الأربعاء، 9 مارس 2022

غيمةٌ سيميائيّة

 



#علم_السيمياء Sémiologie / sémiotiqueعلم من العلوم الإنسانيّة التي تهتمّ بالعلامة #signe أي بدلالة الأشياء اللغويّة أو غير اللغويّة. كلّ شيء، كما يقول الناقد الفرنسيّ اللامع #رولان_بارت، دالّ ( أي يحمل معنى ما). ولكن ليس سهلا أن يعرف الإنسان ما هي العلامة #السيميائية؟ وكيف تنتج العلامة دلالتها؟ لا يزال هذا العلم ورشة عمل. أريد أن أحكي عن نقطة واحدة وبسيطة منه لتوضيح مسالكه عبر الكلام عن الغيمة من منظور سيميائيّ ومن منظور طبيعيّ. الإنسان لا يعيش في عالم واحد، إنه يعيش في عالمين على الأقلّ، عالم الطبيعة وعالم الثقافة والسيمياء. أعود إلى الغيمة لأطرح السؤال التالي:هل الغيمة في السماء علامة سيميائيّة أم علامة طبيعيّة؟ ما الفرق بين العلامتين؟ وهل أتعامل مع الغيمة الطبيعية كما أتعامل مع الغيمة الثقافية/السيميائية؟ متى تكون الغيمة طبيعيّة لا سيميائيّة؟ ومتى تكون الغيمة غيمة سيميائيّة تتلبّس بلباس الطبيعيّ؟ ليس في نيّة الغيمة أن تخبرني أنّ السماء ترغب في المطر، ولا تقول لي الغيمة: انتبه لحالك، وخذ احتياطاتك اللازمة من شمسية أو لبس مشمّع واق من المطر. لم يخطر ببال الغيمة كلّ هذه الأشياء. وعليه فهي ليست علامة سيميائية وإن كنت أنا اشحن حضورها الجوّال في الجوّ دلالات لم ينطق بها لسانها الغيميّ. وأحوّلها إلى غيمة سيميائية؟ يمكن أن أخرج الأمور الطبيعية من طبيعيّتها. وسأعطي مثالاً وليكن الغيمة نفسها. هل الغيمة في السماء هي نفسها الغيمة في مشهد سينمائيّ؟ طبعا، لم تقرّر الغيمة أن تلعب دوراً في الفيلم. الغيمة نجمة رغماً عن أنفها في الفيلم! لم تتدّخل على المخرج ليدخلها في مشهد. ولكن المخرج قرّر أن يدخل الغيمة في الفيلم لأنّه أراد أن يمنحها دورا، كأن يكون ظهور الغيمة في الفيلم هو تغيير في مستوى مجريات الأحداث ومنعطفاً سرديّاً يمهّد الطريق أمام تحوّلات مشهديّة كدنوّ الخطر من بطل الفيلم مثلا. إنّها شكل من أشكال الموسيقى التصويرية، أو المؤثرات الصوتية. تحوّلت الغيمة إلى مشهد سردي. هنا، لم تعد الغيمة غيمة سمائيّة صارت غيمة سيميائيّة. حين لقط المخرج الغيمة ووضعها على شريط مصوّر لم تعد غيمة مستقلّة، دخلت في علاقات وسياقات ليست من طبيعتها. ولم يعد من المسموح لي هنا أن أرى الغيمة بعينَي وإمّا بعينَي المخرج.

وإذا نظرت إلى الغيمة الموجودة في الصورة، وتساءلت : هل هي غيمة؟ وهل صوّرها المصوّر لأنّها غيمة؟ ما الذي شدّ المصوّر إلى الغيمة؟ هل شدّته غيميّتها ، إذا صح التعبير، أم شيء آخر؟ هل يمكن للغيمة أن تعشق؟ هل ينبض قلبها بالحبّ؟ هل كانت هنا تريد أن تشكو للناظر لواعج الحبّ؟ هل هي غيمة أم قلب. هي في عين نفسها غيمة، ولكن في عين من صوّرها قلب غائم. قلب ملبّد بالغيوم. للغيمة الواحدة أكثر من قراءة: قراءة تضمينية وقراءة تعيينية. كلّ تضمين connotation ينقلب على تعيين dénotation ، وكلّ تعيين ينقلب إلى تضمين. هل جرن الكبّة الحجريّ مثلا هو جرن كبّة حين يستخدم كمزهريّة؟ تبادل الأدوار لا يتوقّف بين الدالّ والمدلول، ولا بين الدالّ والدالّ، ولا بين المدلول والمدلول. التعيين، في المصطلح اللغويّ، هو ما يقوله المعجم عن هذ الكلمة أو تلك، والتضمين هو ما يفيض من الدلالة، ويتعدّى ما يقوله المعجم. التضمين هو علاقتك الشخصية أنت مع الكلمات، ذكرياتك معها. التضمين هو حين تخرج الكلمة من وراء قضبان المعجم وتعيش حياتها بناء لرغبات الناطقين بها، وهي قد تضرب بالمعنى المعجمي عرض الحائط.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق