الخميس، 27 فبراير 2020

三人一条心,黄土变成金。

三人一条心
黄土变成金

تعلم اللغة الصينية


كثيرا ما نجد كلمات صينية حين تكتب بالحرف العربي تختم بجيم أو غين.
مثل وانغ لانغ أو وانج أو لانج .
والطريف في الأمر أن لا وجود لهذين الحرفين في أواخر الكلمات الصينية على المستوى الصوتيّ.
انها موجودة لنقول لك أنا غير موجودة. لا أتكلم بالألغاز. ولكن شاءت الكتابات ، كل الكتابات أن تزيّف الصوت، تضحك على مخارج الأصوات اللغوية.
بداية، الغين والجيم هما شيء واحد يرسمان حرف g ، وهو حرف يبلبل الكتابة العربية، الجيم القاهرية غير الجيم اللبنانية.
حين يواجه القلم المصري حرف g يعامله معاملة جيمه القاهرية، نحن نبادله بحرف الغين إذ نجد الغين اقرب إلى الجيم القاهرية.
ماذا يقصد بحرف الغين او الجيم في أواخر الكلمات الصينية المكتوبة بالعربية؟
هنا سأنتقل إلى الكتابة الفرنسية لتفسير الحالة الصينية، نكتب long الفرنسية التي تعني طويل، ولكن من يعرف الفرنسية يعرف ان حرف g لا وجود له على مستوى الصوت، يكتب ولا يلفظ، وهكذا الجيم في الحرف الصيني.
لونغ تلفظ كما تلفظ long ، وتعني هذه الكلمة التنين، رمز الصين الأوّل.
وعليه كلمة ملك 王 wang
وانغ، تلفظ جيمها كما تلفظ الجيم في
long
كلمة ملك أو رمز ملك كما ترى شديد البساطة، ثلاثة خطوط أفقية يخترقها خط عموديّ.
ولا أظنّ أن يدا عربية تعجز عن كتابة رمز ملك

الأحد، 16 فبراير 2020

香波 قراءة في رمز صيني


الموج العاطر

دخول مفردة من لغة ما إلى لغة أخرى يفرض عليها شروطا صوتية معينة سببه أنّ لكل لغة نظاما صوتيا خاصا بها مختلفا عن نظام أي لغة أخرى. وهكذا تجد المفردة نفسها مضطرة للخضوع إلى النظام الصوتي الجديد إذا أرادت الإقامة المديدة في ضيافة هذه اللغة أو تلك. لا بدّ من تضحية صوتية ما، فالسين قد تصير #صادا، والكاف قافا، والتاء طاء مثلا، والميم #نونا، والراء #لاما، لأنّ الصوت المفرد يخضع أيضا لنظام صوتي آخر هو " نظام المقطع" ، فالنظام المقطعي أيضا نظام متغيّر بحسب اللغات، فلكلّ #لغة نظام خاصّ بها على غرار ما هو عليه الحال في النظام الصوتي الذي يتجسّد مكتوبا في #الألفبائيات.ولا يغرّ المرء بالشكل، فشكل ألفباء #اللغة_الانكليزية يشبه في أصواته الصامتة أو ما نسميه بالحروف متشابه ولكن ينكشف الخلاف وبشكل لا لبس فيه في الصوائت أو ما يسمّى في العربية بالحركات.
#اللغة_الصينية ذات قدرة هي بنت طبيعتها الصوتية في نقل المفردات الغريبة.
وهنا سأقف عند كلمة " #شامبو" #shampooing الذي اختارت الصينية أن تأخذ شكله الصوتي من الفعل #shampoo.
اللفظ الصيني هو "شْيانغ پو"، ولكن الشكل الصوتي كما هو في العربية شكل معتم لا يفصح عن الطريقة التي اختارتها الصينية. اللغة الصينية لصيقة الصلة بطريقة كتابتها. لا يمكن للكتابة الصوتية أن تكون بديلاً فعّالا للرموز، أو للكتابة الصينية، وذلك بسبب طبيعة اللغة الصينية المقطعية. #الحرف_اللاتيني عكّاز لا أكثر يستخدم لتعليم الرموز. الرمز صورة أو معنى، الألفباء صوت عاجز عن تلبية حوائج الرمز، #الجناس_الصوتي الكثيف يجعل الكتابة بالحرف اللاتيني أو غيره كالرماد في العيون يشوّش عليه رؤية #المعنى!
الصوت الواحد أي المقطع الواحد له دلالات كثيرة يكشفها شكله المكتوب، الجناس على مستوى الصوت لا على مستوى الكتابة الصينية، ولكن الجناس الصوتي يتحوّل إلى جناس مكتوب في حال استخدمنا الحرف اللاتيني أو أي حرف آخر.
وهنا يتاح للغة الصينية أن تقوم في نقل الصوت بطرق شتّى، وبدلالات شتّى ، فهي تستطيع أن تختار صوتا يحمل معنى القدح أو المدح.
وبالنسبة لكلمة #شامبو فقد اختارت له تسمية هي صوتية في الأساس ولكنها تختضن أيضا معنى عطرا. اختارت للشامبو ما يمكن ترجمته إلى العربية بالموج العاطرxiāng bō 。 香波
وهي ترجمة موفقة، فالشامبو ذو علاقة حميمة مع الماء ومع العطر الذي يفوح من خصل الشعر " المتموّجة"!

الاثنين، 10 فبراير 2020

#破釜沉舟 pò fǔ chén zhōu



في كلّ لغة كنايات.
الكنايات نقاب يخفي المعنى.
يلهيك بما ترى فلا ترى ما يجب أن تراه.
المعنى مغيّب وراء المعنى الظاهر، الفاقع، الواضح.ما هو شديد الوضوح يصبح أحياناً كلوح الزجاج شديد النظافة فترتطم فيه لأنّك لا تراه مع أنّه أمامك.
عينك تخونك!
نظافة الزجاج التامّة تنصب لك الفخّ!
وهكذا الكناية يمكن أن تقوم بهذا الدور على أتمّ وجه.
العبارة الصينية أعلاه تقول:
كسر الطناجر وإغراق السفن.
هل يمكن أن تعني كسر الطناجر وإغراق السفن الانتصار؟
من أين يأتيها المغنى؟
لا يأتيها من حطام الطناجر ولا من غرق السفن!
في تراثنا خطبة شهيرة لطارق بن زياد عن حرق السفن !
الحرق والغرق يحملان المعنى نفسه!
لن أحكي عن الخطبة والشكوك حول نسبتها لطارق بن زياد الذي لم يكن بلبلاً في العربيّة بحسب بعض الأقوال.
استراتيجية حرق السفن استراتيجية قديمة، وهي استراتيجيّة ناجعة يشبه معناها حشر الهرّ ة في الزاوية!
حشرها يمنح مخالبها قوّة لم تكن تملكها قبل الحشر!
استراتيجية كيميائيّة تحوّل طاقة اليأس إلى طاقة إيجابيّة، فعّالة، وبطّاشة.
تنقلب الأشياء إلى أضدادها حين تصل إلى ذراها!
يعود المثل الصيني إلى واقعة عسكرية.
كان أحد الجنرالات يريد أن ينتصر، ولينتصر تخلّى عن عناصر الانتصار الظاهرة، طناجر الطعام، لوّح لجنوده بالجوع وليس بالشبع!
لوّح لهم بعد إغراق السفن بعدم الرجوع!
عملان سلبيّان بهدف توليد عمل إيجابيّ هو الانتصار.
التيئيس تحميس!
لم يعد أمام جنوده إلاّ احتمالات محصورة !
الموت أو الانتصار!
الموت دافع قويّ للانتصار!
الموت مبعث الحياة!
اليأس خلاّق فرص!
اليأس ولاّد نجاحات وانتصارات!
زد جرعات اليأس فقد تضمن انقلاب المصير!
قلت: قد.
لأنّ اليأس كما كلّ ما تراه عينك سيف ذو حدّين!

أحكي عن رمز 人


التعلّم يتطلّب الولع باللعب!
العلم لعبة!
اللغة ، أيضاً، لعبة . هذا ما قاله فيلسوف المعنى #لودفيغ_فيتغشتاين.
هنا لعبة ، لتوصيل الرموز الصينية من أطراف أصابعك إلى ذهنك، ولدعوة هذه الرموز إلى الجلوس في ذاكرتك.
سأنطلق من رمز غير موجود في الصور!
ولكن من يجيل نظره في الصور سيعرف أن الرمز غير الموجود موجود!
كيف؟
وعن أي رمز تحكي؟
أحكي عن رمز 人!
وهو يعني إنسان.
ومن هذا الرمز سأذهب إلى رمز آخر موجود ولكن بشكل غير مباشر، وهو 大 الذي يعني كبير.
من يتابع ما أكتبه عن الرموز الصينية يعرف أنّي تناولت سابقاً هذين الرمزين من زوايا متعددة.
لا أظنّ أنّ أحداً سيقول لي: هذان الرمزان صعبان، تتعثّر برسمهما الأصابع، ومن الرمز الثاني سأذهب إلى الرمز الثالث头 ويعني الرأس!
ولا يختلف الرأس عن رمز كبير إلاّ بوضع خطّين وكأنّهما خصلتا شعر !
ومن الرأس أروح إلى رمز كديد هو 买 ، ومتأمّل هذا الرمز يحد أنّه يشبه رمز الرأس ولكن مع وضع خط فوقه مثنيّ في آخره الأيمن، وحتّى لا تنساه تخيّله قبّعة يعتمرها رأس!
ويعني اشترى.
وإذا وضعت فوق رمز اشترى ما يشبه الصليب الصغير أو علامة زائد + تحصل على فعل جديد 卖 ويعني باع.
ها أنت الآن تعرف، كما أتخيّل، طبعاً إذا كانت لديك رغبة ما في كشف أسرار الرموز الصينيّة، أو الإلمام ولو البسيط في طريقة الصينيين في تشكيل الرموز.
والآن تعرف:
人大头买卖
والرمزان اللذان على شرفهما كتب هذا المنشور إذا جمعتهما معا صار معك 买卖 ومعا يعنيان تجارة.
الملاحظ أنّنا في العربية نقول: بيع وشراء، ولكن في الصين يقولون: شراء وبيع.
وهنا أذكر عبارة تغيّر مواقع الكلمات بتغيير اللغات.
نحن نقول: ليلاّ ونهاراً ولا نقول نهاراً وليلاً، بينما في الفرنسية يقولون jour et nuit!
نبدأ بالليل لأنّ العربية بنت الصحراء بخلاف لغة موليير

鼠年


الدنيا غريبة، لا أحد يعرف متى تتغيّر مصائر الأشياء والكلمات!
ولا يمكنك أن تستهين بأيّ من أشياء العالم لا بعنكبوت ولا بذبابة ولا بفأر ولا بصرصار!
جاء الزمن الرقميّ بمنعطفاته المعرفيّة الهائلة، غيّر العالم، غيّر علاقتك مع المعرفة نفسها، وحين جاء أحضر معه العنكبوت، ثمّ استعان بالفأرة، ثمّ أتى بالذبابة، ولم ينس الفيروس!
الفأرة ، اليوم، لها بسبب السنة القمرية سنة الفار #鼠年 عزّ في الشرق الأقصى!
تستقبلها طوابع البريد بالأهلا والسهلا، فتتنفّس الفأرة الصعداء!
وتقام على شرفها احتفالات، وتنشط ابمصانع لصنع ألعاب ودمى لها، وتطبع على قمصان وتيشارتات، ويتفنّن الفنّانون في رسمها أو نحتها ووو
الفأرة سوق عمل!

星 تعلم اللغة الصينية


النظرة الأولى حمقاء، هذه العبارة هي مثل عربيّ.
مثل يتّهم الانطباع الأوّلي بالحماقة.
وليس بالضرورة أن تكون النظرة الأولى حمقاء!
والهدف من المثل التيّقن، وتقليب النظر في ما نراه.
وكنت قد قرأت هذا المثل لأوّل مرّة في كتاب من الكتب البلاغية التراثية الشهيرة: الإيضاح في علوم البلاغة.
وأحببت ربط هذا القول بعنوان الكتاب!
فالإيضاح له صلة بالعين كالمثل تماما.
أقول هذا لأشير إلى عدم صعوبة تعلّم الصينيّة.
النظرة الأولى تقول لك الصينية صعبة بل مستحيل تعلّمها، النظرة الأولى عدوّ لنا مبين، لأنّها رادعة، زاجرة حيث يجب الإقدام.
هنا سأقف عند رمز النجمة!
كيف نكتبها، الانطلاق دائما من المفاتيح، وهذا الرمز يتألّف من مفتاحين: الشمس والولادة.
- الشمس 日
- الولادة 生
لا أظنّ أن كتابة الشمس تحتاج إلى مجهود، وكذلك الأمر بالنسبة للولادة فهي خطوط مستقيمة ثلاثة يخترقها خط أفقيّ ثم خطّ صاير مائل في الخطّ الأوّل.
وقلت فيما مضى إنّ المفاتيح نوعان : نوع هو مفتاح ورمز. ونوع لا يكون إلاّ مفتاحاً.
أي نوع لا يكون إلاّ جزءا من رمز، أي نوع مقيّد، ونوع آخر حرّ، يمكنه أن يكون عنصراً من رمز، ولكن يمكنه أن يقوم بنفسه بدور الرمز.
المفتاحان ، هنا، ينتميان إلى المفاتيح المرّة.
ماذا تقول لك العين حين نتأمّل النجوم المتناثرة في السماء ؟
ثقوب من الضوء!
ما الفرق بينها وبين الشمس على مستوى النظر؟
صغيرة، وتبدو الشمس كما لو أنّها أمّ لهذه الشموس الأجنّة؟
شمس في سنّ الرضاع؟
طفلة...
كما لو أنّ الصيني اعتبر النجم شمساً تولد من رحم الليل!
والولادة ، لم تغب عن هذا الرمز حين يستقلّ كل مفتاح بنفسه ولكن يتجاوران في رمزين 生日 وتعني عيد الميلاد، احتفال أو ذكرى بعيد ميلادك، الميلاد حلم!
الأم تحلم!
الأب يحلم!
الأرحام أحلام!
الحلم ولادة شمس تنوّر حياة الأم والأب، شمس تنوّر البيت!
ألا نرى في أولادنا إشراقة أمل، وإشراقك حلم.
هنا تعلّمت كلمة نجمة، وكلمة شمس، وكلمة ولادة، وكلمة عيد ميلاد!
الواحد متعدّد!

#استراحة_صينية #学不可以已。 #荀子


الناظر في الصورة يرى عدة أشياء، منها:
الكتابة بالحرف اللاتيني في السطر الأوّل، وهذه الكتابة هي كتابة صوتية للرموز الصينية ، وتسمّى بالصينية 拼音pīn yīn ويمكن أن نكتبها في العربية هكذا: پْهِن يِنْ .
ماذا نلاحظ في كتابة الپهن ين :
نجد كلمة واحدة مكررة مرتين( وهما الكلمتان الأخيرتان)، وهي:
yǐ.
ولكن حين ننظر الى تحت كلمة yǐ في المرتين نجد أن هناك شكلين وليش شكلا واحدا. فواحدة تحتها 以، وثانية تحتها 已.
كيف أنجبت yǐ شكلين؟
ل yǐ أشكال أخرى لم تظهر هنا.
طبيعة اللغة الصينية طبيعة جناسية بمعنى أنك تجد للصوت الواحد عددا كبيرا من الرموز وتتعدد دلالات الصوت الواحد بتعدد الرموز.
فوق حرف ال I علامة هي علامة تشبه الرقم ٧ على شكل صغير، ولو رفعتها عن رأي ال I لزاد عدد الرموز الصينية أكثر وأكثر.
هذه السبعة الصغيرة هي علامة نغمية تسمى كشكلها علامة هابطة رافعة أي أنّك وأنت تتلفظ بالحرف عليك أن تهبط بنغمة ثم نصعد بها. والنغمات هي من أصعب ما يواجه الطالب للغة الصينية وخصوصا إذا لم تكن النغمات من صلب لغته الأمّ، لهذا تسمى الصينية لغة نغمية ، فتغيير النغمة تغيير للمعنى، وتغيير للرمز.
ما قلص من مفعول النغمات قليلا هو أن الكلمة الواحدة في الصينية الخديثة تتألف من رمزين أو أكثر، هنا تستعين بالكثرة للانتصار على صلابة النغمة.
وفي الأخير، العبارة تقول ما يقوله تعبير عربي مأثور: اطلب العلم ليس ولو في الصين، وانما من المهد إلى اللحد.
كيف تطلب العلم وأنت في المهد؟
لعلّ المثل المأثور لم يفضِ بكل أسرار

#想


يمكن للنظر أن يخدعك فيردعك!
هذا الرمز حلو، بسيط!! عميق الدلالة، يشكّل مشهداً " ينبض" بالمتعة !
إذا أردت تعلّم كتابة الرموز الصينية فعليك التزوّد بالصبر! والتزوّد بحمّالة المفاتيح porte_clefs!
فهذا الرمز ينكوّن من ثلاثة مفاتيح:
- 木
- 目
- 心
- الرمز الأوّل يعني شجرة
- الرمز الثاني يعني عين
- الرمز الثالث يعني قلب.
الرمزان الأوّل والثاني يلفظان بشكل واحد. الجناس الصوتي ، في الصينيّة، يبلغ الحدّ الأقصى .
لا أعرف لغة تضاهيها في مسألة الناس بحيث أنجب ذلك فنّاً حوارياً قائما بذاته يعتمد على اللعبة الجناسيّة.
ويعني هذا الرمز:
فكّر، ظنّ، اعتقد، رغب ف، أحبّ، ودّ، اشتاق.
عين تتجوّل في الشجر تمتع القلب.
والقلب، قديما، مقرّ التفكير.

#叶

وماذا لو قلت إنّ هذا الرمز الصيني 叶 موجودٌ في كلمة تعرّبت، وتعيش بيننا، ولا يمكن الاستغناء عنها؟ ولا عن مذاقنا بل صارت طقساً عربيّاً مدلّلاً في عدد من دول العربيّة؟ بل ودخلت في تعبير يدلّ على من يرشي ومن يسيل لعابه أمام غنج الرشوة وإغواءاتها؟
سأبدأ ، أوّلاً، بتفصيلها!
يتألّف هذا الرمز من مفتاحين:
- 口 الفم
- 十 عشرة
لا أظنّ أنّ من لا يعرف أن يفكّ الخطّ سيجد صعوبة في فكّ هذا الرمز: مربّع صغير بجانبه الأيمن ما يشبه الصليب أو علامة زائد.
لم أصل إلى علاقة هذه الكلمة بعد مع عاداتنا العربية!
هذا الرمز هو الياء في كلمة شاي!
نعرف أنّ الصين هي منبت الشاي!
والشاي ، في العربيّة، كلمة واحدة، ولكنّها جاءت من رمزين تشا يه.
حين وصل الرمزان إلى بلادنا أصبحا كلمة واحدة.
والكلمة حين تغادر بلادها لا تعرف على أي شكل تستقرّ!
يه وحدها تعني ورقة، ورقة شجرة لا الورقة التي نكتب عليها!
هل تخلو في بلادنا كلمة شاي من حرف الياء؟
قد تخلو من حرف الشين! كما في المغرب!

العناوين الخدّاعة

في التراث الصيني رواية شهيرة جدّاً بعنوان رحلة إلى الغرب #西游记 ولكنّها رحلة إلى الشرق!!
قد يظنّ سامع العنوان، بداية، إن كان يجهل الرواية ومضمونها أنها تحكي عن الغرب بالمعنى الذي تستعمله اليوم.
الغرب بالنسبة للصين لم يكن الغرب وإنّما الهند!
والرواية بطلها شخص يريد نقل الكتب البوذية إلى اللغة الصينية واعترضته مغامرات وأخطار.
يمكن القول إنّ الترجمة هي بطلة الرواية!
الرواية شديدة الشهرة وهي مفخرة من مفاهر الأدب الصيني وقد نقلت إلى كلّ اللغات العريقة ومن ضمنها العربيّة

اليوان الصيني #元


نحن في زمن الدولار، واللبنانيّون ، اليوم، في لهيب زمنه!
ولكن لا شيء يدوم، سنّة الحياة دولاب لا يكفّ عن الدوران.
ما له قيمة اليوم سيفقد قيمته غدا أو بعد اد، وما لا قيمة له ، في لحظة غير متوقّعة، يصير لا يقدّر بثمن.
القيمة متغيّرة كقيمة العملة.
هناك من يظن أنّ القيمة راسخة، لا تزعزعها الأقدار.
عودة إلى اليوانّ
الدولار ترك بصماته على مختصرات كثيرة من العملة.انظر إلى مختصر اليورو € أو مختصر الين الياباني¥ تجد الشرطتين...
هاتان الشرطتان موجودتان في كلمة اليوان الصيني، ولهما دلالة رقمية في الصين ، فرقم اثنين يكتب هكذا 二 ، وهما كما سوف تلحظ جزءا من تكوين رمز اليوان في اللغة الصينية، وعلامة الطفل في الصين هي 儿 ، والجمع بينهما بهذه الكيفية 元 يعطيانك رمز يوان في اللغة الصينية.
وزمن اليوان آ

#问


هذا الرمز 问 يعني: سؤال، استفهام، استعلام!
وهو يتألف من مفتاحين:

- المفتاح الأوّل باب 门
- المفتاح الثاني فم 口。

ما هو السؤال؟
حين نعرف ما هو السؤال ربّما نعرف ما هي علاقة السؤال بالباب!
الباب غياب!
ما وراء الباب أسرار!
كلّنا قرأنا في طفولتنا قصصا عن الباب المرصود، الباب المغلق، الممنوع فتحه!
الفم مفتاح الباب!
حين تحكي ستعمل فمك، لصياغة سؤال تختلج إلى فمك، الفم ضرورة! ( طبعا هناك بدائل للفم، ولكن بدائل الفم فمٌ من نوع آخر.
حين تسأل ينفتح أمامك ما لا تعرفه كما لو فتح لك الباب المغلق!
السؤال مفتاح، والمفتاح فم!
السؤال مفتاح الباب!
الفم مفتاح باب المعرفة.

#孕


هذا الرمز يمكن أن يتخيّل المرء معناه إذا كان يعرف معنى عناصره.
الرموز الصينيّة تمرين للخيال، ودرس مرئيّ في علوم البلاغة.
مرّ معي هذا الرمز منذ زمن بعيد، مع بداية تعلّمي للغة الصينية ربّما، واليوم مرّ معي فخطر ببالي أن أكتب عنه .
فهو يتألّف من : 乃 ومن 子.
طرا الرمز في شكل الرمز الأوّل حيث يمكن أن نلحظ ما يشبه البطن المنتفخ!
وما يعطي هذا الانتفاخ معناه أنّ طفلاً وهو معنى 子 يبدو كما لو أنّه في داخله!
ويعنى امرأة حامل!
الحمل مرئيّ للعين!
وحمل ربّما في المرحلة الأخيرة!

人民的鱼


الكلمات أفكار.

كلّ كلمة فكرة تشبه حبّة قمح تولد من أحشائها سنبلة.
كنت أقرأ قصة صينية قصيرة بعنوان " سمك الشعب人民的鱼".
للكاتب سو تونغ 苏童
وهي قصة تروي التحولات الاجتماعية التي تعيشها الصين بعد عصر الانفتاح الذي افتتحه الرئيس الصيني الراحل دنغ شياو بينغ.
لن أحكي عن القصة، وإنما سأحكي عن كلمة صينية ، الكلمة ليست جديدة عليّ، فهي من أوائل الكلمات التي تمرّ في حياة الطالب الصيني، وما سأقوله عنها يمكن أن يقال عن كلمات صينية كثيرة، وهو كيف ان الكلمة فكرة، أو قل كيف ان الكلمة هي ، في الوقت نفسه، طريقة تعامل ، وطريقة تفكير في الأشياء.
أغلب كلمات اللغة الصينية الحديثة تتألف من رمزين أو أكثر.
وهذا ما يميّز الصينية الحديثة عن الصينية القديمة او الكلاسيكية، الصينية القديمة كان الإيجاز عمودها الفقريّ وسحرها الأخّاذ، كانت، فعلا، من جوامع الكلم.
والكلمة التي سأتوقف عندها اليوم هي التجارة، وكما في اي لغة من لغات العالم ، لها مترادفات متعددة.
المترادفات ضرورة براغماتية للغات، لغة بلا مترادفات أشبه بالعيش في زنزانة لا تدخلها الشمس!
شانغ يي #生意 تعني تجارة، ولكنها لا تعني تجارة فقط، وانما تعني ايضا بترجمتها الحرفية "ولادة فكرة"، اي ان التجارة فكرة، التاجر لا ينقل البضائع فقط وإنما الأفكار ايضا، وهذا ما تقوله طريق الحرير مثلا او طريق التوابل او إيلاف قريش.
يقال إن الإسلام وصل الى اندونيسيا عن طريق التجار لا عن طريق اهل الدعوة أو التبشير.
ربط التجارة بايجاد فكرة وولادة فكرة ورعاية فكرة.
هل يموت صاحب فكرة من جوع؟
لا أظنّ!
الأفكار مصدر رزق ومصدر متعة.
ولكن المشكلة هي ان البعض يرى في التفكير " وجعة راس

دلالة الرقم 14 في اللغة الصينية


للإنسان علاقة غير موضوعيّة مع الأرقام.
وفي الصين يمكنك أن ترى هذا بأمّ عينك.
لفت نظري وأنا في المصعد في بكين خلو الطوابق من رقم ١٤.
والسبب صوتيّ!
قلت أكثر من مرّة إنّ الصينيّة لغة جناسيّة بامتياز!
ومن الجناس يمكنك أن تدخل إلى عادات وتقاليد أهل الصين.
الإنسان يؤمن بالخرافة!
هل بمقدور شعب أن يعيش خارج أسفار الخرافة!
الخرافة خبيثة، ماكرة، تحيط بك ولا تراها أحياناً، فهي تمسك بمخانق لاوعيك، وتحيط بك ولكنّها شفّافة أحياناً كالزجاج بحيث لا تسمح لك برؤيتها!
لماذا يتشاءم الصينيّ من الرقم ١٤؟
رقم واحد له لفضان : إي و ياو!
والرقم أربعة يلفظ سِهْ.
مجاورة الرقم واحد للرقم أربعة يرنّ في الأذن كما لو أنّه دعوة للانتحار!
الجناس وسواس خنّاس!
ياو سه يمكن أن تعني أريد أن أموت!
وكلمة الموت ليست بالكلمة المحبّبة، فلننظر إلى مترادفات الموت في العربية، نعرف كيف نحتال عليه لغويّا.
فالميّت راحل، والراحل لا تعني الميّت!
قلّمنا أظافر الموت عبر استعانتا بكلمة لا تحمل ما يحمله الموت من دلالات!
كان الصينيّ عمليا جدّاً، ألغى الرقم ١٤ من المصعد!
والمصعد بالتحديد صندوق ! وكثيرون عندهم الرهاب من المصاعد.
أذكر حين كنت في باريس تعرفت على جنديّ من دول عربيّة، وكنت أصعد معه في المصعد، تفاجأت حين اتكأ عليّ ، وأغمض عينيه منتظراً على أحرّ من الحمر الخروج من جحيم المصعد.
تفاجأت وخصوصاً أنّه عسكري يفترض به أن يأكل النار.
وكما هناك أرقاماً تخرمش، هولك أرقام تفرفش القلب ، فرقم ثمانية مثلا في الصين محبوب جدًا، حيث اعتمدته الصين للبدء في الألعاب الأولمبية ، في العام ٢٠٠٨، اليوم الثامن من الشهر الثامن عند الساعة الثامنة والدقيقة الثامنة

الأنف الصيني!

سئل ذات يوم ابن الجهم وهو من علماء الكلام، ما أكثر ما يدهشك في العالم؟
قال: الشمّ.
ورد هذا القول في كتاب للجاحظ.
ومن يوم قراءتي لهذا القول وأنا أتعجّب من جواب ابن الجهم!
ولا أعرف سبب فتنتي بقراءة ما يقال عن الأنف في الأساطير وفي كتب العلماء! وفي كتب التشريح.
ربّما السبب يعود إلى تعليمي لفترة عدّة سنوات علم الأصوات!
وللأنف دخلٌ بيّن في إنتاج بعض الأصوات اللغويّة!
ولا تخلو لغة فيما أظنّ من صوت أنفيّ!
ولكن الأنف مرتبط بالشمّ، والتنفّس ( النفس) ، والروح( الرائحة).
وكنت قد قرأت في أحد كتب قصص الأنبياء مسألة غريبة ترتبط بأنف آدم!
تقول الرواية وأظنّها في كتاب الثعلبيّ " عرائس المجالس" أنّ الله خلق آدم ، بداية، بلا أنف! وذلك قبل أن يبثّ فيه الروح، كان لا يزال جسداً يابساً ، خاليا من الروح! وحين تأمّله لم يستحسن شكل وجهه، فحمل بيديه المقدّستين قطعة من الطين وألصقها في وسط وجهه، فاستحسن الجبلّة ونفخ فيها من روحه فاستوت أباً للبشريّة!
استذكرت هذه الرواية حين علمت ميزة الأنف التي ينفرد بها الأنف عن سائر الحواسّ!
الأنف لا يعرف التعاكس!
ما المقصود بالتعاكس؟
سأعطي أمثلة من عالم الدماغ :
من يعطي أوامر ليدك اليمنى هو شقّ دماغك الأيسر، ومن يعالج مسائل اللمس الخاصّة بيدك اليسرى هو الشق الأيمن من دماغك! وعينك اليمنى من مسؤولية الشقّ الأيسر، وأذنك اليسرى من مسؤولية الشقّ الأيمن.
حاسّة الشمّ شذّت عن القاعدة!
فالمنخر الأيمن مرتبط بالشقّى الأيمن وليس بالأيسر، والمنخر الأيسر يعالج قضاياه الشقّ الأيسر!
التعاكس لا يؤمن به الأنف!
تذكرت ، حين عرفت بأمر التعاكس، ما قاله ابن الجهم وما ورد في بعض قصص الأنبياء عن خلق سيّدنا آدم.
ولكن عناك أمور أنرى تتعلّق بالأنف! لدى العرب في الأقل!
فهو تعدّى طبيعته البيولوجية ليصير من مفردات الكرامة! وأضدادها.
فمن تريد أن تذلّه " تفرفك مناخيره بالأرض"، وعبارة " رغم أنفه" تطلّ بأنفها في أقوالنا، وصولا إلى الأَنَفَة"، و " الشَّمَم"!
لم أقرب بعد من الأنف الصينيّ!
رمز الأنف الصينيّ خسر مع الوقت علاقته من الأنف وصار يعني " نفْس"، بالمعنى الذي نستعمله في العربية في العبارة التالية:
في نفس الوقت، أو في الوقت نفسه،
وفي عبارة أخرى حيث تغيب فيها النفس لصالح مفردة أخرى تحمل المعنى "نفسه"! وهي: في ذات الوقت ، فالذات ، هنا، قامت مقام النفس!
تأمّل الصورة المرفقة وانظر إلى اليد الموضوعة على الأنف!
علاقة اليد مع الأنف ليست مقطوعة!
ولكن الدلالات، دلالات الإشارات، تغيّر معناها الحضارات!
حين أريد الإشارة إلى نفسي أشير بأطراف أصابعي إلى صدري!
ولكن الصينيّ حين يريد الإشارة إلى نفسه يشير إلى أنفه وليس إلى صدره!
فأناه على أرنبة أنفه

خواطر حول الرموز الصينيّة


المقطع الصيني ، وفي الصورة كلمة " مقطع" في اللغة الصينيّة.
كلمة " مقطع" في اللغة الصينيّة تتألّف من رمزين.
- الرمز الأوّل 音
- الرمز الثاني 节
الرمز الأوّل يتألف من مفتاحين:
- الأوّل: 立 ويعني انتصب، اجتهد... وقف على قدميه
- الثاني 日 ويعني الشمس، اليوم... فاليوم يبدأ مع شروق الشمس.
الرمز الثاني يتألف بدوره من مفتاحين:
الأوّل 艹 ويعني العشب.
الثاني: 卩 ويعني ختم.
من مقطعين دخلنا إلى أربعة مفاتيح من أصل ٢١٤ مفتاحاً.
الرمز الأول أو ( الخَنْزَةُ الأولى) مستعمل كثيرا في اللغة الصينيّة وخاصة من قبل طلاّب اللغة الصينية، لأنّ هذا المقطع بالتحديد جزء من كلمة لدخول عالم الرموز الصينية وأصوات اللغة الصينية وأقصد الكتابة الصوتية وليس الرمزية للغة الصينية أي استخدام الحرف اللاتيني في كتابة الرموز الصينية .
فكلمة مقطع في الرمز الصيني هي 音节، والكلمة نفسها بالحرف اللاتيني هي هكذا ،
yīn jié
رمز 音 يطلّ برأسه من كلمة بِنْ يِنْ 拼音.

حين قرأت كلمة مقطع بالرمز الصينيّ، ذهب فكري أو قل خيالي إلى المعاني العديدة التي يمكن أن تتوالد من كلمة 音节.
رمز 节 له دلالات عدّة في الصينيّة، والمعنى الأشيع لهذا الرمز هو العيد!
ومن جملة معاني الرمز الأوّل 音 النغمة الموسيقية أو النوتة الموسيقيّة!
وهكذا يصير معنى كلمة مقطع: عيد الموسيقى، أو مهرجان الأنغام، أو احتفال الأصوات.
نظرة للمقطع الصيني ممتعة، مبهجة، فيها مسرّة للأسماع!

رمز واحد هو 永


الخطوط الأساسيّة لكلّ الرموز الصينيّة التي تراه عينك تتركّب من ثمانيّة خطوط.
هذه الخطوط يجمعها رمز واحد هو 永 ويعني الأبد أو الخلود، ويلفظ يونغ.
ولكلّ خطّ اسم!
العمودي 竖
الأفقي 横
العمودي لفظه " شو"
الأفقي لفظه "هنغ"
الأفقي وحده يعني واحد 一
العمودي لا يأتي وحده 丨。
هنا سأضع بعض الرموز التي تتألّف من هذين الخطّين:



















إذا تأمّلت كل هذه الرموز تجد أنّها تتألف من هذين الخطّين مع اختلاف في الأطوال والمواضع والعدد.

ديكارت في ثورة لبنان


ديكارت أطلق عبارة عبرت الأصقاع واللغات، وتحوّلت إلى قاعدة لغوية فكرية ، أي تجرّدت من بعض كلماتها، وهي أنا أفكّر إذاً أنا موجود.
صارت هكذا:
أنا « ...» إذاً أنا «...».
تحوّل هذا التركيب إلى سحر ساحر، قالب لغويّ صرت تجده في كلّ اللغات.
وكلٌّ يملأ الفراغ بالكلمة التي تناسبه، وهذا يعني أنّ الاحتمالات لا تحصر، تماما كما لا يمكنك حصر احتمالات قالب لغويّ أو نمط لغويّ من شاكلة: فعل+فاعل+مفعول به، أو نمط أبسط: مبتدأ +خبر لتوليد جملة اسمية بسيطة.
على بساطة القالب أو النمط لا يمكن لأحد أن يقول : وضعت كلّ احتمالات الجملة الاسمية.
ولعلّ من هنا استمدّت عبارة ديكارت هذه القوّة الخارقة للحدود اللغويّة!
قوّة العبارة تأتيها أحياناً من تفريغها من كلماتها!

#Pictionary

#Pictionary

لا أعرف متى ولدت هذه الكلمة الإنكليزية، وإن كنت أرجّح أنّها من مواليد العام ١٩٨٥، تاريخ ميلاد لعبة الصور على يد
Rob Angel
والكلمة مهضومة لم تحتج إلاّ إلى الاستغناء عن خدمات حرف D ، ووضع حرف P مكانه.
لا تخلو الكلمة من مهارة لغويّة ليست في متناول أي فم أو أيّ يد!
هذه اللعبة اللغوية التي مهرت في اللعب تحتاج إلى من هو من طراز بديع الزمان الهمذاني أو أبي القاسم الحريري صاحبي المقامات البديعة.
فالمهارة اللغويّة رياضة بهلوانيّة تتطلّب أن يكون المعجم اللغويّ للشخص ألين من جسد لاعب الخفّة والماشي على الحبل.
يستهويني اصطياد هذا النوع من الكلمات الني حين يلعب بالكلمة لا يلعب بالكلمة بقدر ما ينتج شيئاً لم يكن موجودا!
ما أكثر الكلمات التي تنتظر بفارغ الصبر من يحسن مداعبتها وملاعبتها!

السعادة الصينيّة ودور الجناس


السعادة الصينيّة

الكتابة جزء من حياة الصينيّين، لا أعتقد أنّك تدخل إلي بيت صينيّ خالٍ من الكلمات المعلّقة على الجدران.
ارتبطت الكتابة منذ ولدت بالسحر، بالهيبة، تأمّل تمثال الكاتب الفرعونيّ ووضعيته المستغرقة في ما يشبه الخشوع!
كما لا أعتقد بيتاً في بلادنا لا تزيّن جدرانه لوحات خطّيّة لآيات قرآنيّة أو مقاطع إنجيليّة أو دعوات أو حكم سائرة وبليغة!
في الصين، هناك كلمة السعادة 福 التي تكتب بالخطّ الذهبيّ على ورق أحمر ، ولكن تكتب بالمقلوب!
هل هو #التفكير_بالمقلوب؟
تقلب الرمز الصينيّ فيصير كأنّه كلمتين!
ومن هاتين الكلمتين يولد أمل بوصول السعادة، هناك من يقول إنّ أصل قلب رمز السعادة يعود إلى حكاية قديمة، وكان قلبها وسيلة إنقاذ من مأزق!
لا يمكن تغييب دور الجناس اللغويّ من حياة الصينيين، ولا يمكن أن يتخيّل المرء دور الجناس إن جهل طبيعة اللغة الصينيّة الجناسيّة بامتياز!
الجناس اللغويّ أدخل إلى الصين عادات وتقاليد اجتماعية عديدة، قد تجهل معنى عادة صينيّة ولكنّك ستكشف عن هذا المعنى الضالّ في حال عرفت دور الجناس في حضور هذه الوجبة أو تلك على مائدة العشاء في هذه المناسبة أو تلك!
لماذا يقلب الصينيّ رمز السعادة أو يكتبها بالمقلوب ويعلّقها على باب البيت!
الصوت نفسه للرمزين:
السعادة وصلت
أو السعادة انقلبت!
السعادة انقلبت تلفظ فو طاو له
والسعادة تلفظ فو طاو له
السعادة انقلبت 福倒了
السعادة وصلت 福到了
يقلبون الكلمة فيصير المعنى السعادة على الأبواب!
كما هناك مآكل معيّنة تدخل في وجبة عيد رأس السنة ، منها السمك، السمك واجب الحضور، ليس لأنّ الصينيّين مولعون بأكل السمك، الفضل يعود إلى اسمه يو 鱼🐟 الذي يجانس كلمة أمرى تلفظ أيضا يو 余 وتعني الوفرة أو البحبوحة ، فالتيّمن طبّاخ ماهر، وعلاقة الخرافة العربيّة بالطيور حاضرة في التطيّر ، وفي عبارة ميمون الطائر!
فحضور السمك حضور افتراضيّ لبحبوحة مادّية وروحيّة، كما يتحلّى الصينيّ بنوع من الحلوى في عيد الربيع أو عيد مطلع السنة القمرية واسمها 年糕 نْيان قاو ، وذلك بسبب كلمة قاو التي تتجانس مع كلمة باسقة، وتعني العلو أو الارتفاع، والعلو قد يكون علوّ مكانة، وقد يكون حلم بقامة ممشوقة لطفل حين يكبر.

خوش بوش خوش باش

خوش بوش
خوش باش

كنت أدردش مع الصديق الدكتور جورج مارون، فجرّنا الحديث إلى التفاعلات بين اللغات، إذ استعملت كلمة خوش بوش في حديثي معه، وهو أستاذ اللغة الفارسيّة في الجامعة اللبنانيّة، فاستوقفته العبارة التي قلتها، فقال لي: هذه فارسيّة، وأعرف أنّها من الكلمات الفارسيّة التي دخلت اللغة العربيّة في لهجتها اللبنانية دون أن أعرف تفاصيل المعنى، فالخوشبوشيّة تعني في الاستعمال العلاقة التي أسقطت الكلفة بين الناس.
فحين أقول: "خوش بوش أنا وإيّاه" فهذا يعني أنّ العلاقة بيني وبينه علاقة متينة، حميمة، أسقطت الرسميّات، والصداقة التي لا تسقط الرسميّات ليست صداقة كاملة الأوصاف، وحدّد مرّة عمرو بن العاص فيما أظنّ الصحبة بعبارة " ترك الحشمة"، وهو تعريف طريف للصداقة.
عرفت من الدكتور جورج أنّ خوش تعني مسروراً، أو تعني الفرح، وكلمة خوش هي فعل الأمر من فعل الكينونة، فخوش بوش تعني حرفيّاً "كن فرحاً".
والخوشبوشيّة مجلبة للمسرّات بين إخوان الصفاء وخلاّن الوفاء .
نكتب " بوش" في العربيّة بالواو وليس بالألف، ولكن الكلمة الفارسية تكتب بالألف وتلفظ أقرب إلى الواو الطرابلسيّة أو لفظ O.
خوش باش، ولو كتبت بالألف لظنّ الناظر أنّها تقرأ كما تكتب .
ما نكتبه يشبه كرسيّ الحلاّق أو كرسي السيّارة أو كرسيّ طبيب الأسنان يحتاج إلى تعديل صوتيّ قد يناقض المكتوب لإصابة المعنى.

تتناول هذه الخاطرة بعض الرموز الصينيّة، ولكنّها كلّها تنطلق من رمز واحد!


تتناول هذه الخاطرة بعض الرموز الصينيّة، ولكنّها كلّها تنطلق من رمز واحد!
المفرد يفيض بالجمع!
على قولة لاو تزه من الواحد خرجت كلّ الأشياء!
تأمّل هذا الرمز 四 ، وهو يعني الرقم أربعة!
يتألفّ هذا الرمز مو مفتاحين:
- سور 囗
- طفل 儿

نضع الطفل داخل الأسوار فيولد معي رمز الرقم أربعة.
الآن قارن بين الرمز أربعة 四 وبين الرمز التالي 兄!
ماذا تجد؟
المربّع هو نفسه، ولكن رمز الطفل في أسفل المربّع وليس في داخل المربّع.
هل من فرق بين المربّعين؟
من حيث الشكل لا فرق ربّما!
ولكن، من حيث المعنى، المربعان ليساً مربّعاً واحدا.
مربّع رقم أربعة ليس فارغاً، بخلاف المربّع الثاني ، الفارغ.
ماذا يعني هذا؟
المربّع الفارغ يعني مفتاح الفم، بينما المفتاح غير الفارغ يعني السور.
وهذا يعني أنّك حين تجد مربّعاً فارغاً فأنت أمام مفتاح الفم الذي يمكن له أن يلعب دور الرمز، بينما السور لا يكون سوراً إلا إذا كان غير فارغ، وهو لا يأتي كرمز، وإنّما دائماً يؤدي دور المفتاح!
نجيء الآن إلى معنى الرمز الثاني 兄 وهو يعني الأخ! ويلفظ xiōng شْيانغ!
أما أربعة 四 فيلفظ sì سُهْ.

#盲人摸象 عميان يتحسسّون الفيل.

#盲人摸象
عميان يتحسسّون الفيل.
الأمثال السائرة أحبّ أن أنظر إليها نظرة حرفيّة، حرّر المجاز من مجازيّته، وحرّر المعنى الحرفيّ من حرفيّته وامنحه روحاً مجازيّة.
لا تبقِ الأشياء حيث هي!
الماء إذا سكن أسن!
المعنى، أيضاً، إذا سكن أسن.
الأمثال السائرة تحبّ السير، وتحبّ السياحة في لغات الآخرين.
هذا المثل هنديّ، من إحدى السوترات، سوترا النرفزنا، والسوارا عادة كتابٌ فيه شيءٌ من عبق القداسة!
يمكن لك أن تقرأ حكاية الفيل والعميان، في العربيّة، أوّل مرّة قرأتها كانت في كتاب عن إدارة الأعمال، استشهد بها الكاتب كما أذكر ليشير إلى عدم وقوع مدير الأعمال في فخّ العميان.
فكرة المثل حلوة كثيرة، والمثل لا تنكشف للقارىء دلالته إلاّ بقراءة الحكاية.
المثل دعوة إلى امتلاك المرء لعين نسر أو عين نحلة!
أكتفي هنا إلى إشارة لغوية واحدة عن كلمة أعمى في الصينيّة، وهي مؤلفة من 亡 (موت) ، ومن目 (عين)!

ما لا نعرفه نلقي عليه ظلاّ من غرابة! هذا ما نفعله أمام اللغة الصينيّة.


ما لا نعرفه نلقي عليه ظلاّ من غرابة!
هذا ما نفعله أمام اللغة الصينيّة.
فكثيرون يظنّون أنّها لغة يصعب التقاط مفاتيحها. ونبدأ عادة بأسئلة تزيد وحشتنا منها، فنسأل : كم عدد حروفها؟
وحين تجيب أنّ اللغة الصينيّة ليس فيها حروف يستغرب السامع، فنحن اعتدنا أن تتألف اللغة من حروف. والسائل يخلط بين الحروف والكلمات، فيقارن بين حروف العربيّة مثلاً والكلمات الصينية باعتبارها حروفاً فيضع من حيث لا يدري بينه وبين الصينيّة سوراً بطول سور الصين، والبعض يقول: ولماذا لا تريح الصين نفسها من هذه الكتابة المعقّدة وتعتمد الألفباء، أشخّص كلامه وخاصّة حين يندّد أو يسخر مو الكتابة الصينية بذلك الذي اتهم عنقود العنب بالحَصْرَمة فقط لأنّ عنقود العنب لم يكن في متناول شدقيه!
جمال اللغة الصينيّة في كتابتها!
ماذا نفعل اليوم؟
ألسنا على خطى الصين سائرين بعد أو صارت الكتابة في متناول كل يد، أو حاضرة ناضرة في كلّ جيب؟
كيف نكتب اليوم على وسائل التواصل؟
انظر الكم الهائل الذي يتدفّق علينا كلّ يوم من نافذة الهاتف المحمول، وابتطبيقات الكثيرة التي تقوم بخدمة الأيقونات.
تأمّل فقط ذلك الوجه الصغير المدوّر الذي يرافق الأبجديّات😊 بأشكاله الكثيرة، وحالاته المزاجية الكثيرة!
ألسنا نعود بطريقة غير مباشرة إلى زمن الرسم بالكلمات على قولة نزار قبّاني؟
وماذا لو قلت أنّ أبجديّة اللغة الصينية هي ثمانية خطوط لا غير! وما تبقى هو اشتقاقات من هذه الخطوط الثمانية، وأنّك إذا درّبت يديك على رسم هذه الخطوط الثمانية صار بإمكانك أن تكتب أي رمز صينيّ!
كتبت منذ أيّام عن خطّين من هذه الخطوط وهما الخط الأفقي والخطّ العمودي، وقلت إن كلمة الخلود تحمع كل الخطوط 永。
كل المقاطع الصينية موجودة في خطوط هذا الرمز، ففي هذا الرمز الخط الأفقي، والأفقيّ، واليوم أضيف إلى الخطّ الأفقي الخط المنحني النازل إلى اليسار ( 丿 )، فهنا أحصل على خطّ مركّب هو 厂، وهكذا حصلت على مفتاح من مفاتيح اللغة الصينية، وهو يعني مصنع.
ولكن هذين الخطين قد يبنيان علاقة مختلفة مع بعضهما وفق هذه الطريقة ليكونا جزءا من رمز صيني كما في الشكل التالي 丆، أو كما في الشكل الذي تراه في الصورة المرفقة في كلمة 又 أو في الرمز التالي 𠂇在، وهكذا تتعدّد علاقة الأفقي مع الخط النازل المنحني إلى الشمال وتولّد عددا كبيرا من الرموز!
وهناك خطّ منحن نازل جهة اليمين فيشكل عددا من الرموز أبسطها رمز رجل 人 ، ورمز ثمانية 八 ، ورمز فعل دخل 入.
وهكذا من خطّين بسيطين كوّنت ثلاثة رموز!
وإذا أضفت الخط الأفقي والعمودي على الخط المنحني النازل الى الشمال والخط المنحني الى اليمين أولّد رمزاً جديدا هو الشجرة 木 مثلا.
تعلّم الخطوط الثمانية ، ثمّ الخطوط المتفرعة عنها، ثمّ المفاتيح ال ٢١٤ للغة الصينية، ثمّ قواعد تسلسل كتابة الخطوط يصير بأمكانك معرفة كتابة أي رمز.

ما كنت أتخيّل أنّ اللغة الصينيّة ستفيدني في تعلّم اللغة الإنكليزيّة.


ما كنت أتخيّل أنّ اللغة الصينيّة ستفيدني في تعلّم اللغة الإنكليزيّة.
فأنا قرأت هذه الصورة كرمى لخاطر الرموز الصينيّة ولكن الترجمة للجملة الصينيّة في الإنكليزيّة يدفعني إلى قراءتها أيضاً فأكون كمن يضرب عصفورين بحجر!
诚实是一种美德。
الشرف شعبة من شعب الأخلاق.
كانت الكلمة الأخيرة من أوائل الكلمات التي تعلّمتها ، ولعلّها كانت من جملة الأمور التي تعلّمت بسببها الصينيّة ( ولا زلت في طور التعلّم، ولا أدّعي أنّني أعرف منها ما أحبّ أن أعرفه منها.
السبب في أنّها من أوائل الكلمات التي تعلّمتها يعود إلى الفيلسوف الصيني لاو تزه صاحب كتاب:
طاو ته دجين
道德经
dào dé jīng
كتاب الصراط والفضيلة!

ورمز 德 يعني فضيلة.
كنت أقرأ كتابه بالعربيّة وترجمته للفرنسيّة ، وفي الكتاب في ترجمته الفرنسيّة كلمات مكتوبة بالصينيّة وبالفرنسيّة ، وكنت أقف أمام الحروف الفرنسيّة حائراً في طريقة تلفّظ الكلمة الصينيّة، كما قرأت عدّة كتب بالفرنسيّة عن الطاويّة، والحضارة الصينيّة، وكانت عيناي تصطدم بالرموز الصين في الكتب الفرنسيّة، ويشعرني بنوع من الإحباط، فقرّرت تعلّم اللغة الصينيّة ، حتّى لا يقف نظري حائراً أمام الرموز، وهذا ما كان.
أنتقل الآن شيء آخر له علاقة بألمانية، فاللغة الصينية اختارت رمز 德 لتسمية ألمانيا، وعليه فألمانيا اسمها 德国 🇩🇪 أي حرفيّاً دولة الفضيلة!
واللغة الألمانية اسمها 德语。
ولماذا اختارت الصين المقطع dé؟
لأنّها أخذت التسمية من Deutschland.
واكتفت بالمقطع الأوّل من الكلمة.

في #ملعب_اللغة



قرأت هذا النصّ الذي لا يخلو من طرافة لغوية تلعب على الكلمات!

ورغم ذلك فإنّه نصّ يضرّ بالعافية لما فيه من يأس وسلبية في النظرة إلى الحياة!

نصّ يلعب باللغة، ولكنّه يلعب أيضاً بأعصاب القارىء، يريه الدنيا سوداء:

إن اﻟﺪﻧﻴﺎ إذا أﻗﺒﻠﺖ ﺑَﻠﺖ ،
و إذا ﺟﻠﺖ أوﺟﻠﺖ ،
وإذا ﺣﻠَﺖ أوحلت ْ،
وإذا ﻏﻠﺖ أوﻏﻠﺖ،
وإذا واﺻﻠَﺖ ﺻَﻠَﺖ ْ،
وإذا أدﺑﺮت ﺑﺮت،
وإذا وﻓّﺮت ْ ﻓَﺮَت،
وإذا أﻃﻨﺒﺖ ﻧﺒﺖ ،
وإذا أرﻛﺒﺖ كبت،
وإذا أﺑﻬﺠﺖ ﻫﺠَﺖ،
وإذا أﺳﻌﻔﺖ ﻋﻔَﺖ،
وإذا أﻳﻨﻌﺖْ ﻧﻌَﺖ،
وإذا أﻛﺮﻣﺖ رﻣﺖ،
وإذا ﻋﺎوﻧﺖ وﻧَﺖ،
وإذا ﻣﺎﺟﻨَﺖْ ﺟﻨَﺖ،
وإذا ﺻﺎﻟﺤﺖ ْ ﻟﺤَﺖ،
وإذا ﺑﺎﻟﻐﺖ ْ ﻟﻐَﺖ،
وإذا وﻟّﻬﺖْ ﻟﻬَﺖ،
وإذا ﺳﺎﻣﺤﺖ ْ ﻣﺤَﺖ،
وإذا ﺗﻮّﻫَﺖ ْ وﻫَﺖ،
وإذا ﺑﺴﻄَﺖْ ﺳﻄَﺖ،
وإذا ﻛﺴت أوﻛﺴﺖ ،
وإذا أوﺷﻜﺖ ﺷﻜﺖ .
وﻛﻢ ﻣﻦ اﻟﻘﺒﻮر ﺗﺒﻨﻰ، وﻣﺎ ﺗﺒﻨﺎ،
وﻛﻢ ﻣﻦ ﻋﺎﺷﻖ ﻋﺎش ﻓﻲ ﺳﻼﻣﺎت ﻓﻠﻤﺎ ﺳﻼ ﻣﺎت ،
وﻛﻢ ﻣﻦ ﻣﻠﻚ رﻓﻌﺖ ﻟﻪ ﻋﻼﻣﺎت ﻓﻠﻤﺎ ﻋﻼ ﻣﺎت

#人口 كيف تنشىء الصين رموزها؟


rén kǒu

الرمزان سهلان، لا يتعبا الناظر ولا يرهقا الذاكرة.
إنسان وفم!
كلمة تتألّف من مفتاحين حرّين!
قلت في منشور سابق إنّ المفتاح في اللغة الصينية نوعان:
- مفتاح حرّ
- مفتاح مقيّد
الحرّ يمكن أن يكون مفتاحاً وفي الوقت نفسه رمزا.
المقيّد لا يكون إلاّ مفتاحاً ولا يكون رمزاً أي بتعبير آخر لا لا يأتي إلاّ كعنصر مكوّن من مكوّنات رمز.
استوقفتني كلمة 人口 ، ورحت أتساءل عن دور الفم في الكلمة.

(ملاحظة: الكلمة الصينيّة قد تتألف من رمز واحد، أو رمزين ، أو أكثر، كما في العربية، ( حلاوة الجبنة، أو أصابع زينب، أو كل واشكر، أو قوس قزح، أو بابا غنّوج...)، فهنا لا تتوصّل إلى المعنى بكلمة واحدة، وما تراه في العربية تراه في الفرنسية والإنكليزية والألمانية، الكلمة المفردة أحيانا لا تكفي للإشارة إلى المطلوب).

الصين بلد الكمّ، الكمّ البشريّ الهائل، والكمّ همّ!
همّ على قلب الحاكم، همّ إطعام هذه الملايين الغفيرة ، والطعام فم!
والفم الجائع فمٌ ثوريّ، متمرّد، كان أبو ذرّ الغفاري الصحابيّ الجليل يستغرب كيف لا يخرج الجائع على الناس شاهراً سيفه!
تخيّل السيوف التي تشهر في الصين بسبب الجوع!
وللصين تجارب مريرة مع المجاعات!
وتكتب حول الجوع والمجاعات كتب ضخام حول نقصان الطعام في الصين عبر السنين!
نحن لا نستعمل كلمة فم بالمعنى الذي تستعمله الصين في هذا المقام.
الكلمة التي تختارها حضارة ما للتعبير عن شيء ما هو اختيار ابن طبيعة هذه الحضارة أو تلك.
نستعمل في لبنان مثلا عبارة "نسمة" للإشارة إلى عدد سكّان لبنان، فنقول ، على سبيل المثال، عدد سكان لبنان أربعة ملايين " نسمة" ، أو " نفس"، وفي العامية قد نسمع كلمة " تِنْفُسْ"، كأن نقول خمس ( تنفس)!
بديل الفم عندنا الأنف! ( نفس، نسمة)!
ليس عندنا هاجس الجوع كما في الصين!
بل أنّنا لا نقيم وزناً للجوع، وهذا سبب عزوفنا عن الزراعة ، وعزوفنا عن تمتين الأمن الغذائيّ!
بينما الجوع هاجس في الصين، هاجس لا يغيب عن سياسات الحكّام، وهو كان أحد أسباب تحديد النسل الصارم على امتداد حوالي ثلاثة عقود في الصين، لكبح جماح المجاعة التي تكبح، بدورها، النموّ الاقتصادي !
همّ الصين توفير الغذاء لملايين الأفواه، وبالتالي، توفير الأمن، وتوفير النموّ!
جزء من مآكل الصينيّين هو ابن تجربتهم المريرة مع الجوع، وكنت قد قرأت كتاباً عن تاريخ الجوع، وتاريخ المجاعات، وتخللت الكتاب أشياء موجعة، وأشياء من قبيل الطرائف، ومنها اختراع مآكل ما كانت لتخطر ببال شبعان!
من هنا حضور الفم 口 في كلمة السكّان

!

#蒲松龄

#蒲松龄
Pú Sōnglíng ( ١٦٤٠- ١٧١٥)
‎كاتب صيني، كان يلتقط الحكايات الغريبة من أفواه الناس، إذ كان يحلو له أن يأخد إبريق شاي وعلبة تبغ ويقعد على رصيف المارة في الأسواق ويدعو الناس إلى شرب الشاي وسماع حكاياتهم، كان صياد حكايات، وفي المساء كان يعيد صياغة أغرب ما سمع من حكايات لينشرها على الناس، ولاقت حكاياته هوى في نفوس القراء، ونشرها في كتاب بعنوان" حكايات مقصورة الفراغ الغريبة".
‎كانت شفاه الناس مصدر إلهام لريشته

#长寿面

#长寿面
(cháng shòu miàn)
معكرونة العمر الطويل.
للإنسان قدرة خارقة على الترميز أي تحويل الأشياء إلى رموز وبناء علاقة رمزيّة معها، ولكن قد تغيب العلاقة الرمزيّة ولا يبقى إلاّ مذاقها!
من يخطر بباله وهو يتمتّع بقطعة كرواسان أنّ هذه القطعة هي رمز انتصار في صراع إسلاميّ مسيحيّ على أسوار فيينّا على الغزوة العثمانيّة؟
بعض المآكل ذكرى انتصار، أو ذكرى انهزام، أو ذكرى لها مذاق الحنين.
معكرونة العمر الطويل ، في الصين، هي رمز ، أمنية في عيد الميلاد، تطبخ المعكرونة وتبقى عيدان المعكرونة طويلة، طولها يرمز إلى الرغبة في إطالة عمر المحتفى به، وعادة في أعياد ميلاد الأجداد والكبار في السنّ، وكلّما طال العمر قصر خيط العمر أو ما تبقّى من خيط العمر!
سنّة الموت لا أحد يعرف منطقها!
الموت البعيد قريب، والموت القريب بعيد.
لكأنّ المعكرونة الطويلة تعويذة في وجه موت يرقب ويقرب!

سأقف عند رمز واحد من هذه الجملة، وهو 天.


كيف حال الطقس اليوم؟
今天天气怎么样?

سأقف عند رمز واحد من هذه الجملة، وهو 天.
يعني رمز 天 السماء، اليوم.
وهو يكتب بحسب الصورة المرافقة.
ولكثرة وجود هذه الكلمة بمعنى السماء في كتاب كونفوشيوس ، قلت: يمكننا أن نقول إنّ لون كتاب كونفوشيوس سماويّ!
وفي كلمة 天تْيان يمكننا أن نقرأ رموراً صينية كثيرة:
ف 一 رمز يعني واحد،
و二 رمز يعني اثنان،
و 人 يعني إنسان،
و 大 يعني كبير.

قراءة في دلالة رمز صيني 多


نظرة إلى رمز صيني: 多 ويعني كثيراً.
التعرّف على النظرة التي كان وراء تشكيل الرموز الصينية مجلبة لحبور من نوع طريف.
تذكّرت وأنا أقرأ قصّة ولادة الرمز الصينيّ قولا عربيّاً: من الفجر للنجر!
فالرمز الدالّ على الكثرة مؤلّف من مفتاح 夕 الذي يعني الغروب!
وهو رمز مكرّر مرّتين 多.
كيف خطر ببال مخترع الكتابة الصينيّة أن يضع الغروب تعبيراً عن الكثرة؟
الصيني بلد زراعيّ، كان المزارع الصينيّ يعمل في الحقل إلى أن تنحدر الشمس نحو الغياب فيعود إلى بيته!
الصينيّ مكافح بكلّ معنى الكلمة، الكفاح من صلب معتقده الكونفوشيّ.
ما معنى أن يبقى في العمل إلى وقت المغيب؟
يعني أنّه عمل كثيراً!
ومن هنا أخذ هذا الرمز مفهوم الكثرة

الاسم في اللغة الصينية


هذا الرمز 姓 xìng يحكي عن التاريخ، لا يزال يحتفظ بما توارى واندثر من حضارات كثيرة. الأنثى هي الأصل وليس الرجل.في بدء الخليقة خرجت حوّاء من ضلع آدم، بحسب معتقد الديانات السماوية، ومن ثمّ كل الرجال خرجوا من رحم النساء. يقال ان المجتمعات القديمة كانت مجتماعات امومية لا أبويّة. السلطة كانت بيد الأم لا الأب. الأم واهبة الحياة لا الأب. كانوا يجهلون دور الأب في عمليّة الإنجاب، من هنا، قدّست الأم في عهود تاريخية سابقة. الانترولوجيا تكشف عن خبايا العلاقة بين الرجل والمرأة.

ما اكتبه موجود في هذا الرمز الصيني 姓. يعني الرمز اسم العائلة او ما نعطيه في دوائر النفوس اللبنانية اسم الشهرة. فنقول الاسم والشهرة. شهرتنا تحمل شهرة الأب لا الأم. اسم الأم عورة!( أحيل هنا الى قراءة المقال التالي:حرج السعوديين من أسماء زوجاتهم ينتقل الى العالم الافتراضي بقلم ايمان السالم الذي نشرته جريدة الحياة اللندنية، وتجد نسخة عنه في مدونتي . وفي الصين اليوم يحمل الولد اسم ابيه لا اسم امّه، الا ان الرمز الصيني لا يعترف بذلك, ثمّة تناقض بين اسم الشهرة والرمز الذي يشير الى اسم الشهرة. الام هي التي تمنح الحياة وتمنح الاسم في الرمز. فهو من عنصرين، العنصر الأول يعني المرأة 女nǚ، والعنصر الثاني 生 shēng ويعني الولادة وجمعهما يعطي رمز"الشهرة او اسم العائلة".

نجد حضور الام وغياب الأب. في الراهن الحضور للشهرة يأتي من الأب لا الأم. الرمز هو بقايا عادة قديمة كانت في الصين وفي غير الصين. تعيش في رحم الأم قبل الولادة، وتعيش في رحم اسمها ما تبقى لك من حياة

#الياء و #الواو


حرف الياء الذي نكتبه بالعربية ليس حرفا واحدا وانما هو حرفان. يستغرب البعض حينما اقول ذلك، ولكني مضطر ان اقول ذلك وانا اعلم مادة علم الاصوات واتناول صفات ومخارج الحروف العربية . والتعامل مع الحركات لا يخلو من طرافة في اللغة العربية. حين اقول لطلابي ان الحركة حرف يستغربون، ولا يخطر ببالهم ان الفتحة والضمة والكسرة حروف، وان الياء والواو حركتان احيانا. يشعرون ان حدود الاشياء بدأت بالارتجاج. كيف لا يكون الحرف حرفا ولا تكون الحركة حركة. ما معنى الحركة؟ ولماذا اختار العرب هذه التسمية؟ اعتبر التسمية موفقة. لأن الحركات هي التي تحرك الحروف. حيث لا حركات تبقى الحروف جامدة في مطرحها لا تتحرّك. كنت قد قرأت منذ فترة ان العرب اختاروا استخدام الحبر الاحمر، بداية، لكتابة الحركات او رسم الحركات، والاحمر لون الدم، والجسد لا يتحرك الا بفضل حركة الدم وضخه في الجسد . فالحركات هي دم الكلمات. وجدت في تعليق ذلك الكاتب بعض الطرافة.
عودة الى الياء. وسأوجز: قلت ان الياء ياءان. وسوف تنكشف هوية الياءين بالخروج من الحرف العربي والدخول في الحرف اللاتيني. اقول لطلابي: اكتبوا كلمة "يرمي" بالحرف اللاتيني، وهنا الياء الأولى والياء الثانية هي واحدة في العربي ولكن ليست واحدة في النطق. وحين يتأمل طلابي ما كتبوا يلاحظون انهم كتبوا الكلمة كالتالي yarmi فأقول لهم كتابة الكلمة بالحرف اللاتيني كشفت هوية الياء او رفعت النقاب عن وجهي الياء. الياء التي تكتب y هي ما يسمى في علم الاصوات نصف صائت او نصف صامت وما يكتب i يسمى كسرة طويلة. لأن الكسرة هي بعض الـ i، اي ان الفرق بين الكسرة والياء هو الزمن. المدة الزمنية التي تستهلكها الياء هي اكثر من المدة التي تستغرقها الكسرة. ومن يتأمل أخطاء الصغار في المدارس يلحظ انهم لا يميزون بسهولة في البداية بين الكسرة والياء وفي الاملاء يقعون في اخطاء تكشف طبيعة الياء.
وما قلته عن الياء يصحّ على الواو ايضا، فليس في العربية واو واحدة وانما واوان، فاذا اراد احد الاشخاص ام يكتب " وردوا" بالحرف اللاتينبي فان سيكتبها اغلب الظن على الشكل التالي: waradou. الملحوظ هنا ان الواو الاولى لم تكتب كما كتبت الواو الاخيرة في الحرف اللاتيني والسبب ان الواو الاولى لها طبيعة مغايرة عن الواو الأخيرة.
ومن هنا استعمل العبارة التالية: ان احرف العلة انما سميت احرف العلّة لانها " معلولة" أو "عليلة" اي مريضة. فالعلة مرض، ومرض هذين الحرفين هو الانفصام في الشخصية.
وكان احد النحاة القدامى قد قال: من فكّر في الياء أصيب بالإعياء.
#بلال_عبد_الهادي

كتاب لتعليم اللغة الصينيّة


كنت أقرأ في كتاب لتعليم اللغة الصينيّة مخصص لمن يريد الحصول على شهادة في ال HSK ( #汉语水平考试)المستوى الخامس .
وكثيراً ما استوقفني عبارات وجمل لا تكتفي بإدراج الكلمة في جملة لتوضيح معناها بل تختار دلالات معيّنة وكأنّها خطط عمل أو خارطة طريق للآتي من الأوقات.
فمعنى الجملة :
أثق أنّ مستقبل وطني سيكون جميلا!
تساءلت: ما هو عدد من يتفوّه بهذه العبارة في لبنان؟
ما هو عدد من يثق بمستقبل لبنان؟
حين تتفرّج على شعوب العالم تتحسّر وأنت ترى بلدك يتقهقر يوما بعد يوم على الصعد، أتحسّر وأنا أرى أنّ الثقة بالبلد ضرب من الجنون أو التفاؤل الأرعن.
أتحسّر وأنا أرى أو عصابة لصوص تحكم بلدي وتتحكّم بموارد بلدي!
أتحسّر وأنا أرى بلدي يصيبها الهزال وسوء الحال.
أتحسّر وأنا أرى المسؤولين عن هذا البلد وأولياء أمره همّهم السرقة، والنهب، وسلب الخيرات، وتدمير بناه التحتية وبناه الفوقيّة ولا يقدّمون لأهله إلاّ حلم الهجرة والهروب !
حكّام كاللعنة تطارد أبناء بلدي!
لا وطن، ولا مواطن، ولا وطنيّة!
ماذا يقول المرء حين يرى مستقبل البلاد نهراً من الرماد؟

دلالة الرقم تسعة 九 في اللغة الصينية


كلّ الشعوب تبني علاقة وهميّة مع الأرقام ولكنّها حميمة.
الوهم حبيب، يشرح الصدر أو يجرح الصدر.
كثيرون مثلاً تكلّموا على رقم عشرين، وراحوا يلتقطون أحداثاً لها وقع كورونا حدثت عام ١٩٢٠، أو ١٨٢٠ أو ١٧٢٠.
وكأنّ القدر يمشي على وقع التقويم الغريغوريّ!
كلّ سيرة هي سيرتان : سيرة ذاتية، وسيرة غيرية.
سيرة تكتبها أنت ، أو تعيشها أنت، وسيرة يكتبها غيرك عنك، فأنت كما ترى نفسك ليس أنت كما يراه الآخرون.
وكذلك الأرقام لي علاقتي الشخصيّة مع الأرقام، وللآخرين علاقة مختلفة مع الأرقام.
ولعلّ الأرقام هنا تشبه الأسماء، فالاسم الذي أحبّه قد يكرهه غيري، وما يحبّه غيري قد أجده شديد القبح.
لا نبني علاقة حيادية مع العالم!
الحياة لا تؤمن بالحياديّة ولا المنطقيّة!
في الصين الناس يحبّون أرقاماً معيّنة منها الرقم تسعة، محبّتهم لا تنبع من الرقم ولكن من اسم الرقم، ولا تنبع من اسم الرقم إلاّ بسبب الطبيعة الجناسية المذهلة للغة الصينية.
فرقم تسعة يلفظ مثل كلمة 久 ( دْجْيو)" زمن طويل"، وكأنّ الرقم هنا عصيّ على البلاء: لهذا يكثر مثلا الزواج في الشهر التاسع، وقد يختارون الساعة التاسعة لبدء حفلة العرس، وفي اليوم التاسع أيضاً.
وكأنّ الرقم هنا تعويذة ضدّ الزمن والطلاق وغدرات الأيام.

الثلاثاء، 21 يناير 2020

تعلّم اللغة الصينية, هل من علاقة بين 关 و 關؟

هل من علاقة بين 关 و 關؟
لا شيء يجمع بينهما من حيث الظاهر!
ولكنّهما مقطع واحد!
يبدو الأمر غريباً.
الغرابة ترافقك في أي حال في رحلتك في غابة الرموز الصينية.
غرابة ممتعة، ولا تخلو من لفت انتباهك إلى أمور ما كان يخطر ببالك أن تفكّر بها!
معرفة لغة جديدة هو في الوقت نفسه اكتساب طريقة غير مألوفة لك .
الانتقال من لغة إلى أخرى هو انتقال من مكان إلى آخر، رؤية عادات وأفكار وتقاليد جديدة عليك تماما كما أنّ سفرك إلى مكان جديد عليك هو اكتشاف أشياء جديدة أو اكتشاف استخدام جديد لشيء أنت متعوّد أن تستعمله بطريقة مختلفة!
يمكن معرفة ذلك مثلاً إذا حاولت أن ترى الطرق التي تستعمل فيها الشعوب الموز!
الموز المقليّ مثلاً غريب لعينيّ وغريب ربّما على مذاقي!
اللغة كالمأكل!
كان الفراهيدي يستعمل عبارة محيّرة لمعرفة الحرف، يقول: ذوق الحرف. كما لو أنّ الحرف ثمرة في فمك تتذوّقها ، لتحسّ بطعمتها، وتعرف مكوّناتها!
فلنعد إلى الرمزين أعلاه!
هما- قلت- رمز واحد.
ويمكن من خلالهما قراءة جزء من تاريخ الكتابة الصينية، وجزء من حاضر الكتابة الصينية!
قامت الصين بتبسيط عدد كبير من الرموز ( حوالي ألفي رمز)، واعتمدت طرقا متعددة، منها تغيير الرمز كلّيا، كما الحالة هنا، فغاب إن شئت المعنى التصويري!
الرمز يعني " أغلق"، الانغلاق لا يبدو في الرمز الجديد 关 بينما تراه العين في الرمز القديم: مصراعا باب مغلقان ومقفولان.
لا يقول لك الرمز البسيط شيئاً له علاقة بالانغلاق بخلاف الرمز القديم!
تايوان وماكاو وهونغ كونغ لا تزال تستعمل الرمز القديم، أي أن الرمز القديم لم يتحوّل إلى شيء من الماضي، ولم يختف من المعاجم.
عندي معجمان:
معجم صيني مطبوع في الصين، وآخر مطبوع في تايوان.
معجم الصين يضع بعد الرمز البسيط بين هلالين ببنط صغير الرمز القديم بينما تايوان تضع أوّلا الرمز القديم ثم بين هلالين الرمز البسيط ببنط صغير.
تغيير موقع الرمز هو الذي يحدد مكان طباعة المعجم!
وهذا يعني أن تايوان تشعر أنها بحاجة لتعريف التايواني بكتابة الصيني، بيننا الصينيّ يحتاج إلى الرمز القديم للتواصل مع المؤلفات المطبوعة فبل العام ١٩٥٠.
ثمّة صراع ( رمزيّ) بين نمطَي الكتابة!
متعلّم الصينيّة البسيطة إذا أحبّ التعمّق يجد أنّ الاستعانة بالقديم ضرورية لمعرفة خفايا البسيط!
ألا نستعين بالماضي القديم لفهم كثير من مظاهر الحاضر؟

الأحد، 19 يناير 2020

دراسة اللغة الصينية

Aucune description de photo disponible.



.أنظر إلى هذا الرمز الصيني نظرة عربية
ولا تختلف نظرة الصينيّ عن نظرة العربيّ، وعن نظرة حتّى الغربيّ إلى المرأة، وإن تراءى للسذّج أن احترام الغرب للمرأة لا مراء فيه ولا مراءاة!
اللغة ، في نظر العربيّ، لغتان. ومن يقول ذلك هو الاستعمال اللغويّ. الأشياء تستمدّ قيمتها من واقعها الفعليّ، لا من واقعها النظريّ، فالمدينة الفاضلة هراء لأنّها، بكل بساطة، تتحول إلى جحيم في حال تطبيقها.
وما أكثر الكوارث التي خرجت من رحم المدن الفاضلة، والأفكار الفاضلة، والآيديولوجيّات الفاضلة!
قلت: اللغة لغتان.
التعابير التي يتفوّه بها الناس، والتي تشيع بين الناس ليست مجرّد كلمات ، إنها حقائق ووقائع، حقائق تتصل بعادات وتقاليد ووجهات نظر.
اللغة مسرح اجتماعيّ، على خشبة اللغة تتحرّك كما أشياء المجتمع، وعلى غرار خشبة المسرح تعمل خشبة اللغة.
خشبة المسرح تحركها كواليس المسرح الخفية، من الكواليس المسرحية تفيض الأحداث ، ومن كواليس اللغة تفيض حركات الناس، وأفكار الناس والمجتمعات، وهذا ما صار علما برأسه يتناوله علم اللغة الاجتماعي بالدرس، ولا يغيب عن بال علم اللغة النفسي.
وهما علمان شيقان تلخّصمها عبارتان عربيتان قديمتان أعتبرهما مفاتيح لطوايا القول وخبايا الكلام.
فالكلام نقاب وسفور، أو قل : نقاب سافر، فاللغة كالحياة ملتقى الأضداد ومجمع التناقضات، وهما:
ما فيك يظهر على فيك.
- وإذا فتحت فاك عرفناك.من يظنّ أنّه يمكنه أن يتخبّأ خلف الكلام كمن يدقّ الحرس ويسدّ أذنيه فيظنّ أنّ الجرس كاتم للصوت. الاختباء خلف الكلام يشبه الاختباء خلف لوح زجاج شفّاف. فيصول المخادع ويجول خلف هذا الزجاج وهو يظنّ أنّه غير مكشوف، وينجح في كثير من الأحيان في إيقاع السامع ، وإفتانه. الكلام هنا لقراءة رمز صيني له شبه بقول عربي، فنحن نفصل بين الحكي والكلام، نستخفّ بالحكي، ونعلي من شأن الكلام، وجعلنا الكلام على نفيض الحكي، وهذا يستشفّ من تعبيرين متداولين: حكي نسوان حيث لا يعادله في القول : حكي رجال، وإنّما " كلام رجال". قولان يشيران إلى نظرة ذكورية، للذكر الكلام وللأنثى الحكي. ولو قيل حكي رجال لكان ذلك على نقيض حالة المجتمع الذكوريّ المهيمن. حال الكلام، هنا، يشبه حالة الكتابة. بقيت الكتابة حكراً على الذكور، وظلّت إلى يومنا هذا كتابة النسوة مشوبة بالشكّ، ومن يطالع ما قيل عن كتابة أحلام مستغانمي مثلاً أو سعاد الصباح تنكشف له ذكورية الكتابة، فلقد اتهمت احلام مستغانمي بأنّها ليست هي من تكتب نصوصها، واتهمت سعاد الصباح بالتهمة نفسها، وكأن الذكر لا يستوعب عقله مقدرة المرأة على امتلاك ناصية الكتابة ، لأنها ميدان فحولته، ومنذ القديم حين خصصنا الشاعر المفلق بالفحل، كنّا في الوقت نفسه قد حجرنا على فحولة المرأة، فالفحولة رمز الذكورة لا رمز الأنوثة، ولا أظنّ أنّ أحداً من النقاد القدامى تكلم على فحولة الشواعر أو الشاعرات الإناث كما تكلم على فحولة الشعراء الذكور. كان المعرّي قد نصح بإبعاد أدوات الكتابة عن مرأى المرأة ، فقال:

عَلِّموهُنَّ الغَزلَ وَالنَسجَ وَالرَد

نَ وَخَلّوا كِتابَةً وَقِراءَه

فَصَلاةُ الفَتاةِ بِالحَمدِ وَالإِخ

لاصِ تُجزي عَن يونُسَ وَبَراءَه

تَهتِكُ السِترَ بِالجُلوسِ أَمامَ السِ

ترِ إِن غَنَّتِ القِيانُ وَراءَه

من وحي الرمز الصيني كان هذا الكلام.
فالرمز الصيني 信 مؤلف من مفتاحين دلاليين : المفتاح الأول، هو الرجل 亻، والمفتاح الثاني هو 言 ، ومن هذا التوليفة بين المفتاحين ولد معنى، يحيل إلى كلام الرجال بحرفية الرمز التي انبثقت كنه دلالة راهنة هي: ثقة. وكأنّ كلام الرجل محلّ ثقة بخلاف حكي النسوان، بل عبارة " حكي نسوان" لا تعني "حكي نسوان" بل تعني الكلام الخفيف، السخيف، الكلام الذي لا يقوى على حمل الأمانة وحمل الثقة.

السبت، 18 يناير 2020

#囧 jiǒng

رحلة المعنى
هذا مقطع صوتي صينيّ قديم، عمره كما يقال اكثر من ثلاثة آلاف عام، ولكنه ظلّ هاجعا في المعاجم الكبرى اكثر من الفي سنة، اي انه كان طوال هذه الفترة يعيش متواريا في الظلّ لا يعرفه أحد، ولا يستعمله احد، ووجد أوّل ما وجد منقوشا على العظام.
ولكن الانترنت غيّر مصيره وغيّر ايضا معناه، كان يعني الباهر، وهو معنى ايجابيّ، الا انه اكتسب في الزمن الراهن معنى " حزين".
من أين جاءه الحزن؟
جاء عليه الحزن من شكله، ومن عادة ادخلها الانترنت في عالم التواصل، فالناس في الدردشة تتواصل بالكلمات والرموز او الايقونات، وبذلك الوجه الأصفر المدوّر😊 الذي تتغير ملامح وجهه بحسب المشاعر التي تتطلبها الحالة المعاشة.
ومن يتأمّل هذا الرمز الصيني #囧 يجد انه يشبه وجه شخص حزين ، ومن وحي شكله تمّ استعماله للتعبير عن الحزن.
كلمة بقيت شبه ميتة اكثر من الفي عام، تنهض من موتها وتصير كلمة ورمزا، يكتب، ويرسم، وينقش على اشياء كثيرة، أمدته التكنولوجيا بحضور مزدوج أيقوني ورمزيّ.
لا يمكن لأحد أن يحبس كلمة في قمقم، فلمسة علاء الدين بالانتظار

الأحد، 12 يناير 2020

我、饿、饣、食


سيكون كلامي على الرموز أعلاه.
وسأبدأ من ضمير المتكلّم " أنا"، وهو من أوّل الرموز الذي يتعلّمها المرء، وهذا يعني أنّ عليه أن يحفظ شكله، وأن يحفظ طريقة كتابته، شكله للوهلة الأولى رادع، له وهرة، يقول من يبدأ بتعلّم الصينية: يا ويلي ! من أين لي أن أعرف كيف أكتبه، وأنا لا أعرف كوعه من بوعه؟ موظره قد يصدّ الشهيّة، ويسدّ الشهية معاً.
الانطباعات الأولى غبيّة.
كان للعرب القدامى تعبير لطيف عن النظرة الأولى يقول: النظرة الأولى حمقاء!
سأبسّط لك ضمير المتكلّم، وسأقول لك إنّه يتألف من مفتاحين دلاليين، ومن يتابع ما أكتبه عن اللغة الصينية سيعرف مقصودي من كلمة مفتاح دلالي، والمفتاحان هما:
اليد والرمح:
اليد تكتب أو ترسم هكذا 手 ، والرمح يكتب هكذا: 戈.
ضمير المتكلّم هو دمج المفتاحين في مفتاح واحد 我، وتمّ وصل الخطّ العلوي الثاني من مفتاح اليد بالخطّ العلويّ من مفتاح الرمح فصارا خطّاً مستقيماً واحداً.
الأنا ، في الصينيّة، تشبه ذلك الذي دخل إلى المصرف ( في لبنان) رافعاً فرّاعته أو بلطته أو فأسه ليستعيد أمواله!
أنتقل الآن إلى كلمة أخرى وهي الجوع!
كيف نكتب الجوع في الصينيّة؟
نضع قبل رمز ضمير المتكلّم مفتاح الطعام وهو 饣، وهذا الرمز هو مختصر رمز الطعام 食 ، فيصير معك رمزاً جديداً وهو 饿.
وهنا يمكن أن نفكّك رمز الجوع بمفاتيحه الثلاثة كما لو أنّه يد ترفع الرمح في سبيل سدّ الزمق أو نيل الطعام!
والرمح يذكّني بقول أبي ذرّ الذي يستغرب من الجائع كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه؟
هنا الرمح هو سيف أبي ذرّ الغفاريّ!
هل يمكن أن تنسى كتابة رمز الجوع ورمز ضمير المتكلّم ورمز الرمح ورمز اليد ورمز مفتاح الطعام بعد أن ربطت لك ذلك بأبي ذرّ الغفاري؟

#劣


لكلّ رمز صينيّ حكاية، في أيّ حال لكلّ شيء في الحياة حكاية، وعليه فحياة الإنسان في الحياة حياة مع الحكايات.
كنت قد بدأت مشروعاً مع الحروف العربيّة وكيف يمكن لنا أن نتعلّم منها الحكمة!
فالحرف عمره أطول من عمري وعمرك وعليه فهو قد مرّت على سمعه وبصره أمور كثيرة لا نعرفها. كتبت عن الجيم والتاء والهمزة وحروف أخرى ولكن لم تكتمل بعد حكايتي مع الأبجدية.
وكلّما أسعفني حرف أو رمز أو لفظ أو تعبير كتعبير " ما بأثّر" أو " نعود بعد قليل"، تناولته بمقال أو خاطرة عابرة، فهناك كلمات سيرتها تغريك، فيسيل لعاب الحبر!
استوقفني، اليوم، هذا الرمز الصينيّ ، والحفر في أعماق الدلالات هو حفر أركيولوجيّ في الذهنيّات ، في المغمور بالمعمور!
ماذا يعني هذا الرمز lier؟
وما هي مركّباته؟
يتألف من رمزين : 少 ويعني قليل.
ومن 力 وتعني القوّة.
ولكن لا يعني جمعهما قوّة ضعيفة أو قليلة وإنّما ما هو سيّئ؟
كيف خطر ببال الصينيّ أن يستخرج هذا المعنى من أساس المعنى؟
إنّ معنى الرمز معنى أخلاقيّ وواقعيّ ومرئيّ؟
أي عمل جيّد وحسن يتطلّب الصبر وابجهد والأناة والإتقان، الإتقان يتطلب جهداً، بذل مزيد من القوّة أو الجهد في العمل؟
شخص يشتغل من " قفا يده" هو شخص لا يبذل الجهد ولا الصبر ولا يهدف إلى الإتقان، أي هو إنسان سيّىء!
ومن يتابع الصينيين يعرف أنّهم شعب عامل، ومجاهد، ومكافح!
فهذا الرمز بدلالاته أشبه بمتخز يدفع المرء الصينيّ إلى العمل.
والعمل أنبل أشكال العبادة!
بل إنّ جذر " ع ب د" في العبرية يعني عمل، وحزب العمال في العبرية هو حزب العبّاد

الثلاثاء، 7 يناير 2020

الحياة ضرب من الجنون


الحياة ضرب من الجنون، وكلّ إنسان يعيش جنونه الشخصيّ الذي يشبه بصمة إبهامه. وأكثر الناس جنوناً هو ذلك الذي يدّعي العقلانيّة بل يتحوّل في نظر من يراه إلى مهرّج مقنّع، مهرّج يث ير الشفقة والغيظ معا.
تخيّل نفسك كاميرا خفيّة تطارد الناس في سكناتهم وخلجاتهم، وكواليسهم ومناماتهم وكوابيسهم، وأنا أضمن لك أنّك ستفقع من الضحك، ستنقلب على قفاك من الضحك وكأنّك في فيلم كوميدي يطقّ الخواصر.
والجنون فنون.
كان ذلك الرجل غير المبالي لا يكفّ عن الضحك، وكان يستعين على ممارسة جنونه بالمعجم.
ما علاقة المعجم بالجنون والضحك واللامبالاة؟
كان يقول هذه الأشياء الثلاثة هي شرط السعادة.
وكان يريد أن يعيش سعيداً رغم أنف الناس، ورغم أنف المصائب، ورغم أنف الحياة.
خطر بباله خاطر، خاطر بسيط، لنيل سعادة وهمية، سعادة معجمية.
قرّر أن يسحب من المعجم كل المفردات التي تشير الى السعادة، إلى الأشياء الحلوة في الحياة. ويضعها في معجم خاصّ هو معجم السعادة.
كان يقضي الوقت في لملمة هذه الكلمات، وقال: معجم السعادة لا ينتهي، ولن ينتهي، يوميّا يضيف إليه كلمة أو كلمتين أو أكثر، ولا يستعمل قلماً واحدا في كتابتها، كان يستعين بالكبيوتر لا ليكتب وإنما ليسحب الكلمات، ويخطّها بيده، حرفا حرفا، منوعاً في الأحجام والألوان، فكانت الصفحة تبدو كرقصة هندية في المروج!
كان يعرف أن تحقيق غايته لا يكفيه عمره، ولكن لم يشغل ذلك باله.
فمن أين لحياة واحدة أن تستوعب حياة كلمة؟
كان يتمتّع بهوايته، أو بجنونه، أو بمشروعه. وكانت الأوراق الملونة التي يستعملها لكتابة معجم السعادة تلوّن حياته ، وكان يترك فراغات في الورقة ليضيف صور وجوه تبتسم، أو أيقونات البسمات.
عاش حياته وهو يبني قصرا من كلمات السعادة.
كانت كلمات السعادة كاسه وناسه، ملاذه وملاذّه.

习 قراءة في رمز صيني


هذه الصورة قد لا تقول شيئاً. شكل مريب، بل يبدو كأنه بروفيل وجه باسم!
وإذا قلت إنّ هذا جناح عصفور، قد يستغرب البعض متسائلا: وأين وجه الشبه؟
هذا من أوائل الدروس التي يتعلمها دارس اللغة الصينية، لأنّه يدخل في تركيب كلمة " درَس".
طرافة هذا الرمز أنّه صورة مختزلة عن الجناح!
وهو يعني فضلا عن درس، تمرّن.
لكأنّ الدارس يدرّب أجنحته على الطيران.
أليس هذا ما يراه المرء في أعشاش العصافير حين تقوم الفراخ بفرد أجنحتها الهشّة وتحريكها لتمنحها القوّة والمرونة.
تعجبني كلمة " تمرّن" في العربية، أي أنها فعل بغية اكتساب المرونة في أمر ما.
اشتقاق الدرس من الجناح يحمل دلالة بعيدة وطريفة.
الدارس مشروع طائر!
الدارس يمنح نفسه وعينيه فرصة النظر من الأعالي.
كثيرا ما تستوقفني الدلالات الأولية للكلمات، في العربية أو الصينية أو الفرنسية.
الدلالات الأوَل قد تتوارى وراء الاستعمال الذي يطمس ملامح المعنى.
كم من الأشياء لا نعرفها فقط لأنّنا نعرفها!

马上


كثيرة هي الكلمات الصينية التي تتركّب من رمزين، وهذه الكلمات من انواع كثيرة، وأحيانا لا يمكنك أن تعرف الدلالة التي يحملها الرمزان رغم معرفتك بمعنى كلّ رمز على حدة.
فالحصان في الصينية يكتب 马 ويلفظ ما، وفوق وتكتب 上 وتلفظ شانغ ، ولكن " فوق الحصان" لا علاقة لها بامتطاء الحصان، فهي تعني " فوراً"، ولا يمكنك أن تحصل على المعنى إن كنت لا تعرف معناه، وقد لا يخطر ببالك أن تفتح المعجم لأنّك تعرف معنى كل رمز، والمعرفة هنا تمنعك من المعرفة! أليس كذلك؟
أليس هناك أشياء كثيرة نظنّ اننا نعرفها كرجة ماء ثمّ نكتشف أننا كنّا نجهل ما نعرف!
المألوف محجوب، الألفة ستار لا نراه.

بالنسبة لكلمة فورا الصينية " فوق الحصان" ليست اليوم مجازا، المجازات أيضا لفرط تكرارها ينسى المرء أصلها المجازيّ ويتعامل معها على أساس أنها حقائق!

هذه مسألة لا تشذّ عن قانونها لغة من لغات العالم.

سنّة متّبعة في عالم اللغات!

المجاز هو الدم الساري في عروق اللغات، والأوكسجين الذي تتنفّسه اللغات!

الاثنين، 6 يناير 2020

تعلّم اللغة الصينيّة


وأنت في المستوى الأوّل من تعلّم اللغة الصينيّة تتعلّم مجموعة من المفردات محدودة نسبيا.
ولكن من الطريف أنّك تتعلّم مفردات إضافيّة من المستويات الأخرى.
هناك رمز من المستوى الخامس تتعلّمه ربّما في الدرس الأوّل أو الثاني أو في أكثر تقدير في الأسبوع الأوّل.
فاللغة الصينية تعتمد على النغمة في التفريق بين الدلالات.
صوت " ما" يختلف معناه كما تختلف كتابته بالانتقال من نغمة إلى أخرى، ولعلّ تعلّم وضبط إيقاع النغمة أشقّ من الكتابة الصينية.
وهناك أربع نغمات : نغمة مستقرة، صاعدة، منخفضة صاعدة، منخفضة، والنغمة الأخيرة هي نغمة عدمية أي غياب النغمة من الصوت.
واختار أساتذة تعليم اللغة الصينية صوت ما للتعليم، وعليه فهناك خمسة رموز يكثر تكرارها، منها 骂 نغمة منخفضة ، وتعني: سبّ، شتم، وبّخ.
وهذا الرمز من رموز المستوى الخامس.
وإذا تابع الطالب بجدّ مفردات كل المستويات حتّى الخامس سيجد أنّ كثيراً من رموز المستوى السادس قد صارت جزءا من زوادته اللغوية.
متأمّل الرمز يجد وجود مفتاح الفم مكررا مرتين: وكأنّ فما واحداً لا يكفي للشتم!
ورمز الفم من أبسط الرموز الصينية، نعرفه كلّنا، ولا أتخيّل رسم مربّع صغير عصيّاً حتّى على الأصابع الأمّية.
ومفتاح الفم هو العنصر الدلالي في الرمز، بينما المفتاح الأسفل 马 ويعني الحصان فهو العنصر الصوتي لأنّ الحصان أيضا يلفظ ( ما) ولكن بفارق النغمة وهي منخفضة

السبت، 4 يناير 2020

تدجين الرموز الصينيّة


#法
#语

ما عدد ما يعرفه المرء من الكلمات الصينية حين يعرف مقطعين؟
كيف تعرف ما تعرف حين تعرف مجرّد رمزين؟
سأنقل السؤال إلى اللغة العربية مع الانتقال من العدد ٢ إلى العدد ٣، ما هي الكلمات التي يعرفها المرء إذا عرف ثلاثة أحرف، وهم م ح ل؟
ما لا يقلّ عن ستة؟
ملح، محل، لمح، لحم، حلم، حمل.
أليس كذلك ؟
الفكرة نفسها مع تعديل بسيط.
كان تغيير مواقع الحروف الثلاثة ولاّدا لكلمات لا علاقة دلالية فيما بينها إلاّ مع كثير من التمحّل!
وهكذا الأمر بالنسبة للمقطعين الصينيين!
مقطع 法 يعني العدل، ومقطع 语 يعني اللغة.
ولكن مقطع 法语 يعني اللغة الفرنسية، وإذا قدّمت وأخرت ستحصل على كلمة جديدة لا علاقة لها باللغة الفرنسية وإنما لها علاقة بالنحو، فهي تعني " النحو".
وهكذا برمزين صينيين وصلت إلى أربعة كلمات، ثمّ إذا أتيت إلى كل مقطع من المقطعين وقمت بتفكيكه فإنّك سوف تصل إلى معلومات لغوية جديدة.
فمقطع العدل 法 يتألف من مفتاح الماء 氵 وفعل ذهب 去 ومن فعل ذهب تذهب إلى إيجاد رموز أخرى ف 土 تعني الأرض، و 厶 تعني ما هو خاص أو شخصي.
ثمّ تنتقل إلى رمز اللغة 语، فهنا أيضا تذهب إلى مفتاح الكلام 讠 ، وإلى مقطع ثانٍ جديد هو 吾وتعني ضمير المتكّلم، ومن ضمي ر المتكلم تذهب إلى كلمتين جديدتين أيضا: 五 التي تعني الرقم خمسة، وإلى 口 التي تعني الفم.
وهكذا ترى أنّنا عن طريق رمزين تعلمنا أكثر من رمزين.
الرمز رموز!
المفرد، دائماُ، جمع!
يبدأ كتاب الطاو #道 بهذا الواحد الذي لا يحصره حاصر

ما هو الرمز الصيني؟

اللغة الصينيّة عاشت بعيداً عن الألفباء آلاف السنوات، ورافق الرمز الصيني الحضارة الصينيّة من يوم نشأتها إلى اليوم.
فكّرت الصين في لحظة من تاريخها الحديث أن تتخلّى عن رمزها وتستبدله بالحرف اللاتيني.
الشعوب المتخلّفة عندها مشكلة مع كتابتها، ومشكلة مع لغتها، هكذا فكّرت اليابان في زمن تخلّفها، وهذا ما خطر ببال روّاد نهضة في الصين، وهكذا ما فعله أتاتورك حين تخلّى عن الحرف العربيّ لصالح الحرف اللاتينيّ.
ولكن واجهت الحرف اللاتيني صعاب لا يسهل تجاوزها في الصين. فالألفباء لا تناسب اللغة الصينيّة، فالكتابة الألفبائيّة لا يمكنها استيعاب اللغة الصينيّة.
كل أشكال الألفبائيات لا يمكنها إلا أن تكون عكاكيز لا غير ولا يمكنها أن تقوم مقام الأقدام.
رمز الرمز تقع العين عليه في بداية تعلّم المرء لهذه اللغة، وهو 字。
لم يخطر لي أن أنظر إليه نظرة تفكيكية من قبل، فهو بسيط التركيب لا يجهد الذاكرة كثيرا، ولكن اليوم لا أعرف لماذا انتبهت إلى نقطة طريفة في تكوينه .
ثمّة علاقة بيولوجيّة على سبيل المجاز مع اللغة، فلغتك التي تبدأ باكتسابها وأنت في رحم أمّك، وهناك دراسات جديدة عديدة عن تلقي الجنين في وحم أمّه لصوتها واهتزازت جسدها وهي تحكي، فالجنين يسبح في المياه الأمينيّة ويسبح أيصاً في صوت أمّه، قلت علاقة بيولوجيّة على سبيل المجاز، لأنّ لغتك تسمّى اللغة الأمّ، والعلاقة مع الأمّ علاقة فريدة لا يمكن ضبط كلّ أبعادها على صعيد النفس والروح والمشاعر والأهواء، ولكن كيف ينظر الصينيّ إلى الرمز الصينيّ؟
هل من علاقة بين الرمز الصيني والطفولة؟
هل الرمز طفل صيني؟
ربّما صلابة الرمز الصيني تأتيه من شكله، فأنت كي تكتب رمز " رمز/ الكتابة الصينية"، تضع طفلاً 子 تحت سقف宀، والسقف في الكتابة الصينية رمز للحماية، رمز للبيت في أمكنة كثيرة، وعليه فإنّ الرمز الصيني في نظر الصينيّ طفل غضّ ، محميّ .
ويمكن للمرء أن يتصوّر هذه العلاقة الفريدة إذا عرف علاقة الصينيّ بالخطّ، والمقام السامي الذي يحتلّه الخطّاط في الثقافة الصينية، وهو مقام لم يصل إليه الخطاط العربي رغم ما هوقداسة الحرف العربيّ.

حوار حول اللغة والشعارات أجراه معي بهاء إيعالي


قد نجدُ اليوم أنّ الباحثين في علوم اللغة والدارسين لها هم قلّة بعددهم، غير أنّ الحكم على فكرة الأقلّية بالضعف هو حتى في المجالات الأكاديميّة حكم جائر، فلطالما كان لهذا المصطلح صولاته في إبراز قوّة خاصة لهذه الفئة، قوّة تتميّز عن قوّة الأكثرية بالكيف.
ويعدّ الدكتور بلال عبد الهادي واحداً من الأقليّة التي كان لها شغلها في هذا المضمار الواسع، فأستاذ الألسنية في الجامعة اللبنانية له أبحاث رائدة حول مسائل اللسان ومقارناتها بشؤون الحياة العامة واليوميّة، بالإضافة إلى اهتمامه بالثقافة الصينية وبحثه الطويل فيها، ولعلّ هذه الأبحاث لها شأنها في المشاريع الضخمة اليوم القائمة على إحياء طريق الحرير بين الشرق الأوسط والشرق الأقصى، عدا عن عمله في الصحافة العربية والفرنسية فترة التسعينيات ومطلع الألفية الحالية.
هنا حوار مع عبد الهادي يتطرّق فيه، من ضمن أمور أخرى، إلى الانتفاضة الشعبية في لبنان عبر المقاربة اللغوية فيؤكد أن اللغة في الثورات هي مكوّن من مكوّنات سيمائيّة عديدة: الألوان، الملابس، القبضات، الخيم، وأنه حين تقرأ الشعارات إنّما تقرأ أحلام الناس، انكساراتهم، وسخريتهم. فالإنسان يحارب بالضحكة كما يحارب بالصرخة، ويحارب بالكلمة كما يحارب بالصورة والكاريكاتور.

‎1- بدايةً ينبغي التطرّق إلى اختيارك
‎لعلم اللغة الحديث في دراستك الجامعية بادئ الأمر، وفي بحوثك وعملك في الصحافة فيما بعد، ما الدافع الأساسي لاختيار هذا المضمار عن غيره؟
‎لعلّ الجراحة هي ما أخذني إلى اللغة. كنت أودّ أن أدرس الجراحة، فجاءت الحرب الأهلية، واختلت الحياة والمسارات والأحلام والمشاريع إلى أن حطّ بي الترحال في عالم الأدب، أو عالم القراءة، ولكن لم أنس رغبتي الأولى في دراسة الجراحة، لولع بما لا تراه عيني، فالجراحة علاقة مع الأحشاء، ووجدت أن علم اللغة شكل من أشكال الجراحة اللغويّة ، شقّ اللفظ بمبضع لغويّ للوصول إلى المعنى، المعنى أحشاء اللفظ.
‎2- من الواضح أنّك تهتمّ باللسان اليومي من خلال مقاربتك للكلام المحكيّ اليومي بالألسنية، وكأنّك تكرس صفة القناص للباحث اللغوي الهاوي لصيد عبارات هي مرآة المجتمع. كيف تفسّر الصلة بين اللسان الناطق وتطوّر اللغات والألسن؟
‎تفتنني العبارات الشائعة في لغة ما، العبارات التي نكتبها أو نحكيها، العبارات الشائعة تحكي، تروي لنا سيرة شعب أو سيرة شخص، والعبارات الشائعة لها خطّ بياني يرافق المجتمع صعودا وهبوطا، هي إلى حدّ ما تشبه الموضة، فالموضة لا تؤمن بالثابت، ولا بالتواري ، فما يتوارى اليوم قد يعود إلى الظهور في فترة ثانية، وطريف مطاردة العبارة، واستخدام الكاميرا الخفية في تصوير سيرها، ألا نقول: الأمثال السائرة؟ كلمة " السائرة" هنا بحرفيتها فتحت لي درباً لغوياً محبّبا إلى قلبي، فلقد قرأت مثلا عبارة " نعود بعد قليل" التي يعلقها البعض على باب محلّه، كلمة بسيطة ولكنّها حمالة دلالات على طريقة استخدامنا للوقت. وكلمة " ما بأثّر" التي تطفر من الأفواه في لحظات تواصلية وسياقية متعددة. ماذا يفعل بنا هذا التعبير؟ إلى أي مكان يأخذنا؟ ما الدور الذي تؤدّيه هذه العبارة في اضطهاد الإتقان مثلا. أنظر إلى هذه التعابير نظرتي إلى ال ADN ، فهذه التعابير هي ADN الشعوب والأرواح والمجتمعات.
‎أما بالنسبة للسان الناطق فهو اللسان الحيّ، الكلام سيّال كما الأنهار ، ومن الطبيعي أن يتغيّر، فاللعة الواحدة كما الشخص الواحد على مستوى الشكل وعلى مستوى المضمون. وجهي اليوم ليس هو وجهي قبل ثلاثين عاما، بشرة وجهي تغيّرت، وبشرة اللغة كبشرة الوجه، هل ألوم بشرتي لأنّها تغيّرت؟ وهل ألوم طريقتي في التفكير اليوم لأنّها اختلفت عن طريقتي في التفكير السابقة؟ أتعامل مع اللغة كما أتعامل مع جسدي، وأتعامل مع لغتي كما أتعامل مع أفكاري. وكلّ إنسان يلحظ تطوّر اللغة الواحدة في بيته نفسه، فلهجتي في الكلام غير لهجة ابني ، ولهجة ابني بخلاف لهجة ابنتي، هذا طبيعيّ . ومن اللاطبيعيّ التعامل مع اللغة كما كان يتعامل المجتمع الصيني مع أقدام المرأة!
‎3- في مقالك "الفراهيدي والقرصان الرقمي" تحدّثت عن تدوير المصطلحات عبر الزمن من خلال تحوّل مصطلحٍ مهمل في "كتاب العين" إلى مستعملٍ وبالعكس، ما هي المعايير التي يمكن وضعها لدراسة المصطلحات من خلال اهمالها واستعمالها؟
‎المعيار الأوّل هو الاستعمال، ولكن علينا عدم ترك الاستعمال على حلّ شعره، علينا أن نراقب حركة الاستعمال، وحركة الاستعمال حركات، فحركة استعمال مفردة في لبنان هو غير حركتها في المغرب أو مصر أو الأردن. ودراسة الاستعمال يحتاج إلى جهود جبّارة ورصد يوميّ، وهذا لا يمكن أن تقوم به مجموعة صغيرة أو فرد بعينه. هناك دول كثيرة تهتمّ بالتخطيط اللغويّ كالصين واليابان وإسرائيل وغيرهم من بلدان، فالصين مثلا تقوم سنويّا بما يمكن أن أسمّيه دراسة حركة البورصة اللغوية. فالكلمة لا تغرّد خارج السرب، ولا تعيش في عزلة، يدرسون أسباب ارتفاع أسهم كلمة أو انخفاض أسهم تعبير، وهذا يساهم في تكوين الشبكة اللغوية التي تحيط بالمجتمع. فكل مجتمع هو شبكة لغويّة. المجتمع ليس أخرس. والمفردة الواحدة قد تنام دهراً من الزمان كنومة أهل الكهف أو كنومة الأميرة التي أيقظتها قبلة أمير، وقد يجيء ظرف يشبه قبلة الأمير فيوقظ كلمة ويسند إليها مهامّ جديدة، ودلالات جديدة. قوّة أيّ مفردة تكون في قدرتها الخارقة على حمل أكثر من بطيخة دلالية في يد واحدة. وعلى اللغويّ أو يكون براغماتيا في علاقته مع اللغة وليس دكتاتوراً، ولعلّ كتب " قل ولا تقل" هي شكل من أشكال الدكتاتورية اللغوية، فاللغة كالمدن. هل وجدت مدناً بلا مقابر؟ ولكن الفرق بين المقبرة اللغوية والمقبرة البشريّة هو أن لا أحد يعرف متى تنفض مفردة الرفات عن روحها وتعود لممارسة حياة طبيعية ومعاصرة وحيوية. مصير المفردة عن عين الراصد مغيّب!
‎٤- تتنوّع مصادرُ بحثك بين المصادر اللغوية التراثية (إبن منظور، ابن جني...) والمراجع الحديثة العربية والأجنبية (عبد السلام المسدي، فرديناند لوسوسير...). ما هي الأسس التي تبني عليها قراءاتك بشكلٍ عام؟
‎قرّرت أن أستوحي طريقتي في القراءة من جملة أمور نلحظها في الحياة:
‎طريقة النحل في صيد الرحيق.
‎طريقة الناس في الأكل.
‎طريقة النهر في تعامله مع الروافد الوافدة إليه.
‎الطبيعة درس محنّك في الحكمة، ولعلّ من شروط الحكمة البراغماتيّة وامتلاكها ليونة تشبه ليونة جسد هرّ. وهنا يحضرني نصّ لابن المقفّع عن طريقة تعلمّه حتّى ممّا لا يخطر لنا أحيانا أن نتّخذه أستاذا لنا، يقول:
‎"أخذت من كلّ شيء أحسن ما فيه حتّى من الخنزير والكلب والهرّة، أخذت من الخنزير حرصه على ما يصلحه وبُكورَهُ في حوائجه، ومن الكلب نصحه لأهله وحسن محافظته على أوامر صاحبه، ومن الهرّة لطف نغمتها وحسن مسألتها، وانتهازها الفرصة في صيدها".

‎وهكذا تعلّمت من النحلة التي لا تكتفي بنوع واحد من الزهور لاصطياد الرحيق، فقلت عليّ أن لا أحبس نفسي في تخصّصي. الانحباس في تخصّص واحد يلوّث أوكسجين الفكر. فتعدّدت قراءاتي ولكن كنت أتعامل مع ما أقرأه من منظور لغويّ، أي كنت حتّى ولو كنت أقرأ كتاباً عن التواصل بين الأشجار في الغابات أبحث عن وجه الشبه بين الشجرة واللسان. وإن كنت أقرأ كتاباً عن ثقافة الطعام في حضارة ما أبحث عن وجه الشبه بين الطعام والكلام، وإن كنت أقرأ كتاباً في إدارة الأعمال كنت أعقد مقارنة بين إدارة الأعمال وإدارة الكلام، وهكذا، فوجدت أنّه انفتح أمامي باب يشبه باب خزانة أليس في بلاد العجائب، واللغة عجيبة ، بل آية إلهيّة . كلّ الكتب بشتّى تخصصاتها تأخذك إلى مكان يشبه شبكة، فكتاب في البيولوجيا هو خيط من شبكة المعرفة الكبرى، كل كتاب فراشة. وتعرف المصطلح الذي يرفرف بأجنحة الفراشة وهو " أثر الفراشة". وفي كتابي " الكتابة على جلدة الرأس" عدّة مقالات عن دور البيولوجيا في توليد نظرية فلاديمير بروب في السرد، أو دور علم الاجتماع في توليد نظرية دوسوسير، وعن الرياضيات في توليد معجم العين للفراهيدي. الاكتفاء بتخصص واحد واحد يسبب الترهل الفكري والجسدي والروحي. الاكتفاء بتخصص واحد يشبه نوع واحد من الطعام بشكل يومي في الوجبات الثلاث. ويعجبني اللون الداخل في الطعام، فنحن نقول ألوان الطعام، ولا يصبر الواحد منّا مهما كان متقشّفاً على لون واحد من الطعام. التنوّع علامة من علامات الصحة، وهذا أحد أسباب قراءتي صباحاً للجاحظ، ومساء لرولان بارت مثلا، وقراءة كونفوشيوس ظهرا. ولعل أفضل ما يترجم طريقتي في القراءة، هو ما قالته لي ذات يوم ابنتي حين كانت تتجوّل في مكتبتي:
‎"يا بابا يللي بفوت ع مكتبتك ما بيعرف شو دارس أو شو تخصّصك".
‎اكتشفت ان من يدخل عالم اللغة يدخل عالم الأشياء كلّها، فالدنيا نصّ مديد، وارف الأغصان، نصّ نظلّ في بداياته.
‎ويمكن القول إنّ طريقتي في القراءة هي نفسها طريقتي في الكتابة.

‎٥- تعودُ إلى التراث العربي من خلال الحكاية والنادرة، كما في مقاليك "خرافة العذري" و"كلب الشاعر ابن جهم" على سبيل المثال. أمن الضروري اليوم، من وجهة نظرك الخاصة، استعادة التراث العربي القديم؟ كيف؟
‎التراث جزء من حاضرنا، لا يمكن لأيّ زمن أن يعيش كغصن مقطوع من شجرة. التراث ضرورة. التراث تاريخ، هل نلغي دراسة التاريخ، الجغرافيا من يشكّلها؟ أليس الزمن الماضي يعيش بين ظهرانينا ؟ التراث لا مفرّ منه. مشكلتنا ليست مع التراث وإنّما في طريقة نظرتنا للتراث. الحاضر نظرة. والنظرة ليست مسألة بيولوجية وإنّما في جزء كبير منها نظرة ثقافيّة. البيولوجيا أداة ثقافيّة. الانحباس في الحاضر احتضار، الانحباس في الماضي احتضار، العيش في المستقبل احتضار، الإنسان الطبيعيّ جوّال في الأزمنة. فكلّ إنسان هو إبن لأب ، وأب لإبن. أنت ككائن حيّ همزة وصل أو جسر بين أب وحفيد. إدارة الظهر للأب عقوق، وإدارة الظهر للماضي عقوق. ولا تخلو أحوال بعض الناس من عقوق ، كما لا تخلو الدنيا من عزّاب، ولكنّها حالات استثنائية. الزواج حالة طبيعية، والتزاوج بين الأزمنة حالة طبيعيّة. الصين اليوم بعد أن استعادت زمام نفسها استعادت تاريخها، فاختارت لمعهادها في تسويق لغتها وثقافتها حكيمها العريق كونفوشيوس وليس ماو تسي تونغ. في حين أنها في فترة الخلل قامت بتحطيم ما أسمته دكاكين كونفوشيوس. انظر إلى اليابان هل تخلّت عن ماضيها وأساطيرها المؤسسة؟ أبدا! اعتبرت ماضيها منصّة إقلاع إلى المستقبل. الأزمنة الثلاثة أشبه بمكوّنات طبخة. ماذا تفعل إذا كنت تملك كلّ مكوّنات الطبخة ولكنّك لست طبّخاً؟ ستنتج طبقاً لا يؤكل. فلا بدّ من الأزمنة الثلاثة ولكن ذلك يتطلّب أن تحسن فنّ الطبخ الحضاري. مشكلة العربيّ اليوم أنّه لا يحسن الطبخ.
‎لست على خصام مع الماضي. ولكن لا أريد حبس الماضي في الماضي. الماضي متحرّك، وكثيرا ما أستلهمه في تناولي لأشياء حديثة. أوديب شخصيّة خرافية قديمة، ولكن هل حبسها فرويد في ماضيها أم أحضرها إلى علم النفس الحديث. لعبة الأقنعة لا تنتهي! والماضي قناع. أليس هذا ما فعله صلاح عبد الصبور في الحلاّج أو أدونيس في أغاني مهيار الدمشقيّ. التعصب بحدّيه الماضويّ والحداثويّ مضرّ بعافية اللغة، وعافية الفكر، وعافية الحاضر. ما أكتبه عن الماضي لا يزال حاضراً وفاعلاً في حاضرنا، فالإنسان واحدٌ مهما تقلّبت الدنيا. على سبيل المثال ، الإسكندر كان لا يستغني عن ملحمة الإلياذة في حلّه وترحاله، كانت الإلياذة كتاب وسادته كما لو أنّ التاريخ هو قوقعة السلحفاة التي تحميك وتنير لك الطريق، ولكن في الوقت نفسه علينا أن نتعامل مع الماضي كما لو كان كتاباً مفتوحاً على التحولات والتغيرات والتأويلات. التاريخ ليس نصا حجريا، وليس نصاً نهائيا. طريقتنا في قراءة التاريخ قد تجعله أجنحة ولكن قد تجعله أصفادا.

‎٦- تشدّد على ضرورة التمسكّ باللغة العربية ناسفاً بالمقولة الشائعة عن صعوبتها، وتقول بتساوي اللغات مستنداً لعبارة ابن حزم الأندلسي "العربية ليست أفضل اللغات" في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام". أيمكن أن نضع هذه المقاربة في خانة العولمة اليوم؟

‎يقال " اللغة الأمّ" ، آخذ هذه العبارة بمعناها الحرفيّ، ومنها انطلق إلى بناء علاقتي مع اللغة العربيّة. لا أطيق العقوق، من الطبيعيّ أن يحبّ الانسان أمّه، وعليه من الطبيعيّ أن يحبّ لغته. حين تجد شخصاً لا يحبّ أمّه تتساءل، تستغرب، تدين، تتهّم. وتعرف أنّ ثمّة مشكلة ما، مشكلة نفسية عاتية، أزمة معيّنة. الصعوبة مسألة نسبيّة كما كلّ شيء. كل طفل أيّا كانت لغته يكتسبها في وقت قياسي ويتقنها في وقت قياسي. الصعوبة في نظري ليست بنت اللغة وإنّما بنت تعليم اللغة. على سبيل المثال ، عندي موقف سلبيّ من الشواهد النحويّة، وهي شواهد شعريّة، لا نزال نكررها هي نفسها في المقررات النحوية في الجامعة. سؤالي : هل اللغة شعر أم نثر؟ في نظري الشعر هو استثناء لغوي ، فهل ننطلق من الاستثناء في تعليم لغة ما أم ممّا هو عام، شائع، مألوف. نرهق الطالب بالاستثناءات. صعوبة العربية آتٍ من مناهج تعليم اللغة. وإلا ما معنى أن يقضي الإنسان عدّة سنوات في تعلّم النحو والقراءة ثمّ تراه يرتكب الأخطاء المتعددة حين يقرأ نصّاً عربيّاً بسيطاً في جريدة أو مجلّة؟ لا يمكنني إحالة الأمر إلاّ على خلل منهجيّ في تعليم اللغة.
‎اللغة العربيّة على ضعفنا لا تزال لغة مطلوبة في العالم، وهذه فرصة ذهبيّة لا تصحّ لأيّ لغة. فاللغة العربيّة، اليوم، تأتيها قوّتها من عنصرين: ديني واقتصادي أي من عنصرين قديم وحديث. القديم دينيّ، والحديث نفطيّ. الطاقة رافعة لغوية، والدين رافعة لغوية. النفط مسوّق لغويّ بامتياز، وكذلك الإسلام. ما عدد الذين تربطهم بالعربية علاقة روحية وحميمة؟ كل مسلم هو طالب بالقوّة للغة العربيّة، فتخيّل السوق اللغويّ الكبير للغة العربيّة. ولكن ماذا نفعل؟ كيف ندير هذه الفرص؟ للأسف، العربيّ يعيش في زمن إضاعة الفرص، ويعيش في زمن الاستهلاك اللغويّ والفكري والاقتصادي والصناعي والتكنولوجي. ولكن رغم كلّ هذه الإعاقات لا تزال العربيّة قادرة على التأقلم مع الأزمات، ولعلّ ذلك بفضل الثورة المعرفيّة في هذا الزمن المعولم. ولي كل الثقة بالهاتف الذكي الذي لا يزال في مطلع شبابه، وسيكون له من التأثير على مختلف المستويات أكثر بكثير ممّا كان عليه تأثير الورق والطباعة على صعيد الأفكار وإنتاج التغيّرات الاجتماعيّة والسياسيّة والروحيّة. العولمة هاتف ذكيّ بين يديك، أنت لست حيث أنت وإنّما حيث تحبّ أن تكون. بلمسة زرّ تنتقل من قارّة إلى أخرى، ومن زمن إلى آخر، ومن لغة إلى أخرى. يقع على عاتق الهاتف مهمّة وهي محو الأمّية. هل زاد أم نقص عدد القراء بوجود الهاتف الذكي؟

‎٧- بالحديث عن العولمة لك مقولة مهمّة في هذا المضمار "غوغل سلطانٌ لغوي"، وكأنّك بشكل أو بآخر تقوم بتصويب أدوار وسائل التواصل والبحث العنكبوتية وتنادي بإحسان استخدامها في البحث والدراسة والعمل. ترى كيف تجد علاقة العربي بهذه الوسائل، هل ثمّة تطوّر في هذه العلاقة أم جمود؟
‎لغوغل سلطان لغويّ لا يستهان به، وسلطان غير لغويّ أيضا. غوغل يضع العالم بين يديك لكأنّه فانوس علاء الدين السحريّ. نحن، اليوم، على علاقة لمسيّة مع العالم. ألم تكن علاقة علاء الدين ، في أيّ حال، مع الفانوس علاقة لمسيّة؟ غوغل مسرح يعجّ بالحياة والأحداث اللغوية وغير اللغويّة. ومن الأشياء المهمّة في غوغل أنّه ليس دكتاتوراً لغويّاً، ولا يقمع أصابع أحد، يستقبل كلّ شيء، ويترك للاستعمال مهمّة الغربال. والاستعمال غربال فطنّ ومتحرّك ، عقليته ليست متحجّرة، عقليته تشبه عقلية اللغة نفسها، عقلية براغماتية، ولكن العقليّة البراغماتية لا ترضي كلّ الناس، لأنّها عقليّة غير ثابتة، يقينيّاتها محلّ تساؤل، وثمّة أناس يعتبرون اليقينيّات فراشاً وثيراً، وهؤلاء يعتبرون غوغل " مشاغباً لغويّاً"، و " مهرطقاً لغوياً". أنظر إلى غوغل نظرتي إلى البورصة، فهو يخبرني عن ارتفاع أسهم مفردة أو انخفاض أسهم مفردة، يحدّثني عن شعبيّة هذه المفردة أو شعبية تلك العبارة، يرسم لي الخطّ البياني بكلّ تشعباته للحراك اللغويّ في الشبكة اللغويّة، وهو في نظري يقوم بما عجزت عن القيام به مجامع اللغة العربيّة، المجامع تسير سير السلحفاة، وغوغل يقفز قفز الأرانب. ونحن، اليوم، في زمن السرعة. وأحبّ عقد مقارنة بسيطة بين العربية في زمن الجريدة الورقية، والعربية قبل زمن الجريدة الورقية، والعربية في ظلّ الجريدة الرقمية، انتقلت العربية في زمن الجريدة الورقية من الجمود إلى الحيويّة، الجريدة حرّرت العربيّة من الألاعيب اللفظيّة إلى حدّ بعيد، والجريدة الرقميّة حرّرت العربيّة من الورق وربطتها بالضوء، والضوء يلائم عصر السرعة. لا نزال في بداية التغيرات العاصفة والجذريّة التي أدخلها العصر الرقميّ إلى عالم اللغة، وهو تغيّر يعمل في نظري لصالح اللغة. ووسائل التواصل الحديثة أعادت عددا كبيراً ممّن غادروا عالم القراءة والكتابة إلى عالم القراءة والكتابة. للورقة هيبة لا تعرفها شاشة الهاتف، والهيبة ليست دائماً شيئاً إيجابيّاً. ولهذا نرى انبثاق الجرأة من كثير ممّن يكتبون بأصابعهم على خلاف الكتابة بالأقلام.
‎أليس الكتاب الورقيّ اليوم هو نسخة من الكتاب الرقميّ؟
‎انقلبت الآية كما يقال ولكن لصالح حيويّة اللغة لا لصالح جمودها.

‎٨- تتحدّث أحياناً كمن يبدو منبهراً بالثقافات الأجنبية وتبعاتها وآثارها على شعوبها كافة، فيما تشجع طالب العلم والدارس لتعلم لغاتٍ غير لغته الأم لما فيها من فوائد على اللغة الأم نفسها. هل تحاول إرساء دعوة لاقتداء الثقافة العربية بتلك الثقافات؟ ما هي النقاط التي ينبغي على الأولى العمل عليها لأجل ذلك؟

‎يقول العالم اللغويّ الشهير بلومفيلد صاحب المدرسة السلوكيّة في اللغة أنّ أحد أسباب ولادة الفلسفة في اليونان هو أنّ الشعب اليونانيّ كان يتميّز بالاندهاش، والاندهاش هو اعتراف بالجهل. هل رأيت طفلا لا يندهش؟ ولكن الاندهاش - وأفضّل كلمة الاندهاش على كلمة الانبهار- يجب أن يكون مقترناً بالفضول. هل رأيت طفلاً لا يتمتّع بالفضول؟ الفضول فضيلة، الفضول أمرٌ فطريّ، وكان الخليل بن أحمد يعطي تعريفاً طفولياً جميلاً للإنسان، فيقول: الإنسان سؤول عقول. والطفل يولد وفي عينيه دهشة، وما إن يبدأ بالكلام حتّى تقفز على شفتيه الأسئلة عبر أداتي استفهام " كيف"، و " لماذا" ( كيف وليش)، هل رأيت طفلاً لا يسأل؟ العالم لا يتخلّى عن طفولته، ولهذا تراه يستغرق في مسألة علمية بالطريقة نفسها التي يستغرق فيها طفل باكتشاف لعبة جديدة. العالَم في نظر العالم لعبة.
‎ولهذا السبب أحبّ الاطلاع على ما لا أعرف لتسمرّ دهشتي، الحياة بلا دهشة تضرّ بالعافية، حتّى العمل الروتيني يمكن أن يمارسه المرء بطريقة غير روتينية. الإنسان يعيش في عالم مليء بما هو مدهش. واللغة شيء مدهش، واطلاعي على لغات الآخرين يمنح لغتي الأمّ مناعة معيّنة، ويسمح لي الاطّلاع على لغتي الأمّ من منظور مختلف. علم اللغة الحديث هو ابن شرعيّ للغات الآخرين، قاضٍ انكليزيّ هو وليم جونز تستهويه اللغات تعرّف خلال إقامته في الهند على اللغة السنسكريتية فانكشفت له قرابة لغوية وصلة رحم بين الإنكليزية والهندية واللاتينية وغيرهم من اللغات . الآخر ليس جحيماً، الآخر هو النعيم بخلاف ما يقوله الفيلسوف الفرنسيّ جان بول سارتر. اللغة المختلفة عن لغتك تضيء لغتك من زوايا لا تخطر ببالك، وعليه اطلاعي على لغات الآخرين هو في جزء منه تعميق علاقتي بلغتي الأم. وأعطي دائماً مثالاً بسيطاً، معرفتي بالفرنسيّة زوّدني بالقدرة على قراءة عشرات الكتب باللغة الفرنسيّة التي تتناول الحضارة العربيّة أو اللغة العربيّة فازدادت معرفتي بلغتي وحضارتي لأنّ العين الأجنبيّة ترى ما لا أراه فتريني ما لا أراه. وعلى المرء أن لا يقع في فخّ الاستلاب. لأنّ الاستلاب جذّاب ولكنّه مدمّر للإنسان من الداخل. الانبهار يعمي الأبصار بخلاف الاندهاش الذي يفتّح العيون على أسئلة بديعة. وحين أدعو إلى تعلّم اللغات أدعو في الوقت نفسه إلى علاقة حميمة وسويّة مع اللغة الأم. ما قيمة المرء إذا ربح لغات العالم وخسر لغة نفسه؟ أحبّ السياحة في لغات الآخرين ولكن لا أحبّ الإقامة إلاّ في لغتي الأم.


‎٩- تبدي مؤخراً اهتماماً عميقاً باللغة والثقافة الصينية، في وقت تُلحظُ حركة نشطة لبعض العرب من باحثين لكتّاب لفنانين بالعملِ على دراسة الثقافات الأخرى ولغاتها. هل تعدّ هذه الحركة موازية لحركة الاستشراق الأوروبي التي حصلت بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؟ كيف؟

‎اهتمامي باللغة أخذني إلى لغات الشرق الأقصى، واللغة الصينيّة بالتحديد. واختصاصي بعلم اللغة الحديث جعلني سائحاً في لغات العالم. يبدو أنّ اللغة لا تكتفي بنفسها، والدرس اللغويّ يغريك بالبحث فيما هو غير لغويّ. وبما أنّ اختصاصي في الأساس هو اللغة العربيّة، وجدت أنّه من الضروريّ أن أبحث عن تلك الشعوب الشبيهة لنا والتي نظرت إلى لغتها في مرحلة ما نظرة دونيّة. فمن يقرأ في أسباب ضعف العرب الراهن يجد أنّ عددا من المفكرين العرب وجدوا أنّ مشكلة العرب هي لغتهم العربية الفصحى. الضعيف الذي لا يريد الاعتراف بضعفه يحيل أسباب ضعفه إلى عوامل ليست من نفسه. فالعربي يضع الحقّ في تقهقره على الاستعمار طورا، وعلى المؤامرة طوراً آخر، وعلى لغته طوراً ثالثاً. ولا يتفرّد العربيّ بهذه النقيصة، قل إنّها نقيصة كل من لا يريد أن يعترف أن تقهقهره هو من صنع يديه. هذا ما فعلته اليابان في زمن ضعفها، وهذا ما فعلته الصين في زمن ضعفها. لكلّ أمّة ضعيفة سعيد عقل، فهناك سعيد عقل صيني، وسعيد عقل كوري، وسعيد عقل ياباني. فبعض المفكرين الصينيين مثلا اعتبروا أنّ سبب تخلف الصين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين هو طريقة الصينيين في الكتابة، أي الرمز الصيني، ولكن حين تطوّروا استعادوا اعتزازهم بلغتهم، واعتزازهم برموزهم المكتوبة. وشيئاً فشيئاً وجدتني أنجذب إلى اللغة الصينية والفكر الصينيّ وما جذبني أكثر فأكثر هو غياب الصين في تراثنا العربي وتاريخنا العربيّ، فنحن ترجمنا عن السريانية واليونانية والهندية والفارسيّة ولكننا لم نترجم شيئاً عن التراث الصيني رغم ثراء الصين المدهش في مجال التأليف، بقيت علاقتنا بها علاقة تجارية ولم ترق إلى مستوى العلاقة الفكريّة، ولم يبدأ إلاّ حديثاً اهتمامنا بحضارات الشرق الأقصى ومنها الصين طبعا. ولا أنكر أنّ علاقني باللغة الصينية أعطاني فرصة لأطلّ على لغتي من منظور آخر وطريف، فصرت أنتبه لأمور ما كان يخطر ببالي أن أتعامل معها، علاقتي مع الصينية حررني من علاقتي البديهيّة مع لغتي الأم، كما زوّدني بموادّ دسمة أستثمرها في مقرّر أعلمه في الجامعة هو اللغة والحضارة، وكيف تلعب اللغة دوراً عظيما في تشكيل الحضارات. فاللغة، بكل معنى الكلمة، وجهة نظر أي طريقة خاصّة في النظر إلى العالم. الحضارة أشبه بعجينة في يد اللغة التي تشكّل الحضارة أي تعطيها شكلاً. فهي على صعيد الكتابة تمتاز بأنّها تتعامل مع المعنى وليس مع الصوت على غرار اللغات الأخرى.


‎١٠- تظهرُ اهتماماً بثقافة الطعام (تحديداً بالحمص والفول) ومآثر الطعام وقصصه مع الشعوب المختلفة، في وقت يظهر بعض المثقفين نفوراً من تخصيص حقلٍ خاص لهذا المجال بل يحاولون استيعابه عبر بوابة الأنثروبولوجيا بدهاليزها العديدة. ما هي الأسباب لهذا النفور؟ أتعتقد أنّه نوعٌ من "الانهزام الثقافي"؟

‎لا أعرف لماذا نحتقر أو نستهين بثقافة الطعام؟ فالمداخل إلى الحضارات تكون إمّا من باب اللغة وإما من باب الدين وإمّا من باب الطعام وإمّا من باب الهندام. وكان دافعي إلى النظر في الطعام دافعاً لغويّاً، فكلمة أدب لا تنكر علاقتها الحميمة مع المأدبة، فالكلمة الطيّبة ما جاءتها طيبتها إلاّ من حاسة الذوق، وخلال تحضيري للدكتوراه في المجال الألسنيّ في باريس ، رحت أقرأ في المراجع الألسنيّة واستوقفني نصّ عند العالم اللغوي الكبير رومان ياكبسون عن زميله الانتروبولوجيّ كلود ليفي استراوس الذي استوحى نظريته الانتروبولوجيّة حول الطعام تحت مسمّى المثلّث الغذائيّ من جانب لغويّ وهو الحركات أي الفتحة والضمّة والكسرة، دهشت في بادىء الأمر ولكن سرعان ما جذبني إلى وجه الشبه المديد بين الطعام والكلام، ورحت أتخيّل الكتابة وكأنّها تحضير طبخة مكوّناتها حروف الأبجدية، وعلى ضوء كتابات استراوس حول الطعام رحت اكتشف كيف يمكنك دراسة الدخيل في الغذاء على غرار الدخيل في الكلمات. وتوسّع اهتمامي في هذا المجال ورحت أدرس الطعام على ضوء علم السيمياء، فالطعام علامة، ولغة، ويمكن دراسة ألف ليلة وليلة مثلا من خلال الموائد والأطباق، ورحت أدرس المآكل ووظيفتها في السرد الروائيّ.
‎على سبيل المثال هناك كتاب عن مآكل رواية الزمن المفقود لبروست، وهي دراسة تتيح لك الدخول إلى السرد البروستيّ من مدخل شهيّ. للأسف الكتب التي تتناول الطعام من منظور اجتماعيّ أو فنّي أو أدبي في العربيّة شديد الندرة. لا أنكر أن مكتبتنا العربية من هذه الناحية تعاني ، للأسف، من جوع وسوء تغذية. وكأنّ الكلام على الطعام حرف ناقص!

‎١١- تشهد الساحة اللبنانية مؤخراً حراكاً ثورياً شاملاً كان لمدينتك "طرابلس" حصة الأسد منه، وقد كان لك مواقف داعمة لهذه الثورة ومن خلالها استحضرت مقاربات لغويّة جميلة من خلال الشعارات المرفوعة فيها. تاريخياً كيف للّغات أن تصنع الثورات وبالعكس؟

‎لا يوجد ثورة خرساء. فم الثورة أفواه الناس ، وشعارات الناس، وهتافات الناس، ولا شكّ في أنّ كلّ ثورة تبتكر خطابها. ومن الأمور التي تثير اهتمامي اللغويّ العبارات التي تكتب على الحيطان وزجاجات السيارات واليافطات. اللغة في الثورات هي مكوّن من مكوّنات سيمائيّة عديدة: الألوان، الملابس، القبضات، الخيم. حين تقرأ الشعارات إنّما تقرأ أحلام الناس، انكسارات الناس، وسخريّة الناس. الإنسان يحارب بالضحكة كما يحارب بالصرخة، ويحارب بالكلمة كما يحارب بالصورة، والكاريكاتور. ولعلّ ما ساهمت فيه الشعارات المكتوبة والمنطوقة هي كسر المحرّمات، وكسر الهيبة التي كان يتوارى خلفها رجل السياسة كما يتوارى خلف زجاج سيارته المعتم. تهشّمت هيبته كما يتهشّم الزجاج. كما نلحظ التفاعل بين الأحداث والشعارات، فهناك شعارات ترافق الحدث، وشعارات عابرة للحدث تتلوّن بتلوّناته فعبارة " هيلا هيلا هو.." أصبحت تلعب دور المبتدأ في جملة اسميّة خبرها متغيّر، متنقّل من مدح إلى هجاء، إلى سخرية، إلى تحبّب. وهناك شعارات ظرفيّة، قصيرة العمر، وشعارات كقطرة الماء اللحوح التي تحفر في الصخر.

‎١٢- إلام تتّجه مؤخراً في عملك؟ وما الجديد الذي تنوي الشغل فيه؟
‎أشتغل حاليّاً على كتابين: كتاب عن الفكر الصينيّ من خلال بعض الأشياء التي يتميّز بها الصيني، وكيف أنّ فكره يشبه لغته من ناحية الليونة، فاللغة الصينية شديدة اللين إلى حدّ أنّ الكلمة الواحدة قد تكون اسما أو فعلا أو حرفاً، فالحدود بين الأسماء والحروف والأسماء صارمة في كثير من اللغات، من شكل الكلمة تعرف إن كانت اسما أم فعلا أم حرفا بينما في الصينية الحدود غير واضحة بل في أحيان كثيرة غير موجودة، أو قل متحركة لا يحدد هويتها ويعطيها ملامحها إلا مكانها في السياق اللغويّ. لغة سياقية بامتياز، والسياق براغماتيّ ليّن يشبه جسد التنّين الرمز الجامع الذي نرى سور الصين بتعرجاته وكأنّه ظلّ أرضيّ للتنّين السماويّ.
‎والكتاب الثاني كتاب في التحفيز، وهو عبارة عن حكايات واقعية لشخصيّات مكافحة ، بدأت من الصفر، لا تعرف اليأس ولا الاستسلام، ولا حدود لطموحها وأحلامها، وأظنّ هذا الكتاب أشبه بحبّة بروزاك لمن تعتعه اليأس أو ضعضعه الفقر، حكايات ناس تقول لك إنّ الانتصار قدرك حين تتأبّط الإصرار والحنكة والحكمة، وهي شخصيات متنوعة عربية وغربية وصينية ويابانيّة تختصرها ربّما عبارة: حياتك فكرة، ابحث عنها.
https://www.alaraby.co.uk/diffah/interviews/2019/12/20/%D8%A8%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D8%B4%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%83%D8%B3%D8%B1%D8%AA-%D9%87%D9%8A%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%B3%D8%A9?fbclid=IwAR1YNRezyYsN1tksX_wQjiu0WW1WLzRyBG4D81FPst-4p_7LkttydxOhZd4