الاثنين، 23 يوليو 2018

ابو حيّان التوحيدي ومقاطع من " الإشارات الإلهية"


المنطق اللعوب

قراءة كتاب " الإشارات الإلهيّة" لأبي حيّان التوحيديّ متعة للروح والقلب والعقل. فهو من " مرقصات" التوحيديّ، و" مسكراته". وفي العربية كتاب بعنوان "المرقصات والمطربات" لابن سعيد الأندلسيّ  وهو عبارة عن مختارات من تراث العرب تسكر قارئها بخمر لا غول فيها تشبه خمر ابن الفارض!

ومن حسن حظّ الأدب العربيّ والفكر الإسلاميّ أنّ رغبة أبي حيّان التوحيديّ لم تتحقق من وراء حرقه لكتبه إذ إنّه قام بحرقها ضنّاً بها على من لا يعرف قدرها، ولكنّه قد أحرق النسخ التي لديه غير أنّ ما فرّ من يديه قد سلم بحمدالله من عبث النار الأكول.

وفي كلّ كتب أبي حيّان متعة كاملة الدسم، بدءا بـ" الإمتاع والمؤانسة" مروراً بـ "المقابسات"، و"البصائر والذخائر" فـ"الصداقة والصديق" و"الهوامل والشوامل" ( بالشراكة مع مسكويه)، و"أخلاق الوزيرين". ولكن سأقتبس، في هذا المقال، فقرة غير قصيرة من كتابه البديع "الإشارات الإلهيّة" بغية الكلام على شيء آخر هو أشبه بتفصيل لما تناوله التوحيديّ. وما سأتكلّم عنه وارد في كتاب فرنسيّ طريف بعنوان "الاستراتيجيّات العبثية Les stratégies absurdes" للكاتبة مايا بوفاليه Maya BEAUVALLET. وأرجو أن يُقرأ ما سأحكيه عن عبثية الاستراتيجيّات على ضوء كلمات التوحيديّ، فهي، في ظنّي، حفر وتنزيل. إليك عزيزي القارىء، بداية، نصّ التوحيديّ، وهو نصّ يُرتشف ويُمزمز:

" أيّها السامع الحبيب! ليس كلّ من رقد حلم بما يريد. ولا كلّ من مدّ يده نال ما طلب، ولا كلّ من ادعى سُلّم له دعواه.  ولا كلّ من دعا أُجيب. ولا كلّ من قرع الباب دخل. ولا كلّ من استعُفيَ أُعفي. ولا كلّ من قال: بدا لي تُركَ. ولا كلّ من استرحم رُحم. ولا كلّ من تعرّض استُخدم. ولا كلّ من وصل ودّ. ولا كلّ من سأل حُرم. ولا كلّ من ألحف أُعطي. ولا كلّ من بكى أُرضي. ولا كلّ من خطب زُوّج. ولا كلّ من ملك تُوّج. ولا كلّ من رجا أدرك. ولا كلّ من مُنِع  خاب. ولا كلّ من قُدِّمَ  فقد أُكرم. ولا كلّ من أُخِّرَ فقد أُهين. ولا كلّ من سبح غرق.  ولا كلّ من خُوِّفَ  فرِق. ولا كلّ من توسّل قُبل، ولا كلّ من التمس نُوّل. فلا العلم باختلاف الأحوال نافع، ولا الجهل به ضارّ، بل ربّما ضرّ العلم، وربّما نفع الجهل، وربّما بعد الداني، وربّما قرب النائي. فليس لشيء ممّا تراه عينك منهاج، ولا لذي لبّ به سرور ابتهاج. وهذا كله لقدرة صادرة عن غيبِ مشيئةٍ، ولمشيئة نافذة واردة عن شهادة قدرة، ولحكمة خافية في آفاق المملكة، وأحكام جارية على اصناف الخليقة، واسرار مجهولة عند البحث والحقيقة. والأقوال في وصف تشاكلها وتباينها مختلفة. فلا جرم، لا سرّ الاّ وهو متّهم، ولا قائل إلاّ وهو متوهّم ]...[ ولا عالم إلاّ وهو جاهل، ولا عاقل إلاّ وهو ذاهل، ولا آمن إلاّ وهو واهل".

متأمّل النصّ يجده يعطيك عكس ما تتوقّع، فـ" الفرحات مطوية في الترحات، والترحات مبنيّة على الفرحات" كما يرد في مكان آخر. الحياة تهزأ بالمنطق، وتسخر، أحياناً من الخطط المحكمة. وقد تحمل لك العلل العاتية صحّة نائية، كما قد يُؤتى الحذر من مأمنه، وللمتنبيّ في أحد أبياته ما يصبّ في هذا الغرض إذ يقول:

لعلّ عتْبك محمود عواقبه   وربّما صحّت الأجسام بالعلل

أعود الى مايا بوفاليه التي تنقل لنا أخباراً عن أمور كثيرة تخيّب ظنّ الاستراتيجيّين رغم ان الظاهر يدعو للتفاؤل أو وقطف الثمرات المتوخّاة. تقول مايا بوفاليه ان البروفسير في الاقتصاد ريتشارد تيتموسRichard TITMUSS  قارن بين نظام التبرع بالدم في اميركا وفي بريطانيا، الملاحظة الأولى هي ان التبرع بالدم، أغلب الاحيان، في اميركا، كان مقابل مكافأة مادية، بينما التبرع بالدم في بريطانيا كان مجانيا، ومع هذا فإنّ اميركا كانت تشكو من نقصان الدم باستمرار بخلاف بريطانيا. قد يظنّ البعض أنّ المال يغري بالتبرّع، إلاّ أنّ الحقيقة بخلاف ذلك، فحين تعطي بدلاً مادياً للتبرّع بالدم، فإن التبرع يتقلّص. الانسان تدفعه انسانيته، أخلاقه، تضحياته، تعاطفه إلى التبرّع بالدم ولكن حين تعطيه بدلاً فأنت بذلك تحرمه من ممارسه هذه الرغبة الإنسانية المكنونة في كثير من الناس. فالحبّ سخاء، والتبرّع بالدم نوع من الحبّ الإنسانيّ. إنّما نتبرّع ، يقول لسان حال المتبرّع، لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً. الجزاء يهدم، لهذا وجدت اميركا ان سحب البدل المادي هو الحلّ لعدم نقصان الدم.

وتنقل الكاتبة حكاية ثانية عن مركز حضانة كان يعاني موظفوه من تأخر الأهل في استحضار ابنائهم، لذا قرّرت الإدارة وضع عقوبة مالية على كلّ عشرة دقائق تأخير لحثّ الأهل على الوصول في الوقت الموعود لأخذ ابنائهم، الاّ انّ النتيجة كانت خلاف المتوقّع، لاحظت الإدارة زيادة عدد من يتأخّر من الأهل. النتيجة كانت عكسيّة تماماً، والسبب المشاعر. لا أحد يمكن أن يتنبّأ بشكل آلي ومنطقيّ بردود أفعال المشاعر. كان باسكال يقول: للقلب منطق لا يعرفه منطق العقل، اي ان المنطق، عملياً، منطقان بل قد يكون أكثر من ذلك، فللمزاج أيضا منطق خاص به، منطق متلوّن، متغيّر خاضع للسياقات والأوقات. كان الأهل يأتون مسرعين معتذرين للتأخر، تغير حالهم، صاروا يأتون متأخرين من غير حاجة للاعتذار او شعور بتأنيب الضمير في تأخير الموظفين، فالتأخير له ثمن، وهذا الثمن أراح الأهل بدلا من أن يزعهجم صاروا يتأـخرون على راحتهم ما دام الأجر مدفوعاً. لقد وقعت ادارة المدرسة في ما هربت منه. انتبهت الإدارة الى ما ارتكبته من خطأ في التقدير فعادت سيرتها الأولى إلا أنّ الأهل لم يعودوا سيرتهم الأولى، اعتادوا التأخير ولكن هذه المرّة من دون شعور بالإحراج!

وتروي الكاتبة حكاية مدير شركة قرّر تحسين عمله فقام بتنظيم منافسة بين موظفيه ومنح الفائز في المنافسة مكافأة. كانت النتيجة ان الشركة بدأت بالتعثّر والسبب ان بعض الموظفين صاروا يضعون عصيّاً في دواليب الموظفين المرجّح فوزهم بالمنافسة. ان الفوز في سباق ركض، مثلاً، متعدّد الطرق، فقد تفوز بطريقة مشروعة وهي ان تكون أسرع من غيرك، ولكن هذا وحده لا يكفي، فقد يفوز عليك من ينصب أمام قدميك الفخاخ الخفيّة.

كثيرا ما يحدث ما هو غير متوقّع فيقلب الأمور ظهراً لبطن. لم يكن أحد يتوقّع غرق التايتانيك ولكنّها غرقت، وكذلك لم يخطر ببال أحد أن تغرق البارجة الحربية " فازا" التي أمر ببنائها عام 1628 ملك السويد غوستاف الثاني، وكانت أعظم ما شيّد من بوارج حربية في ذلك الوقت. وقد استغرق العمل عليها ستّ سنوات من الجهد المتواصل، ولكنّها ما إن وضعت في الماء حتّى لعبت بأشرعتها الرياح وأغرقتها، وبقيت تحت الماء في مرفأ استوكهولم حوالي أربعمائة سنة. الحياة لها منطق يثير غيظ المنطق الأرسطيّ " فليس لشيء ممّا تراه عينُك منهاج" كما ورد على لسان أبي حيّان!

بلال عبد الهادي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق