الخميس، 17 سبتمبر 2015

حشرة في أنف حاكم




من الطريف أن يبحث المرء في كتب التاريخ والأساطير والخرافات عن حكايات الأنوف وخصوصاً في هذا العصر الذي تزدهر فيه عمليّات جدع الأنوف.

والتاريخ مليء بالحكايات الأنفيّة، ومنها هذه الحكاية عن حاكم غيّرت حشرة مصير أنفه ومملكته وشعبه. تقول الحكاية إنّ حشرة دخلت فـي أنف أحد الحكّام واستقرّت فـي مكان يصعب الوصول إليه حتى كاد أن يجنّ. لم يستطع الحاكم التخلّص من الحشرة التي أقضّت مضجع عيشه فراح يقضي الوقت في الأوجاع ويتأمّل في المرآة ورم أنفه الذي كان يشمخ به من قبل. ويبدو أنّ الحشرة قضت نحبها في داخل أنفه الذي انقلب إلى ضريح لهذه الحشرة اللعينة، ولم تفلح كلّ عطساته الصاخبة في قذفها إلى الخارج واستدعى الأطباء الذين لم يوفّروا عبقريّاتهم لإنقاذ أنفه من الالتهاب القاتل ولم يجدوا، في الأخير، بدّاً من قطع أنفه لاستئصال الحشرة والالتهابات. ماذا؟ أيطيب لي عيش بلا أنف؟قال الحاكم. وأي قيمة لحياة مجدوعة تنعدم فيها الروائح حتى الكريه منها؟ أيّ نكهة لحياة بلا حاسّة الشمّ؟ لكنّ الأطبّاء قالوا له:لا حلّ إلاّ بجدعه.إنّ الالتهاب قد يقضي عليك إن لم تتخلّص من أنفك وبأسرع وقت. عرض دون جدوى مقايضة مملكته كلّها بأنفه إلاّ أنّه في الأخير أذعن، رغم أنفه، لجدع أنفه.

 عادت إلى الحاكم صحّته المجدوعة وقرّر العودة إلى ممارسة سلطانه والنظر فـي قضايا الناس، ولكن عندما دخل عليه أحد معاونيه لم يتمالك نفسه عن الضحك لشكل الحاكم المجدوع ممّا أثار حفيظة الحاكم فأمر على الفور أن يُجدع أنفه أيضاً.ولم تتوقّف المسألة عند هذا الحدّ إذ كلّما دخل أحدهم ولمح الحاكم منه مجرّد مشروع ابتسامة أمر بجدع أنفه حتى رئيس شعبة المخابرات لم ينج من الجدع رغم قوّة حجّته في الدفاع عن أرنبة أنفه إذ حاول إقناع سيّده بأنّه لو فقد أنفه فلن يستطيع أنْ (يشمشم) أخبار المدينة ورائحة نوايا الناس إلاّ أنّه وجد المصير نفسه بل حتى من تولّى  مهمّة جدع الأنوف لاقى المآل نفسه لمجرّد أن بدرت منه ملامح ابتسامة.

 وعندما نزل المجدوعون إلى الطرقات ضحك عليهم الناس، فصدرت الأوامر بجدع أنوفهم. وعندما ضحكت النساء على الرجال انسحبت الأوامر عليهن ولكنّهن أخذن، بعد زمن، يتكيّفنَ ويَمْهَرْنَ فـي تقطيع أنوفهنّ خصوصاً أنّه سُمح لهنّ بالإبقاء على قطعة صغيرة منه كحبّة العدس للزينة. وصدر أيضاً مرسوم من الحاكم بجدع أنف كلّ مولود يولد فـي هذه المدينة، ومعاقبة من تسوّل له نفسه مخالفة المرسوم.

وأصبحت المدينة بلا أنوف، لا تشمّ أو تزكم أو تعطس، وأصبح الشكل الطبيعيّ لإنسان هذه المدينة أن يكون بلا أنف. وأضحت معايير الجمال تقاس بمدى اختفاء الأنوف، وتجذّرت هذه الممارسة بحيث أصبحتْ جزءاً من تقاليدهم فلم يعد هناك من داعٍ لسنّ قوانين "جدعية" لأنّ الناس صاروا يخجلون من الاحتفاظ بأنوفهم خجلهم من عوراتهم لدرجة تخويف الصغار بأنّ من يرتكب خطأ سوف يعاقبه الله بإنبات أنف في وجهه الممسوح!

مرّت أجيال، ونسي الناس أنّهم كانوا مخلوقات أنفيّة. وحدث، ذات ولادة، ما يشبه المعجزة حين خرج طفل من رحم أمّه مجدوعاً خِلْقَةً فاستبشر الناس خيراً وعمّ التفاؤل أنحاء المدينة.

ذات يوم، دخل المدينة رجل غريب إلاّ أنّه لم يستطع أنْ يمكث أكثرَ من سويعات لأنّه أضحى أضحوكة لشذوذ خلقته ووجود أنف في وجهه ففرّ مذعوراً من المدينة خوفاً على أنفه من مغريات الإقامة في مدينة المجدوعين.

بلال عبد الهادي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.