 

السيمياء علم يعلّمك المتعة... 

ولعلّ أجمل ما تعلّمنا إيّاه السيمياء هو أن لا نكفّ عن التعلّم، وتعلّم مساءلة ما تعلّمناه...

تعلمك السيمياء أن تكون رخوا كشبكة صيد.... وغرّاً كي لا يفترسك الغرو

بليلة من مطعم الدنون


 

حلم أميركا كابوس العالم...

 


حلم أميركا كابوس العالم...

لأميركا جناحان: جناح ملائكيّ وجناح شيطانيّ...  وبهما معاً تحلّق...

لا أحد ينكر فضل أميركا على العالمين...

ولا أحد ينكر شرّ أميركا على العالمين...

عنجهيّة القوّة  نقطة ضعف القوّة ومقتله


 




#ياسريّة بالفطر والقلوبات...

وحين كتبت " قلوبات" راح ذهني إلى عالم اللغة... 

كنت أريد أن أتكلّم على علاقة الفطر بالحمّص.. فوجدت أنّ نفسي تهفّ إلى صيغ الجمع في اللغة العربيّة... وهي صيغ يبدع في استخدامها كبار اللشعراء أو من أوتي من اللغة بنصيب وافر وذائقة أدبيّة..

وكتبت أكثر من مرّة عن شعريّة  الجموع...    

ففي العربيّة ولنأخذ كلمة بحر مثلا:

بحر، وجمعه: بُحُر، بحار، أبحر، أبحار، أباحر، أباحير.. هذا ما ورد في خاطري .. وهناك جموع أخرى ربّما...

وكلمة قلب: قلوب، ولكن نأخذ الجمع لنعيد جمعه فيصير : قلوبات، وقلوبات  تحمل الدلالات ما لا تحمله كلمة قلوب... 

القلوبات: هي لوز، وبندق، وكاجو، وفستق...  وهنا تميّز نفسها القلوبات عن المخلوطة.. تتباهى القلوبات  بطبقتها   النقديّة... فهي ليست الفول السوداني، وليست القضامة، وليست البزورات...  فهي ليست قلباً واحدا، ولا قلوباً وإنّما قلوبات...

عودة إلى الياسريّة بالفطر والقلوبات...

للأسف سعر الفطر مرتفع بحيث  إدخاله كفرع من فروع الياسريّة.. يرفع من ثمنه أكثر وأكثر... وكذلك وجود القلوبات من  لوز، وصنوبر، وكاجو بالإضافة إلى الجوز  ...  وهذا ما يردعني من إنزاله في لائحة الأصناف...

نعيش في لبنان في زمن مجنون...

الانهيار الاقتصادي الجارح يجعل المرء يعدّ للعشرة، في الأقلّ، قبل   إضافة أصناف جديدة... 

فالياسريّة أطباق عديدة  اكتفيت بسبب الأزمة الاقتصاديّة  بصنفها الأساس،  الذي يمكن أن نذهب منه إلى مذاقات عديدة... وكلّها   منطلقها صحّيّ...  

أكثر من مرّة هيّأت مكوّنات الياسريّة بالفطر لتحضيرها ، ولكن كان يشغلني شاغل فأؤجّل تحضيرها... ولكن اليوم نويت أن أحضّرها أيّا كانت المشاغل أو ضيق الأوقات...

كنت  أحضّرها بهدوء وانشغاف ..     

ولم يخيّب مذاقها ظنّ  توقّعاتي، وظنّ حاسّة الذوق لديّ...

يمكن لمن يرغب أن يحضّرها تحضيراً منزليّاً...

وفي حال نزلت على مائدة الإفطار الرمضانيّة..  أرجّح أن تنال  الياسريّة بالفطر والقلوبات من  الأصوات ما لن يناله غيرها من الأصوات.. 

وأغلب الظنّ أن يقحّط الصحن حتّى آخر لقمة...

مسحت الصحن ولا زالت نفسي تخفّ إلى بضع لقيمات...

كلفة المكوّنات  لهذا الطبق هي مائة ألف  ليرة... وهو مبلغ أعرف أنّه موجع لكثيرين في هذا الوقت الاقتصادي العصيب...

ولكنّها تجربة مذاقيّة تستحقّ بعض الوجع...

الخيارات أمام الياسريّة مفتوحة على طعمات  تفوق أصابع اليد....

الأحد، 20 مارس 2022

الخميس، 17 مارس 2022

طريق الحرير اللغويّة

 

تحية طيبة، وبعد

بداية أشكر الدكتورة الفاضلة شيماء كمال على الدعوة الكريمة للمشاركة في هذا المؤتمر الموقّر   الذي يعقده قسم اللغات والترجمة في جامعة بدر تحت عنوان  " المثاقفة والمبادلة، دراسات بينيّة في الإنسانيّات".

كما وأشكر المشاركين الذين لا ريب سيمتعني سماع مداخلاتهم التي ستغني معرفتي حول ما ستنتجه مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها في العام 2013 الرئيس الصينيّ شي جين بينغ، وهي مبادرة يصحّ فيها ما قيل في أبي الطيب المتنبّي، مالئ الدنيا وشاغل الناس، فمبادرة الرئيس الصينيّ ملأت الدنيا وشغلت الناس، حقا، مبادرة تشبه المغامرة، وتاريخ الإنسان، في أيّ حال، هو تاريخ المغامرين والمبادرين.

مداخلتي هي بعنوان: لغات طريق الحرير، وكان يمكن لهذه المداخلة أن تكون باسم "طريق الحرير اللغويّة"، وهو اسم حديث نسبيّاً وجذّاب. ومن الطريف أن تأتي التسمية من الغرب، ومن ألمانيا تحديداً، لتعني بضاعة اكتشفت صناعتها الصين، وبقيت سرّا محيّرا إلى زمن طويل، حتّى أنّ فرجيل كاتب الملحمة الرومانيّة الإنياذة ظنّ أنّ الحرير مصنوع من مادّة نباتيّة على غرار القطن.

لعلّ أوّل من لفت نظري إلى فكرة لغات طريق الحرير هو ابن بطّوطة الرحّالة الشهير والذي ترجمت رحلته إلى لغات عديدة ومنها اللغة الصينيّة، لم تواجهْه خلال تجواله المديد في عالم الشرق أو في عالم آسيا مشكلة لغويّة ، فحيثما حلّ عصا الترحال كان يجد من يتكلّم معه اللغة العربيّة، وكانت اللغة تحلّ مشاكله اليوميّة في أغلب البلدان التي زارها ومنها الصين، حيث سجّل مشاهداته وانطباعاته ودهشته، وخصوصاً حين رأى صورته مرسومة على الكاغد أي الورق الصينيّ ومعروضة في الطريق. ولا أعرف إن كانت صورته هي أوّل صورة مرسومة لإنسان عربيّ، ولا أعرف إن كان في الأرشيف الصينيّ لذلك العهد نسخة من هذه الصورة، والبحث عنها يستحقّ العناء الفنّيّ والعلميّ.

عدّة كتب عربيّة تراثيّة تناولت الصين كان لها الفضل في أن تولد في رأسي فكرة دراسة لغات طريق الحرير وتفاعلها فيما بينها. ومنها كتاب بعنوان أخبار الهند والصين يعود تاريخ كتابته إلى العام 237 للهجرة، نشره في العام 1948 المستشرق الفرنسيّ جان سوفاجيه مرفقاً بترجمة فرنسيّة، وشروحات مستفيضة. استوقفتي أمور كثيرة في الكتاب، واستوقفني بشكل خاصّ كلمة، كلمة صينيّة، لو لم يقم ناشر الكتاب بشرحها لظلّت مجهولة الدلالة بالنسبة لي، وشروحات الكاتب وحدها لا يمكنها تزويدك بالجزم حول دلالتها، وهي كلمة "ساخ"، وهنا أستشهد بالفقرة : "ويختصّ الملك من المعادن بالملح، وحشيش يشربونه بالماء الحارّ ويباع منه في كل مدينة بمال عظيم ويقال له الساخ. وهو أكثر ورقاً من الرَطْبة، وأطيب قليلاً، وفيه مرارة، فيغلى الماء ويذرّعليه فهو ينفعهم من كلّ شيء. وجميع ما يدخل بيت المال الجزية والملح وهذا الحشيش".

كلمة الشاي لم تدخل إلى اللغة العربيّة من باب كلمة الشاي، وإنّما من باب كلمة " الساخ"، وإلى اليوم لا أعرف من أي لهجة من لهجات اللغة الصينيّة أخذها الكاتب، كما أنّ المترجم نفسه لا يعرف من كتب هذا الكتاب، فهو عثر على المخطوطة، تنقصها بعض الأوراق، وخصوصا الصفحات الأولى التي تعرّف باسم الكاتب، وناشر الكتاب ينسب الكتاب طورا للمسعودي صاحب كتاب " مروج الذهب ومعادن الجوهر"، وطورا آخر للتاجر سليمان.

كانت هذه الكلمة " ساخ" وراء اهتمامي بالكلمات المهاجرة، والكلمات المهاجرة في اللغات تغري بكتابة سيرها الغنيّة، ووراء الكلمات التي يكون للتجّار ، تحديداً، فضل شيوعها وانتشارها وتبنّها من قبل  لغات أخرى. والكتاب الذي وردت فيه هذه الكلمة، في أي حال، كتاب منسوب إلى من كانت التجارة مهنته.

وللتجارة فضل لغوي لا ينكر، وكثيراً ما قلّلنا من شأن التجّار في ترويج الأفكار، وغالباً ما نظرنا إلى الجانب السلبيّ من التجارة، بحيث إنّنا نجد كثيراً من الأمثال تتناول التاجر بالسوء، وتدين التجارة، وليس دائماً بسبب الجنّاس الخنّاس، فنقول: التاجر فاجر. وهكذا أعمانا فجور التجّار عن دورهم الجميل، والضروريّ، والحيويّ في نشر الأفكار. ومن الدالّ جداً أن يمتهن الرسول محمّد عليه السلام التجارة قبل أن ينزل عليه الوحي، وهناك أوصاف عدّة يتّصف بها الرسول عليه السلام، وهي أوصاف منحته إياها ممارسته التجارية، ومنها: الصادق الأمين، وهما، في الأصل، من صفاته التجاريّ قبل أن تلحق بصفاته النبويّة.

وهنا بخصوص التجارة أحبّ الاستشهاد بحكاية صغديّة، وشعب الصغد من الشعوب الذين مارسوا التجارة على ضفاف  طريق الحرير، وكانت بلادهم في الوقت نفسه تستقبل التجّار الذي يسلكون طريق الحرير بحفاوة بالغة، تقول الحكاية: إنّ الصغديين يمسحون شفتي الطفل أوّل ما يولد بالسكّر حتّى لا يخرج من بين شفيه إلاّ الكلام الحلو كالسكّر، ولهذا تحوّلوا، بحسب ما تقول الحكاية، إلى تجّار بالفطرة، - فالتجارة لسان حلو وملقى أحلى- وهنا، كما نرى نجد رابطاً طريفاً ودالاً على العلاقة الحميمة بين اللغة والتجارة من جهة، وبين اللغة وطريق الحرير من جهة ثانية.

 وأخذتني هذه الفكرة، أو هذه الروابط بين أضلاع هذا المثلّث، وهي: اللغة والتجارة وطريق الحرير إلى تساؤل حول علاقة اللغة العربية الفصحى بطريق الحرير.

التجارة واللغة على صلات عميقة، هذا ما يقوله لنا العصر الجاهليّ بشكل من الأشكال وإن بطريقة مواربة.

التجارة واللغة في حياتها اليوميّة،

والتجارة واللغة في وجهها الأدبيّ،

دارس نشأة اللغة الفصحى يتوقّف عند لهجة قريش. فالشائع لدى الدارسين أن العربيّة الفصحى هي لهجة قريش.

لهجة ارتقت إلى مستوى الفصاحة الناصعة لسببين:

-        سبب دينيّ

-        سبب تجاريّ 

 

سأتوقف في كلمتي، هنا، عند السبب التجاريّ، والذي يمكن اختصاره بكلمة قرآنيّة، أي الكلام على السبب التجاريّ بمفردات دينيّة، وبالتحديد قرآنيّة، وهي مفردات وردت في سورة قريش:

 

"لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)".

 

دلالات كثيرة يمكن أن يستخرجها القارئ من هذه الآيات، ولكن أكتفي بالدلالة التجارية الموجزة في عبارة " إيلاف قريش"، التي تحمل في طيّاتها فكرة الاستيراد والتصدير.

ما هو الدور الذي لعبه "إيلاف قريش " في تعزيز حضور لهجة قريش، ومن ثمّ في تبنّيها كلغة جامعة لقبائل العرب، ولهجات العرب؟

حين نسبر دلالات عبارة " إيلاف قريش" وأبعادها الجغرافيّة يتبيّن لنا، في جزء منها على الأقلّ، أنّها على صلة حميمة مع طريق الحرير.

طريق الحرير جعلت من قريش محجّة تجاريّة، ومَحجّة لغويّة ومحجّة أدبيّة ومحجّة نقديّة، بقدر ما جعل وجود الكعبة من قريش محجّة دينيّة، وجعل من الكعبة شاهداً أدبيّاً تعلّق على جدرانها قصائد العرب الخالدة وقصدت " المعلّقات" .

 

وأختم ببعض الكلمات من كتاب بيتر فرانكوبان Peter Frankopan  الموسوم : طرق الحرير، واختار صيغة الجمع في عنوان الكتاب، ولكن عناوين الفصول تبنّت صيغة المفرد، وهي عناوين معبّرة جدّا عن الأدوار التي لعبتها طرق الحرير، وأكتفي ببعض منها:

 

طريق الأيمان،

طريق الثورة،

طريق الوفاق،

طريق الفرو،

طريق السماء،

طريق الذهب،

طريق الفضّة،

طريق الذهب الأسود،

طريق القمح،

طريق القوى العظمى.

 

ولكن ليس من بين هذه العناوين عنوان باسم: طريق اللغة أو طريق اللغات.

 

أشكركم، وعلى أمل لقاء لا ينتمي على الواقع الافتراضيّ.

 

د. بلال عبد الهادي

رئيس قسم اللغة العربية

كلّية الآداب والعلوم الأنسانية

الجامعة اللبنانية- الفرع الثالث

 

 

 

 

 

المحيط الأزرق عنوان كتاب في إدارة الأعمال، وهذا العنوان تحوّل إلى مصطلح في إدارة الأعمال وخلق الأعمال...

 


المحيط الأزرق عنوان كتاب في إدارة الأعمال، وهذا العنوان تحوّل إلى مصطلح في إدارة الأعمال وخلق الأعمال...

يمكن الحصول على نسخة رقمية من هذا الكتاب مجانا من الإنترنت..

والمقصود بهذا المصطلح هة التعامل بشكل مختلف مع مفهوم  المنافسة، 

كن فوق المنافسة، ابحث عن مكان لا تطاله المنافسه، وقد أعطى الكاتب امثلة كثيرة، من الأشياء التي لفتت نظري أنّ كيس الإسمنت في إحدى المناطق كان الهدية التي تقدّم للأزواج الجدد!

كيف يمكن أن يتحول كيس الإسمنت إلى هديّة؟

سوق العمل يتطلب دراسة المجتمع، ودراسة الواقع الاقتصادي، ودراسة علم النفس، ودراسة الهجرة ومفهوم الشعور...

تيم براون مبدع التفكير التصميمي يقول إنه لا يتغني عن الأنترولوجيّ حتّى في تصميم درّاجة هوائية...

ولإدوارد دي بونو مبدع مصطلح التفكير الجانبي كتاب بعنوان ما فوق المنافسة، يصبّ مصب كتاب المحيط الأزرق... ويروي هذه الحكاية عن المنافسة، وكيف أن منافسك فرصة لك، هذا ما تعيشه الشركات اليابانية المتنافسة في ميادين شتذى ، التعاون بين المتنافسين شرط لإيقاف الهدر.... 

النظرة ، دائما النظرة هي ما تغيّر من علاقتنا بالأمور، بل هي ما تغير الأمور...

أتذكر دائما قولا عربيا مأثورا ، وكيف أنّ هذا القول تغيرت دلالته رأساً على عقب حين تبناه الرسول عليه السلام بحذافير ألفاظه مع إعطائه بعدا دلاليا جديدا: انصر أخاك ظالما او مظلوما، حوّر الرسول معناه بل صوّب معناه ، نصرك أخاك ظالما هو أن تردعه عن ظلمه، لا أن تؤازره في ظلمه، اكتسب القول بفضل الرسول عليه السلام حياة جديدة... 

والعرب القدامى كانوا يستعملون هذه العبارة : " أهل النظر" للكلام على المفكّرين، وأصحاب الرأي بل وصناع الرأي...ني.

الثلاثاء، 15 مارس 2022

الإبدال اللغوي وصحن الفتّة في مطعم الدنون

 



الإبدال مصطلح لغوي ويعني استبدال حرف بحرف دون أن يتغيّر المعنى، فلنلاحظ كلمة زعتر، نجد أنّها تكتب في المعاجم على الشكل التالي: زعتر، سعتر، صعتر... 

ولكن قد نجد أنّ الاستبدال يحلّ مشاكل من نوع آخر، فلنذهب إلى الأكل...  ونجد الاستبدال، وسأخذ مثالا من صحن الفتّة لأطبّق عليه نظرية الإبدال اللغوي، والإبدال اللغوي طريف جدا وغنّي ويدفع مخيلة القارىء غلى مطارح كثيرة غير لغوية...

لماذا اخترت الفتّة؟

شهر الصيام المسيحي هو الذي دفعني الى اختيار الفتّة ..

ما علاقة الفتّة بالصيام؟

شهر رمضان على الأبواب، أظنّ هذا يكفي للفت النظر الى البعد الديني في صحن الفتّة..

المآكل لا تبتعد عن الدين.. فعلاقتنا مع الطعام في شقّ منها دينيّ...

الحلال من الكلمات التي يكثر حضورهاا في دول الغب على أغلفة الطعام... هل يخلو سوبرماكت من كلمة حلال؟ وهل يخلو متجر غذائي من كلمة حلال...

ويمكن القول أنّ الطعام زاد من منسوب طباعة مفردة حلال بالحرف العربي او بالحرف اللاتيني...

الفتّة عادة تحضّر باللبن، أو فلأقل إنّ اللبن من مكونات طبق الفتّة ، واللبن مادّة حيوانية، والصيام المسيحي هو انقطاع عن أكل الحيوان ومشتقات الحيوان ، وعليه فإنّ اللبن رادع للأفواه، لهذا نقدّم في مطعم الدنّون فتّة صيامية وتسمّى أيضا بالفتة القاطعة ، وهنا من يمد لنا يد العون هو حبّة السسم... ولا اظن أحدا يستهين بقدرات حبّة السمسم الخارقة، ومن لم يسمع بعبارة #افتح_يا_سمسم...؟

نحضّر فتّة بالطحينة بدلا من اللبن، وهيي من المآكل التي تخطر ببالي في موسم البرد... تحضّر طحينة الفتة أو تبلتها بطريقة خاصّة ، وهكذا تبني الفتة علاقة شهية وطيبة مع الصيام المسيحي عن طريق ابدال مادة اللبن بمادة الطحينة من غير أن يتهمها أحد بالهرطقة أو الزندقة أو لي عنق الدلالات...

وهي فتّة في البرد تحديددا تشعرك بدفء عجيب.. دفء  جوّانيّ، وبرّاني

التشويه باب من أبواب الحماية

 


الإنسان يشوّه الأشياء كي يحميها... أو يشوّه نفسه كي يحمي نفسه، وهذا ما كتبته في


 مقال نشرته في كتابي لعنة بابل من وحي قول مأثور: لأمر ما جدع قصير نفسه. والكلام فيه عن شخص اسمه قصير جدع أنفه كي لا يموت..

الأنسان يشوّه نفسه أحيانا حفاظا على روحه، يضحّي ببعض الجسد للحفاظ على بقية الجسد...

ومن يتابع ما يكتبه الناس يجد أن هناك تشويها لبعض الكلمات، وهو تشويه مقصود ليس مبعثه بالصواب، بل يشوّه من باب الاحتياط وحساب خط الرجعة...

في اللغة باب لطيف جدا يعرف بأسماء متعددة ، التابو اللغوي، المحظور اللغوي، تلطيف التعبير، ويقصد به أنّ هناك كلمات لا نتلفّظ بها لأنّ المجتمع لا يتقبلها، وينظر شذرا إلى من يستعملها، أو لأنّه يخاف أن يستعملها لما سيناله جراء ذلك من عقوبات لا يتحمّلها.

فلنتأمّل ما يفعله غوغل أو تويتر أو الفايسبوك,,, غزاء ما لا يرضيهم من مواقف، يسلطون عليك سيف الحظر... أو الإقفال ، إقفال الحساب مؤقتا أم بشكل دائم...

وهناك كلمات وتعابير محظور استعمالها ، ومن التهوّر أو الغفلة احيانا استعمالها لأّنها تهددك بالططرد أو بالحظر.

فما يفعل المرء؟

أمامه خيارات كثيرة، طرق ملتوية، فرعية، تشه تلك الطرق التي يستعملها المرء في سيارته للهروب من الزحام أو من حاجز طيّار... الزَوْرَبَة سلاح في مواجهة الحظر، وفي مواحهة المنع، وفي مواجهة الملاحقة..

يعمد الكاتب إلى حيل لغوية، كأن يقطّع أوصال الكلمة، فبدلا من أن يكتب الحظر مثلا يختار بديلا هو الح ظ ر ، أو يستعين بحروف العلّة الألف والواو والياء كبدائل للحركات، كأن يكتب الحوزب بدلا من الحزب، وقد يختار حرفا له علاقة ما مع الحرف المحذوف كاختار الصاد بدلا عن السين، وقد يستعين بحرف لاتيني ويدخله بين الحروف العربية من قبيل كلمة حzب، فهنا تعرف أن المقصود بالكلمة هي كلمة حزب، أو يبدل القول بثياب الحرف اللاتيني، فيصير كالنقاب، النقاب الشفاف في أي حال، 

هناك وسائل تشويهية وهناك وسائل تنكّرية، وهناك وسائل أيقونية حيث يمكن لأيقونة ما أن تقوم بدور الكلمة في النصّ ....

وهناك وسائل تتطلّب دراية لغوية ... وأعود إلى كلمة الزوربة ... على من يزورب أن يكون ماهرا وخبيرا بالمسالك العديدة وخارطة المكان بشبكة مواصلاتها قابعة في دماغه... وهكذا الزوربة اللغوية ، فهي تتطلّب معرفة المترادفات والكنايات والأساليب البلاغية والمجازات والاستعارات التي تسمح للواحد أن يسلك بين النقاط دون أن يبتلّ ....

والعلاقة بين اللغة والشوارع أو وجه الشبه بين اللغة والشوارع كنت قد تناولتها في مقال شعريةة الترادف في الكتابة على جلدة الرأس....

اللغة صورة عن الحياة، وما تجده في الحياة فتّش عنه في اللغة فهو بانتظارك على مفرق طريق...