كتبهابلال عبد الهادي ، في 3 أيار 2012 الساعة: 15:38 م
ما يكتب على القناني والكاسات
والأقداح والأرطال والجامات
قرأتُ على كأسٍ لبعض الظرفاء:| إذا فكّرتُ خاطبني مـثـالُ | وإن أغفَيتُ نَبَهنـي خَـيالُ | |
| ولي حالٌ إذا ما الكأس طابت | لشاربها وللنَّـدمـان حـالُ |
| اشربْ على ذِكرهم إذ حيل دونهُمُ | عَيناك منهم على بالٍ إذا شربوا | |
| تدعو المُنى قُربهم والدار نازحةٌ | حتى يُناجيَهمْ قلبي وما قـرُبـوا |
| إذا لم يَمزُجِ الندمان كأسـي | جعلتُ مِزاجها ماء الجُفونِ | |
| وإن ضحكوا بكيْتُ وإن تغنّوا | أجبتُهُمُ بألـوان الـحَـنـينِ |
| اشربْ هنيئاً لا تخَفْ طائفـاً | قد آمن الطُّوّافَ أهلُ الطَّرَبْ |
| وما لبسَ العُشّاق ثوباً من الهوى | ولا أخلقوا إلاّ بقيّة ما أُبـلـي | |
| ولا شربوا كأساً من الحبّ حُلوةً | ولا مُرّةً إلاّ وشُربُهُمُ فَضلـي |
| يا باعث السُّكر من طرفٍ يُقلّبه | هاروتُ لا تسقني خمراً بكأسينِ | |
| ويا محَرِّكَ عينيه ليقـتـلـنـي | إني أخاف عليكَ العين من عيني |
| وقهوةٍ كوكبـهـا يَزهَـرُ | يفوح منها المِسكُ والعنبرُ | |
| يسقيكَها من كفّـه أحـورُ | كأنها من خدّه تُعـصـرُ |
| لا تحسبني أن طول الدهر غيّرني | بلْ زادني كلفاً يا أملحَ الـنـاسِ | |
| لم يَجرِ ذِكرُكِ في لهوٍ ولا طَرَبٍ | إلا مزَجْتُ بدمعي عنده كاسـي | |
| كم عاذِلٍ قد لحاني فيكِ قلتُ لـه | شلّت يمينُك هل بالحب من باسِ |
| إشربِ الكأس على صَرف الزمنْ | قلّ مـا دام سـرورٌ أو حَـزَنْ | |
| إنما كان لـمـثـلـي سَـكَـنٌ | من جميع الخلقِ طُرّاً فظَـعـنْ |
| إشربْ وسقِّ حبيبكَ الراحا | وبُحْ من الوجد بالذي باحا |
| إشربْ وسقِّ الحبيب يا ساقـي | وسقِّني فضلَ كأسه البـاقـي | |
| وسقّني فضل ما تخلّف في الكأ | س بعمدٍ بـغـير إشـفـاقِ |
| فديتُ من لم يزلْ على طَرَبٍ | يُدير بيني وبينه الـكـاسـا | |
| ألثمـنـي خـدّه وقـال: ألا | دونكَ ما قد منعتُه النـاسـا |
| إشربْ على وجه الغَزال | الأغْيد الحَسَـن الـدلال | |
| إشرب عليه وقُـلْ لـه: | يا غُلّ ألباب الـرجـالِ |
| فقلتُ لها: وقد أبديتُ سُكـري: | ألا رُدّي فؤاد المُـسـتـهـامِ | |
| فقالت: مَنْ? فقلت: أنا! فقالت: | متى ألقيتَ نفسك في الزحـام |
| أحسنُ من موقفٍ على طَلَلِ | كأسُ عُقار تجري على ثَمِلِ | |
| يُديرها أهـيفٌ بـه حَـوَرٌ | معتدِل الخَلْق راجحُ الكفَـلِ | |
| إذا تمشّى بها مُـصـفَّـقةً | رأيتَ فيها تَلَهُّبَ الشُّـعَـلِ |
| إشربْ هنيئاً في أتمّ النـعـيمْ | طاب لك العيش بطيب النديمْ |
| وكؤوسٍ كأنهنّ نُـجـومٌ | طالعاتٌ، بروجُها أيدينا | |
| طالعاتٌ مع السّقاة علينا | فإذا ما غَرَبْنَ يَغرُبْنَ فينا |
ما يكتب على أواني الفضة والذهب
ومدهون الصيني المُذهّب
قال العباس بن الفضل بن الربيع: حدثني أبي قال: رأيتُ على صينيّةٍ بين يَدَي المأمون مكتوباً فيها:| لا شيء أملحُ من أيّام مجلسنـا | إذ نجعلُ الرُّسل فيما بيننا الحَدَقا | |
| وإذا جوانحنا تُبـدي سـرائرنـا | وشكلُنا في الهوى تَلقاه متّفقـا | |
| ليتَ الوُشاة بنا والعاشقين لـنـا | في لُجّةِ البحر ماتوا كلُّهُم غَرَقا | |
| أو ليت من ذمّنا أو عابَ مجلسنا | شُبّت عليه ضِرام النار فاحترقا |
| من كان لا يزعمُني عاشقـاً | أحضرتُهُ أوضحَ بُـرهـانِ | |
| إني على رَطْلين أُسقاهـمـا | أروحُ في أثواب سَـكـرانِ | |
| وكنتُ لا أسكرُ من تـسـعةٍ | يتْبَعُهـا رَطْـلٌ ورَطْـلانِ | |
| فصار لي من غَمَرات الهوى | والسُّكر سُكرانِ عَجـيبـانِ |
وكتب بعض الظرفاء على صينيّة له صينيّ:
| حُثَّ الندامى بعاجل النُّخَب | وحُثّ كأسَ الندمان يا بأبي | |
| إنْ لم تُدِرْها والكأسُ مُترعةٌ | حتى تُميتَ الهُموم لمْ تَطِبِ |
| قد قُلتُ لما صبا بيَ اللعـب | وباكرتْني الشَّمول والطربُ |
| أصبحتُ يُشْبِهُني القضيبُ | وأنتَ يُشْبِهُكَ القضـيبُ | |
| غُصـنـــان إلاّ أنّ ذا | بالٍ وذا غُصنٍ رَطـيبُ |
| تعلّمتُ أنواع الرضى خوفَ سُخطه | وعلّمه حُبّي له كـيف يغـضـبُ | |
| ولي ألفُ وجهٍ قد عرفتُ طريقَـهُ | ولكنْ بلا قلبٍ إلـى أين أذهـبُ? |
| دلّ البكاء على عينـي فـأرّقـهـا | ظبيٌ يُطيل البكا من ظلّه فَـرَقـا | |
| لو مسّ غُصناً من الأغصان مُنجرِداً | لاخْضرّ في كفّه واستشعر الوَرَقا |
| قد يُدرك المُتأنّي بعض حاجتـه | وقد يكون مع المستعجِلِ الزَّلَلُ | |
| وربّما فات بعضَ القوم أمرهُـمُ | مع التأنّي وكان الحَزْم لو عَجِلوا |
| لا ذا ولا ذاك فـــي الإفـــراط أحـــمــــــدُهُ | وأحـمـدُ الأمـر مـا فـي الـفِـعــلِ يَعـــتـــدِلُ | |
| إفراطُ ذا في التأنّي فوتُ حاجته وليس يَعدمُ عَثراً دونها العَجَلُ |
| مُحتمِلٌ، حسبك لي، ساعةً | ذاكَ إذا أجهدكَ الـحَـرُّ | |
| غيرُكَ مني طالبٌ مثل ما | تطلُبُهُ يا أيهـا الـحُـرُّ |
| إنّ روحَ الحياة في | حركات المَراوحِ | |
| كم بَنانٍ لـطـيفةٍ | من ظِباءٍ سَوانـحِ | |
| حرّكتْها فنفّسـت | عن خدودٍ رواشِحِ |
| بينما الطيرُ في الهوى يتكفّـى | إذ سقيناهُ جُرعةَ الموت صِرفا | |
| ونزعْنا من القـرين قـرينـاً | وجعلنا هناك بالإلـفِ إلـفـا |
| لمّا رأيتُ الطير عالي المُرتقى | هيّأتُ قوساً يا لها وبُـنـدُقـا | |
| ثم غَدَونا إذ غَدَونـا حَـلَـقـاً | فلم يَحُمْ حتى هوى ممـزَّقـا |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق