الأربعاء، 9 سبتمبر 2015

خيّاطة في البيت الأبيض


Elizabeth Keckley


كلّ الناس يحلمون، الحلم كالهواء متاح للكلّ، ومباح بالعدل للكلّ. حتى الموتى يحلمون، قد يستغرب البعض كلامي على أحلام الموتى، ولكن العلماء يؤكدون ان للموتى مقدرة على الحلم، فلقد قرأت ان الميّت يمضي الدقائق السبع الأولى من موته في الأحلام، يسترجع ذكريات ماضيه كلّه، تتحوّل هذه الدقائق الى شريط من الذكريات. والدراسات الدماغيّة لا تزال في مطلع عمرها ولا يزال امامها الكثير لتعمله وهذا يعني ان الانسان تنتظره متَع لا تنتهي، وكشوفات علمية مذهلة لا تخطر ببال كثيرين من الناس.

في هذه المقالة سأتناول سيرة حياة حلم، ولا اقصد بالحلم ما نراه في المنام، وانّما الرغبات الذاتية التي يسعى المرء الى تحقيقها، ويحقّقها رغم انف صعوبات الطريق. لا اظنّ ان طريق الاحلام مفروشة بالسجّاد العجميّ الأحمر، كلّ الذين حققوا احلامهم يتحدثون عن العقبات الكأداء التي اعترضتهم، والاخفاقات التي كانت تطلّ برأسها من وقت إلى آخر، ولكنهم لا يتخلّون عن أحلامهم، يتعاملون معها كما تتعامل الأمّ مع وليدها. الأمومة تضحية وتفانٍ، وتحقيق الأحلام تضحية وتفان، ودفع تكاليف. الأحلام لا تتحقق بكبسة زرّ، كلّ النجاحات تتصبّب عرقاً، ليس هناك نجاح مجّانيّ.

وهنا سأحكي مقاطع من سيرة امرأة سوداء، ولدت في ظلّ العبودية، ولكنّها مكافحة انتزعت حرّيتها بيديها وحنكتها وإصرارها. اذكر هنا عبارة تحكي عن تفتيت الصخر بالإصرار والمثابرة، اليأس قد يطال بعض الناس، وهنا احكي عن استاذ قال لتلميذ له :" لو ذهبت كلّ يوم الى شجرة ضخمة للغاية ثم ضربتها خمس ضربات ببلطة حادة، ففي النهاية لا بد ان تسقط الشجرة، مهما كان حجمها". والأحلام تشبه طبخة على النار، لا تجعلها تحترق باستعجالك لإنضاجها، كثيرون يضعون أحلامهم على النار ولكنّهم لا يحسنون استعمال النار، لهذا لا يتلذّذون بمضغ طبخة أحلامهم. اللعب بالنار يتطلّب صبراً ومهارة.

المرأة التي سأتكّلم عنها كانت تجيد فنّ الطبخ، طبخ الأحلام. ولدت هذه المرأة واسمها اليزابيت كيكلي   Elizabeth Keckley (1818- 1907) ، قبل أن ينال الأسْود في اميركا حرّيته، ولكنها رفضت واقعها. تعلمت في فترة العبودية القراءة والكتابة والحياكة. انتقلت عائلة سيّدها التي نشأت فيها الى مدينة فيرجينا، وكانت في اواسط العشرينات من عمرها، حلمت بأن تصير سيّدة اعمال، حين اكتشفت في مدينة فيرجينا سيدات حرائر من لون بشرتها، رغبت في الحرية، كانت تحلم بالحريّة وتتابع تدرّبها على اتقان الحياكة على أمل أن تتقن حياكة مصيرها وحرّيتها. كانت واقعية جدّا، الأحلام تتطلّب الكثير من الواقعية كما كانت ترى، حلمت بالحرية ولكنها لم تتمرّد على حياة الإذلال التني تعيشها في بيت سيّدها، تحمّلت العذاب وحياة الرقيق. انتقلت العائلة بعد تسع سنوات الى مدينة سانت لويس في ولاية ميزوري. كانت في التاسعة والعشرين من العمر ولا تزال مستعبدة. كانت عائلة سيّدها تمرّ بأزمة اقتصادية عصيبة، ولكي تجني المال راحت تعمل في حياكة الالبسة لتعيل أفراد عائلة سيّدها، كانت تصنع الفساتين لنساء العائلة ولنساء الطبقة الراقية في المدينة.

بواسطة إبرتي، تقول، تمكنت من اطعام سبعة عشر شخصا لمدة عامين وخمسة اشهر، كانت الحرّية تحرّك مشاعرها، حين اقترحت على سيدها عتقها مقابل بدل مادّيّ صدّها بخشونة وطلب منها عدم فتح الحديث، الا انها لم تكن تنوي الاستسلام، الاستسلام كلمة حذفتها من معجم حياتها، ليست عنيدة ولكنّها لن تستسلم، العناد قصر النظر والاستسلام دمار ذاتيّ لكل أحلامها، عاودت الطلب مرّة ثانية بعد فترة من الوقت، وكانت حالة سيّدها الماديّة قد ازدادت سوءا، لم يكن جوابه هذه المرّة كما في المرّة السابقة، بل اقترح عليها ان تأخذ منه ربع دولار من الفضّة وتهرب الى الولاية الحرّة،  لكنها رفضت ان تكون حرّيتها مسروقة سرقة، تريد حرّية كاملة بالطرق القانونية المشروعة.

كانت حال العائلة يزداد سوءا فأذعن سيّدها لرغبتها وحدّد سعرها 1200 دولار، كان المبلغ في ذلك الزمان يكسر ظهر الأحرار فما بالك بالعبيد، ولكنّه كان سعرا بخساً في نظرها، الحريّة لا تقدّر بثمن، وهنا عرضت عليها النسوة التي كانت تخيط لهم مساعدتها واعطتها كل واحدة بحسب مستطاعها. لكن كيري اعتبرت الهبة قرضاً سرعان ما عملت على تسديده من عملها في الحياكة. كان الحرية التي نالتها في عام 1852  وهي في الرابعة واثلاثين من عمرها بمثابة جزء من حلمها وليس كلّ حلمها. كان الشطر الآخر من حلمها أن تصير سيّدة أعمال، فبدأت العمل في مجال الخياطة، وازداد طموحها، لم ترضى بأن تكون مجرّد خيّاطة عاديّة، ستكون إبرتها علامة فارقة، وهذا ما كان، كانت الأزياء تخرج من تحت يديها وتصير محطات في عالم الموضة. راحت تحلم بالدخول إلى البيت الأبيض من خرم إبرتها ومقصّها الساحر، أرادت أن تكون ملابس السيّدة الأولى زوجة الرئيس أبراهام لنكولن من تصميمها وصنعها.

كانت أفواه زبائنها مدخلها الى البيت الأبيض. كانت تفصّل أزياء لسيّدات الطبقة الراقية في المجتمع الأميركيّ، وانتقلت شهرتها من فم إلى فم حتّى وصل صدى انجازاتها الى مسامع سيّدة البيت الأبيض فاستدعتها، صار جسد السيدة الاولى فرصة ذهبيّة ومعرضاً حيّا لأزيائها التي تفتنّ في صنعها، وصارت فضلا عن ذلك، مستشارة الموضة الوحيدة لماري تود لينكولن، وموضع ثقتها. بعد اغتيال الرئيس لنكولن سئلت زوجته: ألا يوجد شخص ترغبين في تواجده الى جانبك في هذه المحنة؟ بلى، أجابت ماري تود لنكولن، ارسلوا لي اليزابيت كيكلي التي كانت تعتبرها سيّدةّالبيت الأبيض الصديقة الأقرب إلى قلبها، ومن سخرية الأقدار أن عائلة السيّدة الأولى كانت تعمل في تجارة العبيد والرقّ.

لقد حقّقت الأمة السوداء كلّ أحلامها، وكانت من الناشطات في جمعيات تساعد الفقراء السود الذين نالوا حريّتهم مؤخرا على الاندماج في مجتمع الاحرار عبر العمل.

اسم الخياطة السوداء اليزابيت كيكلي ليس نكرة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، كما انّ اسمها جزء من تاريخ الموضة في أميركا، وبإمكان من يرغب في قراءة سيرتها الذاتيّة العودة الى كتابها " Behind the Scenes, or, Thirty years a Slave, and Four Years in the White House.  / وراء الكواليس،  ثلاثون عاما من الرقيق، وأربع سنوات في البيت الابيض"، أو قراءة رواية الكاتبة ( Jennifer Chiaverini جنيفر شيافريني) التي نسجت من حياة تلك الأمة السوداء روايتها التاريخيّة Mrs Lincoln's Dressmaker / خّياطة  مدام لينكولن.

بلال عبد الهادي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.