الخميس، 20 ديسمبر 2018

مقدّمة كتاب" لعنة بابل"



لا أظنّ أنّ هناك كاتباً لا يرغب في رؤية " بنات " أفكاره بين ضفّتي أو دفّتي كتاب. ويبدو أنّ الوقت قد حان لصدور كتابي الأوّل، وهو كتاب، كما سوف يلحظ القارىء، يلامس المسائل اللغويّة بنبرة شخصيّة. تجوال سريع في فهرس عناوين المقالات يبيّن كيفية تعاملي مع اللغة الملتحمة بحياة الناس اليوميّة. كنت قد قرأت، منذ زمن بعيد، عبارة لا يزال يرنّ صداها في ذهني، وأظنّ أنّها تعبّر عن طريقتي في تناول أشياء اللغة في هذا الكتاب إذ يُروى عن حكيم هنديّ جاءه سائل يريد أن يعرف سرّ الفلسفة، وكانت البساطة جزءاً من طبع الحكيم الهنديّ، فقال للسائل: "الفلسفة هي أن تحسن استخدام واو العطف". ومن يتأمّل المقالات الواردة في الكتاب سوف يلحظ ولعي الشخصيّ بهذه "الواو" العاطفة والواصلة بين عالمين، أليس من وظيفة الكتابة، إلى حدّ ما، تسليط الضوء على الصلات المتينة ولكن الخفيّة، أحياناً، بين الأشياء؟ هذا ما سعيت إلى القيام به في هذه المقالات بدءاً من المقال الأوّل "الماء إنْ حكى" الذي حاول أن يميط اللثام عن وجه الشبه المحذوف بين الماء واللغة العربيّة من خلال استنطاق بعض الوقائع اللغوية، مروراً بالعلاقة القائمة بين الكلام والطعام ( ألا يجمع بينهما اللسان؟) في مقال "الكرواسان" أو "المآكل اللغويّة" أو " مطبخ ابن الرومي" مثلاً، ووقوفاً عند أثر الكلام على توجية دفّة المنام والتحكّم بمعانيه، وانتهاءً بالكلام الذي يفيض من أصابع الأخرس وعينيه.

أعرف أنّ البعض قد يستعيذ بالله من شيطان اللغة، فكلمة "لغة" منفّرة، تذكّر بالـ"نحو" ومشقّات الإعراب، وألاعيب الفتحة والضمّة والكسرة بأفواه الناس، كان هذا البعض يلوح في خاطري وأنا أختار مواضيع مقالاتي. كنت، بيني وبين نفسي، أسعى إلى إيقاع من لا يحبّ اللغة في حبّ اللغة، - فأنا من المؤمنين بأنّ كره الإنسان للغته هو وليد سوء تفاهم لا أكثر ولا أقلّ- وأن أشير إلى أدواتها الكثيرة التي يمكن أن يستعملها الإنسان في حياته اللغويّة اليوميّة. لعلّ اللغة هي الشيء الوحيد الذي لا يفارقنا في يقظة أو منام. بها نحبّ، وبها نغضب، بها نحلم، وبها " نفشّ خلقنا"، فهي تبدو لي، أحياناً، كعصا موسى متعدّدة المآرب.

ثمّة أشخاص أحبّ أن أشير إلى دورهم في ولادة هذا الكتاب. أبدأ بالصديق طلال منجّد الذي اقترح عليّ، حين تولّى رئاسة تحرير جريدة " الرقيب" الطرابلسية عام 2004، أن أكتب عموداً أسبوعياً، فوافقت شاكراً له ثقته بكلماتي، واخترت عنوان " كلمة ونَصّ" للعمود، وأعطاني الحرّية في ممارسة هوايتي اللغويّة، فلقد قرّرت أنْ أتعامل مع تخصّصي في علم اللغة الحديث على أساس أنّه هواية حتّى أحافظ على علاقة حميمة مع اللغة، وكانت هذه المقالات نواة هذا الكتاب. وبعد سنة ونيّف انتقل عمودي الأسبوعيّ إلى جريدة " الإنشاء " الطرابلسيّة التي يرأس تحريرها الصديق مايز الأدهمي تحت عنوان " حكي جرايد"، وهو عمود لا أزال أكتبه لغاية اليوم، وهنا لا يسعني إلاّ أن أشكر الصديق مايز الأدهمي الذي كان يغريني بلمّ شمل مجموعة من المقالات ونشرها في كتاب. وأـختم بشكر رفيقة القلب والدرب سوسن الأبطح التي لا يمكن لكلماتي أن تنكر فضل عينيها.

لا أعرف ما هو المصير الذي ينتظر هذا الكتاب، فمصائر الكتب مثل مصائر الناس، لا يمكن لأحد أن يتنبّأ بالمسار الذي تبيّته لها الأقدار. أمنيتي، في أيّ حال، أنْ ينعم الكتاب برضى القرّاء ومحبّتهم، وأن يكون قد استطاع أنْ يقدّم لهم فكرة ولو بسيطة، أو خدمة ولو رمزيّة، أو لحظات من المتعة مع الأخبار التي تضمّنتها دفّتاه، وأن يكون قد أشار إلى الأبواب الخلفيّة الكثيرة التي يمكن أن ندخل منها إلى عالم اللغة الفاتن والبهيّ.


                                                               









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.