الثلاثاء، 15 سبتمبر 2015

القائد الخالد وأنثى القمر

أنثى القمر الخلود رغبة إنسانيّة عصيّة الإنجاز. ولكن الخلود كان في متناول سيّدنا آدم لو لم توسوس له نفسه الاقتراب من الشجرة التي نهاه الله سبحانه وتعالى عنها. ولكنّ الإنسان، من يوم سيّدنا آدم، ولوع بالممنوع، فالمنع يولّد رغبة لا تقاوم في خرق الممنوعات، ومن هنا نبتت في نفس آدم تلك الرغبة من الاقتراب من الشجرة المحرّمة، وقطف حبّة التفاح، كان سعي آدم إلى الخلود هو وراء حرمانه من الخلود. ومن الدالّ أنْ يكون اسم الشجرة الفردوسيّة، بحسب ما ورد في القرآن الكريم ( يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) [سورة طه : 120] إنّ الشجرة تحمل من خلال تسميتها القرآنيّة كما نرى وظيفتين فتنتا آدم وأغرتاه بالمعصية، هما: الخلود والملك الدائم، فالخلود بلا ملك لا يبلى خلود لا طعم له.

لا تخلو حضارة، فيما أظنّ، من حكايات حول الرغبة الآدمية المستعرة في الخلود. ويأس الإنسان من الخلود لا يمنعه من السعي العبثيّ والحثيث عنه، هل الأهرامات غير صورة كنائيّة وحجريّة معبّرة عن تلك الرغبة المسعورة؟ فالاهرامات ليست اكثر من أضرحة مؤقتة في نظر الفراعنة المحنطين بانتظار العودة الى الحياة الأبدية. والتحنيط رغبة غير مكنونة عن السعي إلى ابقاء الجسد بمنأى عن عالم الفساد، ولا يزال التحنيط يداعب كثيراً من الأجساد، وكنت قد قرأت عن أناس مرضى يختارون الموت قبل أن يفتك بهم المرض ويطلبون الاحتفاظ بأجسادهم لقاء مبالغ ماليّة طائلة على أمل أن يتطوّر العلم ذات يوم ويصحّح الخلل الذي أصاب أجسادهم لتستعيد حياتهم المعلّقة سيرتها الأولى. 

  وفي الحضارة الصينية حكاية طاويّة طريفة لا تزال عالقة بأذهان كثير من الناس خاصّة أنها ارتبطت بعيد الحصاد عن امرأة تسكن في القمر بعد أن هربت من الأرض ولقد ساعدتها الآلهة على الوصول الى القمر واتخاذه مسكناً لها، والضوء التي نراه حين اكتمال بدر الدجى ليس أكثر من وجه تلك المرأة النورانيّة التي تطلّ من علوّها البهيّ إلى الأرض كلّما راودها الحنين إلى مسقط رأسها ولتطمئنّ إلى حياة الصينيين! ولكن كيف وصلت المرأة إلى القمر؟ وما السبب الذي دفعها إلى السكن في ذلك المكان الفضّي النائي؟ تقول الحكاية إنّ ملكاً من ملوك الصين القدامى ضرب به جنون العظمة حدّاً لا يطاق، وكان طاغية جبّاراً لا يرأف ولا يرحم، وأراد أن يخلّد وجوده ويستمرّ على قيد الحياة، فأرسل مجموعة من خاصّة بلاطه وبثّهم في أرجاء البلاد ليبحثوا عن إكسير الخلود ويؤتونه به. وبعد فترة من الزمن عاد أحد المبعوثين وهو يحمل في جعبته ذلك الإكسير السحريّ الذي يحمي الملك من الموت، وأخيراً سوف تتحقّق رغبة الملك، وسيهزأ بالموت العاجز عن خطف روحه. وهنا اغتاظ كلّ الناس حين علموا بخبر حصول الملك على إكسير الخلود، ما هذه " البلوى المصبّرة" التي حلّت عليهم؟ كان موت الملك حلم الشعب الذهبيّ. وراحوا يندبون حظّهم السرمديّ مع الشقاء، حتّى الملكة انصعقت من الخبر. فهي كانت بخلاف زوجها، ملكة محبّة لشعبها وتدرك مدى العذاب الذي يعانيه الناس. فالظلم قد يحتمل لعهد، لفترة من الزمن أمّا أن يتحوّل إلى ظلم مقيم فهو امرّ أمرّ من الجحيم ولا يحتمله آدميّ مهما أوتي من الصبر والطاقة على التحمّل.

قرّر الملك أن يشرب إكسير الخلود في اليوم التالي، أراد تحويل لحظة تحوّله من ملك فان إلى قائد خالد لا يتعتع عمره الزمان منعطفاً في تاريخ ملكه. وأخيراً صار حلم الملك في متناول الفم، انتهزت زوجته الفرصة وقرّرت التخلّص من هذا الشراب لتريح الناس من هذا الخلود القاتل، فتسلّلت إلى غرفته ليلاً لتسرق هذا الإكسير البغيض، ولكن الملك كان قد نقزه قلبه وشعر أنّه ارتكب هفوة باهظة الثمن بالابتعاد عن هذا الإكسير، فعاد لإحضارة ووضعه في مكان سرّي، فلاحظ امرأته وفي يدها تلك القارورة، فوثب إليها كالثور الهائج إلاّ أنّها أسرعت في التخلّص من القارورة بكرع كلّ فيها، فجنّ جنون الملك من زوجته التي قضت على آماله، فانقضّ عليها بكلّ ما أوتي من غضب، ومدّ يديه لخنقها، ولكن كان الإكسير قد بدأ يفعل فعله في الملكة، وبدأ جسدها في تلك اللحظة بالتحوّل إلى ما يشبه الأثير، وحلّق جسدها الهلاميّ إلى سقف القصر وانسلّ من مسامات السقف إلى الفضاء أمام ذهول الملك، وكانت الآلهة قد سارعت إلى تسهيل وصولها الى القمر.

ولقد انتشر خبر الإكسير كالنار في الهشيم، وعرف الناس بحكاية الملكة التي أنقذتهم من خلود الملك، ففرحوا بهذه النهاية السعيدة فرحاً عظيماً، وراحوا يرفعون صلاة الشكر إلى الملكة التي توارت عن الأنظار، بعد أن تيّقنوا أنّ الملك الجائر لن يبقى طول الدهر متسلّطاً على مصائرهم.

وما أكثر حكايات القمر!
بلال عبد الهادي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.