
في حضرة الصورة
كتبها بلال عبد الهادي
اعتقد أرسطو قديما ان التفكير مستحيل من غير صور. لكن الواقع الراهن فاق كل توقعات الفيلسوف، فلم يعد التفكير وحده مستحيلا من غير صور، وإنما الحياة برمتها أضحت، اليوم، بلا صور جحيما لا يطاق. كما أن الحياة مع الصور أيضا أو بسببها جحيما لا يطاق. ألم تكن الأميرة ديانا ضحية من ضحايا الصور؟ وكم عدد المصورين الذين قضوا نحبهم في سبيل التقاط الصور؟.
يقوم الكاتب شاكر عبد الحميد برصد وتصوير نعيم الصورة وجحيمها في كتابه الممتع عن "عصر الصورة, السلبيات والايجابيات", الصادر في الكويت ضمن سلسلة "عالم المعرفة", وللكاتب خبرة نفسية وفنية عالية تخوله الدخول في متاهات الصور وغاباتها, ويأخذنا معه بسلاسة مقتدرة إلى دهاليز" الكتابة بالضوء", وهو المعنى الحرفي لكلمة "فوتوغرافي".
يعالج الكاتب الصورة من شتى مناحيها, يقلب النظر في أنماط الصور, كما يقلب النظر في تاريخها واثرها في حياة البشر. لا ينكر عبد الحميد التباس دور الصورة, إلا انه يحاول ان يكون حياديا في تناوله لهذه الظاهرة مما يجعله متفائلا بخلاف كثيرين يعتبرون عصر الصورة أشبه بلعنة ملونة ممتدة.
ثمة مقولة ان التلفزيون يأكل الكتاب ويشتت المعرفة وينهي زمن الكتابة الرغد. يردد هذه المقولة الكثير من المفكرين وغير المفكرين ( أليس للتلفزيون تسميات كثيرة في بلادنا منها كلمة دالة وهي "المفسديون"؟ّ) . يذكر الدكتور شاكرعبد الحميد هذه المقولة إلا انه لا يتبنّاها فهي برأيه مقولة ترى المشهد بعدسة واحدة وثابتة، في زمن العدسات المتحركة والمتعددة, وهو فيما يبدو يحبّ تقليب النظر ورؤية الأمور التي يتناولها من وجهات نظر كثيرة حتى لا تظلم وجهة من هذه الوجهات. يعتقد البعض, كما يقول, “ان التلفزيون سيحل محل الكلمات فيكون هو العامل الأساسي في التخاطب الاجتماعي, وان دور الكلمات سيكون مقتصرا على المخاطبات المكتبية, وعلى طباعة الكتب التي سيصبح قراؤها محدودي العدد بدرجة كبيرة, وان القراءة ستتراجع لمصلحة المشاهدة, وذلك لان الرؤية البصرية تتطلب عمليات معرفية اقل من القراءة". يعقّب المؤلف على هذه النظريّة بقوله:" انها قاصرة وليست شاملة أو عميقة فصحيح ان عمليات المشاهدة والرؤية والمتابعة والاستخدام للصور تتزايد, لكن القراءة لا تتراجع بهذا الشكل الذي جرى توقعه, ويكفي ان نراجع أرقام مبيعات كتب كثيرة على شبكة الانترنت, وفي موقع شركة "أمازون" مثلا لنرى كيف تباع ملايين النسخ من كتب عديدة وكذلك كيف يقف الناس أحيانا في طوابير لشراء بعض الكتب".
يرى عبد الحميد ان الذين يرون فجوة أو يريدون خلق خصام بين الكلمة والصورة إنما يمارسون ضربا من الاذيّة بحق الصورة وحق الكلمة على السواء. لا يجوز ان يكون حبّ الكلمة أعمى إلى حد يمنع من رؤية الصورة. فالصورة والكلمة ليس بينهما أي نوع من التوتر, هذا الوئام بينهما قد يذكرنا ببعض المخطوطات العربية المنمنمة لمقامات الحريري حيث نرى صور الواسطي ترافق كلمات الحريري من دون ان يتصارعا على ورق المخطوطة. وكل المخطوطات المصورة العربية والغربية تشير إلى هذا التوحد الحميم. يرى المؤلف ان هناك تكاملا بين التفكير بالصورة وبين التفكير بالكلمة, والقول بان المشاهدة تتطلب أنشطة معرفية اقلّ مردود ولا يستقيم مع وقائع العمليات المعرفية كالإدراك والذاكرة والتخيل والتفكير المنطقي وغيرها من العمليات التي تتطلبها عملية قراءة الصور .الصور كالنصوص قابلة للقراءة والتأويل وأيضا الخداع.الكاتب مقتنع بان الصورة لم تأت كخصم لدود للكلمة وان بدا ذلك في النظرة الأولى, إلا ان العرب كانوا يقولون في أمثالهم ان النظرة الأولى حمقاء بمعنى أنها تكتفي بسطح الأشياء أو قشرتها, ولا تسبر الدلالات الخفية الكامنة خلف القشرة المراوغة, يرى الكاتب " ان الصورة جاءت لتثري الكلمات لا لتحل محلها, وما الطغيان الراهن للصورة سوى طغيان ظاهري ومؤقت, فالكلمات تعود الآن مصاحبة للصور في شكل رسائل وعناوين فرعية وإعلانات بالكلمات موجودة تحت الصور على شاشات التلفزيون, لكنها تتزايد تدريجيا", ولا يستبعد الكاتب عودة الكلمات إلى درجة التوازن مع الصور, فالكلمة والصورة مثل الروح والجسد حياتهما الفاعلة باتحادهما.
لا يحمل المؤلف نظرة سلبية أو مستخفة بالصورة ولا يعتبرها دون الكلمة مستوى, بل يعتبر ان الصورة ولا سيما الصورة التلفزيونية تقوم بدور متين في ثبات القيم, وخصوصا الشعبية التي هي بمثابة عصب الأمم. ان الإعلام وليس الصورة هو المسؤول عن تشويه سمعة الصورة ان كان لها من سمعة سيئة, فالصورة بريئة, ولا يمكن لها إلا ان تكون بريئة والمشكلة ليست في الصورة وإنما في العين وهذا ما يشير إليه جومبريتش المؤرخ الفني الحصيف حين يقول:" إن العين ليست بريئة والاعتقاد ببراءتها هو أسطورة". كل التنديدات بالصورة ليست في الحقيقة تنديدا بالصورة بقدر ما هي تنديد بطريقة استغلال الصورة, فلا يمكن لنا ,على سبيل المثال ,أن نلغي الشعر لوجود قصائد هجائية, أو نلغي النثر لوجود كتابات تنحو صوب الهزل أو السخف أو الكلام المكشوف. يطالب شاكر عبد الحميد ان تدرس الصورة, بحسناتها وسيئاتها, بما لها وما عليها, فالنقاد حين يعتبرون ان ارتفاع معدل الجريمة سببه طغيان الصور يقومون بخلط رهيب بين الأدوات والناس, الإنسان ليس صورة والصورة ليست إنسانا, ويجب علينا ان نمعن النظر في جوانب الصورة المضيئة ودورها الرائد في التربية والتعليم, وفي الطب المرئي كالعمليات الجراحية التي يرى صورها المرضى والأطباء وطلاب الطب, كما يمكن ان نشير أيضا إلى المحاولات التي ينكبّ عليها العلماء للوصول إلى إنجاز عمليات جراحية عبر صور الأقمار الصناعية, أو محاولة تظهير آخر صورة في عين الميّت, كما علينا ان ننظر إلى حسناتها وفوائدها الجمة في تنشيط عمليات الانتباه والإدراك والتذكر والتصوّر الذهني والتخيل البنّاء.
الأسرع في زمن السرعة هو الأقوى. والثروة والسلطة, كما يقول بول فيرليو, رهينتان بالسرعة. واليوم, الأقوى هو الأسرع في نقل المعلومات... والأسرع أيضا في نقل الصورة.ويمكن لفت النظر هنا إلى ان كلمة" السبق" في الصحافة تتضمّن, جذريّا, دلالة السرعة, والحياة سباق محموم.
إن الكتاب ليس وقفا على الصورة التلفزيونية, وان تناولها بتفصيل مشوق بسبب كونها هي الأغلب, حيث انها تتواجد في كل بيت، بل أصبحت تتواجد في المقاهي والمحلات كعنصر لا غنى عنه, إلا انه يعتبر ان الكمبيوتر هو المسؤول الحقيقي عن هذا الانفجار الكبير للصور, ويشير إلى آراء خبراء الكمبيوتر بأنه خلال العقد الأوّل من هذا القرن سيحدث الاتحاد أو الدمج التام بين تكنولوجيا الكمبيوتر وتكنولوجيا التلفزيون في جهاز جديد يسمى الكمبيوتر المرئي"teleputer".
ان الكتاب غني وذكر عناوين فصول الكتاب يضيء الزوايا الكثيرة للصورة في كتابه, وهي احد عشر فصلا تشير إلى موسوعيّة الكتاب وشموليته فهو يبدأ بـ" مقدمة في علم الصورة", ثم يلتفت إلى " الصور والمخ والتفكير", ومن بعد يعرّج على " فلاسفة الصورة" بدءا من أفلاطون ومرورا بميشيل فوكو وكلامه عن إمبراطورية النظرة المحدقة, وينتهي بقراءة لكتاب رجيس دبريه "حياة الصورة وموتها" ثم يتناول " الدراسة النفسية للصور", و يعرّج إلى "الصورة في الأدب" ووظيفتها في السرد البصري,ويتوقف عند بعض من كبار الأدباء أمثال بروست وحاسة الإبصار في أدبه ثم يستعرض "الصورة في الفنون التشكيلية" ويدرس كيف ان الفن التشكيلي تطور وتغير وتنوعت اتجاهاته ومدارسه بسبب دخول شيء جديد على خط الفنون التشكيلية وهو آلة التصوير الفوتوغرافية, وكان تأثيرها قويا, تماما كتأثير السينما على المسرح, أي تأثير الأبناء في الآباء وليس تأثير الآباء في الأبناء, ألسنا في زمن يؤثر فيه الحاضر على الماضي وليس العكس فقط؟ ويتناول الكتاب هذه المسألة في فصل"الصورة السينمائية", ثم يتكلم على " الصورة وفنون الأداء", و ينظر إلى"الصورة والحالة الجسمية والنفسية للإنسان" وصولا إلى "الصورة في عصر العولمة" وينتهي إلى"الايجابيات والسلبيات" في خلاصة دسمة عن ثقافة الصورة, وعن العلاقة الخطأ مع الصورة في بلادنا حيث ثقافتنا الصورية ثقافة مستعارة, منسوخة بل ممسوخة تقوم بالجزء الأكبر منها على التقليد الحرفي البغيض والتكرار الباهت.
من سلبيات الصورة ان عالمها الافتراضي أكثر عنفا من واقع الحال بناء لدراسة ميدانية قام بها جورج جيربنر وزملاؤه حول ما يحدثه التلفزيون في الولايات المتحدة الاميركية من تغييرات على مستوى التعامل مع الواقع, من خلال عدد ساعات المشاهدة. فالذين لا يمنحون التلفزيون أكثر من ساعتين من حياتهم يوميا يغايرون في النظرة للحياة أولئك الذين لا تقل مشاهدتهم للتلفزيون عن أربع ساعات, فالمكثرون نظرتهم للحياة قاتمة, والعالم في نظرهم مرعب, ويعبرون عن اتجاهات تعصب عرقي أكثر, ويعتقدون ان المرأة ذات قدرات واهتمامات محدودة مقارنة بالرجال, ويمتلكون وجهات نظر متطرفة, ويعلق جيربنر على ذلك بقوله ان نظرة الأمريكيين المكثرين من المشاهدة تعكس صورة غير دقيقة عن الحياة الأمريكية, صورة افتراضية تستقى من برامج التلفزيون, إلا انها صورة تؤخذ على محمل الجدّ, ومن هنا مكمن خطورتها.
ومن إيجابيات الصورة انها تستخدم اليوم للعلاج من أمراض نفسية وجسدية عديدة ويذكر الدكتور عبد الحميد شاكر قصة شاعر مغمور, يدعى جيليت بيرجيس حيث ذهب مصادفة إلى محاضرة غيرت حياته المحبطة والكئيبة, فقد طلب المحاضر بداية من الحضور ان يضحكوا, فضحك بيرجيس معهم, وتحول الابتسام والضحك لديه إلى أداة فعالة في مواجهة ضغوط حياته, قام بعد ذلك بقطع صورة وجه يبتسم من إحدى المجلات ثم وضعها على جدار في غرفته, و في كل مرة كان ينظر فيها إلى صورة ذلك الوجه الباسم كان يبتسم أيضا, فراح يجمع صورا عدة لأشخاص يبتسمون ويضحكون فتجمع لديه البوم صور وجوه ضاحكة, وعندما عرض الألبوم على إحدى الممرضات في احد المستشفيات ضحكت, وأخذت الكتاب إلى الأطباء فضحكوا. واستمر بيرجيس يجمع الصور الضاحكة ويشكل منها البومات يرسل بها إلى أصدقائه الذين يعانون متاعب وأزمات, وفي كل مرة كانت تصل إليه إفادات بانّ أحوالهم قد تحسّنت, وهكذا تكون صور بسيطة كافية لعلاج حالات معقّدة.
حالة الشاعر جيليت بيرجيس تعني أن الصورة عن الصورة ليست قاتمة تماما كما يرى أصحاب النظارات السوداء.
نشرت المقالة في جريدة الشرق الأوسط على الرابط التالي:
يقوم الكاتب شاكر عبد الحميد برصد وتصوير نعيم الصورة وجحيمها في كتابه الممتع عن "عصر الصورة, السلبيات والايجابيات", الصادر في الكويت ضمن سلسلة "عالم المعرفة", وللكاتب خبرة نفسية وفنية عالية تخوله الدخول في متاهات الصور وغاباتها, ويأخذنا معه بسلاسة مقتدرة إلى دهاليز" الكتابة بالضوء", وهو المعنى الحرفي لكلمة "فوتوغرافي".
يعالج الكاتب الصورة من شتى مناحيها, يقلب النظر في أنماط الصور, كما يقلب النظر في تاريخها واثرها في حياة البشر. لا ينكر عبد الحميد التباس دور الصورة, إلا انه يحاول ان يكون حياديا في تناوله لهذه الظاهرة مما يجعله متفائلا بخلاف كثيرين يعتبرون عصر الصورة أشبه بلعنة ملونة ممتدة.
ثمة مقولة ان التلفزيون يأكل الكتاب ويشتت المعرفة وينهي زمن الكتابة الرغد. يردد هذه المقولة الكثير من المفكرين وغير المفكرين ( أليس للتلفزيون تسميات كثيرة في بلادنا منها كلمة دالة وهي "المفسديون"؟ّ) . يذكر الدكتور شاكرعبد الحميد هذه المقولة إلا انه لا يتبنّاها فهي برأيه مقولة ترى المشهد بعدسة واحدة وثابتة، في زمن العدسات المتحركة والمتعددة, وهو فيما يبدو يحبّ تقليب النظر ورؤية الأمور التي يتناولها من وجهات نظر كثيرة حتى لا تظلم وجهة من هذه الوجهات. يعتقد البعض, كما يقول, “ان التلفزيون سيحل محل الكلمات فيكون هو العامل الأساسي في التخاطب الاجتماعي, وان دور الكلمات سيكون مقتصرا على المخاطبات المكتبية, وعلى طباعة الكتب التي سيصبح قراؤها محدودي العدد بدرجة كبيرة, وان القراءة ستتراجع لمصلحة المشاهدة, وذلك لان الرؤية البصرية تتطلب عمليات معرفية اقل من القراءة". يعقّب المؤلف على هذه النظريّة بقوله:" انها قاصرة وليست شاملة أو عميقة فصحيح ان عمليات المشاهدة والرؤية والمتابعة والاستخدام للصور تتزايد, لكن القراءة لا تتراجع بهذا الشكل الذي جرى توقعه, ويكفي ان نراجع أرقام مبيعات كتب كثيرة على شبكة الانترنت, وفي موقع شركة "أمازون" مثلا لنرى كيف تباع ملايين النسخ من كتب عديدة وكذلك كيف يقف الناس أحيانا في طوابير لشراء بعض الكتب".
يرى عبد الحميد ان الذين يرون فجوة أو يريدون خلق خصام بين الكلمة والصورة إنما يمارسون ضربا من الاذيّة بحق الصورة وحق الكلمة على السواء. لا يجوز ان يكون حبّ الكلمة أعمى إلى حد يمنع من رؤية الصورة. فالصورة والكلمة ليس بينهما أي نوع من التوتر, هذا الوئام بينهما قد يذكرنا ببعض المخطوطات العربية المنمنمة لمقامات الحريري حيث نرى صور الواسطي ترافق كلمات الحريري من دون ان يتصارعا على ورق المخطوطة. وكل المخطوطات المصورة العربية والغربية تشير إلى هذا التوحد الحميم. يرى المؤلف ان هناك تكاملا بين التفكير بالصورة وبين التفكير بالكلمة, والقول بان المشاهدة تتطلب أنشطة معرفية اقلّ مردود ولا يستقيم مع وقائع العمليات المعرفية كالإدراك والذاكرة والتخيل والتفكير المنطقي وغيرها من العمليات التي تتطلبها عملية قراءة الصور .الصور كالنصوص قابلة للقراءة والتأويل وأيضا الخداع.الكاتب مقتنع بان الصورة لم تأت كخصم لدود للكلمة وان بدا ذلك في النظرة الأولى, إلا ان العرب كانوا يقولون في أمثالهم ان النظرة الأولى حمقاء بمعنى أنها تكتفي بسطح الأشياء أو قشرتها, ولا تسبر الدلالات الخفية الكامنة خلف القشرة المراوغة, يرى الكاتب " ان الصورة جاءت لتثري الكلمات لا لتحل محلها, وما الطغيان الراهن للصورة سوى طغيان ظاهري ومؤقت, فالكلمات تعود الآن مصاحبة للصور في شكل رسائل وعناوين فرعية وإعلانات بالكلمات موجودة تحت الصور على شاشات التلفزيون, لكنها تتزايد تدريجيا", ولا يستبعد الكاتب عودة الكلمات إلى درجة التوازن مع الصور, فالكلمة والصورة مثل الروح والجسد حياتهما الفاعلة باتحادهما.
لا يحمل المؤلف نظرة سلبية أو مستخفة بالصورة ولا يعتبرها دون الكلمة مستوى, بل يعتبر ان الصورة ولا سيما الصورة التلفزيونية تقوم بدور متين في ثبات القيم, وخصوصا الشعبية التي هي بمثابة عصب الأمم. ان الإعلام وليس الصورة هو المسؤول عن تشويه سمعة الصورة ان كان لها من سمعة سيئة, فالصورة بريئة, ولا يمكن لها إلا ان تكون بريئة والمشكلة ليست في الصورة وإنما في العين وهذا ما يشير إليه جومبريتش المؤرخ الفني الحصيف حين يقول:" إن العين ليست بريئة والاعتقاد ببراءتها هو أسطورة". كل التنديدات بالصورة ليست في الحقيقة تنديدا بالصورة بقدر ما هي تنديد بطريقة استغلال الصورة, فلا يمكن لنا ,على سبيل المثال ,أن نلغي الشعر لوجود قصائد هجائية, أو نلغي النثر لوجود كتابات تنحو صوب الهزل أو السخف أو الكلام المكشوف. يطالب شاكر عبد الحميد ان تدرس الصورة, بحسناتها وسيئاتها, بما لها وما عليها, فالنقاد حين يعتبرون ان ارتفاع معدل الجريمة سببه طغيان الصور يقومون بخلط رهيب بين الأدوات والناس, الإنسان ليس صورة والصورة ليست إنسانا, ويجب علينا ان نمعن النظر في جوانب الصورة المضيئة ودورها الرائد في التربية والتعليم, وفي الطب المرئي كالعمليات الجراحية التي يرى صورها المرضى والأطباء وطلاب الطب, كما يمكن ان نشير أيضا إلى المحاولات التي ينكبّ عليها العلماء للوصول إلى إنجاز عمليات جراحية عبر صور الأقمار الصناعية, أو محاولة تظهير آخر صورة في عين الميّت, كما علينا ان ننظر إلى حسناتها وفوائدها الجمة في تنشيط عمليات الانتباه والإدراك والتذكر والتصوّر الذهني والتخيل البنّاء.
الأسرع في زمن السرعة هو الأقوى. والثروة والسلطة, كما يقول بول فيرليو, رهينتان بالسرعة. واليوم, الأقوى هو الأسرع في نقل المعلومات... والأسرع أيضا في نقل الصورة.ويمكن لفت النظر هنا إلى ان كلمة" السبق" في الصحافة تتضمّن, جذريّا, دلالة السرعة, والحياة سباق محموم.
إن الكتاب ليس وقفا على الصورة التلفزيونية, وان تناولها بتفصيل مشوق بسبب كونها هي الأغلب, حيث انها تتواجد في كل بيت، بل أصبحت تتواجد في المقاهي والمحلات كعنصر لا غنى عنه, إلا انه يعتبر ان الكمبيوتر هو المسؤول الحقيقي عن هذا الانفجار الكبير للصور, ويشير إلى آراء خبراء الكمبيوتر بأنه خلال العقد الأوّل من هذا القرن سيحدث الاتحاد أو الدمج التام بين تكنولوجيا الكمبيوتر وتكنولوجيا التلفزيون في جهاز جديد يسمى الكمبيوتر المرئي"teleputer".
ان الكتاب غني وذكر عناوين فصول الكتاب يضيء الزوايا الكثيرة للصورة في كتابه, وهي احد عشر فصلا تشير إلى موسوعيّة الكتاب وشموليته فهو يبدأ بـ" مقدمة في علم الصورة", ثم يلتفت إلى " الصور والمخ والتفكير", ومن بعد يعرّج على " فلاسفة الصورة" بدءا من أفلاطون ومرورا بميشيل فوكو وكلامه عن إمبراطورية النظرة المحدقة, وينتهي بقراءة لكتاب رجيس دبريه "حياة الصورة وموتها" ثم يتناول " الدراسة النفسية للصور", و يعرّج إلى "الصورة في الأدب" ووظيفتها في السرد البصري,ويتوقف عند بعض من كبار الأدباء أمثال بروست وحاسة الإبصار في أدبه ثم يستعرض "الصورة في الفنون التشكيلية" ويدرس كيف ان الفن التشكيلي تطور وتغير وتنوعت اتجاهاته ومدارسه بسبب دخول شيء جديد على خط الفنون التشكيلية وهو آلة التصوير الفوتوغرافية, وكان تأثيرها قويا, تماما كتأثير السينما على المسرح, أي تأثير الأبناء في الآباء وليس تأثير الآباء في الأبناء, ألسنا في زمن يؤثر فيه الحاضر على الماضي وليس العكس فقط؟ ويتناول الكتاب هذه المسألة في فصل"الصورة السينمائية", ثم يتكلم على " الصورة وفنون الأداء", و ينظر إلى"الصورة والحالة الجسمية والنفسية للإنسان" وصولا إلى "الصورة في عصر العولمة" وينتهي إلى"الايجابيات والسلبيات" في خلاصة دسمة عن ثقافة الصورة, وعن العلاقة الخطأ مع الصورة في بلادنا حيث ثقافتنا الصورية ثقافة مستعارة, منسوخة بل ممسوخة تقوم بالجزء الأكبر منها على التقليد الحرفي البغيض والتكرار الباهت.
من سلبيات الصورة ان عالمها الافتراضي أكثر عنفا من واقع الحال بناء لدراسة ميدانية قام بها جورج جيربنر وزملاؤه حول ما يحدثه التلفزيون في الولايات المتحدة الاميركية من تغييرات على مستوى التعامل مع الواقع, من خلال عدد ساعات المشاهدة. فالذين لا يمنحون التلفزيون أكثر من ساعتين من حياتهم يوميا يغايرون في النظرة للحياة أولئك الذين لا تقل مشاهدتهم للتلفزيون عن أربع ساعات, فالمكثرون نظرتهم للحياة قاتمة, والعالم في نظرهم مرعب, ويعبرون عن اتجاهات تعصب عرقي أكثر, ويعتقدون ان المرأة ذات قدرات واهتمامات محدودة مقارنة بالرجال, ويمتلكون وجهات نظر متطرفة, ويعلق جيربنر على ذلك بقوله ان نظرة الأمريكيين المكثرين من المشاهدة تعكس صورة غير دقيقة عن الحياة الأمريكية, صورة افتراضية تستقى من برامج التلفزيون, إلا انها صورة تؤخذ على محمل الجدّ, ومن هنا مكمن خطورتها.
ومن إيجابيات الصورة انها تستخدم اليوم للعلاج من أمراض نفسية وجسدية عديدة ويذكر الدكتور عبد الحميد شاكر قصة شاعر مغمور, يدعى جيليت بيرجيس حيث ذهب مصادفة إلى محاضرة غيرت حياته المحبطة والكئيبة, فقد طلب المحاضر بداية من الحضور ان يضحكوا, فضحك بيرجيس معهم, وتحول الابتسام والضحك لديه إلى أداة فعالة في مواجهة ضغوط حياته, قام بعد ذلك بقطع صورة وجه يبتسم من إحدى المجلات ثم وضعها على جدار في غرفته, و في كل مرة كان ينظر فيها إلى صورة ذلك الوجه الباسم كان يبتسم أيضا, فراح يجمع صورا عدة لأشخاص يبتسمون ويضحكون فتجمع لديه البوم صور وجوه ضاحكة, وعندما عرض الألبوم على إحدى الممرضات في احد المستشفيات ضحكت, وأخذت الكتاب إلى الأطباء فضحكوا. واستمر بيرجيس يجمع الصور الضاحكة ويشكل منها البومات يرسل بها إلى أصدقائه الذين يعانون متاعب وأزمات, وفي كل مرة كانت تصل إليه إفادات بانّ أحوالهم قد تحسّنت, وهكذا تكون صور بسيطة كافية لعلاج حالات معقّدة.
حالة الشاعر جيليت بيرجيس تعني أن الصورة عن الصورة ليست قاتمة تماما كما يرى أصحاب النظارات السوداء.
نشرت المقالة في جريدة الشرق الأوسط على الرابط التالي:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق