الحياة أفكار. وللأفكار، في عالم يحترم ذاته وفكره، أسعار. وليس إهانة أو منقصة أو احتقارا تسعير الأفكار. فما كلّ مسعّر محتقر. البعض يعتبر أن الأفكار أمر مترفّع، شاعريّ، يفوق الوصف والثمن، في حين أن الأفكار شأنها شأن حاملها تحتاج لماء وغذاء وكساء، وإلاّ جفّ الدم في عروقها وماتت من الجوع أو العطش. كم فكرة خسرها العالم فقط لأنّها لم تجد من يحتضنها ويرعاها؟
وهل تموت فكرة؟
كلّ شيء فانٍ أو هو معرّض للفناء، إنها سنّة المنيّة. البعض يقول إن الفكرة التي
تولد ولا تمشي في الأسواق هي فكرة عقيمة، بلا قيمة. كلّ فكرة بذرة، وقد يكون موت
فكرة لعلّة في التربة أو في البذرة. ولكن من طبيعة الحياة الرائعة أن يختلف
الإنسان على صوابيّة فكرة ما أو خطئها، لامتناع الإجماع، الإجماع وهم يلذّ للإنسان تصديقه والتعامل معه على انّه
حقيقة مطلقة غير قابلة للمساءلة أو للمساومة.
أشير إلى أنّ الفرنسيّ جول فيرن “ Jules Verne ”، قصّاص الخيال العلميّ العفيّ،
كتب ما كان يعتبر من الخيال المحض، بل ما هو، في نظر البعض، عصيّ الإنجاز، وضرب من
الهرطقة الخياليّة، ومع هذا لم يقل له أحد إنك تافه أو أفكارك فاشلة لأنّها أفكار
من ورق، بل تركوا للزمن أن يحكم على أفكاره. وبدا، مع الوقت، أنّ خيال "جول
فيرن"، الكثير الأجنحة، كان، بالنسبة للراهن العلمي ، كسيحاً.
كلّ خيال، مهما
اشتدّ جماحه أو امتدّ جناحه، هو بالنسبة للمنتظَر العلميّ، خيال كليل، لأنّ الخيال
البشري يظلّ، مهما كان واسعاً، أضيق من خرم إبرة مقارنة بالمأمول العلميّ.واغلب
أحلام اليوم ليست اكثر من وقائع للغد. الأحلام الانسانيّة "بروفة"
واقعيّة.
بعض الناس يعجزون عن بناء قنطرة تصل ضفّة الواقع
بضفّة الخيال، ولا يرون وجه الشبه الخفيّ الذي يلمّ شملهما، فيبقى خيالهم مكبّل
القدمين أو أو معصوب العينين أو مقصوص الأجنحة، ولكن البعض الآخر يمزجون، بمهارة
كيميائية، بين خيالاتهم ومتطلّبات البشر الحقيقيّة أو الوهميّة (فليس بالحقيقة
وحدها يحيا الإنسان!). الإنسان يقتات الرمز كما يقتات الخبز.يطيب له مذاق التوهّم
كما يطيب له مذاق الأطباق الشهيّة، وليس من
حيلة تعصمه من لدغة الرمز، وهو – أي الرمز- قد يكون صورة، أو ورقة معطّرة بلقاء،
أو قميصاً يتشبّث برائحة عزيز غاب، الكلّ يعرف ماذا فعلت رائحة قميص يوسف بأنف
أبيه وعينيه. لا يمكن لنا أن نسم الأمور البسيطة بميسم التفاهة حتى وإن بدت كذلك
للناظر العابر. وثمّة مقولة تقول :" ليس هناك أشياء تافهة ولكنْ هناك أناس
تافهون"!
هذا ما انتبه
له أحد الفرنسيّين حين خطر بباله أن يبيع ما لا يباع ، أن يبيع الهواء. طبعا، من
السهل القول:إنّه مجنون، "عايش ع مهلو"، أو "عقلو زغير" أو
" ما عندو لا شغلة ولا عملة" أو "عندو فتلة" أو واحد"
بالو فاضي"...إلخ. من الجميل جدّا، في أيّ حال، سماع تعليقات الناس على
الأشياء، لأنّها لا تعبّر عنها بقدر ما تعبّر عن رؤية الإنسان نفسه لهذا الشيء أو
ذاك. معنى الأشياء ليس في الاشياء وانّما في عين الناظر.
اشتغل ذلك الفرنسيّ
لترويج بضاعته على الذاكرة والحنين والمشاعر والعواطف، وعلى علاقة الإنسان بوطنه.
لم يدلّل على بضاعته كأن يقول:"معنا هوا للبيع"، وإنّما ترك للذاكرة
وهشاشة النفس إزاء الذكريات القيام بمهمّة التشويق والتسويق.
والإنسان بلا
ذاكرة أو ذكريات كمن يعيش في جحيم مقيم.الذاكرة هي ذلك الخيط الذي يجمع ما تناثر
من حبّات العمر. ذاكرة ممحوّة تعني أنّ الإنسان الحيّ ممحوّ ليس له من الإنسانيّة
إلاّ الصورة الآدميّة. أيقن الفرنسيّ أنّ الإنسان كائن يعيش في نعيم الذاكرة،
فحياته معلّقة بخيوطها؛ إذ لا معنى، بلا ذكريات، لفرح أو حزن.
والإنسان، بحكم
ديناميّته، سوّاح أو مهاجر. بل هي ، في بعض الأحيان، أليس الحجّ فرضاً؟ والسياحة
من حيث الدلالة هي انتقال من مكان تعرفه الى مكان لا تعرفه.(ومن ينظر الى كتب
الرحلات: ابن بطّوطة، ابن جبير، ناصر
خسرو، يعرف أنّ الحج أثمر كتباً ممتعة في الجغرافيا البشريّة). والإنسان يلذّ له
الحنين، بل انه بلا حنين إنسان يشكو، لا محالة، من وعكة في الروح. والحنين علاقته،
بخلاف الحنان، مع الغياب لا مع الحضور. لا
يحتاج الحضور للحنين ولا للتذكّر. الغياب هو الذي يبتلي الإنسان بلذعة الحنين
ولسعة الذكريات؟
قال الرجل
الفرنسيّ: ولم لا أبيع هواء باريس بمثابة ذكرى؟ ألا نرى أشخاصاً، من فرط الحنين،
يقبّلون، قبل الأهل والخلاّن، أديم الأوطان لدى الإياب من غربة – كان بعض العرب
قديما يحملون في سفرهم شيئا من تراب الوطن بحسب ما ورد في رسالة الجاحظ
"الحنين الى الأوطان"-- أو يأخذون نفَساً عميقاً قبل توديعها. والنفَس
هواء، وأيّ مغترب لا يحبّ أن يتنفّس هواء بلاده وهواء الذكريات؟
كلّ ما فعله الفرنسيّ هو أنّه علّب الهواء كما العطر في
القوارير، مع نقش كلمات نثريّة جدّا على العلبة، ولكنْ لها فعل السحر،
وهي:"هواء باريس، ذكرى من فرنسا".
وتكفّلت شركات تسويق
الأفكار بإنجاز الفكرة وتوزيعها، معلّبة، على مخازن الهدايا والذكريات. هديّة بلا
رائحة أو طعم أو لون كالماء بالتمام والكمال، ولكنّها هديّة راج، فيما يبدو، سوقها
لاحتوائها على نكهة الذكريات. من يستغني عن قطرة ماء أو قطرة ذكريات؟
طبعاً،
"بيّاع الهوا" لم يرتكب إثماً تجاريّا، فهو لم يقم بتبييض الهواء
الملوّث كما يبيّض الملوَّثون أموالهم، بل ربّما كان إنسانا مرهف الذاكرة وأراد ان
يعالج رهافته الشعورية بالتجارة الحلال والحنون، فانكشفت له فكرة استثمار الهواء
كهدايا لهواة "النهفات" وعشّاق أو شداة الحنين. إنّ هذا الفرنسيّ، بكلّ
بساطة، "عرف فات " إلى التجارة من باب الحنين ومن باب
"النهفات". ومن قال إنّ التجارة لا تشغفها النهفات؟ ومن يعرف ما ينفقه
الناس، في العالم، على شراء النهفات أو
شراء ما نقول عنه في العاميّة شراء "ما لا طعم له"، أو"أكل هوا"
أو المبلغ الطائلة في سبيل "شمّ الهوا"؟ أشير إلى أنّ شخصاً آخر من "ويلز"
قام، بدوره، بتعبئة الهواء في أوعية زجاجيّة للتصدير الى أبناء ويلز المنتشرين في
الغربة.
حين رويت هذه
الحكاية على بعض من أعرف، لفت سمعي تعليق لا يخلو من طرافة متعدّدة الدلالات وهو:"
رزق الهبل على المجانين"!
بلال عبد الهادي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق