السبت، 12 مارس 2022

اللغة لعبة

 

ومن أوائل من لعب باللغة من علمائنا العرب هو الخليل بن احمد الفراهيدي... كان ذهنه ذهنا رياضيا، ومن باب الرياضيات دخل إلى عالم اللغة، كثيرون لا يدخلون إلى اللغة من باب اللغة. للغة ممرات سرية كثيرة، وممرات كالسراديب.

يصعب حصر مفردات لغة، ومع هذا أخذ الفراهيدي قرارا بحصر ما لا يحصر، وما هي القاعدة في أي حال؟ أليس حصر ما لا يحصر. عندما نكتشف قاعدة ما فإننا نكتشف في الوقت نفسه سرّه وروحه المحركة لأعضاء بدنه. القاعدة رحم خصب، منجاب.

نظر الخليل إلى مفردات العربية فوجد أن أغلبها ذو أصل ثلاثي، مكتبة أصلها ( ك، ت، ب)،  اندفاع أصلها (د.ف.ع) وهكذا. لم يكتف بتأمّل تسلسل الأصل الثلاثي وما يعتريه من تعديلات في أوّله أو آخره، أو أحشائه،  وإنما راح يلعب بالأصل الثلاثي وكأنّه ثلاث أكر بين يدي بهلوان ولاعب بالأكر.

لاحظ مجموعة أشياء، الأصل الثلاثي ذو طبيعة مختلفة، خذ جذر (ح،ل،م) تجد أنّ كل تقديم أو تأخير لحرف ينجب تركيبا جديدا لا يخلو من دلالة، فعندك: الحلم ، الحمل،اللحم، اللمح، وعندل الملح، والمحل... بينما جذور أخرى لا تملك ما يملكه الحلم، هنا الحلم لا يعجزه تقدديم أو تأخير، ولكن خذ جذر العلم، فعندك ( العلم، والعمل، واللمع) بينما الاحتمالات الأخرى لا تلقى لديك أي صدى. فما معنى معل؟ أو معنى ملع؟أو معنى لعم؟ لا أظنّ أن أحدا ما سوف يتعامل مع معل كما يتعامل مع عمل؟

أتسلى أحيانا بلعبة التقليبات الصوتية للجذر لأرى مقدربته البهلوانية مقارنة بغيره من الجذور... وكنت قد كتبت مقالين عن الخليل نشرتهما في كتاب لعنة بابل، واحد عن أنف الخليل، وآخر عن الفراهيدي وعلاقته بالقرصان الرقمي.

استوقفني منذ عدة أيام جذر العلم، فقلبته ووجدت أن ثلاثة تقليبات من أصل ستة لها حضور عربيّ، فوجدت في هذا المثلث الجذري مثلثا حياتيا؟ وهم: علم، عمل، لمع.

لا قيمة لعلم بلا عمل، العمل النظري المحض، العلم البرجعاجيّ،قرن العلم بالعمل يجوّد العلم ويجوّد العمل، العلم مدرّب يشرف على العمل، والعمل يقدّم للعلم مادة لتحسين العلم، عندما تحسن علمك يتحسن عملك أي أداءك، اقتران العلم بالعمل يثمر ما يلمع، تصير لامعا في علمك وعملك.

العلم ينقذ عملك من التخبيص....

وعملك ينقذ علمك من التهويمات السريالية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق