كنت قد قرأت، ذات يوم، عبارة للأديب الفرنسي الشهير
آنْدْريهْ جِيْدْ عن علاقته ببلده وعن المكان الذي تطيب له فيه الإقامة. إذ سئل:
أين تحبّ أن تعيش؟ لم يقلْ: أحبّ أن أعيش
في بلدي مثلاً أو في مسقط رأسي استغنى عن التعابير الشائعة والمألوفة واستخدم
خياله الأدبيّ في إيجاد جواب نابع من نظرته للحياة. قال لسائله: أحبّ أنْ أعيش حيث
أحبّ أن أموت. كان القصد من إجابته انه يحبّ أن يموت في بلده بمعنى انه كان يحبّ
أن يعيش في بلده ليؤمن دفناً لائقاً لجثمانه. كان أكثر ما يخشاه أن يتشرّد جثمانه
في مقبرة الغرباء. فالفترة التي يقضيها الإنسان حيّا، ولو عمّر ما عمّر نوح، أقصر بكثير من الفترة التي يقضيها ميتاً! عدد
لا بأس به من الناس لا يتبنون كلمات أندريه جيد بحذافيرها، فهم لا يعيشون، خلال
حياتهم، في أوطانهم، تفرض عليهم ظروف اقتصادية أو حروب عبثية لأسباب عرقية أو
دينية الهروب بأرواحهم إلى أمكنة آمنة، ولكنهم حين يصلون إلى مراحل العمر الأخيرة
يغادرون المغتربات تمهيداً لتطبيق النصف الأخير من عبارة أندريه جيد. وبعضهم
يجيئهم الموت، على حين غرّة، في مغتربهم ولكنهم يكونون قد احتاطوا للأمر إذ يدونون
في وصاياهم رغبتهم في عودة جثامينهم إلى أوطانها لتدفن في تراب وطن لم يعرفوا
قيمته (أو يعرف قيمتهم) إلاّ بعد أن تخلت أرواحهم عن أبدانهم، وكأنّ الوصيّة كفّارة عن غربة.
ولكن الغربة فريضة، في الأقلّ، على الإنسان المسلم، إذ لا
تكتمل شعائر دينه إلا بالاغتراب، بتوديع الأهل وتحمّل مشقّات السفر، والانتقال من
مكان النشأة إلى شعاب مكّة، أي أنّ السياحة هي بشكل من الأشكال فريضة إسلامية
بامتياز تجسّدها مفردة "الحج". ألم يكن مبتدأ رحلة ابن بطوطة المديدة
القيام بفريضة الحجّ؟
المرء لا يطيق أن
يبقى بعيداً عن بلده، شعور غريب حارق يتلبس المهاجر. والهجرة في العربية ذات جذر ملتهب المعنى إذ ارتبط مدلولها بهاجرة النهار، لحظة
يتفحّم ظلّ المرء على الرمل، من حرارة الصحراء. وفي الأدب العربي وغيره من آداب
الدنيا ما يعرف بأدب "الحنين إلى الأوطان"، وللجاحظ رسالة صغيرة جميلة
بهذا العنوان، ولناثر القرن العشرين أمين نخلة كتاب لطيف جدّا بعنوان:" أوراق
مسافر".
سأتناول هنا نقطة واحدة موجعة عن الغربة، من خلال أربعة
أبيات شعرية عن إياب مغترب إلى قريته. كلمات لا تحكي عن فرحة اللقاء وإنما عن رسوخ
الإحساس بالخسارة بشكل طريف وأليم، شعوره بالخسارة لسنوات طويلة قضاها خارج بلده.
والأبيات لواحد من كبار الشعراء الصينيين وهو "خُهْ دْجُهْ دْجانْغْ" he zhi zhang(659-744) من عهد سلالة تانغ ( عاصر الشاعر العربي بشّار بن بُرْد).
العنصر الصوتيّ في الأبيات بديهة علمية لمن هو على اتصال بعلم اللغة الاجتماعيّ أو
بعلم الأصوات. الإنسان يعدّل، بشكل لا شعوري، يوميّاً من لهجته. لغته تتغير كما
يتغيّر هو تماماً وان كان من الصعب جدّا رؤية حركة التحوّلات الصوتية على لسانه
كما من الصعب رؤية التحوّلات التي طرأت على جسده خلال أربع وعشرين ساعة. حركة
اللغة شبيهة بحركة عقرب الدقائق أو الساعات. حركة لا تلقطها العين بخلاف حركة عقرب
الثواني. من هنا لا يلحظ أحد مرور التحوّلات الخفيّة على لسانه لأنه يعيش معه
يوميّا، ويعيش مع زملاء لسانه، أيضاً، يومياً. الشاعر الصيني تكلّم عن الغربة من
باب توصيف لسانه أو بالأحرى لهجته. فالمرء حين يهاجر أو يذهب إلى مكان آخر يفصل
لسانه عن البيئة التي يمارس فيها نشاطه الصوتي الطبيعيّ. وبمجرّد فصله عن البيئة،
فإنّ لغته تبقى ولكن تتوقف عن الحركة. لأن حركتها تستمدها من بيئتها اللغوية
نفسها. انفصالها عن البيئة يوقف عقارب زمانها، بشكل من الأشكال، ولكن تظلّ ساعة،
ما دمت قد استعرت الساعة للتعبير عن حركة اللغة، وإنْ متوقفة عند لحظة معينة هي
لحظة الانفصال عن بيئتها الصوتيّة. كلّ شيء تغيّر بعد عودته إلى بلاده لم يتغيّر
هو فقط وإنّما تغير أيضاً لسان القرية. وليس هناك أصدق من الصغار في التعبير عن
العلاقة الخالصة مع اللغة. إذْ لا خلفيات إيديولوجية تتحكم في تعليقاتهم على ألسنة
الآخرين. وهنا استطرد لأذكر كيف كان ردّ فعل ابني وهو في بداية اكتسابه اللغة حين
تكلّمت معه، ذات يوم، بالفصحى على أمل تدريب أذنيه على سماع لغة الكتابة قال لي:
"بابا حْكي منيح". لم يكن كلامه وليد موقف سلبيّ من الفصحى، ولكنْ موقف
صادق عفويّ وفطريّ مع أذنيه.
وصل الشاعر "خُهْ" إلى مسقط رأسه بعد سنوات من
الغربة، واستوقفه في مداخل القرية أطفالها واكتشفوا من لهجة صوته انه غريب عن أهل
القرية! قريته التي فارقها في ريعان الشباب. يقول
يافعاً غادرت قريتي، وعجوزاً رجعت.
لهجتي لم تتغيّرْ، ولكنْ تساقط شعر
رأسي.
الأطفال الذين التقوا بي في القرية لم
يتعرّفوا عليّ.
ابتسموا في وجهي سائلين: أيها الزائر
الغريب، من أين أنت؟
النص الأصل في اللغة الصينية:
النص الأصل في اللغة الصينية:
贺知章
少小离家老大回,
乡音无改鬓毛衰。
儿童相见不相识,
笑问客从何处来
少小离家老大回,
乡音无改鬓毛衰。
儿童相见不相识,
笑问客从何处来
لم
يبق من قريته التي غابت في عيون الأطفال إلاّ لهجته التي لم تعد لهجة فتيان
القرية. والكاتب لم يفصّل أحاسيسه ولا سيّما إنّ من سمات الشعر الصينيّ الكلاسيكيّ
أنْ يترك للقارىء إتمام بناء المعنى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق